الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠
لِلإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ لِمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوِ الْحَرَمِ.
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الإِْحْرَامَ مِنَ التَّنْعِيمِ أَفْضَل؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ (١) فَهُوَ أَفْضَل تَقْدِيمًا لِدَلاَلَةِ الْقَوْل عَلَى دَلاَلَةِ الْفِعْل.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ يَلِي الإِْحْرَامَ مِنَ التَّنْعِيمِ فِي الأَْفْضَلِيَّةِ الإِْحْرَامُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ: الإِْحْرَامُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ أَفْضَل، ثُمَّ مِنَ التَّنْعِيمِ ثُمَّ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَحْرَمَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ (٢) وَأَمَرَ عَائِشَةَ بِالاِعْتِمَارِ مِنَ التَّنْعِيمِ وَبَعْدَ إِحْرَامِهِ بِهَا بِذِي الْحُلَيْفَةِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ هَمَّ بِالدُّخُول إِلَيْهَا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْهَا، فَقَدَّمَ الشَّافِعِيُّ مَا فَعَلَهُ ﷺ ثُمَّ مَا أَمَرَ بِهِ ثُمَّ مَا هَمَّ بِهِ.
وَقَال أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ: التَّنْعِيمُ وَالْجِعْرَانَةُ مُتَسَاوِيَانِ، لاَ أَفْضَلِيَّةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الآْخَرِ، وَتَوْجِيهُهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ وُرُودُ الأَْثَرِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (٣) .
_________
(١) تقدم تخريجه ف١٨.
(٢) حديث: " أن النبي ﷺ أحرم من الجعرانة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٦٠٠) ومسلم (٢ / ٩١٦) من حديث أنس.
(٣) المسلك المتقسط ص٣٠٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٢، والمنهاج للنووي وشروحه ٢ / ٩٥، والمغني ٣ / ٢٥٩. وكشاف القناع ٢ / ٥١٦، والإنصاف ٤ / ٥٤، والفروع ٣ / ٣٧٩.
الإِْكْثَارُ مِنَ الْعُمْرَةِ:
٣١ - يُسْتَحَبُّ الإِْكْثَارُ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَلاَ يُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ) وَهُوَ قَوْل عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ ﵏ (١)، وَتَدُل لَهُمُ الأَْحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي فَضْل الْعُمْرَةِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا مُطْلَقَةٌ تَتَنَاوَل تَكْرَارَ الْعُمْرَةِ تَحُثُّ عَلَيْهِ.
وَفَصَّل ابْنُ قُدَامَةَ مَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ الإِْكْثَارُ فَقَال: قَال عَلِيٌّ ﵁ فِي كُل شَهْرٍ مَرَّةً، وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا حَمَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ، وَقَال عِكْرِمَةُ: يَعْتَمِرُ إِذَا أَمْكَنَ الْمُوسَى مِنْ شَعْرِهِ، وَقَال عَطَاءٌ: إِنْ شَاءَ اعْتَمَرَ فِي كُل شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ، وَقَال أَحْمَدُ: إِذَا اعْتَمَرَ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَفِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ يُمْكِنُ حَلْقُ الرَّأْسِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ: إِنْ قَدَرَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا أَحْبَبْتُ لَهُ ذَلِكَ (٣) .
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يُكْرَهُ تَكْرَارُ الْعُمْرَةِ
_________
(١) المسلك المتقسط ص٣٠٨، وشرح الرسالة ١ / ٤٢٨ والإيضاح ص٤٢١، والمغني ٣ / ٢٢٦.
(٢) المغني ٣ / ٢٢٦.
(٣) حاشية الهيثمي على الإيضاح ص٤٢١، والمجموع ٧ / ١٣٦.
فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَتُنْدَبُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمَرَّةِ لَكِنْ فِي عَامٍ آخَرَ.
وَالْمُرَادُ بِالتَّكْرَارِ فِي الْعَامِ السَّنَةُ الْهِجْرِيَّةُ، فَلَوِ اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ثُمَّ فِي الْمُحَرَّمِ لاَ يُكْرَهُ؛ لأَِنَّهُ اعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ.
وَمَحَل كَرَاهَةِ التَّكْرَارِ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ دُخُول مَكَّةَ مِنْ مَوْضِعٍ عَلَيْهِ فِيهِ إِحْرَامٌ، كَمَا لَوْ خَرَجَ مَعَ الْحَجِيجِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ؛ لأَِنَّ الإِْحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِهِ مَكْرُوهٌ.
وَقَدِ اسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُكَرِّرْهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ.
وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْل مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ جَوَازِ التَّكْرَارِ، بَل قَال ابْنُ حَبِيبٍ: لاَ بَأْسَ بِهَا فِي كُل شَهْرٍ مَرَّةً.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ لَوْ أَحْرَمَ بِثَانِيَةٍ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ إِجْمَاعًا، قَالَهُ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ (١) .
وَيَشْمَل اسْتِحْبَابُ الْعُمْرَةِ وَاسْتِحْبَابُ تَكْرَارِهَا أَشْهُرَ الْحَجِّ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ فِيهَا، وَفِي ذَلِكَ إِبْطَالٌ لِزَعْمِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ، بَل
_________
(١) شرح الرسالة وحاشية العدوي ١ / ٤٢٨.
إِنَّ عُمُرَاتِهِ ﷺ هِيَ أَرْبَعٌ - كَانَتْ كُلُّهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا ثَبَتَ عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلَّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلاَّ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِل فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مِنْ جِعْرَانَةَ حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ (١) .
وَدَرْءًا لِمَا قَدْ يُفْهَمُ مِنْ تَعَارُضٍ بَيْنَ هَذَا وَمَا سَبَقَ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: إِنَّ رَمَضَانَ أَفْضَل بِتَنْصِيصِهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَتَرْكُهُ لِذَلِكَ لاِقْتِرَانِهِ بِأَمْرٍ يَخُصُّهُ كَاشْتِغَالِهِ بِعِبَادَاتٍ أُخْرَى فِي رَمَضَانَ تَبَتُّلًا، وَأَنْ لاَ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِهِ، فَإِنَّهُ لَوِ اعْتَمَرَ فِيهِ لَخَرَجُوا مَعَهُ، وَلَقَدْ كَانَ بِهِمْ رَحِيمًا، وَقَدْ أَخْبَرَ فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ أَنَّ تَرْكَهُ لَهَا؛ لِئَلاَّ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ مَعَ مَحَبَّتِهِ لَهَا كَالْقِيَامِ بِهِمْ فِي رَمَضَانَ، وَمَحَبَّتِهِ لأَنْ يَسْقِيَ بِنَفْسِهِ مَعَ سُقَاةِ زَمْزَمَ ثُمَّ تَرَكَهُ كَيْ لاَ يَغْلِبَهُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِهِمْ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ ﵊ فِي السَّنَةِ إِلاَّ مَرَّةً.
وَمَا قَالَهُ الْكَمَال يَتَّفِقُ وَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ، مِنْ أَنَّ دَلاَلَةَ الْقَوْل مُقَدَّمَةٌ عَلَى
_________
(١) حديث أنس: " أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٦٠٠) ومسلم (٢ / ٩١٦) واللفظ لمسلم.
دَلاَلَةِ الْفِعْل (١) .
لَكِنِ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الاِعْتِمَارَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِلْمَكِّيِّ، وَالْمُقِيمِ بِهَا، وَلأَِهْل الْمَوَاقِيتِ وَمَنْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ، فَيُكْرَهُ لِهَؤُلاَءِ الاِعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَحُجُّونَ، فَيُصْبِحُونَ مُتَمَتِّعِينَ، وَيَلْزَمُهُمْ دَمُ جَزَاءٍ إِنْ فَعَلُوهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
أَمَّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلاَ حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُمْ يُجِيزُونَ لَهُمُ التَّمَتُّعَ، وَيُسْقِطُونَ عَنْهُمْ دَمَ التَّمَتُّعِ أَيْضًا (٢) .
(ر: تَمَتُّع ف ١١ ١٢)
. الإِْخْلاَل بِأَحْكَامِ الْعُمْرَةِ:
أَوَّلًا: تَرْكُ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْعُمْرَةِ بِمَانِعٍ قَاهِرٍ:
٣٢ - يُعْتَبَرُ الْمَنْعُ مِنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْعُمْرَةِ بِمَانِعٍ قَاهِرٍ إِحْصَارًا يُبِيحُ التَّحَلُّل مِنْ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ، وَيَتَفَاوَتُ اعْتِبَارُهُ إِحْصَارًا بِاخْتِلاَفِ الْمَذَاهِبِ فِي أَرْكَانِ الْعُمْرَةِ، وَفِيمَا يُعْتَبَرُ سَبَبًا لِلإِْحْصَارِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامٍ.
(انْظُرْ: إِحْصَار ف ١٢ - ٢٥)
ثَانِيًا: تَرْكُ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ قَاهِرٍ:
٣٣ - مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ أَرْكَانِ الْعُمْرَةِ كَالطَّوَافِ
_________
(١) فتح القدير ٢ / ٣٠٥ والقليوبي ٢ / ٩٢.
(٢) المسلك المتقسط ص١٢٤ - ١٢٥ و١٨٢ وما بعدها.
أَوِ السَّعْيِ - عِنْدَ الْقَائِل بِرُكْنِيَّتِهِ - فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ فَعَل حَرَامًا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الإِْتْيَانُ بِمَا تَرَكَهُ، وَيَظَل مُحْرِمًا يَجِبُ عَلَيْهِ اجْتِنَابُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ كُلِّهَا حَتَّى يَرْجِعَ وَيَأْتِيَ بِمَا تَرَكَهُ، وَلاَ تَفُوتُ عَلَيْهِ الْعُمْرَةُ أَبَدًا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لأَِرْكَانِهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ
. ثَالِثًا: فَسَادُ الْعُمْرَةِ:
٣٤ - لاَ تَفْسُدُ الْعُمْرَةُ بِتَرْكِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا، وَلاَ بِتَرْكِ وَاجِبٍ فِيهَا، إِلاَّ بِالْجِمَاعِ قَبْل التَّحَلُّل مِنْ إِحْرَامِهَا، عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ قَبْل أَنْ يُؤَدِّيَ رُكْنَ الْعُمْرَةِ - وَهُوَ الطَّوَافُ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ عِنْدَهُمْ - فَإِنَّهُ تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ، أَمَّا لَوْ وَقَعَ الْمُفْسِدُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلاَ تَفْسُدُ الْعُمْرَةُ؛ لأَِنَّهُ بِأَدَاءِ الرُّكْنِ أَمِنَ الْفَسَادَ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ إِنْ حَصَل قَبْل تَمَامِ سَعْيِهَا وَلَوْ بِشَوْطٍ فَسَدَتْ، أَمَّا لَوْ وَقَعَ بَعْدَ تَمَامِ السَّعْيِ قَبْل الْحَلْقِ فَلاَ تَفْسُدُ؛ لأَِنَّهُ بِالسَّعْيِ تَتِمُّ أَرْكَانُهَا، وَالْحَلْقُ مِنْ شُرُوطِ الْكَمَال عِنْدَهُمْ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِذَا حَصَل الْمُفْسِدُ قَبْل التَّحَلُّل مِنَ الْعُمْرَةِ فَسَدَتْ، وَالتَّحَلُّل يَحْصُل بِالْحَلْقِ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ، وَهُوَ رُكْنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَيَجِبُ فِي إِفْسَادِ الْعُمْرَةِ مَا يَجِبُ فِي إِفْسَادِ الْحَجِّ مِنَ الاِسْتِمْرَارِ فِيهَا، وَالْقَضَاءِ، وَالْفِدَاءِ.
٣٥ - وَاخْتَلَفُوا فِي فِدَاءِ إِفْسَادِ الْعُمْرَةِ: فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ شَاةٌ؛ لأَِنَّ الْعُمْرَةَ أَقَل رُتْبَةً مِنَ الْحَجِّ، فَخَفَّتْ جِنَايَتُهَا، فَوَجَبَتْ شَاةٌ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ قِيَاسًا عَلَى الْحَجِّ.
أَمَّا فِدَاءُ الْجِمَاعِ الَّذِي لاَ يُفْسِدُ الْعُمْرَةَ فَشَاةٌ فَقَطْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبَدَنَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (١) .
(ر: إِحْرَام ف ١٧٤ - ١٧٥)
رَابِعًا: تَرْكُ وَاجِبٍ فِي الْعُمْرَةِ:
٣٦ - مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا فِي الْعُمْرَةِ، كَالسَّعْيِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَفِي الْقَوْل الرَّاجِحِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَكَالْحَلْقِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِهَذَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ عِنْدَهُمْ
خَامِسًا: تَرْكُ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الْعُمْرَةِ:
٣٧ - تَارِكُ السُّنَّةِ يُحْرِمُ نَفْسَهُ الثَّوَابَ وَالْفَضْل الَّذِي أَعَدَّهُ اللَّهُ لِمَنْ أَتَى بِالسُّنَّةِ، وَصَرَّحَ
_________
(١) فتح القدير ٢ / ٢٤١، وحاشية العدوي ١ / ٤٨٦، والمجموع ٧ / ٣٨١ - ٣٨٢ وشرح المحلى ٢ / ١٣٦، والمغني ٣ / ٤٨٦ وغيرها.
الْحَنَفِيَّةُ فِي تَارِكِ السُّنَّةِ بِكَوْنِهِ مُسِيئًا، وَلاَ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ وَلاَ فِدَاءٌ.
أَدَاءُ الْعُمْرَةِ عَنِ الْغَيْرِ:
٣٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَدَاءُ الْعُمْرَةِ عَنِ الْغَيْرِ؛ لأَِنَّ الْعُمْرَةَ كَالْحَجِّ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَالِيَّةٌ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَدَاءُ الْعُمْرَةِ عَنِ الْغَيْرِ بِأَمْرِهِ؛ لأَِنَّ جَوَازَهَا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، وَالنِّيَابَةُ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِالأَْمْرِ، فَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَاعْتَمَرَ جَازَ؛ لأَِنَّهُ فَعَل مَا أُمِرَ بِهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ الاِسْتِنَابَةُ فِي الْعُمْرَةِ وَإِنْ وَقَعَتْ صَحَّتْ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي أَدَاءِ الْعُمْرَةِ عَنِ الْغَيْرِ إِذَا كَانَ مَيِّتًا أَوْ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهَا بِنَفْسِهِ، فَمَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ عُمْرَةٌ وَاجِبَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ بِأَنْ تَمَكَّنَ بَعْدَ اسْتِطَاعَتِهِ مِنْ فِعْلِهَا وَلَمْ يُؤَدِّهَا حَتَّى مَاتَ. وَجَبَ أَنْ تُؤَدَّى الْعُمْرَةُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلَوْ أَدَّاهَا عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ جَازَ وَلَوْ بِلاَ إِذْنٍ كَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ بِلاَ إِذْنٍ.
وَتَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي أَدَاءِ عُمْرَةِ التَّطَوُّعِ إِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهَا بِنَفْسِهِ، كَمَا فِي النِّيَابَةِ عَنِ الْمَيِّتِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْعُمْرَةُ عَنِ الْحَيِّ إِلاَّ بِإِذْنِهِ؛ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ، فَلَمْ تَجُزْ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، أَمَّا الْمَيِّتُ فَتَجُوزُ عَنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ (١) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢١٣، ٢١٤، منح الجليل ١ / ٤٤٩، مغني المحتاج ١ / ٤٦٨ وما بعدها، والمجموع ٧ / ١٢٠، المغني لابن قدامة ٣ / ٢٣٤.
عُمَرِيَّة
التَّعْرِيفُ:
١ - الْعُمَرِيَّةُ - وَيُعَبِّرُ عَنْهَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ " بِالْعُمَرِيَّتَيْنِ " لَهَا صُورَتَانِ لِمَسْأَلَةٍ فِي الْفَرَائِضِ، أَوْ هُمَا مَسْأَلَتَانِ اشْتُهِرَتَا بِهَذَا الاِسْمِ نِسْبَةً إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ لأَِنَّهُ أَوَّل مَنْ قَضَى فِيهِمَا، وَتُسَمَّيَانِ أَيْضًا: بِالْغَرَّاوَيْنِ تَشْبِيهًا بِالْكَوْكَبِ " الأَْغَرِّ " لِشُهْرَتِهِمَا وَبِالْغَرِيبَتَيْنِ؛ لأَِنَّهُمَا لاَ نَظِيرَ لَهُمَا (١) .
وَصُورَتَا الْمَسْأَلَتَيْنِ أَوِ الْمَسْأَلَةِ:
١) زَوْجٌ، وَأَبَوَانِ.
٢) أَوْ زَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعُمَرِيَّةِ:
٢ - نَصِيبُ الأُْمِّ فِي الْفُرُوضِ الْمُقَدَّرَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إِمَّا السُّدُسُ أَوِ الثُّلُثُ، فَتَأْخُذُ السُّدُسَ فِي حَالَتَيْنِ:
١) إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ، أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ.
٢) إِذَا كَانَ مَعَهَا عَدَدٌ مِنَ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ وَلَيْسَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ.
_________
(١) نهاية المحتاج ٦ / ١٩، إعلام الموقعين ١ / ٣٥٧.