الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠ الصفحة 51

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠

حَقُّ اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَى الرَّاهِنِ وَفَاءُ الدَّيْنِ لِلْمُرْتَهِنِ عِنْدَ الأَْجَل فَهَل لِلرَّاهِنِ أَنْ يَبِيعَ الشَّيْءَ الْمَرْهُونَ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْمَرْهُونِ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الرَّاهِنَ حِينَ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ الْمَرْهُونِ يُعْتَبَرُ كَالْمُوصِي حِينَ يُوصِي بِجَمِيعِ مَالِهِ، فَيَنْعَقِدُ تَصَرُّفُهُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ (٢) .

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ بَيْعَ الشَّيْءِ الْمَرْهُونِ بَاطِلٌ.

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل الرَّسُول ﷺ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (٣) وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّ فِي بَيْعِ الْمَرْهُونِ ضَرَرًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يُنَافِي حَقَّهُ، إِذْ أَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِالشَّيْءِ الْمَرْهُونِ، فَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فِيهِ إِضْرَارٌ بِهِ، وَالضَّرَرُ مَمْنُوعٌ وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ (٤) .

_________

(١) الفتاوى الهندية ٣ / ١١٠ - ١١١، حاشية الطحطاوي على الدر المختار ٣ / ٨٦، وشرح الزرقاني على خليل ٥ / ١٩.

(٢) الجوهرة النيرة على مختصر القدوري ١ / ٢٣٣ الطبعة الأولى بالمطبعة الخيرية.

(٣) حديث: " لا ضرر ولا ضرار ". أخرجه أحمد (٤ / ٣١٠ / ٢٨٦٧ ط. دار المعارف) من حديث ابن عباس. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.

(٤) نهاية المحتاج ٣ / ٣٨٨ والمهذب / ٣١٠ - ٣١٢ والمغني ٤ / ٤٤٦.

خَامِسًا - بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ:

٢٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ كَاخْتِلاَفِهِمْ فِي بَيْعِ الْمَرْهُونِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ إِلَى فَرِيقَيْنِ:

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْمُؤَجِّرِ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ لِغَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ يَقَعُ صَحِيحًا نَافِذًا مُعَلِّلِينَ قَوْلَهُمْ: بِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى الْعَيْنِ، وَحَقُّ الْمُسْتَأْجِرِ فِي الْمَنْفَعَةِ، فَالْبَيْعُ قَدْ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الإِْجَارَةِ؛ وَلأَِنَّ ضَرَرَ الْمُسْتَأْجِرِ مَمْنُوعٌ؛ لأَِنَّ الضَّرَرَ يَحْصُل فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي سَيَتَسَلَّمُهَا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ وَلَكِنَّهُ لَنْ يَتَسَلَّمَهَا إِلاَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَلَيْسَ فِي بَيْعِهَا إِبْطَالٌ لِحَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْمُسْتَأْجِرِ يَنْعَقِدُ صَحِيحًا مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَذَلِكَ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهِ كَيْ لاَ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ، وَحُجَّتُهُمْ قِيَاسُ بَيْعِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى بَيْعِ الْمَرْهُونِ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى الإِْجَازَةِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، كَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُرْتَهِنِ، وَتَعَلُّقُ حَقِّ الْغَيْرِ بِالْمَحَل يَمْنَعُ نَفَاذَ الْعَقْدِ

_________

(١) مواهب الجليل شرح مختصر سيدي خليل ٥ / ٤٠٨، وتحفة المحتاج ٦ / ١٩٩ لابن حجر طبعة بولاق، والإفصاح عن شرح معاني الصحاح ص٢٢٥ لأبي المظفر يحيى بن محمد الحنبلي - الطبعة الأولى سنة ١٣٤٧ بالمطبعة العلمية بحلب.

وَيَجْعَلُهُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ مَنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ (١) .

سَادِسًا - بَيْعُ الشَّرِيكِ حِصَّتَهُ الشَّائِعَةَ:

٢٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ بَيْعَ الشَّرِيكِ حِصَّتَهُ الشَّائِعَةَ بِدُونِ إِذْنِ شَرِيكِهِ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الشَّرِيكِ أَوِ الشُّرَكَاءِ الآْخَرِينَ (٢) .

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي حَائِطٍ فَلاَ يَبِعْ نَصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَى شَرِيكِهِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى حَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَى شَرِيكِهِ فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ. (٣)

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى إِلَى أَنَّ تَصَرُّفَ الشَّرِيكِ فِي الْحِصَّةِ الشَّائِعَةِ يَكُونُ بَاطِلًا، سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الْجُزْءُ قَلِيلًا أَمْ كَثِيرًا،

_________

(١) رد المحتار على الدر المختار ٤ / ١٤٥.

(٢) رد المحتار على الدر المختار ٤ / ١٤٦، وشرح الخرشي على مختصر خليل ٦ / ٤٥، ونهاية المحتاج ٥ / ٩ والمغني ٥ / ١٥٠.

(٣) حديث: " من كان له شريك في حائط فلا يبع نصيبه من ذلك. . . ". أخرجه أحمد (٣ / ٣٥٧ ط. الميمنية) والترمذي (٣ / ٥٩٤ ط. محمد الحلبي) . والحاكم (٢ / ٥٦ ط. دار المعارف العثمانية) من حديث جابر، وقال الذهبي: إسناده صحيح.

وَسَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا التَّصَرُّفُ بَيْعًا أَمْ هِبَةً (١) .

كَيْفِيَّةُ الإِْجَازَةِ فِي الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ:

٢٧ - الإِْجَازَةُ: الإِْنْفَاذُ وَالإِْمْضَاءُ، وَتَرِدُ الإِْجَازَةُ عَلَى الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ دُونَ النَّافِذِ وَالْبَاطِل، وَتَقَعُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ، سَوَاءٌ أَكَانَ أَصِيلًا أَمْ وَكِيلًا أَوْ وَلِيًّا أَمْ وَصِيًّا أَمْ قَيِّمًا، وَكَذَا كُل مَنْ يَتَوَقَّفُ التَّصَرُّفُ عَلَى إِذْنِهِ كَالشَّرِيكِ وَالْوَارِثِ وَالدَّائِنِينَ.

وَالأَْصْل فِي الإِْجَازَةِ أَنْ تَكُونَ بِالْقَوْل الْمُعَبِّرِ عَنْهَا بِنَحْوِ قَوْل الْمُجِيزِ: أَجَزْتُ أَوْ أَنَفَذْتُ أَوْ أَمْضَيْتُ أَوْ رَضِيتُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَتَكُونُ بِالْفِعْل: فِيمَا لَوْ أَخَذَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ الَّذِي لَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ فَأَجَّرَهُ أَوْ أَعَارَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ كَانَ الْمَبِيعُ دَارًا فَسَكَنَهَا فَكُل ذَلِكَ إِجَازَةٌ فِعْلِيَّةٌ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِجَازَةٌ) .

_________

(١) المغني لابن قدامة ٥ / ١٥٠.

عَقْرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْعَقْرُ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - لُغَةً الْجَرْحُ، يُقَال: عَقَرَ الْفَرَسَ وَالْبَعِيرَ بِالسَّيْفِ عَقْرًا: قَطَعَ قَوَائِمَهُ، وَأَصْل الْعَقْرِ ضَرْبُ قَوَائِمِ الْبَعِيرِ أَوِ الشَّاةِ بِالسَّيْفِ وَهُوَ قَائِمٌ، وَالْعَقْرُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْقَوَائِمِ، ثُمَّ جُعِل النَّحْرُ عَقْرًا؛ لأَِنَّ نَاحِرَ الإِْبِل يَعْقِرُهَا ثُمَّ يَنْحَرُهَا، وَالْعَقِيرَةُ: مَا عُقِرَ مِنْ صَيْدٍ أَوْ غَيْرِهِ (١) .

وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْوَارِدَيْنِ.

أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى الْجَرْحِ وَهُوَ الإِْصَابَةُ الْقَاتِلَةُ لِلْحَيَوَانِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ.

جَاءَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: الْعَقْرُ: جَرْحُ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ وَحْشِيًّا غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ إِلاَّ بِعُسْرٍ (٢) .

وَفِي الْبَدَائِعِ: الْجَرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ وَذَلِكَ فِي الصَّيْدِ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى الصَّيْدِ (٣) .

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير.

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ٤٣، والشرح الصغير ١ / ٣١٥ ط. الحلبي.

(٣) بدائع الصنائع ٥ / ٤٣.

وَالثَّانِي: بِمَعْنَى ضَرْبِ قَوَائِمِ الْحَيَوَانَاتِ (١) .

وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي عَقْرِ الدَّوَابِّ الْمَغْنُومَةِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - النَّحْرُ:

٢ - النَّحْرُ: مَوْضِعُ الْقِلاَدَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الطَّعْنِ فِي لَبَّةِ الْحَيَوَانِ، يُقَال: نَحَرَ الْبَعِيرَ يَنْحَرُهُ نَحْرًا.

فَالْعَقْرُ أَعَمُّ مِنَ النَّحْرِ.

ب - الْجَرْحُ:

٣ - الْجَرْحُ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْكَسْبِ وَعَلَى التَّأْثِيرِ فِي الشَّيْءِ بِالسِّلاَحِ وَيُطْلَقُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفِقْهِ عَلَى مَعْنَى الْعَقْرِ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْعَقْرِ.

ج - التَّذْكِيَةُ:

٤ - التَّذْكِيَةُ هِيَ السَّبَبُ الْمُوَصِّل لِحِل أَكْل الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ اخْتِيَارًا، فَالتَّذْكِيَةُ أَخَصُّ؛ لأَِنَّهَا تُسْتَعْمَل فِي الْحَيَوَانَاتِ الْمُبَاحَةِ الأَْكْل.

أَثَرُ الْعَقْرِ فِي حِل أَكْل لَحْمِ الْحَيَوَانِ:

لِلْعَقْرِ أَثَرٌ فِي حِل أَكْل لَحْمِ الْحَيَوَانِ، وَذَلِكَ فِي الْمَوَاضِعِ الآْتِيَةِ:

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٣٠.

أ - الأَْوَّل: الصَّيْدُ

٥ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَحِل أَكْلُهُ بِعَقْرِهِ فِي أَيِّ مَكَانٍ مِنْ بَدَنِهِ إِذَا تَوَافَرَتِ الشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّائِدِ وَلِلتَّسْمِيَةِ وَلآِلَةِ الصَّيْدِ.

وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى ﴿قُل أُحِل لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ . (١)

وَقَدْ رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَال: أَتَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنَّا بِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، وَالَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِل لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَال:. . . وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُل، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُل، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُل. (٢)

فَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ كَمَنْ أَمْسَكَ

_________

(١) سورة المائدة الآية / ٤.

(٢) حديث: " أما ما ذاكرت من أنك بأرض صيد، فما صدت بقوسك فاذكر اسم الله ثم كل. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٦١٢ ط السلفية) من حديث أبي ثعلبة مطولًا.

صَيْدًا بِحِبَالَةٍ وَصَارَ تَحْتَ يَدِهِ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ فَلاَ يُؤْكَل (١)

ب - الثَّانِي: مَا نَدَّ - نَفَرَ وَشَرَدَ - مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ:

٦ - مَا نَدَّ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِحَيْثُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا فَإِنَّهَا تَحِل بِالْعَقْرِ فِي أَيِّ مَكَانٍ؛ لأَِنَّهَا كَالصَّيْدِ غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ - وَذَلِكَ؛ لأَِنَّ الأَْصْل فِي حِل لَحْمِ الْحَيَوَانِ هُوَ الذَّبْحُ أَوِ النَّحْرُ، فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُصَارُ إِلَى الْبَدَل وَهُوَ الْعَقْرُ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ تَوَحَّشَ حَيَوَانٌ أَهْلِيٌّ أَوْ نَدَّ - نَفَرَ وَشَرَدَ - أَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ يَحِل أَكْلُهُ بِالْعَقْرِ فِي أَيِّ مَكَانٍ مِنْ جِسْمِهِ.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: هَذَا قَوْل أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ،

وَبِهِ قَال مَسْرُوقٌ وَالأَْسْوَدُ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَإِسْحَاقُ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالثَّوْرِيُّ، لِمَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَّدَ بَعِيرٌ وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ٤٣، والشرح الصغير ١ / ٣١٥ ط. الحلبي، والدسوقي ٢ / ١٠٣ ونهاية المحتاج ٨ / ١٠٥، ١٠٨، والمغني ٨ / ٥٣٩، ٥٥٩، ٥٧٣.

فَحَبَسَهُ اللَّهُ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ - أَيْ: نُفُورٌ - كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا، وَفِي لَفْظٍ: فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا. (١)

قَال ابْنُ قُدَامَةَ:؛ وَلأَِنَّ الاِعْتِبَارَ فِي الذَّكَاةِ بِحَال الْحَيَوَانِ وَقْتَ ذَبْحِهِ لاَ بِأَصْلِهِ، بِدَلِيل الْوَحْشِيِّ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ وَجَبَتْ تَذْكِيَتُهُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَكَذَلِكَ الأَْهْلِيُّ إِذَا تَوَحَّشَ يُعْتَبَرُ بِحَالِهِ فَإِذَا تَرَدَّى فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَذْكِيَتِهِ فَهُوَ مَعْجُوزٌ عَنْ تَذْكِيَتِهِ فَأَشْبَهَ الْوَحْشِيَّ (٢) .

قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَسَوَاءٌ نَدَّ الْبَعِيرُ أَوِ الْبَقَرُ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ فِي الْمِصْرِ فَذَكَاتُهَا الْعَقْرُ؛ لأَِنَّهُمَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا فَلاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِمَا، قَال مُحَمَّدٌ: وَالْبَعِيرُ الَّذِي نَدَّ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَدَل عَلَى أَنَّ نَدَّ الْبَعِيرِ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْمِصْرِ سَوَاءٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ.

قَال مُحَمَّدٌ: وَأَمَّا الشَّاةُ فَإِنْ نَدَّتْ فِي الصَّحْرَاءِ فَذَكَاتُهَا الْعَقْرُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُقْدَرُ عَلَيْهَا، وَإِنْ نَدَّتْ فِي الْمِصْرِ لَمْ يَجُزْ عَقْرُهَا؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ أَخْذُهَا إِذْ هِيَ لاَ تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا فَكَانَ

_________

(١) حديث: " إن لهذه البهائم. . ". أخرجه أحمد (فتح الباري ٥ / ١٣١ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٥٥٨ ط. الحلبي) من حديث رافع بن خديج، واللفظ الثاني أخرجه البخاري (٦ / ١٨٨) .

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ٤٣، والزيلعي ٥ / ٢٩٢ - ٢٩٣، ونهاية المحتاج ١٠٥ - ١٠٨، والمغني ٨ / ٥٦٦ - ٥٦٧

الذَّبْحُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ الْعَقْرُ، وَهَذَا؛ لأَِنَّ الْعَقْرَ خَلَفٌ عَنِ الذَّبْحِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الأَْصْل تَمْنَعُ الْمَصِيرَ إِلَى الْخَلَفِ (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: مَا نَدَّ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُسْتَأْنَسَةِ وَتَوَحَّشَ فَإِنَّهُ لاَ يَحِل بِالْعَقْرِ عَمَلًا بِالأَْصْل وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ هُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ إِنْ نَدَّ غَيْرُ الْبَقَرِ لَمْ يُؤْكَل بِالْعَقْرِ وَإِنْ نَدَّ الْبَقَرُ جَازَ أَكْلُهُ بِالْعَقْرِ؛ لأَِنَّ الْبَقَرَ لَهَا أَصْلٌ فِي التَّوَحُّشِ تَرْجِعُ إِلَيْهِ وَهُوَ شَبَهُهَا بِبَقَرِ الْوَحْشِ، وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ أَيْضًا، إِنْ تَرَدَّى حَيَوَانٌ فِي كُوَّةٍ وَأَصْبَحَ مَعْجُوزًا عَنْ ذَبْحِهِ فَإِنَّهُ يَحِل بِالْعَقْرِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بَقَرًا أَوْ غَيْرَهُ صِيَانَةً لِلأَْمْوَال (٢) .

وَأَلْحَقَ الْحَنَفِيَّةُ الصِّيَال بِالنَّدِّ، قَالُوا: إِذَا صَال الْبَعِيرُ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يُرِيدُ الذَّكَاةَ حَل أَكْلُهُ إِذَا كَانَ لاَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ؛ لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ لاَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ فَجُعِل الصِّيَال مِنْهُ كَنَدِّهِ؛ لأَِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ أَخْذِهِ فَيَعْجِزُ عَنْ نَحْرِهِ فَيُقَامُ الْجَرْحُ فِيهِ مَقَامَ النَّحْرِ (٣)

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (صِيَال) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ٤٣، والزيلعي ٥ / ٢٩٢، وفتح القدير ٨ / ٤١٦، نشر دار إحياء التراث.

(٢) الدسوقي ٢ / ١٠٣.

(٣) بدائع الصنائع ٥ / ٤٤، والزيلعي ٥ / ٢٩٣.