الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠ الصفحة 50

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠

الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَيَكُونُ الْوَكِيل مُخَالِفًا.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَكَالَة) .

ج - مُخَالَفَةُ الْوَكِيل الْمُقَيَّدِ بِالشِّرَاءِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ:

١٣ - إِذَا كَانَ الْقَيْدُ بِالشِّرَاءِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ فَمُخَالَفَةُ الْوَكِيل إِمَّا أَنْ تَكُونَ إِلَى خَيْرٍ أَوْ إِلَى شَرٍّ، فَإِنْ كَانَتْ مُخَالَفَةً إِلَى خَيْرٍ: كَأَنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ دُكَّانٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ فَاشْتَرَاهُ بِتِسْعِمِائَةٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.

وَأَمَّا إِذَا خَالَفَ الْوَكِيل إِلَى شَرٍّ: بِأَنِ اشْتَرَى الدَّارَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا الَّذِي عَيَّنَهُ الْمُوَكِّل فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِي الزِّيَادَةِ، فَإِذَا كَانَتْ قَلِيلَةً يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا عَادَةً فَإِنَّهَا تَلْزَمُ الْمُوَكِّل؛ لأَِنَّ مِثْل هَذِهِ الزِّيَادَةِ مُتَعَارَفٌ عَلَى وُقُوعِهَا.

وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، وَيَلْزَمُ الْوَكِيل الْمُشْتَرَى، وَيَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ كَثِيرَةً عَمَّا سَمَّاهُ لَهُ الْمُوَكِّل،

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٢٩.

وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَتِهِ، فَإِذَا قَبِل فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَإِلاَّ لَزِمَتِ الزِّيَادَةُ الْوَكِيل (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ (٢) .

وَلِلْحَنَابِلَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ رِوَايَتَانِ.

الأُْولَى: أَنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ صَحِيحًا؛ لأَِنَّهُ مُسْتَنِدٌ فِي أَصْلِهِ إِلَى إِذْنٍ صَحِيحٍ، فَيَلْزَمُ الْمُوَكِّل وَيَلْتَزِمُ الْوَكِيل بِالزَّائِدِ عَنِ الْمُسَمَّى.

وَالثَّانِيَةُ: يَبْطُل لِمُخَالَفَتِهِ صَرِيحَ الإِْذْنِ (٣) .

د - مُخَالَفَةُ الْوَكِيل الْمُقَيَّدِ بِالشِّرَاءِ فِي صِفَةِ الثَّمَنِ

١٤ - إِنْ كَانَ الْقَيْدُ فِي صِفَةِ الثَّمَنِ: كَأَنْ يُوَكِّل شَخْصٌ آخَرَ بِشِرَاءِ سَيَّارَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ نَسِيئَةً فَيَشْتَرِيهَا بِأَلْفٍ حَالَّةٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الشِّرَاءَ صَحِيحٌ وَيَلْزَمُ الْمُوَكِّل؛ لأَِنَّ مُخَالَفَةَ الْمُوَكِّل فِي الشِّرَاءِ صُورِيَّةٌ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ فِي الْمَعْنَى لاَ فِي الصُّورَةِ (٤) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الشِّرَاءَ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ الْمُوَكِّل إِلاَّ أَنْ يَرْضَى

_________

(١) المدونة الكبرى المجلد الرابع ٩ / ٢٤٥، وشرح الخرشي ٦ / ٧٣.

(٢) المهذب للشيرازي ١ / ٣٥٥.

(٣) المغني ٥ / ١٢٥، والقواعد لابن رجب ص٤٢٠.

(٤) بدائع الصنائع ٦ / ٢٩، وشرح الخرشي ٦ / ٧٥.

بِهِ، وَيَقَعُ لِلْوَكِيل عِنْدَ عَدَمِ الرِّضَا بِهِ (١) .

ثَانِيًا - مُخَالَفَةُ الْوَكِيل فِي الْبَيْعِ.

١٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُخَالَفَةِ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ حِينَ يَكُونُ مُقَيَّدًا عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مُخَالَفَةَ الْوَكِيل فِي الْبَيْعِ إِذَا كَانَتْ إِلَى خَيْرٍ، فَإِنَّ بَيْعَهُ صَحِيحٌ وَيَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّل، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ ثَوْبٍ حَرِيرٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ؛ لأَِنَّ الإِْذْنَ فِي هَذَا حَاصِلٌ دَلاَلَةً (٢) .

أَمَّا إِذَا تَصَرَّفَ الْوَكِيل خِلاَفًا لِمَا أَذِنَ لَهُ الْمُوَكِّل، كَأَنْ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ عَلَى الْحُلُول فَبَاعَ نَسِيئَةً، فَإِنَّ بَيْعَ الْوَكِيل هُنَا يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّل، فَإِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ عَلَيْهِ وَإِلاَّ فَعَلَى الْوَكِيل، وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَتَانِ فِي صِحَّتِهِ وَبُطْلاَنِهِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مُخَالَفَةُ الْوَكِيل فِي بَيْعٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ مِنْ قِبَل الْمُوَكِّل تُبْطِل بَيْعَ الْوَكِيل.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَكَالَة)

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الْوَصِيَّةُ بِمَال الْغَيْرِ.

١٦ - أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ انْعِقَادَ وَصِيَّةِ الْفُضُولِيِّ

_________

(١) المهذب ١ / ٣٥٣، ومغني المحتاج ٢ / ٢٢٩، والمغني ٥ / ١١١.

(٢) بدائع الصنائع ٦ / ٢٧، والمدونة الكبرى المجلد الرابع ١٠ / ٥١، وشرح الخرشي ٦ / ٧٤، والمغني والشرح الكبير ٥ / ٢٤٩.

بِمَال الْغَيْرِ مَوْقُوفَةً عَلَى الإِْجَازَةِ مِمَّنْ يَمْلِكُهَا، فَإِذَا أَجَازَهَا نَفَذَتْ وَإِذَا لَمْ يُجِزْهَا بَطَلَتْ (١) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَصِيَّة)

الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: هِبَةُ مَال الْغَيْرِ.

١٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هِبَةِ مَال الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِلَى فَرِيقَيْنِ:

الْفَرِيقِ الأَْوَّل: يَرَى فِي هِبَةِ مَال الْغَيْرِ أَنَّهَا تَنْعَقِدُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ أَوْ مَنْ لَهُ الْحَقُّ فِي الإِْجَازَةِ شَرْعًا، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ هِبَةَ الْفُضُولِيِّ لِمَال الْغَيْرِ تَصَرُّفٌ شَرْعِيٌّ صَادِرٌ مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لإِصْدَارِهِ مُضَافٌ إِلَى الْمَحَل، فَيَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَإِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ وَإِنْ رَدَّهُ بَطَل، يُضَافُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لاَ ضَرَرَ مِنَ انْعِقَادِ الْهِبَةِ مَوْقُوفَةً عَلَى الإِْجَازَةِ؛ لأَِنَّ الضَّرَرَ يَتَحَقَّقُ فِي انْعِقَادِهَا مِنَ الْفُضُولِيِّ نَافِذَةً لاَ مَوْقُوفَةً (٢) .

أَمَّا الْفَرِيقِ الثَّانِي: فَقَدْ ذَهَبَ إِلَى بُطْلاَنِ هِبَةِ مَال الْغَيْرِ، وَهَذَا قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ، وَاحْتَجُّوا عَلَى بُطْلاَنِ هِبَةِ مَال الْغَيْرِ بِالْقِيَاسِ، فَقَالُوا: هِبَةُ الْفُضُولِيِّ

_________

(١) البحر الرائق ٦ / ١٦٤.

(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١١٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٩١، الطبعة الثانية، وحاشية العدوي على الخرشي ٧ / ٧٩ ومغني المحتاج ٢ / ١٥.

لِمَال الْغَيْرِ كَبَيْعِهِ تَنْعَقِدُ بَاطِلَةً، فَكَمَا لاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ لاَ تَصِحُّ هِبَتُهُ (١) . وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (هِبَة)

الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ: وَقْفُ مَال الْغَيْرِ.

١٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَدِيمِ (٢) إِلَى أَنَّ الْفُضُولِيَّ إِذَا وَقَفَ مَال الْغَيْرِ تَوَقَّفَ نَفَاذُ هَذَا التَّصَرُّفِ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ فَإِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ وَإِنْ رَدَّهُ بَطَل، وَقَدِ احْتَجُّوا بِالْقِيَاسِ وَوَجْهُهُ أَنَّ وَقْفَ الْفُضُولِيِّ لِمَال الْغَيْرِ كَبَيْعِهِ، وَبِمَا أَنَّ بَيْعَهُ مَوْقُوفٌ فَوَقْفُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَكَذَلِكَ احْتَجُّوا بِأَنَّ الْوِلاَيَةَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَقِفُ مَال الْغَيْرِ شَرْطٌ فِي النَّفَاذِ لاَ فِي الاِنْعِقَادِ، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ وَقْفَ مَال الْغَيْرِ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى الإِْجَازَةِ مِمَّنْ يَمْلِكُهَا.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ إِلَى بُطْلاَنِ وَقْفِ الْفُضُولِيِّ مَال الْغَيْرِ (٣)، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْفُضُولِيَّ لَيْسَ لَهُ وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ، فَلاَ يَمْلِكُ إِنْشَاءَهُ.

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (وَقْف) .

_________

(١) حاشية الدسوقي ٤ / ٩١، ومغني المحتاج ٢ / ١٥.

(٢) أحكام الأوقاف للخصاف ص ١٢٩، وحاشية الدسوقي ٤ / ٧١، ومغني المحتاج ٢ / ١٥.

(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ٧١، ومغني المحتاج ٢ / ١٥.

التَّصَرُّفَاتُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ

: وَتَشْمَل مَا يَأْتِي.

أَوَّلًا: بَيْعُ الْمَدِينِ الْمُعْسِرِ إِذَا أَلْحَقَ ضَرَرًا بِالدَّائِنِينَ.

١٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَيْعِ الْمَدِينِ الْمُعْسِرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ إِذَا أَلْحَقَ ضَرَرًا بِالدَّائِنِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: إِنَّ بَيْعَهُ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الدَّائِنِينَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمَدِينِ يَمْنَعُ نَفَاذَ تَصَرُّفِهِ، وَالْمَنْعُ مِنَ النَّفَاذِ لاَ يَقْتَضِي الْبُطْلاَنَ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي وَقْفَ نَفَاذِ التَّصَرُّفِ عَلَى إِجَازَةِ الدَّائِنِينَ؛ لأَِنَّ الْحَجْرَ أَصْلًا مُقَرَّرٌ لِمَصْلَحَتِهِمْ، فَإِنْ أَجَازُوا تَصَرُّفَاتِ الْمَدِينِ نَفَذَتْ، وَإِنْ شَاءُوا رَدُّوهَا فَتَبْطُل.

؛ وَلأَِنَّ تَصَرُّفَ الْمَدِينِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَتَصَرُّفِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ الَّذِي عَلَيْهِ دُيُونٌ فِي صِحَّتِهِ، فَكُل تَصَرُّفٍ يَصْدُرُ مِنْهُمَا يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا غَيْرَ نَافِذٍ (٢)

_________

(١) حاشية الشلبي على الزيلعي ٥ / ١٩٠، حاشية الطحطاوي على الدر المختار ٤ / ٨٠، الشرح الكبير للدردير ٣ / ٢٦٥، الأم ٣ / ١٨٦، الطبعة الأولى ١٣٢١هـ.

(٢) المهذب للشيرازي ١ / ٣٢٨.

الْقَوْل الثَّانِي: إِنَّ بَيْعَ الْمَدِينِ الْمُعْسِرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ يَقَعُ بَاطِلًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَدِ اعْتَبَرُوا كُل تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ يَصْدُرُ مِنَ الْمَدِينِ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ بَاطِلًا فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْحَجْرَ يَقْتَضِي انْعِدَامَ أَثَرِ تَصَرُّفَاتِ الْمَدِينِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَهَذَا الاِنْعِدَامُ يُؤَدِّي إِلَى بُطْلاَنِ تَصَرُّفَاتِهِ مُحَافَظَةً عَلَى حُقُوقِ الدَّائِنِينَ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِأَعْيَانِ مَالِهِ فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهَا

ثَانِيًا - تَبَرُّعُ الْمَدِينِ الْمُعْسِرِ:

٢٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَبَرُّعَاتِ الْمَدِينِ الْمُعْسِرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ.

فَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا صَحَّ الْحَجْرُ بِالدَّيْنِ صَارَ الْمَحْجُورُ كَمَرِيضٍ عَلَيْهِ دُيُونُ الصِّحَّةِ، فَكُل تَصَرُّفٍ أَدَّى إِلَى إِبْطَال حَقِّ الْغُرَمَاءِ يُؤَثِّرُ فِيهِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ (٢) .

ثَالِثًا - تَصَرُّفُ الْوَصِيِّ فِي الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَنِ الثُّلُثِ وَالْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ:

٢١ - الْوَصِيَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِوَارِثٍ أَوْ لِغَيْرِ

_________

(١) المغني لابن قدامة ٤ / ٤٣٩ الطبعة الثالثة سنة ١٣٦٧هـ، والميزان للشعراني ٢ / ٧٤، ومغني المحتاج ٢ / ١٤٧ - ١٤٩.

(٢) رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين ٥ / ٩٩ المطبعة الأميرية ببولاق ١٣٢٦هـ.

وَارِثٍ، وَالْمُوصَى بِهِ قَدْ يَكُونُ فِي حُدُودِ الثُّلُثِ وَقَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْهُ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي:

أ - الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ:

٢٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ عَلَى قَوْلَيْنِ.

الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ تَنْعَقِدُ صَحِيحَةً مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهَا بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي نَفَذَتْ وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا بَطَلَتْ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَثَرٌ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ نَفَذَتْ فِي حَقِّ مَنْ أَجَازَهَا، وَبَطَلَتْ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُجِزْ.

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْل الرَّسُول ﷺ: لاَ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ. (١)

الْقَوْل الثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ

_________

(١) حديث: " لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة ". أخرجه الدارقطني (٤ / ١٥٢ ط. دار المحاسن) والبيهقي (٦ / ٢٦٣ ط. دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس وفيه عطاء الخرساني، وقال البيهقي: عطاء الخرساني لم يدرك ابن عباس ولم يره، أي أن الحديث منقطع.

الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ بَاطِلَةٌ مُطْلَقًا وَإِنْ أَجَازَهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ، إِلاَّ أَنْ يُعْطُوهُ عَطِيَّةً مُبْتَدَأَةً، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْل الرَّسُول ﷺ: لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ؛ وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ تُلْحِقُ الضَّرَرَ بِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ وَتُثِيرُ الْحَفِيظَةَ فِي نُفُوسِهِمْ وَقَدْ نَهَى الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ عَنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (١) .

ب - الْوَصِيَّةُ لِلأَْجْنَبِيِّ بِمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ.

٢٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ لِلأَْجْنَبِيِّ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: إِنَّ الْوَصِيَّةَ لِلأَْجْنَبِيِّ فِي الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ تَصِحُّ وَتَنْعَقِدُ، وَلَكِنَّهَا تَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ نَفَذَتْ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى إِجَازَةِ أَحَدٍ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَكَذَا الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَهُمَا (٢) .

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ حَقِّ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا أَسْقَطُوا هَذَا الْحَقَّ بِالإِْجَازَةِ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ وَلاَ يَبْطُل.

_________

(١) الآية ١٢ من سورة النساء، وشرح البناية في الهداية ١٠ / ٤١٣، وحاشية الدسوقي ٤ / ٤٢٧، وبداية المجتهد لابن رشد ٢ / ٣٦٤، ونهاية المحتاج ٦ / ٤٨، والمغني مع الشرح الكبير ٦ / ٤١٩.

(٢) تكملة فتح القدير ٨ / ٤٢٠، والبناية في شرح الهداية ١٠ / ٤٤٠، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٨٩، والمغني لابن قدامة ٦ / ١٣.

وَلاَ يُعْتَدُّ بِإِجَازَتِهِمْ حَال حَيَاةِ الْمُوصَى؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ قَبْل ثُبُوتِ الْحَقِّ، وَالْحَقُّ فِي الإِْجَازَةِ يَثْبُتُ لَهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا أَوْ يَرُدُّوا بَعْدَ وَفَاتِهِ.

الْقَوْل الثَّانِي: إِنَّ الْوَصِيَّةَ لِلأَْجْنَبِيِّ بِمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ تَقَعُ بَاطِلَةً، وَهَذَا قَوْل الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عِنْدَهُمَا (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَهَى سَعْدًا عَنِ التَّصَدُّقِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ (٢) وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (٣) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَرَدَّ الْوَارِثُ الْخَاصُّ الْمُطْلَقُ التَّصَرُّفِ الزِّيَادَةَ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ فِي الزَّائِدِ؛ لأَِنَّهُ حَقُّهُ.

أَمَّا إِذَا كَانَ الْوَارِثُ عَامًّا فَتَبْطُل الْوَصِيَّةُ فِي الزَّائِدِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ رَدٍّ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لِلْمُسْلِمِينَ فَلاَ مُجِيزَ (٤)

رَابِعًا - بَيْعُ الرَّاهِنِ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ:

٢٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَيْسَ لَهُ إِلاَّ

_________

(١) شرح الخرشي على مختصر خليل ٨ / ٢٠٦، ونهاية المحتاج ٦ / ٥٣، والمغني ٦ / ١٣.

(٢) حديث: " أن النبي ﷺ نهى سعدًا عن التصدق بما زاد عن الثلث ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٦٤. ط. السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٥٠ ط. عيسى الحلبي) من حديث سعد بن أبي وقاص.

(٣) الشرح الكبير ٤ / ٤٣٧، والمغني ٦ / ١٤٦.

(٤) نهاية المحتاج ٦ / ٥٣ - ٥٤.