الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠
الْقَدِيمِ، وَهُوَ إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّ الْعَقْدَ الْمَوْقُوفَ صَحِيحٌ، وَيَتَوَقَّفُ نَفَاذُهُ عَلَى إِجَازَةِ مَنْ لَهُ الإِْجَازَةُ (١) .
وَقَدِ اسْتَدَل هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ وَرِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ:
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَْرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْل اللَّهِ﴾ . (٤)
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذِهِ الآْيَاتِ: أَنَّ اللَّهَ ﷾ شَرَعَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالتِّجَارَةَ ابْتِغَاءَ الْفَضْل، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَ مِنَ الْمَالِكِ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ، وَبَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَ مِنَ الْوَكِيل فِي الاِبْتِدَاءِ، أَوْ بَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَتِ الإِْجَازَةُ مِنَ الْمَالِكِ فِي الاِنْتِهَاءِ، وَبَيْنَ وُجُودِ الرِّضَا فِي التِّجَارَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَيَجِبُ الْعَمَل بِإِطْلاَقِهَا إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ (٥) .
_________
(١) تبيين الحقائق ٤ / ١٠٢ - ١٠٣، والدسوقي ٣ / ١٠ - ١١ ط دار الفكر ومغني المحتاج ٢ / ١٥، والإنصاف ٤ / ٢٨٣.
(٢) سورة البقرة الآية / ٢٧٥.
(٣) سورة النساء الآية / ٢٩.
(٤) سورة الجمعة الآية / ١٠.
(٥) بدائع الصنائع ٥ / ١٤٨ - ١٤٩.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ فَجَاءَ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ. (١)
وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِعُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁ أَنْ يَشْتَرِيَ شَاةً، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي أَنْ يَبِيعَ مَا يَشْتَرِيهِ، فَيَكُونُ بَيْعًا فُضُولِيًّا، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُبْطِل الْعَقْدَ، بَل أَقَرَّهُ فَدَل عَلَى أَنَّ مِثْل هَذَا التَّصَرُّفِ صَحِيحٌ يُنْتِجُ آثَارَهُ بِالإِْقْرَارِ أَوِ الإِْجَازَةِ (٢) .
وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَقَدْ قَاسُوا التَّصَرُّفَ الْمَوْقُوفَ عَلَى وَصِيَّةِ الْمَدِينِ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ، كَبَيْعِ الْمَرْهُونِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ، وَعَلَى الْعَقْدِ الْمَشْرُوطِ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ مِنَ الْمَدِينِ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ لِمَالِهِ تَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ، فَالْوَصِيَّةُ تَصَرُّفٌ صَحِيحٌ وَلاَ حُكْمَ لَهُ فِي الْحَال، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ الْمَشْرُوطُ فِيهِ الْخِيَارُ تَصَرُّفٌ صَحِيحٌ وَلاَ حُكْمَ
_________
(١) حديث عروة البارقي: " أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح منه ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٦٣٢. ط السلفية) من حديث عروة
(٢) تبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ١٠٣، الطبعة الأولى، وفتح القدير ٥ / ٣٠٩ وما بعدها.
لَهُ فِي الْحَال حَتَّى يَتَحَقَّقَ كَمَال الرِّضَا بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (١) .
وَيَرَى فَرِيقٌ آخَرُ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ: أَنَّ الْعَقْدَ الْمَوْقُوفَ بَاطِلٌ وَلاَ يَصِحُّ بِالإِْجَازَةِ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى بُطْلاَنِ الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ طَلاَقَ إِلاَّ فِيمَا تَمْلِكُ، وَلاَ عِتْقَ إِلاَّ فِيمَا تَمْلِكُ، وَلاَ بَيْعَ إِلاَّ فِيمَا تَمْلِكُ، وَلاَ وَفَاءَ نَذْرٍ إِلاَّ فِيمَا تَمْلِكُ. (٣)
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ عَلَى الْبُطْلاَنِ بِأَنَّ الْفُضُولِيَّ أَحَدُ طَرْفَيِ الْبَيْعِ، فَلَمْ يَقِفِ الْبَيْعُ عَلَى الإِْجَازَةِ كَالْقَبُول؛ وَلأَِنَّهُ بَاعَ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ (٤) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعُ الْفُضُولِيِّ ف ٢ وَمَا بَعْدَهَا) .
_________
(١) الفروق للقرافي ٣ / ٤٤، والمجموع ٩ / ٢٦٢، والإنصاف ٤ / ٢٨٣.
(٢) المجموع ٩ / ٢٦١، والإنصاف ٤ / ٢٨٣.
(٣) حديث: " لا طلاق إلا فيما تملك. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٦٤٠ ط. عزت عبيد الدعاس) من حديث عبد الله بن عمرو قال البخاري: أصح شيء فيه وأشهره حديث عبد الله بن عمرو (التلخيص الحبير ٣ / ٢١١ ط شركة الطباعة الفنية) .
(٤) المجموع للنووي ٩ / ٢٦٣.
التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي يَسْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ:
أ - بَيْعُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَشِرَاؤُهُ:
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى بُطْلاَنِ تَصَرُّفَاتِ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ عِبَارَتَهُ مُلْغَاةٌ لاَ اعْتِدَادَ بِهَا شَرْعًا، فَلاَ تَصِحُّ بِهَا عِبَادَةٌ، وَلاَ تَجِبُ بِهَا عُقُوبَةٌ، وَلاَ يَنْعَقِدُ مَعَهَا بَيْعٌ أَوْ شِرَاءٌ، وَيَسْتَمِرُّ هَكَذَا حَتَّى يَبْلُغَ السَّابِعَةَ وَهُوَ سِنُّ التَّمْيِيزِ (١) .
أَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْعِقَادِ تَصَرُّفَاتِهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ إِلَى فَرِيقَيْنِ:
فَذَهَبَ الْفَرِيقُ الأَْوَّل، وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ تَصَرُّفَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ يَنْعَقِدُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيمَا أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ، وَإِلاَّ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ أَوِ الْوَصِيِّ.
وَذَهَبَ الْفَرِيقُ الثَّانِي وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ بَيْعَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَشِرَاءَهُ لاَ يَنْعَقِدُ أَيٌّ مِنْهُمَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ؛ لأَِنَّ شَرْطَ الْعَاقِدِ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ أَكَانَ بَائِعًا، أَمْ مُشْتَرِيًا هُوَ الرُّشْدُ (٢) .
_________
(١) مغني المحتاج للشربيني ١ / ١٣١، والمستصفى للغزالي ١ / ٥٤، وشرح الخرشي ٦ / ١٣١، التوضيح على التنقيح ٢ / ١٥٨، وكشف الأسرار ٤ / ١٣٦٨.
(٢) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج لمحمد بن أحمد الشربيني ٢ / ٧، والمغني ٤ / ٢٧٢.
ب: تَصَرُّفَاتُ السَّفِيهِ الْمَالِيَّةُ:
٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَصَرُّفَاتِ السَّفِيهِ الْمَالِيَّةِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالإِْجَارَةِ الَّتِي يَعْقِدُهَا.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ صَحِيحَةٌ وَتَنْعَقِدُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ وَلِيِّهِ، فَإِنْ أَجَازَهَا نَفَذَتْ وَإِلاَّ بَطَلَتْ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ (٢) إِلَى أَنَّ تَصَرُّفَاتِ السَّفِيهِ الْمَالِيَّةَ بَاطِلَةٌ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَل اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ (٣) وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذِهِ الآْيَةِ أَنَّ السَّفِيهَ مُبَذِّرٌ لِمَالِهِ وَمُتْلِفٌ لَهُ، فَيَجِبُ أَنْ يُمْنَعَ عَنْهُ مَالُهُ (٤) . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهَا صَحِيحَةٌ نَافِذَةٌ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَرَ الْحَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ أَصْلًا، فَهُوَ كَالرَّشِيدِ فِي سَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ (٥) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٧١، وكشف الأسرار ٤ / ١٤٩٣، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ١٨١، ومواهب الجليل ٥ / ٦٢، وشرح الخرشي ٥ / ٢٩٥، والمغني لابن قدامة ٤ / ٤٧٥.
(٢) نهاية المحتاج ٤ / ٣٥٤ مطبعة الحلبي، المغني لابن قدامة ٤ / ٤٧٥.
(٣) سورة النساء الآية / ٥.
(٤) نهاية المحتاج ٤ / ٣٥٤، والمغني لابن قدامة ٤ / ٤٧٥.
(٥) بدائع الصنائع ٧ / ١٧١، وكشف الأسرار ٤ / ١٤٩٣.
ج - تَصَرُّفُ ذِي الْغَفْلَةِ وَعُقُودُهُ:
٨ - ذُو الْغَفْلَةِ هُوَ: مَنْ يُغْبَنُ فِي الْبُيُوعِ لِسَلاَمَةِ قَلْبِهِ، وَلاَ يَهْتَدِي إِلَى التَّصَرُّفَاتِ الرَّابِحَةِ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ ذِي الْغَفْلَةِ إِلاَّ أَنَّ الْمَعْنَى عِنْدَهُمْ وَاحِدٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَصَرُّفَاتِ ذِي الْغَفْلَةِ وَعُقُودِهِ وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجْر ف ١٥)
د - تَصَرُّفَاتُ الْفُضُولِيِّ.
٩ - الْفُضُولِيُّ هُوَ: مَنْ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ شَرْعِيٍّ (١) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ الَّذِي يُوقِعُهُ الْفُضُولِيُّ لِلْمَالِكِ عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي.
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ تَصَرُّفَاتِهِ مُعْتَبَرَةٌ، وَأَنَّ عُقُودَهُ فِي حَالَتَيِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مُنْعَقِدَةٌ إِلاَّ أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ صَاحِبِ الشَّأْنِ، فَإِنْ أَجَازَهَا جَازَتْ وَنَفَذَتْ وَإِلاَّ بَطَلَتْ؛ لأَِنَّ الإِْجَازَةَ اللاَّحِقَةَ كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ (٢) .
_________
(١) تنوير الأبصار للتمرتاشي، وشرح الدر المختار للحصفكي ٢ / ٢٣٧.
(٢) تحفة الفقهاء ٢ / ٤٥.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى صِحَّةِ عَقْدِ الْفُضُولِيِّ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ كَذَلِكَ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ عَالِمٍ بِالْفُضُولِيَّةِ (١) .
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) وَبِحَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁ السَّابِقِ. وَبِأَنَّ الْفُضُولِيَّ كَامِل الأَْهْلِيَّةِ، فَإِعْمَال عَقْدِهِ أَوْلَى مِنْ إِهْمَالِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي الْعَقْدِ مَصْلَحَةٌ لِلْمَالِكِ وَلَيْسَ فِيهِ أَيُّ ضَرَرٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي مَذْهَبِهِ الْجَدِيدِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ تَصَرُّفَاتُ الْفُضُولِيِّ، فَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ وَشِرَاؤُهُ بَاطِلٌ مِنْ أَسَاسِهِ، وَلاَ يَنْعَقِدُ أَصْلًا فَلاَ تَلْحَقُهُ إِجَازَةُ صَاحِبِ الشَّأْنِ (٤) .
وَقَال ابْنُ رَجَبٍ: تَصَرُّفُ الْفُضُولِيِّ جَائِزٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الإِْجَازَةِ إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى التَّصَرُّفِ فِي مَال الْغَيْرِ أَوْ حَقِّهِ وَتَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُهُ إِمَّا لِلْجَهْل بِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْبَتِهِ وَمَشَقَّةِ انْتِظَارِهِ (٥) .
_________
(١) الفروق للقرافي ١ / ٢٤٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبيير ٣ / ١٢.
(٢) سورة المائدة الآية / ١.
(٣) سورة البقرة الآية: / ٢٧٥.
(٤) مغني المحتاج ٢ / ١٥، والمجموع ٩ / ٢٥٩.
(٥) الإنصاف للمرداوي ٤ / ٢٨٣، والقواعد لابن رجب ص٤١٧، ومطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ٣ / ١٨.
وَقَدِ اسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى بُطْلاَنِ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁: لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ (١) أَيْ: مَا لَيْسَ مَمْلُوكًا لِلْبَائِعِ وَذَلِكَ لِلْغَرَرِ النَّاشِئِ عَنْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَقْتَ الْعَقْدِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النِّزَاعِ (٢)؛ وَلأَِنَّ الْوِلاَيَةَ شَرْطٌ لاِنْعِقَادِ الْعَقْدِ
صُوَرُ عَقْدِ الْفُضُولِيِّ:
مِنْ صُوَرِ عَقْدِ الْفُضُولِيِّ مَا يَأْتِي:
الصُّورَةُ الأُْولَى: بَيْعُ الْغَاصِبِ:
١٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَيْعِ الْغَاصِبِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى صِحَّةِ عَقْدِ بَيْعِ الْغَاصِبِ وَنُفُوذِهِ بِالإِْجَازَةِ (٣) .
وَوُجْهَةُ نَظَرِهِمْ أَنَّ بَيْعَ الْغَاصِبِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ عَقْدًا فُضُولِيًّا تَوَفَّرَتْ فِيهِ جَمِيعُ الشُّرُوطِ الْمَطْلُوبَةِ لِلصِّحَّةِ، فَيَلْزَمُ الْقَوْل
_________
(١) حديث: " لا تبع ما ليس عندك " أخرجه أبو داود (٣ / ٧٦٩) والترمذي (٣ / ٥٢٥) وحسنه الترمذي.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ١٥، والمجموع ٩ / ٢٦٢، وكشاف القناع ٢ / ١١ - ١٢، والقواعد ص ٤١٧، ومطالب أولي النهى ٣ / ١٨، والمغني ٤ / ٢٠٦.
(٣) فتاوى الغزي ص١٩٢، وانظر الهداية ٣ / ٥١، والمبسوط ١١ / ٦١، وما بعدها، وبدائع الصنائع ٧ / ١٤٥، وروضة الطالبين ٣ / ٣٥٤، والخرشي ٦ / ١٤٦، والإنصاف ٣ / ٢٠٤.
بِصِحَّتِهِ وَنُفُوذِهِ إِذَا أَجَازَهُ الْمَالِكُ، وَيُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ السَّرَخْسِيُّ فَيَقُول: فَإِنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ مَا لَهُ مُجِيزٌ حَال وُقُوعِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الإِْجَازَةِ، وَأَنَّ الإِْجَازَةَ فِي الاِنْتِهَاءِ كَالإِْذْنِ فِي الاِبْتِدَاءِ، وَلَكِنَّ الشَّرْطَ لِتَمَامِ الْعَقْدِ بِالإِْجَازَةِ بَقَاءُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَالْمُجِيزُ وَذَلِكَ كُلُّهُ بَاقٍ هُنَا (١) .
وَقَال الْخَرَشِيُّ: إِنَّ الْغَاصِبَ أَوِ الْمُشْتَرِيَ مِنْهُ إِذَا بَاعَ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ فَإِنَّ لِلْمَالِكِ أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ الْبَيْعَ؛ لأَِنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ بَيْعُ فُضُولِيٍّ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَمْ لاَ، وَظَاهِرُهُ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ غَاصِبٌ أَمْ لاَ. (٢)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى بُطْلاَنِ بَيْعِ الْغَاصِبِ (٣) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعُ الْفُضُولِيِّ) .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: تَصَرُّفُ الْوَكِيل إِذَا تَجَاوَزَ حُدُودَ الْوَكَالَةِ.
أَوَّلًا - مُخَالَفَةُ الْوَكِيل فِي الشِّرَاءِ:
أ - مُخَالَفَةُ الْوَكِيل فِي جِنْسِ الْمُوَكَّل بِشِرَائِهِ.
١١ - إِذَا وَكَّل إِنْسَانٌ آخَرَ فِي شِرَاءِ ثَوْبٍ مِنَ
_________
(١) المبسوط ١١ / ٦١ - ٦٢.
(٢) شرح الخرشي ٦ / ١٤٦.
(٣) روضة الطالبين ٣ / ٣٥٣، والإنصاف ٦ / ٢٠٣.
الْقُطْنِ فَعَلَى الْوَكِيل أَنْ يَلْتَزِمَ بِمَا قَيَّدَهُ بِهِ مُوَكِّلُهُ وَلاَ يُخَالِفَهُ، فَإِنِ اشْتَرَى ثَوْبًا مِنْ صُوفٍ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ شِرَاءَ الْوَكِيل وَإِنْ خَالَفَ مُوَكِّلَهُ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّل، فَإِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ، وَإِلاَّ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ عَلَى الْوَكِيل.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ الشِّرَاءَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَاطِلٌ فِي حَقِّ الْمُوَكِّل وَيَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيل (١)
ب - مُخَالَفَةُ الْوَكِيل فِي جِنْسِ الثَّمَنِ.
١٢ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى بُطْلاَنِ شِرَاءِ الْوَكِيل؛ لأَِنَّ الْمُوَكِّل لَمْ يَأْذَنْ بِهِ
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ إِذَا اشْتَرَى بِغَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فُضُولِيًّا، فَإِنْ أَجَازَهُ الْمُوَكِّل نَفَذَ عَلَيْهِ وَإِلاَّ فَعَلَى الْوَكِيل (٢) .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْل ابْنِ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الشِّرَاءَ يَلْزَمُ الْمُوَكِّل؛؛ لأَِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ؛ وَلأَِنَّ الْوَكِيل مَأْذُونٌ بِالشِّرَاءِ عُرْفًا.
وَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ: أَنَّ الشِّرَاءَ لاَ يَلْزَمُ الْمُوَكِّل؛ لأَِنَّ
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ٢٩، وشرح الخرشي ٦ / ٧٣، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٧، والمغني ٥ / ١٠٧، ١٠٨.
(٢) المدونة الكبرى ٩ / ٥١.