الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠
أ - عَقْدٌ لاَزِمٌ يُقْصَدُ مِنْهُ الْعِوَضُ، وَهُوَ الْبَيْعُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارَانِ: خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ، كَالْبَيْعِ فِيمَا لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَالصُّلْحِ بِمَعْنَى الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ بِعِوَضٍ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالإِْجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ، نَحْوُ أَنْ يَقُول: اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَى أَنْ تَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ، فَهَذَا يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ، فَأَمَّا الإِْجَارَةُ الْمُعَيَّنَةُ، فَإِنْ كَانَتْ مُدَّتُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ دَخَلَهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ دُونَ خِيَارِ الشَّرْطِ؛ لأَِنَّ دُخُولَهُ يُفْضِي إِلَى فَوْتِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، أَوْ إِلَى اسْتِيفَائِهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَكِلاَهُمَا لاَ يَجُوزُ.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ، كَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَبَيْعِ مَال الرِّبَا بِجِنْسِهِ، فَلاَ يَدْخُلُهُ خِيَارُ الشَّرْطِ.
ب - عَقْدٌ لاَزِمٌ لاَ يُقْصَدُ بِهِ الْعِوَضُ كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ، فَلاَ يَثْبُتُ فِيهِمَا خِيَارٌ؛ لأَِنَّ الْخِيَارَ إِنَّمَا يَثْبُتُ لِمَعْرِفَةِ الْحَظِّ فِي كَوْنِ الْعِوَضِ جَائِزًا لِمَا يَذْهَبُ مِنْ مَالِهِ، وَالْعِوَضُ هُنَا لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ، وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ وَالْهِبَةُ؛ وَلأَِنَّ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ ضَرَرًا.
ج - عَقْدٌ لاَزِمٌ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ دُونَ الآْخَرِ، كَالرَّهْنِ لاَزِمٌ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَلاَ يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ؛ لأَِنَّ الْمُرْتَهِنَ
يَسْتَغْنِي بِالْجَوَازِ فِي حَقِّهِ عَنْ ثُبُوتِ خِيَارٍ آخَرَ، وَالرَّاهِنُ يَسْتَغْنِي بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ إِلَى أَنْ يَقْبِضَ، وَكَذَلِكَ الضَّامِنُ وَالْكَفِيل.
د - عَقْدٌ جَائِزٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْجَعَالَةِ وَالْوَكَالَةِ الْوَدِيعَةِ وَالْوَصِيَّةِ، فَهَذِهِ لاَ يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارٌ اسْتِغْنَاءً بِجَوَازِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ فَسْخِهَا بِأَصْل وَضْعِهَا.
هـ - عَقْدٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْجَوَازِ وَاللُّزُومِ كَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا جَائِزَانِ، فَلاَ يَدْخُلُهُمَا خِيَارٌ، وَقِيل: هُمَا لاَزِمَانِ، فَفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِيهِمَا وَجْهَانِ.
وعَقْدٌ لاَزِمٌ يَسْتَقِل بِهِ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، كَالْحَوَالَةِ، وَالأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَلاَ خِيَارَ فِيهِمَا؛ لأَِنَّ مَنْ لاَ يُعْتَبَرُ رِضَاهُ لاَ خِيَارَ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ لَمْ يَثْبُتْ فِي الآْخَرِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ (١) .
رَابِعًا - الْعُقُودُ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا الْقَبْضُ، وَالَّتِي لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا:
٤٧ - قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْعُقُودَ - بِاعْتِبَارِ اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِيهَا أَوْ عَدَمِهِ - إِلَى نَوْعَيْنِ:
٤٨ - الأَْوَّل: عُقُودٌ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا قَبْضُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ حِينَ الْعَقْدِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ عَقْدُ الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ،
_________
(١) المغني لابن قدامة ٣ / ٥٩٤، ٥٩٥.
وَالإِْجَارَةُ وَالنِّكَاحُ وَالْوَصِيَّةُ وَالْوَكَالَةُ وَالْحَوَالَةُ وَنَحْوُهَا، فَالْبَيْعُ مَثَلًا يَنْعَقِدُ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ: مِنَ انْتِقَال مِلْكِيَّةِ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي، وَمِلْكِيَّةِ الثَّمَنِ إِلَى الْبَائِعِ، سَوَاءٌ أَحَصَل التَّقَابُضُ بَيْنَهُمَا أَمْ لاَ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمِلْكَ وَإِنْ كَانَ يَنْتَقِل فِي الْبَيْعِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، لَكِنْ لاَ يَسْتَقِرُّ إِلاَّ بِالْقَبْضِ، كَالصَّدَاقِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ (١) .
وَالإِْجَارَةُ تَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا آثَارُهَا بِالْعَقْدِ دُونَ الْحَاجَةِ إِلَى الاِسْتِيفَاءِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٢)، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: لاَ يَمْلِكُ الْمُؤَجِّرُ الأُْجْرَةَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهَا بِالاِسْتِيفَاءِ، أَوِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ أَوْ بِالتَّعْجِيل، أَوْ بِشَرْطِ التَّعْجِيل، كَمَا لاَ يَمْلِكُ الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنَافِعَ بِالْعَقْدِ؛ لأَِنَّهَا تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهَا بِالاِسْتِيفَاءِ أَوْ يَوْمًا فَيَوْمًا (٣) .
وَالنِّكَاحُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبْضِ الصَّدَاقِ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ
_________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٤٧، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٢٨٢، والقواعد لابن رجب ص٧٤ - ٧٦.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٢١٨، ونهاية المحتاج ٥ / ١٦٤، والمغني لابن قدامة ٥ / ٤٤٣.
(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٤٨.
وَالْوَكَالَةُ وَالْحَوَالَةُ لاَ تَحْتَاجُ فِي انْعِقَادِهَا إِلَى قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
٤٩ - الثَّانِي: عُقُودٌ يُشْتَرَطُ فِيهَا قَبْضُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ حِينَ الْعَقْدِ.
وَهَذِهِ تَنْقَسِمُ إِلَى أَقْسَامٍ:
أ - عُقُودٍ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْقَبْضُ لِنَقْل الْمِلْكِيَّةِ، كَالْهِبَةِ وَالْقَرْضِ وَالْعَارِيَّةِ.
أَمَّا الْهِبَةُ - وَهِيَ تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ - فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ قَالُوا: لاَ تَنْتَقِل الْمِلْكِيَّةُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، بَل يَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى الْقَبْضِ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُشْتَرَطُ لاِنْتِقَال الْمِلْكِيَّةِ فِي عَقْدِ الْهِبَةِ الْقَبْضُ، بَل تَثْبُتُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مِلْكِيَّةُ الْمَوْهُوبِ بِالْعَقْدِ، وَعَلَى الْوَاهِبِ إِقْبَاضُهُ (٢) .
وَكَذَلِكَ الْقَرْضُ: فَالْجُمْهُورُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِنَقْل مِلْكِيَّتِهِ إِلَى الْمُقْتَرِضِ الْقَبْضُ (٣) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُقْتَرِضَ يَمْلِكُ
_________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٢٧٣، ومغني المحتاج ٢ / ٤٠٠، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣١٩، والقواعد لابن رجب ص٧١.
(٢) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٤ / ١٠١.
(٣) بدائع الصنائع ٧ / ١٣٩٦، مغني المحتاج ٢ / ١٢٠، وكشاف القناع ٣ / ٢٧٥.
الْقَرْضَ بِالْعَقْدِ، وَلاَ يَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى قَبْضِ الْعَيْنِ الْمُقْرَضَةِ (١) .
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِذَا هَلَكَتِ الْعَيْنُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْل الْقَبْضِ فَإِنَّ ضَمَانَهَا عَلَى الْمُقْرِضِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، بِنَاءً عَلَى بَقَاءِ الْمِلْكِيَّةِ لَدَيْهِ (٢) .
وَفِي عَقْدِ الْعَارِيَّةِ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ مِلْكَ الْمَنَافِعِ مِنَ الأَْمْوَال الْمُعَارَةِ لاَ تَنْتَقِل بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، بَل يَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى قَبْضِ الْمُعَارِ (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْعَارِيَّةَ إِبَاحَةُ الاِنْتِفَاعِ، فَلاَ تَنْتَقِل فِيهَا الْمَنَافِعُ أَصْلًا؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَمَلُّكُ مَنْفَعَةِ الْمُعَارِ بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يُقْبَصِ الْمُعَارُ. ر: (عَارِيَّةً) .
ب - عُقُودٍ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْقَبْضُ لِصِحَّتِهَا، كَالصَّرْفِ، وَبَيْعِ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ، وَالسَّلَمِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ.
أَمَّا عَقْدُ الصَّرْفِ - وَهُوَ بَيْعُ النَّقْدِ بِالنَّقْدِ - فَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ التَّقَابُضِ فِي الْبَدَلَيْنِ قَبْل التَّفَرُّقِ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلاَ تَشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى
_________
(١) الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ٣ / ٢٢٦.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) بدائع الصنائع ٦ / ٢١٤.
بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلاَ تَشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ. (١)
وَكَذَلِكَ بَيْعُ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِمَا فَيُشْتَرَطُ فِي بَيْعِهَا بِمِثْلِهَا التَّقَابُضُ (٢)، لِمَا وَرَدَ فِي الأَْحَادِيثِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ النَّسِيئَةِ فِي ذَلِكَ، مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ. (٣)
وَأَمَّا عَقْدُ السَّلَمِ - وَهُوَ: بَيْعُ الآْجِل بِالْعَاجِل - فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ قَبْضُ رَأْسِ الْمَال قَبْل الاِفْتِرَاقِ (٤)، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (٥)،
_________
(١) حديث: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٨٠) ومسلم (٣ / ١٢٠٨) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) بدائع الصنائع ٥ / ٢١٥، والقوانين الفقهية ص٢٧٥، وروضة الطالبين ٣ / ٣٧٩، وكشاف القناع ٣ / ٢١٧.
(٣) حديث: " الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٧٨) ومسلم (٣ / ١٢١٠) من حديث عمر بن الخطاب.
(٤) بدائع الصنائع للكاساني ٥ / ٢٠٢، ومغني المحتاج ٢ / ١٠٢، وكشاف القناع ٣ / ٣٩١.
(٥) حديث: " من أسلف في تمر. . . ". تقدم ف ٣٧.
وَالتَّسْلِيفُ هُوَ الإِْعْطَاءُ؛ وَلأَِنَّ الاِفْتِرَاقَ قَبْل قَبْضِ رَأْسِ الْمَال يُؤَدِّي إِلَى بَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، لِمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: عَدَمُ اشْتِرَاطِ قَبْضِ رَأْسِ الْمَال فِي السَّلَمِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَقَالُوا بِجَوَازِ تَأْخِيرِهِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةِ؛ لأَِنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ (١) .
وَأَمَّا الْمُضَارَبَةُ - وَهِيَ: إِعْطَاءُ مَالٍ لِلتِّجَارَةِ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنَ الرِّبْحِ - فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَال إِلَى الْعَامِل، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ قَبْضِ رَأْسِ الْمَال فِي صِحَّةِ الْمُضَارَبَةِ (٣) .
ر: (مُضَارَبَةٌ) .
وَفِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ - وَهُوَ: عَقْدٌ عَلَى دَفْعِ الشَّجَرِ وَالْكُرُومِ إِلَى مَنْ يُصْلِحُهَا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ ثَمَرِهَا - اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ عَلَى
_________
(١) مواهب الجليل ٤ / ٥١٤.
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ٨٤، ٨٥، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣ / ٥١٧، والمغني ٥ / ٢٥، ومغني المحتاج ٢ / ٣١٠.
(٣) المغني لابن قدامة ٥ / ٢٥.
مَالِكِ الأَْشْجَارِ تَسْلِيمَهَا إِلَى الْعَامِل لِيَتَعَهَّدَهَا، فَيُقْسَمُ مَا يَحْصُل مِنَ الثَّمَرِ بَيْنَهُمَا، فَلَوْ شَرَطَ كَوْنَهَا فِي يَدِ الْمَالِكِ أَوْ مُشَارَكَتَهُ فِي الْيَدِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لِعَدَمِ حُصُول التَّسْلِيمِ (١) .
ر: (مُسَاقَاة) .
وَكَذَلِكَ اشْتَرَطَ مَنْ قَال بِجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ تَسْلِيمَ الأَْرْضِ إِلَى الْعَامِل، حَتَّى لَوِ اشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ الْعَمَل عَلَى رَبِّ الأَْرْضِ أَوْ شَرَطَ عَمَلَهُمَا مَعًا لاَ تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ لاِنْعِدَامِ التَّخْلِيَةِ، عِلْمًا بِأَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ لاَ يَقُولُونَ بِجَوَازِ هَذَا الْعَقْدِ أَصْلًا (٢) .
وَلِتَفْصِيل الْمَسْأَلَةِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (مُزَارَعَة) .
ج - عُقُودٍ يُشْتَرَطُ لِلُزُومِهَا الْقَبْضُ: كَالْهِبَةِ وَالرَّهْنِ، فَقَدْ صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: بِأَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ لاَ يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول قَبْل الْقَبْضِ، فَيَكُونُ لِلْوَاهِبِ حَقُّ الرُّجُوعِ مَا دَامَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَمْ يَقْبِضْ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ قَالُوا بِعَدَمِ لُزُومِ الْهِبَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ أَيْضًا، فَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِيهَا إِلاَّ فِي حَالاَتٍ خَاصَّةٍ (٣) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٦، والمادة (١٤٤٥) من مجلة الأحكام العدلية، وروضة الطالبين ٥ / ١٥٥.
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٧.
(٣) بدائع الصنائع ٦ / ١٢٣ - ١٢٧، مغني المحتاج ٢ / ٤٠١، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٣.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْقَبْضِ إِلاَّ فِي حَالاَتٍ خَاصَّةٍ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (هِبَة) .
وَأَمَّا الرَّهْنُ: فَقَدِ اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي لُزُومِهِ الْقَبْضَ، فَيَبْطُل عَقْدُ الرَّهْنِ بِرُجُوعِ الرَّاهِنِ عَنِ الرَّهْنِ بِالْقَوْل أَوْ بِتَصَرُّفٍ يُزِيل الْمِلْكَ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (رَهْن ف ٢١) .
خَامِسًا: عُقُودُ الْمُعَاوَضَةِ وَعُقُودُ التَّبَرُّعِ:
٥٠ - قَسَّمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْعَقْدَ مِنْ حَيْثُ وُجُودُ الْعِوَضِ وَعَدَمُ الْعِوَضِ فِيهِ إِلَى نَوْعَيْنِ: عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ، وَعُقُودِ التَّبَرُّعِ.
فَمِنَ النَّوْعِ الأَْوَّل: عَقْدُ الْبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ مِنَ الْمُقَايَضَةِ وَالسَّلَمِ وَالصَّرْفِ، وَعَقْدُ الإِْجَارَةِ وَالاِسْتِصْنَاعِ، وَالصُّلْحِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ، وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالشَّرِكَةِ وَنَحْوِهَا.
وَمِنَ النَّوْعِ الثَّانِي: عَقْدُ الْهِبَةِ، وَالْعَارِيَّةِ، الْوَدِيعَةِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالْكَفَالَةِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَدِينِ، وَالرَّهْنِ، وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا.
وَمِنْ آثَارِ هَذَا التَّقْسِيمِ مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ اعْتُبِرَ الْعِوَضُ فِي عَقْدٍ مِنَ
_________
(١) الدسوقي مع الشرح الكبير ٤ / ١٠١، وما بعدها.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٠٨، ومغني المحتاج ٢ / ١٢٨، والمغني ٤ / ٣٦٦.
الطَّرَفَيْنِ - أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا - فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَعِوَضِ الأُْجْرَةِ وَنَحْوِهِمَا، إِلاَّ فِي الصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ، فَإِنَّ الْجَهَالَةَ فِيهِ لاَ تُبْطِلُهُ؛ لأَِنَّ لَهُ مَرَدًّا مَعْلُومًا، وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْل، وَقَدْ يَكُونُ الْعِوَضُ فِي حُكْمِ الْمَجْهُول، كَالْعِوَضِ فِي الْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ، وَهُنَاكَ عُقُودٌ يُكْتَفَى فِيهَا بِالْعِلْمِ الطَّارِئِ بِالْعِوَضِ، كَالشَّرِكَةِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ بِقَدْرِ النِّسْبَتَيْنِ فِي الْمَال الْمُخْتَلِطِ، مِنْ كَوْنِهِ مُنَاصَفَةً أَوْ مُثَالَثَةً فِي الأَْصَحِّ إِذَا أَمْكَنَ مَعْرِفَتُهُ مِنْ بَعْدُ، وَعُقُودٌ أُخْرَى لاَ يُكْتَفَى فِيهَا بِالْعِلْمِ، كَالْقِرَاضِ، وَالْقَرْضِ، وَهَل تَكْفِي مُعَايَنَةُ الْحَاضِرِ عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ؟ تَخْتَلِفُ الْعُقُودُ حَسْبَ طَبِيعَتِهَا، فَفِي بَعْضِ الْعُقُودِ تَكْفِي مُعَايَنَةُ الْبَعْضِ كَالْبَيْعِ، وَفِي بَعْضِهَا لاَ تَكْفِي كَمَا فِي الْقِرَاضِ (١) .
وَأَمَّا عُقُودُ التَّبَرُّعِ:؛ فَلأَِنَّهُ لاَ عِوَضَ فِيهَا يُغْتَفَرُ فِيهَا الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ الْيَسِيرَةُ؛ لأَِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْيُسْرِ وَالتَّوْسِعَةِ (٢) .
وَهُنَاكَ عُقُودٌ تُعْتَبَرُ تَبَرُّعًا فِي الاِبْتِدَاءِ لَكِنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فِي الاِنْتِهَاءِ كَعَقْدِ الْقَرْضِ، فَإِنَّ الْمُقْرِضَ مُتَبَرِّعٌ عِنْدَ الإِْقْرَاضِ لَكِنَّهُ عِنْدَ رُجُوعِهِ
_________
(١) المنثور للزركشي ٢ / ٤٠٣، ٤٠٤، والقواعد لابن رجب ص ٧٤.
(٢) الفروق للقرافي ١ / ١٥١.