الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠ الصفحة 45

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠

ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (١) .

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (سَلَم) .

هَذَا فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ.

٣٨ - أَمَّا عُقُودُ التَّبَرُّعِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ كَوْنِ الْمَحَل مَجْهُولًا، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا يَأْتِي:

١ - عَقْدُ الْهِبَةِ.

٣٩ - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَوْهُوبِ - وَهُوَ مَحَل عَقْدِ الْهِبَةِ - أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَمُعَيَّنًا، قَال الْحَصْكَفِيُّ: شَرَائِطُ صِحَّةِ الْهِبَةِ فِي الْمَوْهُوبِ: أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا، غَيْرَ مُشَاعٍ، مُمَيَّزًا، غَيْرَ مَشْغُولٍ، فَلاَ تَصِحُّ هِبَةُ لَبَنٍ فِي ضَرْعٍ، وَصُوفٍ عَلَى غَنَمٍ، وَنَخْلٍ فِي أَرْضٍ، وَتَمْرٍ فِي نَخْلٍ (٢) .

وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: كُل مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ تَجُوزُ هِبَتُهُ، وَكُل مَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ لاَ تَجُوزُ هِبَتُهُ، كَمَجْهُولٍ وَمَغْصُوبٍ لِغَيْرِ قَادِرٍ عَلَى انْتِزَاعِهِ، وَضَالٍّ وَآبِقٍ (٣) .

_________

(١) حديث: " من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٢٩) ومسلم (٣ / ١٢٢٧) من حديث ابن عباس واللفظ لمسلم.

(٢) الدر المختار بهامش ابن عابدين ٤ / ٥٠٨، ٥١١.

(٣) مغني المحتاج ٢ / ٣٩٩.

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ تَوَسَّعُوا فِيهَا، فَأَجَازُوا هِبَةَ الْمَجْهُول وَالْمُشَاعِ، جَاءَ فِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: أَنَّ شَرْطَ الشَّيْءِ الْمُعْطَى أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَقْبَل النَّقْل فِي الْجُمْلَةِ، فَيَشْمَل الأَْشْيَاءَ الْمَجْهُولَةَ (١) .

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (هِبَة)

٢ - عَقْدُ الْوَصِيَّةِ.

٤٠ - تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُوصِي بِجُزْءٍ أَوْ سَهْمٍ مِنْ مَالِهِ وَلَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ الْبَيَانُ إِلَى الْوَرَثَةِ؛ لأَِنَّهُ مَجْهُولٌ يَتَنَاوَل الْقَلِيل وَالْكَثِيرَ، وَالْوَصِيَّةُ لاَ تَمْتَنِعُ بِالْجَهَالَةِ (٢) .

وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ الْوَصِيَّةَ بِالْحَمْل إِنْ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمُوصِي، وَالْغَرَرُ وَالْخَطَرُ لاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ عِنْدَهُمْ (٣)

كَمَا أَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ الْوَصِيَّةَ بِالْمَجْهُول، كَالْحَمْل الْمَوْجُودِ فِي الْبَطْنِ مُنْفَرِدًا عَنْ أُمِّهِ أَوْ مَعَهَا، وَكَالْوَصِيَّةِ بِاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ (٤) .

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (وَصِيَّة) .

٤١ - هَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي فُرُوقِهِ الْفَرْقَ

_________

(١) الفواكه الدواني ٢ / ٢١٦.

(٢) رد المحتار ٥ / ٤٢٩.

(٣) المغني ٥ / ٥٨٣، ٥٨٤.

(٤) مغني المحتاج ٣ / ٤٤.

بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْجَهَالاَتُ وَمَا لاَ تُؤَثِّرُ فِيهِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ فَقَال: وَرَدَتِ الأَْحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي نَهْيِهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَعَنْ بَيْعِ الْمَجْهُول، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَمِنْهُمْ مَنْ عَمَّمَهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ - وَهُوَ الشَّافِعِيُّ - فَمَنَعَ مِنَ الْجَهَالَةِ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالإِْبْرَاءِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَل - وَهُوَ مَالِكٌ - بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُجْتَنَبُ فِيهِ الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ، وَهُوَ بَابُ الْمُمَاكَسَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِتَنْمِيَةِ الأَْمْوَال مَا يُقْصَدُ بِهِ تَحْصِيلُهَا، وَقَاعِدَةِ مَا لاَ يُجْتَنَبُ فِيهِ الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ وَهُوَ مَا لاَ يُقْصَدُ لِذَلِكَ، وَانْقَسَمَتِ التَّصَرُّفَاتُ عِنْدَهُ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ: طَرَفَانِ وَوَاسِطَةٌ، فَالطَّرَفَانِ أَحَدُهُمَا: مُعَاوَضَةٌ صِرْفَةٌ فَيُجْتَنَبُ فِيهَا ذَلِكَ إِلاَّ مَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ. . . وَثَانِيهِمَا: مَا هُوَ إِحْسَانٌ صِرْفٌ لاَ يُقْصَدُ بِهِ تَنْمِيَةُ الْمَال كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالإِْبْرَاءِ.

فَفِي الْقِسْمِ الأَْوَّل: إِذَا فَاتَ بِالْغَرَرِ وَالْجَهَالاَتِ ضَاعَ الْمَال الْمَبْذُول فِي مُقَابَلَتِهِ فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ مَنْعَ الْجَهَالَةِ فِيهِ، أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي - أَيِ: الإِْحْسَانُ الصِّرْفُ - فَلاَ ضَرَرَ فِيهِ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ وَحَثُّهُ عَلَى الإِْحْسَانِ التَّوْسِعَةَ فِيهِ بِكُل طَرِيقٍ، بِالْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُول فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْسَرُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ قَطْعًا، وَفِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إِلَى تَقْلِيلِهِ فَإِذَا وَهَبَ

لَهُ عَبْدَهُ الآْبِقَ جَازَ أَنْ يَجِدَهُ فَيَحْصُل لَهُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَلاَ ضَرَرَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَبْذُل شَيْئًا، وَهَذَا فِقْهٌ جَمِيلٌ (١) .

ثُمَّ قَال: وَأَمَّا الْوَاسِطَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ فَهُوَ النِّكَاحُ، فَهُوَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَال فِيهِ لَيْسَ مَقْصُودًا، وَإِنَّمَا مَقْصِدُهُ الْمَوَدَّةُ وَالأُْلْفَةُ وَالسُّكُونُ، يَقْتَضِي أَنْ يَجُوزَ فِيهِ الْجَهَالَةُ وَالْغَرَرُ مُطْلَقًا، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ اشْتَرَطَ فِيهِ الْمَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٢)، يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ فِيهِ، فَلِوُجُودِ الشَّبَهَيْنِ تَوَسَّطَ مَالِكٌ فَجَوَّزَ فِيهِ الْغَرَرَ الْقَلِيل دُونَ الْكَثِيرِ، نَحْوَ عَبْدٍ مِنْ غَيْرِ تَعَيُّنٍ، وَشُورَةِ (أَثَاثِ) بَيْتٍ، وَلاَ يَجُوزُ عَلَى الْعَبْدِ الآْبِقِ، وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ (٣)

د - الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ.

٤٢ - يُشْتَرَطُ فِي مَحَل الْعَقْدِ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ، وَهَذَا الشَّرْطُ مَحَل اتِّفَاقٍ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ فِي الْجُمْلَةِ، فَالْحَيَوَانُ الضَّال الشَّارِدُ وَنَحْوُهُ لاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِعَقْدِ الْبَيْعِ أَوِ الإِْجَارَةِ أَوِ الصُّلْحِ أَوْ نَحْوِهَا، وَكَذَلِكَ الدَّارُ الْمَغْصُوبَةُ مِنْ غَيْرِ غَاصِبِهَا، أَوِ الأَْرْضُ أَوْ أَيْ شَيْءٍ آخَرُ تَحْتَ يَدِ الْعَدُوِّ.

_________

(١) الفروق ١ / ١٥٠، ١٥١ مع تصرف يسير.

(٢) سورة النساء / ٢٤.

(٣) الفروق ١ / ١٥٠ - ١٥١.

قَال الْكَاسَانِيُّ: مِنْ شُرُوطِ الْمَبِيعِ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ عِنْدَ الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ مَعْجُوزَ التَّسْلِيمِ عِنْدَهُ لاَ يَنْعَقِدُ، وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ كَبَيْعِ الآْبِقِ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول إِلاَّ إِذَا تَرَاضَيَا فَيَكُونُ بَيْعًا مُبْتَدَأً بِالتَّعَاطِي (١) .

وَقَال فِي شُرُوطِ الْمُسْتَأْجَرِ: مِنْ شُرُوطِهِ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورَ الاِسْتِيفَاءِ حَقِيقَةً وَشَرْعًا؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ لاَ يَقَعُ وَسِيلَةً إِلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِدُونِهِ، فَلاَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الآْبِقِ، وَلاَ إِجَارَةُ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ (٢) .

وَفِي الْمَنْثُورِ لِلزَّرْكَشِيِّ: مِنْ حُكْمِ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ فِي الْحَال، وَالْجَائِزُ قَدْ لاَ يَكُونُ كَذَلِكَ كَالْجَعَالَةِ تُعْقَدُ عَلَى رَدِّ الآْبِقِ (٣) .

وَقَال النَّوَوِيُّ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الْمَبِيعِ: الثَّالِثُ: إِمْكَانُ تَسْلِيمِهِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الضَّال وَالآْبِقِ وَالْمَغْصُوبِ، وَعَلَّلَهُ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ بِقَوْلِهِ: لِلْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ ذَلِكَ حَالًا (٤) .

وَمِثْلُهُ مَا فِي كُتُبِ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ (٥) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٤٧.

(٢) بدائع الصنائع ٤ / ١٨٧.

(٣) المنثور للزركشي ٢ / ٤٠٠ وما بعدها.

(٤) مغني المحتاج ٢ / ١٢.

(٥) الحطاب وبهامشه المواق ٤ / ٢٦٨، وكشاف القناع ٣ / ١٦٢.

أَمَّا فِي عُقُودِ التَّبَرُّعِ فَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ هِبَةَ الآْبِقِ وَالْحَيَوَانِ الشَّارِدِ، مَعَ أَنَّهُمَا غَيْرُ مَقْدُورَيِ التَّسْلِيمِ حِينَ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّهُ إِحْسَانٌ صِرْفٍ، فَإِذَا وَجَدَهُ وَتَسَلَّمَهُ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ، وَإِلاَّ لاَ يَتَضَرَّرُ كَمَا قَال الْقَرَافِيُّ، وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ الْوَصِيَّةَ فِيمَا يَعْجِزُ عَنْ تَسْلِيمِهِ (١) وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ فِي عُقُودِ التَّبَرُّعِ: لاَ غَرَرَ فِي تَعَلُّقِهَا بِالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ وَمَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَمَا لاَ يَقْدِرُ (٢) .

تَقْسِيمَاتُ الْعُقُودِ.

٤٣ - قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْعُقُودَ بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَبَيَّنُوا خَوَاصَّهَا وَأَحْكَامَهَا الْفِقْهِيَّةَ بِحَيْثُ تَشْمَل مَجْمُوعَةً مِنَ الْعُقُودِ، وَتُمَيِّزُهَا عَنْ مَجْمُوعَةٍ أُخْرَى، وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ هَذِهِ التَّقْسِيمَاتِ:

أَوَّلًا - الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ وَالْعُقُودُ غَيْرُ الْمَالِيَّةِ:

٤٤ - الْعَقْدُ إِذَا وَقَعَ عَلَى عَيْنٍ مِنَ الأَْعْيَانِ يُسَمَّى عَقْدًا مَالِيًّا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، سَوَاءٌ أَكَانَ نَقْل مِلْكِيَّتِهَا بِعِوَضٍ، كَالْبَيْعِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ مِنَ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَالْمُقَايَضَةِ وَنَحْوِهَا أَمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، كَالْهِبَةِ وَالْقَرْضِ وَالْوَصِيَّةِ بِالأَْعْيَانِ وَنَحْوِهَا، أَوْ بِعَمَلٍ فِيهَا، كَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَنَحْوِهَا.

_________

(١) الفروق ١ / ١٥٠، ١٥١، ومغني المحتاج ٢ / ٤٤.

(٢) إعلام الموقعين ٢ / ٢٨.

أَمَّا إِذَا وَقَعَ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ دُونَ مُقَابِلٍ كَالْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ، وَالْوِصَايَةِ، أَوِ الْكَفِّ عَنْ عَمَلٍ مُعَيَّنٍ كَعَقْدِ الْهُدْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْل الْحَرْبِ؛ فَهُوَ عَقْدٌ غَيْرُ مَالِيٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.

وَهُنَاكَ عُقُودٌ تُعْتَبَرُ مَالِيَّةً مِنْ جَانِبٍ، وَغَيْرَ مَالِيَّةٍ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ كَعَقْدِ النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنِ الدَّمِ وَعَقْدِ الْجِزْيَةِ وَنَحْوِهَا.

وَاخْتَلَفُوا فِي الْعُقُودِ الَّتِي تَقَعُ عَلَى الْمَنَافِعِ، كَالإِْجَارَةِ، وَالإِْعَارَةِ وَنَحْوِهِمَا، فَالْجُمْهُورُ يَعْتَبِرُهَا مِنَ الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْمَنَافِعَ أَمْوَالٌ عِنْدَهُمْ أَوْ فِي حُكْمِ الأَْمْوَال خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ، حَيْثُ إِنَّ الْمَنَافِعَ لاَ تُعْتَبَرُ أَمْوَالًا عِنْدَهُمْ (١) .

قَال الزَّرْكَشِيُّ: الْعَقْدُ إِمَّا مَالِيٌّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ حَقِيقَةً كَالْبَيْعِ وَالسَّلَمِ، أَوْ حُكْمًا كَالإِْجَارَةِ، فَإِنَّ الْمَنَافِعَ تُنَزَّل مَنْزِل الأَْمْوَال، وَمِثْلُهُ الْمُضَارَبَةُ وَالْمُسَاقَاةُ.

أَوْ غَيْرُ مَالِيٍّ مِنَ الْجَانِبَيْنِ كَمَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ، إِذِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الطَّرَفَيْنِ كَفُّ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنِ الإِْغْرَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْل الْحَرْبِ، وَكَعَقْدِ الْقَضَاءِ.

أَوْ مَالِيٌّ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنِ الدَّمِ وَالْجِزْيَةِ. وَغَيْرُ الْمَالِيِّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَشَدُّ لُزُومًا مِنَ الْمَالِيِّ فِيهِمَا، إِذْ يَجُوزُ فِي الْمَالِيِّ فَسْخُهُ بِعَيْبٍ فِي الْعِوَضِ كَالثَّمَنِ

_________

(١) مرشد الحيران المواد ٢٦٣ - ٢٦٦.

وَالْمُثَمَّنِ، كَمَا فِي خِيَارِ الْعَيْبِ، وَغَيْرُ الْمَالِيِّ لاَ يُفْسَخُ أَصْلًا إِلاَّ لِحُدُوثِ مَا يَمْنَعُ الدَّوَامَ.

وَيَنْقَسِمُ الْمَالِيُّ إِلَى مَحْضٍ وَغَيْرِهِ، فَيَقُولُونَ: مُعَاوَضَةٌ مَحْضَةٌ وَغَيْرُ مَحْضَةٍ، فَالْمَحْضَةُ: يَكُونُ الْمَال فِيهَا مَقْصُودًا مِنَ الْجَانِبَيْنِ (كَالْبَيْعِ) . وَالْمُعَاوَضَةُ غَيْرُ الْمَحْضَةِ: لاَ تَقْبَل التَّعْلِيقَ إِلاَّ فِي الْخُلْعِ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ (نَحْوُ: إِنْ طَلَّقْتَنِي فَلَكَ أَلْفٌ) . (١)

وَقَال: يَنْقَسِمُ الْعَقْدُ إِلَى مَا يَرِدُ عَلَى الْعَيْنِ قَطْعًا كَالْبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ، وَإِلَى مَا يَرِدُ عَلَى الْمَنَافِعِ فِي الأَْصَحِّ كَالإِْجَارَةِ، وَلِهَذَا قَالُوا: إِنَّهَا تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ، وَقَال أَبُو إِسْحَاقَ: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْعَيْنُ لِيُسْتَوْفَى مِنْهَا الْمَنَافِعُ (٢)

ثَانِيًا - الْعُقُودُ اللاَّزِمَةُ وَالْعُقُودُ غَيْرُ اللاَّزِمَةِ.

٤٥ - الْعَقْدُ اللاَّزِمُ هُوَ: مَا لاَ يَكُونُ لأَِحَدِ الْعَاقِدَيْنِ فِيهِ حَقُّ الْفَسْخِ دُونَ رِضَا الآْخَرِ، وَمُقَابِلُهُ: الْعَقْدُ الْجَائِزُ أَوْ غَيْرُ اللاَّزِمِ: وَهُوَ مَا يَكُونُ لأَِحَدِ الْعَاقِدَيْنِ فِيهِ حَقُّ الْفَسْخِ (٣) .

وَقَدْ قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْعَقْدَ بِاعْتِبَارِ اللُّزُومِ وَالْجَوَازِ إِلَى أَنْوَاعٍ:

قَال السُّيُوطِيّ: الْعُقُودُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَلَى أَقْسَامٍ:

_________

(١) المنثور للزركشي ٢ / ٤٠٢، ٤٠٣.

(٢) المنثور للزركشي ٢ / ٤٠٣، ٤٠٤.

(٣) المنثور للزركشي ٢ / ٤٠٠.

الأَْوَّل: لاَزِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ قَطْعًا، كَالْبَيْعِ وَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالتَّشْرِيكِ، وَصُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ، وَالْحَوَالَةِ، وَالإِْجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْهِبَةِ لِلأَْجْنَبِيِّ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَالصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ.

الثَّانِي: جَائِزٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ قَطْعًا، كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْقِرَاضِ، وَالْوَصِيَّةِ وَالْعَارِيَّةِ، الْوَدِيعَةِ وَالْقَرْضِ، وَالْجَعَالَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْوَصَايَا، وَسَائِرِ الْوِلاَيَاتِ غَيْرِ الإِْمَامَةِ.

وَالثَّالِثِ: مَا فِيهِ خِلاَفٌ، وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَزِمٌ كَالْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا كَالإِْجَارَةِ، وَمُقَابِلُهُ يَقُول: إِنَّهُمَا كَالْجَعَالَةِ، وَالنِّكَاحُ لاَزِمٌ مِنَ الْمَرْأَةِ قَطْعًا، وَمِنَ الزَّوْجِ عَلَى الأَْصَحِّ، كَالْبَيْعِ، وَقِيل: جَائِزٌ مِنْهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الطَّلاَقِ.

الرَّابِعِ: مَا هُوَ جَائِزٌ وَيَئُول إِلَى اللُّزُومِ، وَهُوَ الْهِبَةُ وَالرَّهْنُ قَبْل الْقَبْضِ، وَالْوَصِيَّةُ قَبْل الْمَوْتِ.

الْخَامِسُ: مَا هُوَ لاَزِمٌ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ جَائِزٌ مِنَ الآْخَرِ، كَالرَّهْنِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَالضَّمَانِ، وَالْكَفَالَةِ، وَعَقْدِ الأَْمَانِ، وَالإِْمَامَةِ الْعُظْمَى (١) .

وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْحَقِيقَةِ

_________

(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٢٧٥، ٢٧٦، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٣٦.

ثُلاَثِيَّةٌ: لاَزِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، جَائِزٌ مِنْهُمَا، لاَزِمٌ مِنْ أَحَدِهِمَا (١)، وَقَال: مِنْ حُكْمِ اللاَّزِمِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ فِي الْحَال، وَالْجَائِزُ قَدْ لاَ يَكُونُ كَذَلِكَ، كَالْجَعَالَةِ تُعْقَدُ عَلَى رَدِّ الآْبِقِ.

وَمِنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ اللاَّزِمِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ: أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارٌ مُؤَبَّدٌ، وَلاَ يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا، أَوْ بِالْجُنُونِ أَوِ الإِْغْمَاءِ، وَالْجَائِزُ بِخِلاَفِهِ، كَمَا قَال الزَّرْكَشِيّ (٢) .

وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ لَيْسَتْ مُطَّرِدَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ عَقْدَ الإِْجَارَةِ عَقْدٌ لاَزِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ عِنْدَهُمْ لَكِنَّهَا تَنْفَسِخُ بِالْوَفَاةِ؛ لأَِنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْمَنَافِعِ، وَهِيَ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَالْمَنَافِعُ الَّتِي تَحْدُثُ بَعْدَ وَفَاةِ الْعَاقِدَيْنِ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً حِينَ الْعَقْدِ، فَتُفْسَخُ الإِْجَارَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِالْوَفَاةِ (٣) .

ر: (إِجَارَة ف ٧٢) .

ثَالِثًا - تَقْسِيمُ الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ قَبُولِهِ الْخِيَارَ:

٤٦ - قَسَّمَ ابْنُ قُدَامَةَ الْعَقْدَ بِاعْتِبَارِ قَبُولِهِ الْخِيَارَ أَوْ عَدَمَ قَبُولِهِ إِلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ، وَبَيَّنَ حُكْمَ هَذِهِ الأَْقْسَامِ كَالتَّالِي:

_________

(١) المنثور للزركشي ٣٩٨، ٤٠٠.

(٢) المنثور للزركشي ٢ / ٤٠١.

(٣) بدائع الصنائع ٤ / ٢٢٢.