الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠ الصفحة 47

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠

عَلَى الْمُقْتَرِضِ بِمِثْل مَا أَخَذَ يَئُول إِلَى الْمُعَاوَضَةِ.

وَكَذَلِكَ عَقْدُ الْكَفَالَةِ بِأَمْرِ الْمَدِينِ، فَإِنَّهَا تَبَرُّعٌ فِي الاِبْتِدَاءِ، حِينَمَا يَلْتَزِمُ الْكَفِيل بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمَدِينِ، لَكِنَّهُ إِذَا دَفَعَ الدَّيْنَ لِلدَّائِنِ وَرَجَعَ عَلَى الْمَدِينِ بِمِثْل مَا دَفَعَهُ تَصِيرُ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ.

وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ عَنْ عُقُودِ التَّبَرُّعِ فِي أَنَّ الْوَفَاءَ بِمَا يَتَعَهَّدُهُ الْعَاقِدَانِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا وَاجِبٌ، إِذَا تَمَّتْ صَحِيحَةً بِشُرُوطِهَا، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١)؛ لأَِنَّ فِي عَدَمِ الْوَفَاءِ بِهَا ضَرَرًا لِلْعَاقِدِ الآْخَرِ، لِضَيَاعِ مَا بَذَلَهُ مِنَ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَتِهِ، بِخِلاَفِ عُقُودِ التَّبَرُّعِ، كَالْهِبَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْقَرْضِ وَالْوَصِيَّةِ، وَنَحْوِهَا، فَلاَ يَجِبُ الْوَفَاءُ فِيهَا بِمَا تَعَهَّدَ الْمُتَبَرِّعُ؛ لأَِنَّهُ مُحْسِنٌ، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ، مَعَ تَفْصِيلٍ فِي مُخْتَلَفِ الْعُقُودِ.

وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ صَرَّحُوا بِاسْتِحْبَابِ الْوَفَاءِ فِي عُقُودِ التَّبَرُّعِ؛ لأَِنَّهَا مِنَ الْبِرِّ وَالإِْحْسَانِ، وَقَدْ حَثَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِمَا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ، قَال تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢) .

_________

(١) سورة المائدة / ١.

(٢) سورة المائدة / ٢.

وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَجِبُ الْوَفَاءُ عِنْدَهُمْ فِي بَعْضِ عُقُودِ التَّبَرُّعِ أَيْضًا، فَالْعَارِيَّةُ الْمُؤَجَّلَةُ لاَزِمَةٌ عِنْدَهُمْ إِلَى انْقِضَاءِ الأَْجَل (١)، كَمَا تَلْزَمُ عِنْدَهُمُ الْهِبَةُ بِالْقَبُول، فَإِنِ امْتَنَعَ الْوَاهِبُ مِنْ تَسْلِيمِهَا يُجْبَرُ (٢) عَلَيْهِ.

سَادِسًا: الْعَقْدُ الصَّحِيحُ وَالْبَاطِل وَالْفَاسِدُ.

٥١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْعَقْدَ بِاعْتِبَارِ إِقْرَارِ الشَّرْعِ لَهُ وَتَرْتِيبِ آثَارِهِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: الْعَقْدُ الصَّحِيحُ، وَالْعَقْدُ غَيْرُ الصَّحِيحِ.

فَالْعَقْدُ الصَّحِيحُ: هُوَ مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ مَعًا، بِحَيْثُ يَكُونُ مُسْتَجْمِعًا لأَِرْكَانِهِ وَأَوْصَافِهِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، كَبَيْعِ الْعَاقِل الْبَالِغِ الْمَال الْمُتَقَوِّمَ الْمَوْجُودَ الْقَابِل لِلتَّسْلِيمِ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ مُعْتَبَرَيْنِ شَرْعًا، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ مِنْ نَقْل مِلْكِيَّةِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي وَنَقْل مِلْكِيَّةِ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ، وَكَالإِْجَارَةِ لِلاِنْتِفَاعِ بِعَيْنٍ مَوْجُودَةٍ انْتِفَاعًا مَشْرُوعًا، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَثَرُهَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا مِنْ نَقْل الاِنْتِفَاعِ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَالأُْجْرَةِ إِلَى

_________

(١) حاشية الدسوقي ٣ / ٤٣٩ - ٤٤٢.

(٢) جواهر الإكليل ٢ / ٢١٢.

الْمُؤَجِّرِ (١)، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ إِذَا لَمْ يَقَعْ خَلَلٌ فِي أَرْكَانِهَا أَوْ شُرُوطِهَا.

وَالْعَقْدُ غَيْرُ الصَّحِيحِ: هُوَ مَا لاَ يَعْتَبِرُهُ الشَّرْعُ، وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ. أَوْ هُوَ: مَا لاَ يَكُونُ مَشْرُوعًا أَصْلًا وَوَصْفًا، أَوْ يَكُونُ مَشْرُوعًا أَصْلًا لَكِنْ لاَ يَكُونُ مَشْرُوعًا وَصْفًا، مِثَال الأَْوَّل: عَقْدُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، أَوِ الْعَقْدُ عَلَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَكُل مَا لاَ يُعْتَبَرُ مَالًا، وَمِثَال الثَّانِي: الْعَقْدُ فِي حَالَةِ الإِْكْرَاهِ، وَالْعَقْدُ عَلَى مَحَلٍّ مَجْهُولٍ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ (٢) .

وَقَدْ قَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ الْعَقْدَ غَيْرَ الصَّحِيحِ إِلَى: عَقْدٍ بَاطِلٍ وَعَقْدٍ فَاسِدٍ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (بُطْلاَن، فَسَاد)

سَابِعًا - الْعَقْدُ النَّافِذُ، وَالْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ:

٥٢ - قَسَّمَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ الْعَقْدَ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ آثَارِهِ وَعَدَمِ ظُهُورِهَا إِلَى قِسْمَيْنِ:

أ - الْعَقْدُ النَّافِذُ، وَهُوَ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ الَّذِي لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، وَيُفِيدُ الْحُكْمَ فِي

_________

(١) مجلة الأحكام العدلية م١٠٩، ١١٠، والمنثور للزركشي ٢ / ٤٠٩.

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ٣٠٥، حاشية ابن عابدين ٤ / ١٠٠، وبداية المجتهد ٢ / ١٦٣، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣١٠، وروضة الناظرين ص٣١.

الْحَال (١)، أَوْ هُوَ الْعَقْدُ الَّذِي يَصْدُرُ مِمَّنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ وَوِلاَيَتُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْوِلاَيَةُ أَصْلِيَّةً كَمَنْ يَعْقِدُ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ، أَمْ نِيَابِيَّةً كَعَقْدِ الْوَصِيِّ أَوِ الْوَلِيِّ لِمَنْ تَحْتَ وِلاَيَتِهِمَا أَوْ عَقْدِ الْوَكِيل لِمُوَكِّلِهِ.

وَحُكْمُ الْعَقْدِ النَّافِذِ أَنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ فِي ظُهُورِ آثَارِهِ إِلَى إِجَازَةِ الْغَيْرِ.

ب - الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ: وَهُوَ الْعَقْدُ الَّذِي يَصْدُرُ مِمَّنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ دُونَ الْوِلاَيَةِ، كَمَنْ يَبِيعُ مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ هُوَ عَقْدٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ (٢) .

وَحُكْمُ الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ - عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ - هُوَ أَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّهُ مَشْرُوعٌ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، فَيُفِيدُ الْحُكْمَ لَكِنْ عَلَى وَجْهِ التَّوَقُّفِ أَيْ: تَتَوَقَّفُ آثَارُهُ وَإِفَادَتُهُ الْحُكْمَ عَلَى إِجَازَةِ مَنْ يَمْلِكُهَا شَرْعًا كَعَقْدِ الْفُضُولِيِّ وَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ وَنَحْوِهِمَا.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ وَصِحَّتِهِ:

فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَدِيمِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ): إِنَّ الْعَقْدَ الْمَوْقُوفَ عَقْدٌ

_________

(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية ١ / ٩٥، ٣٠٤.

(٢) مجمع الأنهر ٢ / ٤٧، ودرر الحكام ١ / ٩٤، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٠٠.

صَحِيحٌ يُفِيدُ الْحُكْمَ عَلَى وَجْهِ التَّوَقُّفِ، فَإِنْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ أَوْ مَنْ لَهُ الإِْجَازَةُ وَالتَّصَرُّفُ نَفَذَ وَإِلاَّ بَطَل (١) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ)

ثَامِنًا - الْعُقُودُ الْمُؤَقَّتَةُ وَالْعُقُودُ الْمُطْلَقَةُ:

٥٣ - قَسَّمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْعَقْدَ بِاعْتِبَارِ قَبُولِهِ التَّأْقِيتَ وَعَدَمِ قَبُولِهِ ذَلِكَ إِلَى نَوْعَيْنِ: الْعُقُودُ الْمُؤَقَّتَةُ، وَالْعُقُودُ غَيْرُ الْمُؤَقَّتَةِ.

قَال السُّيُوطِيُّ: كُل عَقْدٍ كَانَتِ الْمُدَّةُ رُكْنًا فِيهِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُؤَقَّتًا، كَالإِْجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْهُدْنَةِ، وَكُل عَقْدٍ لاَ يَكُونُ كَذَلِكَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُطْلَقًا، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ التَّأْقِيتُ حَيْثُ لاَ يُنَافِيهِ، كَالْقِرَاضِ يُذْكَرُ فِيهِ مُدَّةٌ، وَيُمْنَعُ مِنَ الشِّرَاءِ بَعْدَهَا فَقَطْ، وَمِمَّا لاَ يَقْبَل التَّأْقِيتَ: الْجِزْيَةُ فِي الأَْصَحِّ، وَعَقْدُ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْوَقْفِ، وَمِمَّا يَقْبَلُهُ وَهُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ: الإِْجَارَةُ وَكَذَا الْمُسَاقَاةُ، وَالْهُدْنَةُ فِي الأَْصَحِّ، وَمِمَّا يَقْبَل التَّأْقِيتَ وَلَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ: الْوَكَالَةُ، وَالْوِصَايَةُ.

_________

(١) تبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ٤٤، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٠٠، ومجمع الأنهر ٢ / ٤٧، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ١٦٣، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٣ / ١٠، ١١، ومغني المحتاج ٢ / ١٥، والأشباه والنظائر للسيوطي ص١٨٥ - ١٨٦، والمغني لابن قدامة مع الشرح الكبير ٤ / ٢٧٤.

وَقَال أَيْضًا: وَالْحَاصِل أَنَّ مَا لاَ يَقْبَل التَّأْقِيتَ - وَمَتَى أُقِّتَ بَطَل - الْبَيْعُ بِأَنْوَاعِهِ وَالنِّكَاحُ، وَالْوَقْفُ (١) .

وَذَكَرَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ كَذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الإِْجَارَةِ مِنَ الْعُقُودِ الْمُؤَقَّتَةِ (٢) .

كَمَا قَالُوا فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ: إِنَّهَا تَقْبَل التَّوْقِيتَ (٣)، وَكَذَلِكَ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ، فَإِنْ لَمْ يُبَيَّنْ فِيهَا الْوَقْتُ وَقَعَ عَلَى أَوَّل ثَمَرٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (٤) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ تَأْقِيتُ الْمُسَاقَاةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ مُؤَقَّتَةً؛ لأَِنَّهُ لاَ ضَرَرَ فِي تَقْدِيرِ مُدَّتِهَا (٥) .

وَمِنَ الْعُقُودِ الَّتِي لاَ تَقْبَل التَّأْقِيتَ عَقْدُ الرَّهْنِ (٦) .

وَكَذَلِكَ عَقْدُ الْهِبَةِ؛ لأَِنَّهَا تَمْلِيكُ الْعَيْنِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي الْحَال، وَتَمْلِيكُ الأَْعْيَانِ لاَ يَصِحُّ مُؤَقَّتًا كَالْبَيْعِ (٧)

_________

(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٢٨٢، ٢٨٣.

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٣٦، والمغني مع الشرح الكبير ٦ / ٤.

(٣) الخرشي ٤ / ٢٨٩، ومغني المحتاج ٢ / ٢٢٣، والمغني مع الشرح الكبير ٥ / ٢١٠.

(٤) ابن عابدين ٥ / ٢٤٩، والشرح الصغير للدردير ٢ / ٢٢٥، ومغني المحتاج ٢ / ٣٢٧.

(٥) كشاف القناع ٣ / ٥٣٨.

(٦) الاختيار ٢ / ٢٣٦، والخرشي ٤ / ١٧٣، ومغني المحتاج ٢ / ١٣٢، وكشاف القناع ٣ / ٣٥٠.

(٧) بدائع الصنائع ٦ / ١١٨، والدسوقي ٤ / ٩٧، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٨، والمغني مع الشرح الكبير ٦ / ٢٥٦.

وَاخْتَلَفُوا فِي عَقْدِ الْكَفَالَةِ، هَل تَقْبَل التَّأْقِيتَ أَوْ لاَ؟ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْقِيتُهَا، وَكَذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ مَعَ بَعْضِ الشُّرُوطِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ (١) .

وَيُنْظَرُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (أَجَل ف ٤٨ - ٥٩)

الشُّرُوطُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْعُقُودِ:

٥٤ - الْمُرَادُ بِالشُّرُوطِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْعُقُودِ: مَا يُذْكَرُ بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ، فَيُقَيِّدُ أَثَرَ الْعَقْدِ أَوْ يُعَلِّقُهُ بِأَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى أَصْل الْعَقْدِ فِي الْمُسْتَقْبَل (٢) .

وَقَدْ قَسَّمَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الشَّرْطَ الْمُقْتَرِنَ بِالْعَقْدِ إِلَى نَوْعَيْنِ: شَرْطٍ صَحِيحٍ، وَشَرْطٍ غَيْرِ صَحِيحٍ.

وَقَسَّمَهُ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ: الشَّرْطُ الصَّحِيحُ، وَالشَّرْطُ الْفَاسِدُ، وَالشَّرْطُ الْبَاطِل.

وَضَابِطُ الشَّرْطِ الصَّحِيحِ: هُوَ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ الْقَائِمِ بِمَحَل الْعَقْدِ وَقْتَ صُدُورِهِ، أَوْ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ أَوْ يُلاَئِمُهُ - وَهَذَا الْقَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ - أَوْ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ دَلِيلٌ

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٦٦، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٣١، ومغني المحتاج ٢ / ٢٠٧، والمهذب ١ / ٣٤١.

(٢) حاشية الحموي على الأشباه لابن نجيم ٢ / ٢٢٥، والمنثور للزركشي ١ / ٣٧٠.

بِجَوَازِهِ، أَوْ مَا يَجْرِي عَلَيْهِ التَّعَامُل، كَمَا أَضَافَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ: أَوْ مَا يُحَقِّقُ مَصْلَحَةً مَشْرُوعَةً لِلْعَاقِدِ، كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ

وَمِنْ أَمْثِلَةِ الشَّرْطِ الصَّحِيحِ: اشْتِرَاطُ الْقَبْضِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، أَوِ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ أَوِ الْكَفَالَةِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّل مَثَلًا (١) . فَهَذَا النَّوْعُ وَأَمْثَالُهُ مِنَ الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ يُمْكِنُ اشْتِرَاطُهُ فِي الْعَقْدِ، وَلاَ يَضُرُّ فِي انْعِقَادِهِ وَلاَ فِي صِحَّتِهِ.

أَمَّا الشَّرْطُ الْبَاطِل أَوِ الْفَاسِدُ فَهُوَ: مَا لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَلاَ يُلاَئِمُ مُقْتَضَاهُ أَوْ مَا يُؤَدِّي إِلَى غَرَرٍ، أَوِ اشْتِرَاطِ أَمْرٍ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ أَوْ نَحْوِهِ.

وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ مَا يُبْطِل الْعَقْدَ، كَبَيْعِ حَيَوَانٍ عَلَى أَنَّهُ حَامِلٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ غَرَرٍ (٢)، وَكَالْعَقْدِ الْمُتَضَمِّنِ عَلَى الرِّبَا؛ لِنَهْيِ الشَّارِعِ عَنْهُ (٣) .

وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَيْضًا: مَا يَصِحُّ مَعَهُ الْعَقْدُ وَيَلْغُو الشَّرْطُ نَفْسُهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ فِي الْمُزَارَعَةِ: أَنْ لاَ يَبِيعَ الآْخَرُ

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٧١، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٣ / ٢٦٥، والمجموع للنووي ٩ / ٣٦٤، وكشاف القناع ٣ / ١٨٩.

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١٨٦، والدسوقي ٣ / ٥٨.

(٣) بدائع الصنائع ٥ / ١٦٨ - ١٧١، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٠٩، ٣١٠، والمهذب للشيرازي ١ / ٢٧٥، وكشاف القناع ٥ / ٩٧.

نَصِيبَهُ، أَوْ يَهَبَهُ لِفُلاَنٍ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ صَحِيحٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، فَيَلْغُو الشَّرْطُ فَقَطْ، كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (شَرْط ف ١٩ - ٢٧)

آثَارُ الْعَقْدِ:

٥٥ - آثَارُ الْعَقْدِ هِيَ: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَقْدِ وَمَا يَهْدُفُ إِلَيْهِ الْعَاقِدَانِ، وَهِيَ الْمَقْصُودُ الأَْصْلِيُّ لِلْعَاقِدَيْنِ مِنِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا.

وَتَخْتَلِفُ هَذِهِ الآْثَارُ حَسْبَ اخْتِلاَفِ الْعُقُودِ.

فَفِي عُقُودِ الْمِلْكِيَّةِ الَّتِي تَرِدُ عَلَى الأَْعْيَانِ - كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْقَرْضِ - أَثَّرَ الْعَقْدُ نَقْل الْمِلْكِيَّةِ مِنْ عَاقِدٍ إِلَى آخَرَ إِذَا اسْتَوْفَتْ أَرْكَانَهَا وَشُرُوطَهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ بِعِوَضٍ - كَمَا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَنْقُل مِلْكِيَّةَ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي، وَمِلْكِيَّةَ الثَّمَنِ إِلَى الْبَائِعِ - أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَمَا فِي عَقْدِ الْهِبَةِ، وَكَمَا فِي عَقْدِ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي بِقَبُول الْمُوصَى لَهُ أَوْ بِمُجَرَّدِ الْوَفَاةِ، عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ.

وَفِي عُقُودِ الْمَنْفَعَةِ أَثَّرَ الْعَقْدُ نَقْل الْمَنْفَعَةِ أَوْ إِبَاحَةَ الاِنْتِفَاعِ مِنَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ كَمَا فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ، أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَمَا فِي عَقْدَيِ الإِْعَارَةِ وَالْوَصِيَّةِ.

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٧٠.

وَفِي عُقُودِ التَّوْثِيقِ كَعَقْدِ الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ أَثَّرَ الْعَقْدُ تَوْثِيقَ الدَّيْنِ بِاشْتِرَاكِ ذِمَّةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ ذِمَّةِ الْمَدِينِ، أَوْ حَبْسَ الرَّهْنِ حَتَّى يُؤَدَّى الدَّيْنُ. وَفِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ: بِنَقْل الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةِ الْمَدِينِ إِلَى شَخْصٍ ثَالِثٍ.

وَفِي عُقُودِ الْعَمَل: حَقُّ التَّصَرُّفِ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِالْعَمَل فِيهِ، كَمَا فِي عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ وَعُقُودِ الشَّرِكَةِ، وَكَمَا فِي عَقْدَيِ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَنَحْوِهِمَا.

وَفِي عَقْدِ الإِْيدَاعِ: حِفْظُ الْوَدِيعَةِ بِيَدِ الْوَدِيعِ.

وَفِي عَقْدِ النِّكَاحِ: حِل اسْتِمْتَاعِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِالآْخَرِ.

وَهَكَذَا فِي كُل عَقْدٍ يُعْقَدُ لِغَرَضٍ مِنَ الأَْغْرَاضِ الْمَشْرُوعَةِ

انْتِهَاءُ الْعَقْدِ وَأَسْبَابُهُ:

٥٦ - انْتِهَاءُ الْعَقْدِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا أَوْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا (١) وَالأَْوَّل: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِإِرَادَةِ عَاقِدٍ وَاحِدٍ أَوْ بِإِرَادَةِ كِلَيْهِمَا، فَإِذَا كَانَ بِإِرَادَةِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ يُسَمَّى فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ فَسْخًا، وَإِذَا كَانَ بِرِضَا كِلاَ الْعَاقِدَيْنِ يُسَمَّى إِقَالَةً

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٩٨.