الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠
فَضْلِهِ﴾ (١) وَأَرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْوَسَائِل الَّتِي تُعِينُ عَلَى الْعِفَّةِ فَأَمَرَ الْقَادِرِينَ عَلَى مُؤْنَةِ النِّكَاحِ بِالتَّزَوُّجِ، فَقَال ﷺ: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ (٢) وَأَمَرَ غَيْرَ الْقَادِرِينَ بِالتَّعَفُّفِ بِالاِسْتِعَانَةِ بِالصَّوْمِ لِكَسْرِ الشَّهْوَةِ فَقَال ﵊: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ (٣) أَيْ وِقَايَةٌ.
وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ يَجِدُ الأُْهْبَةَ وَتَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَى الْجِمَاعِ وَيَخَافُ الْوُقُوعَ فِي الزِّنَا أَنْ يَتَزَوَّجَ؛ لأَِنَّ اجْتِنَابَ الزِّنَا وَاجِبٌ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي كَسْرِ الشَّهْوَةِ إِلَى الْجِمَاعِ بِالأَْدْوِيَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (شَهْوَة ف ١٦) وَمُصْطَلَحِ: (نِكَاح) .
إِعْفَافُ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ إِعْفَافِ الأُْصُول عَلَى الْفُرُوعِ وَالْفُرُوعِ عَلَى أُصُولِهِمْ،
_________
(١) سورة النور / ٣٣.
(٢) حديث: " يا معشر الشباب. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١١٩)، ومسلم (٢ / ١٠١٨، ١٠١٩) .
(٣) حديث: " يا معشر الشباب. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١١٩)، ومسلم (٢ / ١٠١٨، ١٠١٩) .
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ آخَرُونَ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (إِعْفَاف: ف ٥) (وَنِكَاح) وَمُصْطَلَحِ: (نَفَقَة)
نِكَاحُ الْعَفِيفِ بِالزَّانِيَةِ:
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ نِكَاحِ الرَّجُل الْعَفِيفِ بِالْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ أَوِ الْمَرْأَةِ الْعَفِيفَةِ بِالرَّجُل الزَّانِي، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ زِنَا الرَّجُل لاَ يُحَرِّمُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْعَفِيفَةِ وَأَنَّ زِنَا الْمَرْأَةِ لاَ يُحَرِّمُهَا عَلَى الرَّجُل الْعَفِيفِ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا زَنَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ يَحِل لِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ نِكَاحُهَا إِلاَّ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا، وَالثَّانِي: أَنْ تَتُوبَ مِنَ الزِّنَا (١) .
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (نِكَاح)
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٩٢، المهذب ٢ / ٤٤، والمغني ٦ / ٦٠١.
عَفَل
التَّعْرِيفُ:
١ - الْعَفَل فِي اللُّغَةِ: لَحْمٌ يَنْبُتُ فِي قُبُل الْمَرْأَةِ وَهُوَ الْقَرْنُ، وَلاَ يَكُونُ فِي الأَْبْكَارِ وَلاَ يُصِيبُ الْمَرْأَةَ إِلاَّ بَعْدَمَا تَلِدُ.
وَقِيل: هُوَ وَرَمٌ يَكُونُ بَيْنَ مَسْلَكَيِ الْمَرْأَةِ فَيَضِيقُ فَرْجُهَا حَتَّى يَمْتَنِعَ الإِْيلاَجُ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الرَّتْقُ:
٢ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ انْسِدَادُ مَحَل الْجِمَاعِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ بِلَحْمٍ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: هُوَ كَوْنُ الْفَرْجِ مَسْدُودًا مُلْتَصِقًا لاَ يَسْلُكُهَا الذَّكَرُ بِأَصْل الْخِلْقَةِ (٤) .
_________
(١) المصباح المنير والمغرب.
(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٢٧٨، حاشية القليوبي ٣ / ٢٦١، كشاف القناع ٥ / ١٠٩، المغني لابن قدامة ٦ / ٦٥٠، ٦٥١، مطالب أولي النهى ٥ / ١٤٧، والزاهر للأزهري ص٣١٦.
(٣) حاشية القليوبي وعميرة ٣ / ٢٦١.
(٤) مطالب أولي النهى ٣ / ١٠١.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَفَل وَالرَّتْقِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الْعَفَل يَكُونُ بَعْدَ أَنْ تَلِدَ، أَمَّا الرَّتْقُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِأَصْل الْخِلْقَةِ.
وَكُلٌّ مِنَ الْعَفَل وَالرَّتْقِ مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي تُثْبِتُ الْخِيَارَ فِي النِّكَاحِ
ب - الْقَرَنُ:
٣ - الْقَرَنُ هُوَ: انْسِدَادُ مَحَل الْجِمَاعِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ بِعَظْمٍ، وَقِيل: بِلَحْمٍ، وَقِيل: بِغُدَّةٍ غَلِيظَةٍ (١) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَفَل وَالْقَرَنِ: أَنَّ الْعَفَل يَكُونُ بِلَحْمٍ، وَأَمَّا الْقَرَنُ فَقَدْ يَكُونُ بِلَحْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ فَالْقَرَنُ أَعَمُّ.
وَكُلٌّ مِنْ الْعَفَل وَالْقَرَنِ مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي تُثْبِتُ الْخِيَارَ فِي النِّكَاحِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّ الْعَفَل مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا لِلزَّوْجِ خِيَارُ فَسْخِ النِّكَاحِ؛ لأَِنَّهُ يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ الأَْصْلِيَّ مِنَ النِّكَاحِ وَهُوَ الْوَطْءُ (٢) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ خِيَارُ فَسْخِ النِّكَاحِ
_________
(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢٥، حاشية الدسوقي ٢ / ٢٤٨، حاشية القليوبي وعميرة ٣ / ٢٦١.
(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٢٧٨، كشاف القناع ٥ / ١٠٩، ١١٠.
بِعَيْبٍ فِي الآْخَرِ كَائِنًا مَا كَانَ، وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنِ زِيَادٍ وَأَبِي قِلاَبَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالأَْوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ. وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لِلزَّوْجِ بِعَيْبٍ فِي الْمَرْأَةِ، وَلَهَا هِيَ الْخِيَارُ بِعَيْبٍ فِيهِ مِنَ الثَّلاَثَةِ: الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمَرْأَةِ وَالَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْخِيَارُ هِيَ الرَّتْقُ وَالْقَرَنُ، وَهُمَا عِنْدَهُمُ انْسِدَادُ مَحَل الْجِمَاعِ مِنْهَا، فِي الرَّتْقِ بِلَحْمٍ، وَفِي الْقَرَنِ بِعَظْمٍ، وَقِيل: بِلَحْمٍ يَنْبُتُ فِيهِ وَيَخْرُجُ الْبَوْل مِنْ ثُقْبَةٍ ضَيِّقَةٍ فِيهِ (٢) .
_________
(١) فتح القدير ٣ / ٢٦٧ ط. الأميرية ١٣١٦هـ.
(٢) شرح روض الطالب ٣ / ١٧٦.
عَفْو
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الْعَفْوِ فِي اللُّغَةِ الإِْسْقَاطُ، قَال تَعَالَى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ (١)، وَالْكَثْرَةُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (٢) . أَيْ: كَثُرُوا، وَالذَّهَابُ وَالطَّمْسُ وَالْمَحْوُ، وَمِنْهُ قَوْل لَبِيدٍ: عَفَتِ الدِّيَارُ، وَالإِْعْطَاءُ، قَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: عَفَا يَعْفُو: إِذَا أَعْطَى، وَقِيل: الْعَفْوُ مَا أَتَى بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ الْعَفْوَ غَالِبًا بِمَعْنَى الإِْسْقَاطِ وَالتَّجَاوُزِ
(٣) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الصَّفْحُ:
٢ - الصَّفْحُ تَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ، وَأَصْلُهُ: الإِْعْرَاضُ بِصَفْحَةِ الْوَجْهِ عَنِ التَّلَفُّتِ إِلَى مَا كَانَ مِنْهُ، قَال تَعَالَى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيل﴾ (٤) .
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨٦.
(٢) سورة الأعراف / ٩٥.
(٣) اللسان، أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٦٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٣ / ٢٦٥.
(٤) سورة الحجر / ٨٥.
قَال الرَّاغِبُ: وَالصَّفْحُ أَبْلَغُ مِنَ الْعَفْوِ وَلِذَلِكَ قَال تَعَالَى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (١) وَقَدْ يَعْفُو الإِْنْسَانُ وَلاَ يَصْفَحُ (٢) .
ب - الْمَغْفِرَةُ:
٣ - الْمَغْفِرَةُ مِنَ الْغَفْرِ مَصْدَرُ غَفَرَ، وَأَصْلُهُ السَّتْرُ، وَمِنْهُ يُقَال: الصَّبْغُ أَغْفَرُ لِلْوَسَخِ، أَيْ أَسْتَرُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَسْتُرَ الْقَادِرُ الْقَبِيحَ الصَّادِرَ مِمَّنْ هُوَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ أَنَّ الْعَفْوَ يَقْتَضِي إِسْقَاطَ اللَّوْمِ وَالذَّمِّ وَلاَ يَقْتَضِي إِيجَابَ الثَّوَابِ، وَالْمَغْفِرَةَ تَقْتَضِي إِسْقَاطَ الْعِقَابِ وَهُوَ: إِيجَابُ الثَّوَابِ، فَلاَ يَسْتَحِقُّهَا إِلاَّ الْمُؤْمِنُ الْمُسْتَحِقُّ لِلثَّوَابِ (٣)
ج - الإِْسْقَاطُ:
٤ - الإِْسْقَاطُ: هُوَ إِزَالَةُ الْمِلْكِ أَوِ الْحَقِّ لاَ إِلَى مَالِكٍ.
وَالْعَفْوُ عَلَى إِطْلاَقِهِ أَعَمُّ مِنَ الإِْسْقَاطِ لِتَعَدُّدِ اسْتِعْمَالاَتِهِ (٤)
_________
(١) سورة البقرة / ١٠٩.
(٢) الذريعة ص ٢٣٤، والمفردات للراغب.
(٣) المصباح المنير، والتعريفات، والفروق في اللغة ص ٢٣٠.
(٤) الاختيار ٣ / ١٢١، ٤ / ١٧، دار المعرفة.
د - الصُّلْحُ:
٥ - الصُّلْحُ عَقْدٌ يَرْفَعُ النِّزَاعَ (١)
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالصُّلْحِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ، فَالصُّلْحُ أَعَمُّ مِنَ الْعَفْوِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْعَفْوِ بِاخْتِلاَفِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَقُّ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ خَالِصًا لِلْعَبْدِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ ﷾ كَالْحُدُودِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ بَعْدَ رَفْعِ الأَْمْرِ إِلَى الْحَاكِمِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي غَيْرِ الْحُدُودِ فَإِنَّهُ يَقْبَل الْعَفْوَ فِي الْجُمْلَةِ لِلأَْسْبَابِ الَّتِي يَعْتَبِرُهَا الشَّارِعُ مُؤَدِّيَةً إِلَى ذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً وَرَفْعًا لِلْحَرَجِ
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِسْقَاط ف ٣٩ وَمَا بَعْدَهَا) .
الْعَفْوُ فِي الْعِبَادَاتِ:
أَوَّلًا - الْعَفْوُ عَنْ بَعْضِ النَّجَاسَاتِ:
٧ - اخْتَلَفَتْ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يُعْفَى عَنْهُ مِنَ النَّجَاسَاتِ، كَمَا اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ فِي التَّقْدِيرَاتِ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِي الْعَفْوِ.
_________
(١) تبيين الحقائق ٥ / ٢٩.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ النَّجَاسَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَالنَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ (١) وَقَالُوا: إِنَّهُ يُعْفَى عَنِ الْمُغَلَّظَةِ إِذَا أَصَابَتِ الثَّوْبَ أَوِ الْبَدَنَ بِشَرْطِ أَنْ لاَ تَزِيدَ عَنِ الدِّرْهَمِ، قَال الْمَرْغِينَانِيُّ: وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ مِنَ النَّجَسِ الْمُغَلَّظِ كَالدَّمِ وَالْبَوْل وَالْخَمْرِ وَخُرْءِ الدَّجَاجِ وَبَوْل الْحِمَارِ، جَازَتِ الصَّلاَةُ مَعَهُ (٢) .
أَمَّا النَّجَاسَةُ الْمُخَفَّفَةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُعْفَى عَنْهُ مِنْهَا عَلَى رِوَايَاتٍ: قَال الْمَرْغِينَانِيُّ: إِنْ كَانَتْ كَبَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ جَازَتِ الصَّلاَةُ مَعَهَا حَتَّى يَبْلُغَ رُبُعَ الثَّوْبِ (٣) .
وَقَال الْكَاسَانِيُّ: حَدُّ الْكَثِيرِ الَّذِي لاَ يُعْفَى عَنْهُ مِنَ النَّجَاسَةِ الْخَفِيفَةِ هُوَ: الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (٤) .
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الدَّمِ - وَمَا مَعَهُ مِنْ قَيْحٍ وَصَدِيدٍ - وَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، فَيَقُولُونَ بِالْعَفْوِ عَنْ قَدْرِ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ، وَالْمُرَادُ بِالدِّرْهَمِ الدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ وَهُوَ الدَّائِرَةُ السَّوْدَاءُ الْكَائِنَةُ فِي ذِرَاعِ الْبَغْل، قَال الصَّاوِيُّ: إِنَّمَا اخْتَصَّ الْعَفْوُ بِالدَّمِ وَمَا مَعَهُ؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يَخْلُو عَنْهُ، فَالاِحْتِرَازُ عَنْ يَسِيرِهِ
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ٨٠.
(٢) البناية شرح الهداية ١ / ٧٣٣ - ٧٣٤.
(٣) البناية مع الهداية ١ / ٧٣٩.
(٤) بدائع الصنائع ١ / ٨٠.
عَسِرٌ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ كَالْبَوْل وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى الْعَفْوِ عَنِ الْيَسِيرِ مِنَ الدَّمِ وَالْقَيْحِ وَمَا يَعْسُرُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ وَتَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، كَدَمِ الْقُرُوحِ وَالدَّمَامِل وَالْبَرَاغِيثِ وَمَا لاَ يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ، وَمَا لاَ نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَالضَّابِطُ فِي الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ الْعُرْفُ (٢) .
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ نَجَاسَةٍ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا الطَّرْفُ كَالَّذِي يَعْلَقُ بِأَرْجُل ذُبَابٍ وَنَحْوِهِ، وَإِنَّمَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ إِلاَّ دَمَ الْحَيَوَانَاتِ النَّجِسَةِ فَلاَ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ دَمِهَا كَسَائِرِ فَضَلاَتِهَا، وَلاَ يُعْفَى عَنِ الدِّمَاءِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الْقُبُل وَالدُّبُرِ؛ لأَِنَّهَا فِي حُكْمِ الْبَوْل أَوِ الْغَائِطِ.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّ الْيَسِيرَ مَا لاَ يَفْحُشُ فِي الْقَلْبِ (٣)
. وَمِمَّا بَحَثَهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْعَفْوِ عَنِ النَّجَاسَاتِ:
_________
(١) القوانين الفقهية ص ٣٩ نشر الدار العربية للكتاب، الشرح الصغير ١ / ٧٤، حاشية الصاوي على الشرح الصغير ١ / ٧٥.
(٢) حاشية البيجوري على ابن قاسم ١ / ١٧٠، وروضة الطالبين ١ / ٢٨٠.
(٣) كشاف القناع ١ / ١٩٠ - ١٩١، والمغني ٢ / ٧٨ - ٧٩.