الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠
أ - الْعَفْوُ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ:
٨ - يَرَى أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ الْعَفْوَ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ فِي الْجُمْلَةِ (١) .
وَيُقَيِّدُ الشَّافِعِيَّةُ الْعَفْوَ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ بِقُيُودٍ عَبَّرَ عَنْهَا الْبَيْجُورِيُّ بِقَوْلِهِ: خَرَجَ بِالْيَسِيرِ الْكَثِيرُ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الشَّخْصِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ وَلَمْ يَخْتَلِطْ بِأَجْنَبِيٍّ وَلَمْ يُجَاوِزْ مَحَلَّهُ، عُفِيَ عَنْهُ وَإِلاَّ فَلاَ، (٢) وَمَحَل الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ فِي الثَّوْبِ عِنْدَهُمْ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ الإِْنْسَانُ وَلَوْ لِلتَّجَمُّل وَكَانَ مَلْبُوسًا، بِخِلاَفِ مَا لَوْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ وَمَا لَوْ فَرَشَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ أَوْ حَمَلَهُ وَصَلَّى بِهِ فَلاَ يُعْفَى عَنْهُ (٣) .
وَقَال الْحَطَّابُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: قَدِ اخْتُلِفَ فِي الْيَسِيرِ الْمَذْكُورِ، هَل يُغْتَفَرُ مُطْلَقًا عَلَى جَمِيعِ الْوُجُوهِ حَتَّى يَصِيرَ كَالْمَائِعِ الطَّاهِرِ أَوِ اغْتِفَارُهُ مَقْصُورٌ عَلَى الصَّلاَةِ فَلاَ يَقْطَعُهَا لأَِجْلِهِ إِذَا ذَكَرَهُ فِيهَا وَلاَ يُعِيدُهَا، وَأَمَّا قَبْل الصَّلاَةِ فَيُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَالأَْوَّل مَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ. قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَهُوَ الأَْظْهَرُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا، وَالثَّانِي عَزَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ
_________
(١) البناية شرح الهداية ١ / ٧٣٣، الشرح الصغير ١ / ٧٤، والأشباه والنظائر للسيوطي ٧٨، المغني ٢ / ٧٨.
(٢) البيجوري على ابن قاسم ١ / ١٠٧.
(٣) البيجوري ١ / ١٠٧.
وَالْمُصَنِّفُ لِلْمُدَوَّنَةِ، وَعَزَاهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ عَرَفَةَ نَاقِلًا عَنِ الْمَازِرِيِّ لاِبْنِ حَبِيبٍ كَذَلِكَ ابْنُ نَاجِي، قَال صَاحِبُ الطِّرَازِ: هُوَ خِلاَفُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ (١)، وَصَرَّحَ ابْنُ وَهْبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ قَلِيل دَمِ الْحَيْضِ وَكَثِيرَهُ نَجِسٌ (٢) .
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ قَيَّدُوا الْعَفْوَ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ فِي الْحَيَاةِ، آدَمِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، يُؤْكَل كَالإِْبِل وَالْبَقَرِ أَوْ لاَ كَالْهِرِّ، بِخِلاَفِ الْحَيَوَانِ النَّجِسِ كَالْكَلْبِ وَالْبَغْل وَالْحِمَارِ فَلاَ يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ مِنْهُ، وَلاَ يُعْفِي عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ الْخَارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ (٣) . كَمَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ دَمِ الْحَيْضِ وَكَذَا دَمُ النِّفَاسِ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي لاَ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ (٤) .
وَقَال الْحَسَنُ: كَثِيرُ الدَّمِ وَقَلِيلُهُ سَوَاءٌ. وَنَحْوُهُ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ؛ لأَِنَّهُ نَجَاسَةٌ فَأَشْبَهَ الْبَوْل. وَحُكْمُ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ حُكْمُ الدَّمِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٥) .
_________
(١) الحطاب ١ / ١٤٦.
(٢) القوانين الفقهية ص ٣٨.
(٣) نيل المآرب ١ / ١٤، وتصحيح الفروع ١ / ٢٥٤.
(٤) تصحيح الفروع ١ / ٢٥٤.
(٥) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٨١ والشرح الصغير ١ / ٧١، ٧٢ روضة الطالبين ١ / ٢١ - ٢٨١، والمغني ٢ / ٧٨، ٨٠، وكشاف القناع ١ / ١٩٢.
ب - الْعَفْوُ عَنْ طِينِ الشَّوَارِعِ:
٩ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْعَفْوَ عَنْ يَسِيرِ طِينِ الشَّارِعِ النَّجِسِ لِعُسْرِ تَجَنُّبِهِ، قَال الزَّرْكَشِيُّ تَعْلِيقًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَوْضُوعِ: وَقَضِيَّةُ إِطْلاَقِهِمُ الْعَفْوَ عَنْهُ وَلَوِ اخْتَلَطَ بِنَجَاسَةِ كَلْبٍ أَوْ نَحْوِهِ - وَهُوَ الْمُتَّجِهُ لاَ سِيَّمَا فِي مَوْضِعٍ يَكْثُرُ فِيهِ الْكِلاَبُ - لأَِنَّ الشَّوَارِعَ مَعْدِنُ النَّجَاسَاتِ (١) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِذْ قَالُوا: إِنَّ طِينَ الشَّوَارِعِ الَّذِي فِيهِ نَجَاسَةٌ عَفْوٌ إِلاَّ إِذَا عُلِمَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ (٢)، وَالاِحْتِيَاطُ فِي الصَّلاَةِ غَسْلُهُ (٣) .
وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: الأَْحْوَال أَرْبَعَةٌ: الأُْولَى وَالثَّانِيَةُ: كَوْنُ الطِّينِ أَكْثَرَ مِنَ النَّجَاسَةِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهَا تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا، وَلاَ إِشْكَال فِي الْعَفْوِ فِيهِمَا، وَالثَّالِثَةُ: غَلَبَةُ النَّجَاسَةِ عَلَى الطِّينِ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا، وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَيَجِبُ غَسْلُهُ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الدَّرْدِيرُ تَبَعًا لاِبْنِ أَبِي زَيْدٍ.
_________
(١) أسنى المطالب ١ / ١٧٥، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٧٨، وكشاف القناع ١ / ١٩٢.
(٢) مراقي الفلاح ص٨٥.
(٣) الحموي على الأشباه والنظائر لابن نجيم ١ / ٢٤٨.
وَالرَّابِعَةُ: أَنْ تَكُونَ عَيْنُهَا قَائِمَةً وَهِيَ لاَ عَفْوَ فِيهَا اتِّفَاقًا (١)
ج - الْعَفْوُ عَنْ مَا لاَ يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ مِنَ النَّجَاسَاتِ:
١٠ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يُعْفَى عَنِ النَّجَاسَةِ الَّتِي لاَ يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ نَجَاسَةٍ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا الطَّرْفُ كَالَّذِي يَعْلَقُ بِأَرْجُل ذُبَابٍ (٣) وَنَحْوِهِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٤)
د - الْعَفْوُ عَنْ دَمِ مَا لاَ نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً:
١١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ دَمَ الْبَرَاغِيثِ وَالْبَقِّ وَالْقَمْل وَنَحْوِهَا مِنْ كُل مَا لاَ نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً طَاهِرٌ (٥) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: دَمُ الْبَرَاغِيثِ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَفِي كَثِيرِهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْعَفْوُ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي دَمِ الْقَمْل وَالْبَعُوضِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (٦) .
_________
(١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ١ / ٧٧.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٧٨، وروضة الطالبين ١ / ٢٨٢.
(٣) كشاف القناع ١ / ١٩٠.
(٤) سورة المدثر / ٤.
(٥) الحموي على الأشباه والنظائر ١ / ٢٤٨، والقوانين الفقهية، ص٣٨، وكشاف القناع ١ / ١٩١.
(٦) روضة الطالبين ١ / ٢٨٠.
وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (نَجَاسَة)
ثَانِيًا - الْعَفْوُ فِي الزَّكَاةِ:
١٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا بَيْنَ النِّصَابَيْنِ مِنَ الأَْنْعَامِ هَل فِيهِ زَكَاةٌ أَمْ لاَ؟
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمَالِكٌ فِي الصَّحِيحِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّ الْفَرْضَ فِي النِّصَابِ فَقَطْ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الأَْوْقَاصِ عَفْوٌ (١) .
وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، وَالْبُوَيْطِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْفَرْضَ يَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ.
(٢) أَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الأَْمْوَال الزَّكَوِيَّةِ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْعَفْوَ يَخْتَصُّ فِي زَكَاةِ السَّائِمَةِ، بِخِلاَفِ غَيْرِهَا مِنْ أَمْوَال الزَّكَاةِ كَالنَّقْدَيْنِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ (٣) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ: إِنَّ الْعَفْوَ يَجْرِي فِي كُل الأَْحْوَال حَتَّى فِي النَّقْدَيْنِ، وَمَا زَادَ عَلَى
_________
(١) حاشية رد المحتار ٢ / ٢٨٣، وفتح القدير ٢ / ١٩٧، والمنتقى للباجي ٢ / ١٢٧، ومواهب الجليل ٢ / ٢٥٧، والمجموع ٥ / ٣٩٠ - ٣٩٣، وكشاف القناع ٢ / ٨٩.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) حاشية رد المحتار ٢ / ٢٨٣، وبداية المجتهد ١ / ٢٤٧، والمجموع ٥ / ٤٥٧، وكشاف القناع ٢ / ١٧٠.
مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَفْوٌ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَفِيهَا دِرْهَمٌ آخَرُ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي: (أَوْقَاص ف ٤ وَمَا بَعْدَهَا) وَفِي: (زَكَاة ف ٧٢)
ثَالِثًا - الْعَفْوُ فِي الصِّيَامِ:
١٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ وَصَل جَوْفَ الصَّائِمِ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارُ الطَّرِيقِ، أَوْ غَرْبَلَةُ الدَّقِيقِ، أَوْ مَا تَبَقَّى بَيْنَ الأَْسْنَانِ مِنْ طَعَامٍ، فَجَرَى بِهِ رِيقُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَعَجَزَ عَنْ تَمْيِيزِهِ وَمَجِّهِ - لَمْ يُفْطِرْ فِي كُل ذَلِكَ؛ لأَِنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ ذَلِكَ مِمَّا يَعْسُرُ (٢) .
وَكَذَا لَوْ دَمِيَتْ لِثَتُهُ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً وَشَقَّ عَلَيْهِ الْبَصْقُ عُفِيَ عَنْ أَثَرِهِ، وَقَال الأَْذْرَعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَبْعُدُ أَنْ يُقَال فِيمَنْ عَمَّتْ بَلْوَاهُ بِذَلِكَ بِحَيْثُ يَجْرِي دَائِمًا أَوْ غَالِبًا، أَنْ يُسَامَحَ بِمَا يَشُقُّ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ فَيَكْفِي بَصْقُهُ الدَّمَ وَيُعْفَى عَنْ أَثَرِهِ (٣) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (صَوْم ف ٧٦ وَمَا بَعْدَهَا)
_________
(١) حاشية رد المحتار ٢ / ٢٨٣، وبداية المجتهد ١ / ٢٤٨، وعارضة الأحوذي ٣ / ١٠٢.
(٢) حاشية رد المحتار ٢ / ٣٩٥، والدردير بالشرح الصغير ١ / ٧٠٠، والقليوبي ٢ / ٥٦، وقواعد الأحكام ٢ / ١٠.
(٣) حاشية رد المحتار ٢ / ٧٩٦، والشرح الصغير ١ / ٧١٥، وحاشية القليوبي على منهاج الطالبين / ٥٧، والمغني لابن قدامة ٣ / ٩٧.
رَابِعًا - الْعَفْوُ فِي الْحَجِّ:
١٤ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ لَبِسَ الْمُحْرِمُ الْمَخِيطَ أَوْ تَطَيَّبَ أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِوُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى مَنْ فَعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا.
وَفَصَّل الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الطِّيبُ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَطَيُّب ف ١٢ وَ١٥)
الْعَفْوُ فِي الْمُعَامَلاَتِ:
أَوَّلًا - الْعَفْوُ عَنِ الشُّفْعَةِ:
١٥ - الْعَفْوُ عَنِ الشُّفْعَةِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ الرَّشِيدِ بِلاَ عِوَضٍ جَائِزٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - الاِعْتِيَاضَ
_________
(١) حديث: " إن الله وضع عن أمتي. . . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩) من حديث ابن عباس، وحسنه النووي في روضة الطالبين (٨ / ١٩٣) .
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ١٨٨، و١٨٩ وحاشية رد المحتار ٢ / ٥٤٣، ٥٤٥، والقوانين الفقهية ص ٩١ - ٩٣، وحاشية القليوبي وعميرة المنهاج ٢ / ١٣٣ - ١٣٥، وكشاف القناع ٢ / ٤٥٨.
عَنْ تَرْكِ الأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ (١)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِسْقَاط ف ٤١ وَ٤٢) (وَشُفْعَة ف ٥٥ وَمَا بَعْدَهَا)
ثَانِيًا - الْعَفْوُ عَنِ الْمَدِينِ:
١٦ - لِلدَّائِنِ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْمَدِينِ وَتَبْرَأُ بِذَلِكَ ذِمَّتُهُ مِنَ الدَّيْنِ (٢)
انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِبْرَاء ف ٤٠ وَمَا بَعْدَهَا) .
ثَالِثًا - الْعَفْوُ عَنِ الصَّدَاقِ:
١٧ - الصَّدَاقُ حَقٌّ خَالِصٌ لِلزَّوْجَةِ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٣)
وَلِلزَّوْجَةِ أَنْ تَعْفُوَ عَنِ الصَّدَاقِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، كَمَا أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الصَّدَاقِ، وَعَفْوُهُ يَكُونُ بِإِكْمَال الصَّدَاقِ عِنْدَ الطَّلاَقِ قَبْل الدُّخُول، وَلأَِوْلِيَاءِ النِّكَاحِ الْعَفْوُ كَذَلِكَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٤) .
_________
(١) البدائع ٦ / ٢٧١٥، والبهجة شرح التحفة ٢ / ١٢٢، ١٢٣، ومنح الجليل ٣ / ٥٩١، والجمل على المنهج ١٢٣، والقواعد لابن رجب ص١٩٩، وكشاف القناع ٤ / ١٥٨.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٢٦٣ - ٢٦٥، ٣١٧، والخرشي على خليل ٧ / ١٠٢، ١٠٣، والأشباه والنظائر للسيوطي ص١٧١، والمنثور في القواعد للزركشي ١ / ٨١ - ٨٦، وكشاف القناع ٤ / ٣٠٤.
(٣) سورة النساء / ٤.
(٤) سورة البقرة / ٢٣٧.
وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (مَهْر)
الْعَفْوُ فِي الْعُقُوبَاتِ:
أَوَّلًا - الْعَفْوُ عَنِ الْقِصَاصِ:
١٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (١)؛
وَلأَِنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِيهِ إِذْ أَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ، فَجَازَ لِمُسْتَحِقِّهِ تَرْكُهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَنَصَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى نَدْبِ الْعَفْوِ وَاسْتِحْبَابِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (٢) قَال الْجَصَّاصُ: نَدَبَهُ إِلَى الْعَفْوِ وَالصَّدَقَةِ، وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رُفِعَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قِصَاصٌ إِلاَّ أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ. (٣)
وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الْعَفْوُ إِحْسَانٌ وَالإِْحْسَانُ هُنَا أَفْضَل، وَاشْتُرِطَ أَلاَّ يَحْصُل بِالْعَفْوِ ضَرَرٌ، فَإِذَا حَصَل مِنْهُ ضَرَرٌ فَلاَ يُشْرَعُ.
_________
(١) سورة البقرة / ١٧٨.
(٢) سورة المائدة / ٤٥.
(٣) حديث أنس " ما رأيت النبي ﷺ رفع إليه شيء. . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ٦٣٧) وسكت عنه، وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٧ / ١٧٨): وإسناده لا بأس به.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ الْعَفْوِ إِلاَّ فِي قَتْل الْغِيلَةِ، وَهُوَ الْقَتْل لأَِخْذِ الْمَال؛ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى الْحِرَابَةِ، وَالْمُحَارِبُ إِذَا قَتَل وَجَبَ قَتْلُهُ، وَلاَ يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ؛ لأَِنَّ الْقَتْل لِدَفْعِ الْفَسَادِ فِي الأَْرْضِ، فَالْقَتْل هُنَا حَقٌّ لِلَّهِ لاَ لِلآْدَمِيِّ، وَعَلَى هَذَا يُقْتَل حَدًّا لاَ قَوَدًا (١) .
١٩ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُوجِبِ الْعَمْدِ فِي النَّفْسِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ فِي النَّفْسِ الْقِصَاصُ عَيْنًا، حَتَّى لاَ يَمْلِكَ وَلِيُّ الدَّمِ أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ مِنَ الْقَاتِل مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَلَوْ مَاتَ الْقَاتِل أَوْ عَفَا الْوَلِيُّ سَقَطَ الْمُوجِبُ أَصْلًا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةُ أَشْهَبَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ إِمَّا الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ أَحَدُهُمَا لاَ بِعَيْنِهِ، فَلِلْوَلِيِّ خِيَارُ التَّعْيِينِ، إِنْ شَاءَ اسْتَوْفَى الْقِصَاصَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ (٢) .
وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مُوجِبَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٤١، وأحكام القرآن للجصاص ١ / ١٨٦، والفواكه الدواني ٢ / ٢٥٥، وروضة الطالبين ١ ٩ / ٢٣٩، وكشاف القناع ٥ / ٥٤٣.
(٢) بدائع الصنائع ١٠ / ٤٦٤٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٤٠، وبداية المجتهد ٢ / ٣٩٣، ٣٩٤، روضة الطالبين ٩ / ٢٣٩، وكشاف القناع ٥ / ٥٤٣، والمغني ٨ / ٣٣٦.