الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠
مَا يَدْخُل فِي الْعَطَاءِ وَمَا لاَ يَدْخُل:
٩ - إِذَا نَفَقَتْ دَابَّةُ أَحَدِ الْمُثْبَتِينَ فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ فِي حَرْبٍ عُوِّضَ عَنْهَا، وَإِنْ نَفَقَتْ فِي غَيْرِ حَرْبٍ لَمْ يُعَوَّضْ.
وَإِذَا اسْتَهْلَكَ سِلاَحَهُ فِيهَا عُوِّضَ عَنْهُ إِنْ لَمْ يَدْخُل فِي تَقْدِيرِ عَطَائِهِ، وَلَمْ يُعَوَّضْ إِنْ دَخَل فِيهِ.
وَإِذَا جُرِّدَ لِسَفَرٍ أُعْطِيَ نَفَقَةَ سَفَرِهِ إِنْ لَمْ تَدْخُل فِي تَقْدِيرِ عَطَائِهِ، وَلَمْ يُعْطَ إِنْ دَخَلَتْ فِيهِ (١)
إِرْثُ الْعَطَاءِ:
١٠ - إِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْعَطَاءِ مِنْ دِيوَانِ الْجُنْدِ أَوْ قُتِل كَانَ مَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ عَطَاءٍ مَوْرُوثًا عَنْهُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ دَيْنٌ لِوَرَثَتِهِ فِي بَيْتِ الْمَال.
وَفَصَّل الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ الْقَوْل فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَال: وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ - أَيِ الْمُسْتَحِقِّينَ - بَعْدَ جَمْعِ الْمَال وَتَمَامِ الْحَوْل - إِنْ كَانَ الصَّرْفُ مُسَانَهَةً، وَفِي مَعْنَاهُ الشَّهْرُ إِنْ كَانَ مُشَاهَرَةً - فَنَصِيبُهُ لِوَارِثِهِ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ لاَزِمٌ لَهُ فَيَنْتَقِل لِوَارِثِهِ كَالدَّيْنِ وَلاَ يَسْقُطُ بِالإِْعْرَاضِ عَنْهُ كَالإِْرْثِ، وَمَنْ مَاتَ قَبْل تَمَامِ الْحَوْل وَبَعْدَ
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٠٦، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٤٣.
الْجَمْعِ لِلْمَال فَقِسْطُهُ لِوَارِثِهِ كَالأُْجْرَةِ فِي الإِْجَارَةِ، وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْل وَقَبْل جَمْعِ الْمَال فَلاَ شَيْءَ لِوَارِثِهِ إِذِ الْحَقُّ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِجَمْعِ الْمَال، وَلاَ شَيْءَ لِلْوَارِثِ بِالأَْوْلَى إِذَا مَاتَ مُوَرِّثُهُ الْمُثْبَتُ فِي الدِّيوَانِ قَبْل تَمَامِ الْحَوْل وَقَبْل الْجَمْعِ.
وَمَنْ مَاتَ مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ دُفِعَ إِلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلاَدِهِ الصِّغَارِ قَدْرُ كِفَايَتِهِمْ حَتَّى تَنْكِحَ الزَّوْجَةُ وَيَسْتَقِل الأَْوْلاَدُ بِالْكَسْبِ (١)
٢ - عَطَاءُ ذَوِي الْحَاجَةِ:
١١ - يَفْرِضُ الإِْمَامُ كَذَلِكَ لِلأَْيْتَامِ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل وَكُل مَنْ شَمَلَتْهُمْ آيَةُ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل الْقُرَى﴾ (٢) فَيَفْرِضُ لَهُمْ عَطَاءً وُجُوبًا فِي بَيْتِ الْمَال قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ
٣ - عَطَاءُ الْقَائِمِينَ بِالْمَصَالِحِ وَالْوَظَائِفِ الْعَامَّةِ:
١٢ - كُل مَنْ كَانَ عَمَلُهُ مَصْلَحَةً عَامَّةً لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ: قَاضٍ، وَمُفْتٍ، وَعَالِمٍ، وَمُعَلِّمِ قُرْآنٍ أَوْ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ، وَمُؤَذِّنٍ، وَإِمَامٍ
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٠٦، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٤٣، أسنى المطالب ٣ / ٩١، المغني ٦ / ٤١٨.
(٢) سورة الحشر / ٧.
يُفْرَضُ لَهُمُ الْعَطَاءُ فِي بَيْتِ الْمَال؛ لِئَلاَّ يَتَعَطَّل مَنْ ذُكِرَ بِالاِكْتِسَابِ عَنِ الاِشْتِغَال بِهَذِهِ الأَْعْمَال وَالْعُلُومِ وَعَنْ تَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ، وَعَنِ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ فَيُرْزَقُونَ لِيَتَفَرَّغُوا لِذَلِكَ.
وَقَدْرُ الْمُعْطَى إِلَى رَأْيِ الإِْمَامِ بِالْمَصْلَحَةِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ ضِيقِ الْمَال وَسَعَتِهِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْت الْمَال ف ١٢، ١٣) .
ثَانِيًا: الْعَطَاءُ الْمُنَجَّزُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ:
١٣ - الْعَطَاءُ الْمُنَجَّزُ كَالْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْوَقْفِ، وَالإِْبْرَاءِ مِنَ الدَّيْنِ، وَالْعَفْوِ عَنِ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَال، إِذَا كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ فَهِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَال، أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَطَاءُ فِي الْمَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَهُوَ مِنَ الثُّلُثِ فِي قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٢) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ (٣) وَالْحَدِيثُ يَدُل بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَكْثَرُ
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ٢٨١، مغني المحتاج ٣ / ٩٣، نهاية المحتاج ٦ / ١٣٩، المغني ٦ / ٤١٨.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٢١، القليوبي على المحلى ٣ / ١٦٢، المغني لابن قدامة ٦ / ٧١ وما بعده.
(٣) حديث: " إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم. . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٩٠٤) من حديث أبي هريرة، وأشار ابن حجر أن له طرقًا كلها ضعيفة لكن قد يقوى بعضها بعضًا. كما في بلوغ المرام (٣٩٩) .
مِنَ الثُّلُثِ؛ وَلأَِنَّ هَذِهِ الْحَال الظَّاهِرُ مِنْهَا الْمَوْتُ، فَكَانَ عَطِيَّةً فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فِي حَقِّ وَرَثَتِهِ لاَ تَتَجَاوَزُ الثُّلُثَ كَالْوَصِيَّةِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (وَصِيَّة) .
١٤ - وَحُكْمُ الْعَطَايَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَقِفُ نُفُوذُهَا عَلَى خُرُوجِهَا مِنَ الثُّلُثِ، وَإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهَا لاَ تَصِحُّ لِوَارِثٍ إِلاَّ بِإِجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ فَضِيلَتَهَا نَاقِصَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّدَقَةِ فِي الصِّحَّةِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِل عَنْ أَفْضَل الصَّدَقَةِ فَقَال: أَنْ تَصَّدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُل الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ، وَلاَ تُمْهِل حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلاَنٍ كَذَا، وَلِفُلاَنٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ. (٢)
الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُزَاحِمُ بِهَا الْوَصَايَا فِي الثُّلُثِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ خُرُوجَهَا مِنَ الثُّلُثِ مُعْتَبَرٌ حَال الْمَوْتِ، لاَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ.
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٥٢١، القليوبي ٣ / ١٦٢، والمغني ٦ / ٧١ وما بعده.
(٢) حديث: " أن تصدق وأنت صحيح شحيح. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٧٣)، ومسلم (٢ / ٧١٦) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.
وَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ فِي أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا لاَزِمَةٌ فِي حَقِّ الْمُعْطِي فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا وَإِنْ كَثُرَتْ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ عَنِ الزِّيَادَةِ مِنَ الثُّلُثِ إِنَّمَا كَانَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ لاَ لِحَقِّهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ إِجَازَتَهَا وَلاَ رَدَّهَا، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ؛ لأَِنَّ التَّبَرُّعَ مَشْرُوطٌ بِالْمَوْتِ فَفِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يُوجَدِ التَّبَرُّعُ وَلاَ الْعَطِيَّةُ، بِخِلاَفِ الْعَطِيَّةِ فِي الْمَرَضِ فَإِنَّهُ قَدْ وُجِدَتِ الْعَطِيَّةُ مِنْهُ وَالْقَبُول وَالْقَبْضُ مِنَ الْمُعْطَى فَلَزِمَتْ كَالْوَصِيَّةِ إِذَا قُبِلَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ.
الثَّانِي: أَنَّ قَبُولَهَا عَلَى الْفَوْرِ فِي حَال حَيَاةِ الْمُعْطِي، وَكَذَلِكَ رَدُّهَا، وَالْوَصَايَا لاَ حُكْمَ لِقَبُولِهَا وَلاَ رَدِّهَا إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْعَطِيَّةَ تَصَرُّفٌ فِي الْحَال، فَيُعْتَبَرُ شُرُوطُهُ وَقْتَ وُجُودِهِ، وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيُعْتَبَرُ شُرُوطُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْعَطِيَّةَ تَفْتَقِرُ إِلَى شُرُوطِهَا الْمَشْرُوطَةِ لَهَا فِي الصِّحَّةِ: مِنَ الْعِلْمِ، وَكَوْنِهَا لاَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ وَغَرَرٍ فِي غَيْرِ الْعِتْقِ، وَالْوَصِيَّةُ بِخِلاَفِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا قَوْل أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَزُفَرُ إِلاَّ فِي الْعِتْقِ، فَإِنَّهُ حُكِيَ عَنْهُمْ تَقْدِيمُهُ؛ لأَِنَّ الْعِتْقَ يَتَعَلَّقُ
بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَيَسْرِي وَقْفُهُ، وَيَنْفُذُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ، وَلِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْعَطِيَّةَ لاَزِمَةٌ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْوَصِيَّةِ كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ، وَكَمَا لَوْ تَسَاوَى الْحَقَّانِ (١) .
الْخَامِسُ: أَنَّ الْوَاهِبَ إِذَا مَاتَ قَبْل الْقَبْضِ لِلْهِبَةِ الْمُنَجَّزَةِ كَانَتِ الْخِيَرَةُ لِلْوَرَثَةِ إِنْ شَاءُوا قَبَضُوا وَإِنْ شَاءُوا مَنَعُوا، وَالْوَصِيَّةُ تَلْزَمُ بِالْقَبُول بَعْدَ الْمَوْتِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ (٢) .
أَمَّا مَا لَزِمَ الْمَرِيضَ فِي مَرَضِهِ مِنْ حَقٍّ لاَ يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ وَإِسْقَاطُهُ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَمَا عَاوَضَ بِثَمَنِ الْمِثْل، وَمَا يُتَغَابَنُ بِهِ زِيَادَةً مِنَ الثُّلُثِ فَهُوَ مِنْ صُلْبِ الْمَال، وَكَذَا إِنْ تَزَوَّجَ بِمَهْرِ الْمِثْل يُحْسَبُ مِنْ صُلْبِ الْمَال؛ لأَِنَّهُ صَرَفَ مَالَهُ فِي حَاجَةٍ فِي نَفْسِهِ فَيُقَدَّمُ بِذَلِكَ عَلَى وَارِثِهِ، وَإِنِ اشْتَرَى أَطْعِمَةً لاَ يَأْكُل مِنْهَا مِثْلُهُ جَازَ وَصَحَّ شِرَاؤُهُ؛ لأَِنَّهُ صَرَفَهُ فِي حَاجَتِهِ (٣) .
١٦ - وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي هَذِهِ أَحْكَامُهُ فِي الْعَطَاءِ شَرْطَانِ:
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٤٣٥ وما بعده، شرح فتح القدير ٩ / ٣٨٩ وما بعده، القليوبي ٣ / ١٦٢، المغني ٦ / ٧١، ٧٢.
(٢) المصادر السابقة، وابن عابدين ٥ / ٤٣٥، القليوبي ٣ / ١٦٢.
(٣) المصادر السابقة، وابن عابدين ٥ / ٤٣٥، المغني ٦ / ٨٣ - ٩٤.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَّصِل بِمَرَضِهِ الْمَوْتُ، وَلَوْ شُفِيَ مِنْ مَرَضِهِ الَّذِي أَعْطَى فِيهِ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَحُكْمُ عَطِيَّتِهِ حُكْمُ عَطِيَّةِ الصَّحِيحِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِ الْمَوْتِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَخُوفًا، وَهُوَ مَا لاَ تَمْتَدُّ مَعَهُ الْحَيَاةُ عَادَةً فِي الأَْغْلَبِ الأَْعَمِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا كَالصُّدَاعِ الْيَسِيرِ وَنَحْوِهِ فَحُكْمُ صَاحِبِهِ حُكْمُ الصَّحِيحِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُخَافُ مِنْهُ عَادَةً، وَإِنْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ مَخُوفًا لَمْ يَثْبُتْ إِلاَّ بِشَهَادَةِ طَبِيبَيْنِ عَدْلَيْنِ، أَمَّا الأَْمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ كَالْجُذَامِ وَالسُّل فَإِنْ أَضْنَى صَاحِبَهُ عَلَى فِرَاشِهِ فَهِيَ مَخُوفَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ فِرَاشٍ بَل كَانَ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ فَعَطَايَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَال، وَبِهِ يَقُول الْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ، وَمَالِكٌ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ قَالُوا: لأَِنَّهَا أَمْرَاضٌ مُزْمِنَةٌ لاَ قَاتِلَةٌ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ لاَ يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ فَتُحْسَبُ عَطِيَّتُهُ مِنْ صُلْبِ الْمَال (١)
ثَالِثًا: عَطَاءُ الأَْوْلاَدِ:
١٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلأَْصْل وَإِنْ عَلاَ الْعَدْل فِيمَا يُعْطِيهِ أَوْلاَدَهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الْعَطِيَّةُ هِبَةً أَمْ هَدِيَّةً أَمْ صَدَقَةً أَمْ وَقْفًا أَمْ تَبَرُّعًا آخَرَ (٢) لِحَدِيثِ: ﴿
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٤٢٣، المغني ٦ / ٨٤.
(٢) ابن عابدين ٣ / ٤٢٢، نهاية المحتاج ٥ / ٤١٥، القليوبي على المحلي ٣ / ١١٢.
اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ (١)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (تَسْوِيَة ف ١١ وَ١٢) .
عُطَاس
انْظُرْ: تَشْمِيت
عَطَب
انْظُرْ: تَلَف
عِطْر
انْظُرْ: تَطَيُّب
عَطِيَّة
انْظُرْ: هِبَة
_________
(١) حديث: " اتقوا الله واعدلوا. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٢١١) ومسلم (٣ / ١٢٤٣) من حديث النعمان بن بشير واللفظ للبخاري.
عَظْم
التَّعْرِيفُ:
١ - الْعَظْمُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ اللَّحْمُ مِنْ قَصَبِ الْحَيَوَانِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ (١)، وَالْجَمْعُ أَعْظُمُ وَعِظَامٌ، وَعَظَامِهُ بِالْهَاءِ لِتَأْنِيثِ الْجَمْعِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ
(٢) الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعَظْمِ:
طَهَارَةُ الْعَظْمِ أَوْ نَجَاسَتُهُ:
٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ عَظْمَ الآْدَمِيِّ طَاهِرٌ سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٣) الآْيَةَ، وَمِنَ التَّكْرِيمِ أَنْ لاَ يُحْكَمَ بِنَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ.
وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ عَظْمَ السَّمَكِ يَبْقَى طَاهِرًا بَعْدَ مَوْتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿
_________
(١) سورة المؤمنون / ١٤.
(٢) لسان العرب.
(٣) سورة الإسراء / ٧٠.
أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ الْجَرَادُ وَالْحِيتَانُ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَال.
(١) كَمَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ عَظْمَ مَأْكُول اللَّحْمِ الْمَذْبُوحِ شَرْعًا طَاهِرٌ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي عَظْمِ الْمَيْتَةِ أَوِ الْمَذْبُوحِ الَّذِي لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّ عِظَامَ الْمَيْتَةِ نَجِسَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مَيْتَةَ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ أَوْ مَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ، وَسَوَاءٌ فِي غَيْرِ مَأْكُول اللَّحْمِ ذُبِحَ أَوْ لَمْ يُذْبَحْ، وَأَنَّهَا لاَ تَطْهُرُ بِحَالٍ، وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (٢)؛ وَلأَِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄: كَرِهَ أَنْ يَدَّهِنَ فِي عَظْمِ فِيلٍ؛ لأَِنَّهُ مَيْتَةٌ، وَالسَّلَفُ يُطْلِقُونَ الْكَرَاهَةَ وَيُرِيدُونَ بِهَا التَّحْرِيمَ، كَمَا يَقُول النَّوَوِيُّ. وَكَذَا مَا أُبِينَ مِنْ حَيَوَانٍ نَجِسِ الْمَيْتَةِ مِنَ الْعِظَامِ سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا؛ لأَِنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَال خِلْقَةٍ فَأَشْبَهَ الأَْعْضَاءَ، وَكَرِهَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵃ عِظَامَ الْفِيَلَةِ، وَرَخَّصَ فِي الاِنْتِفَاعِ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَابْنُ جُرَيْجٍ
_________
(١) حديث: " أحلت لنا ميتتان ودمان. . . ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ١١٠٢) وذكره البيهقي (١ / ٢٥٤) موقوفًا على ابن عمر وقال: هذا إسناد صحيح وهو في معنى المسند.
(٢) سورة المائدة / ٣.