الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠
عَطَاء
التَّعْرِيفُ
١ - الْعَطَاءُ - يُمَدُّ وَيُقْصَرُ - مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَطْوِ: وَهُوَ التَّنَاوُل، يُقَال: عَطَوْتُ الشَّيْءَ أَعْطُو: تَنَاوَلْتُهُ، وَفِي الأَْثَرِ: أَرْبَى الرِّبَا عَطْوُ الرَّجُل عِرْضَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ (١) أَيْ: تَنَاوُلُهُ بِالذَّمِّ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِمَا يُعْطَى بِهِ، وَالْجَمْعُ عَطَايَا، وَأَعْطِيَةٌ (٢) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: اسْمٌ لِمَا يَفْرِضُهُ الإِْمَامُ فِي بَيْتِ الْمَال لِلْمُسْتَحِقِّينَ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الرِّزْقُ:
٢ - الرِّزْقُ: وَهُوَ بِالْكَسْرِ مَأْخُوذٌ مِنْ رَزَقَ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ لُغَةً: مَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَالْجَمْعُ أَرْزَاقٌ.
_________
(١) حديث: " أربى الربا عطو الرجل عرض. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ١٩٣) من حديث سعيد بن زيد بلفظ " إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق " وذكره المنذري في الترغيب (٣ / ٣٤٠) وقال: رواه أحمد والبزار ورواة أحمد ثقات.
(٢) لسان العرب، متن اللغة، المصباح المنير.
(٣) ابن عابدين ٥ / ٤١١.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْعَطَاءُ، وَيَشْمَل مَا يَفْرِضُهُ الإِْمَامُ فِي بَيْتِ الْمَال لِلْمُسْتَحِقِّينَ، وَغَيْرَهُ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ كَالْوَقْفِ وَالْهِبَةِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُدْفَعُ بِلاَ مُقَابِلٍ.
قَال الرَّاغِبُ: يُقَال لِلْعَطَاءِ الْجَارِي: رِزْقٌ، دِينِيًّا كَانَ أَمْ دُنْيَوِيًّا، وَلِلنَّصِيبِ، وَلِمَا يَصِل إِلَى الْجَوْفِ وَيُتَغَذَّى بِهِ. (١)
وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْعَطَاءِ وَالرِّزْقِ فَقَالُوا: الرِّزْقُ: مَا يُفْرَضُ لِلرَّجُل فِي بَيْتِ الْمَال بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَالْكِفَايَةِ، مُشَاهَرَةً أَوْ مُيَاوَمَةً، وَالْعَطَاءُ: مَا يُفْرَضُ لِلرَّجُل فِي كُل سَنَةٍ لاَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ بَل بِصَبْرِهِ وَعَنَائِهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَفِي قَوْلٍ لَهُمْ: الْعَطَاءُ: مَا يُفْرَضُ لِلْمُقَاتِل، وَالرِّزْقُ: مَا يُجْعَل لِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ الْمَال وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُقَاتِلِينَ (٢) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعَطَاءِ:
أَوَّلًا: الْعَطَاءُ مِنْ بَيْتِ الْمَال:
يُصْرَفُ الْعَطَاءُ مِنْ بَيْتِ الْمَال لأَِصْنَافٍ:
١ - عَطَاءُ الْجُنْدِ:
ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى أَنَّ الإِْثْبَاتَ فِي الدِّيوَانِ مُعْتَبَرٌ بِثَلاَثَةِ شُرُوطٍ:
٣ - الأَْوَّل: الْوَصْفُ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الإِْثْبَاتُ فِي
_________
(١) لسان العرب، ابن عابدين ٣ / ٢٨١.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٤١١.
الدِّيوَانِ، وَيُرَاعَى فِيهِ خَمْسَةُ أَوْصَافٍ:
الْوَصْفُ الأَْوَّل: الْبُلُوغُ؛ لأَِنَّ الصَّبِيَّ مِنْ جُمْلَةِ الذَّرَارِيِّ وَالأَْتْبَاعِ فَلَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُهُ فِي دِيوَانِ الْجَيْشِ وَيَجْرِي فِي عَطَاءِ الذَّرَارِيِّ.
الْوَصْفُ الثَّانِي: الْحُرِّيَّةُ؛ لأَِنَّ الْمَمْلُوكَ لِسَيِّدِهِ، فَكَانَ دَاخِلًا فِي عَطَائِهِ. . وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَمَا أَخَذَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، وَذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ قَال: " مَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ إِلاَّ وَلَهُ فِي هَذَا الْمَال نَصِيبٌ إِلاَّ عَبْدًا مَمْلُوكًا (١) .
وَأَسْقَطَ أَبُو حَنِيفَةَ اعْتِبَارَ الْحُرِّيَّةِ، وَجَوَّزَ إِفْرَادَ الْعَبِيدِ بِالْعَطَاءِ فِي دِيوَانِ الْمُقَاتِلَةِ، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
الْوَصْفُ الثَّالِثُ: الإِْسْلاَمُ، لِيَدْفَعَ عَنِ الْمِلَّةِ بِاعْتِقَادِهِ، وَيُوثَقُ بِنُصْحِهِ وَاجْتِهَادِهِ، فَإِنْ أُثْبِتَ ذِمِّيٌّ لَمْ يَجُزْ، وَإِنِ ارْتَدَّ مُسْلِمٌ سَقَطَ. . وَهَذَا قِيَاسُ قَوْل أَحْمَدَ؛ لأَِنَّهُ مَنَعَ أَنْ يُسْتَعَانَ بِالْكُفَّارِ فِي الْجِهَادِ.
الْوَصْفُ الرَّابِعُ: السَّلاَمَةُ مِنَ الآْفَاتِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِتَال، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَمِنًا وَلاَ أَعْمَى وَلاَ أَقْطَعَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخْرَسَ أَوْ أَصَمَّ، فَأَمَّا الأَْعْرَجُ فَإِنْ كَانَ فَارِسًا أُثْبِتَ،
_________
(١) أثر عمر: " ما من المسلمين أحد إلا وله. . . ". أخرجه أحمد (١ / ٤٢)، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١ / ٢٨١) .
وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا لَمْ يُثْبَتْ.
الْوَصْفُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِقْدَامٌ عَلَى الْحَرْبِ وَمَعْرِفَةٌ بِالْقِتَال، فَإِنْ ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ عَنِ الإِْقْدَامِ أَوْ قَلَّتْ مَعْرِفَتُهُ بِالْقِتَال لَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُهُ؛ لأَِنَّهُ مُرْصَدٌ لِمَا هُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ.
فَإِذَا تَكَامَلَتْ هَذِهِ الأَْوْصَافُ فِي شَخْصٍ كَانَ إِثْبَاتُهُ فِي دِيوَانِ الْجَيْشِ مَوْقُوفًا عَلَى الطَّلَبِ وَالإِْيجَابِ، الطَّلَبِ مِنْهُ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ كُل عَمَلٍ، وَالإِْيجَابِ مِنْ وَلِيِّ الأَْمْرِ إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ.
وَإِذَا أُثْبِتَ فِي الدِّيوَانِ مَشْهُورُ الاِسْمِ نَبِيهُ الْقَدْرِ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يُحَلَّى فِيهِ أَوْ يُنْعَتَ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْمَغْمُورِينَ فِي النَّاسِ حُلِّيَ وَنُعِتَ، لِئَلاَّ تَتَّفِقَ الأَْسْمَاءُ أَوْ يُدْعَى وَقْتَ الْعَطَاءِ، وَضُمَّ إِلَى نَقِيبٍ عَلَيْهِ أَوْ عَرِيفٍ لَهُ لِيَكُونَ مَأْخُوذًا بِدَرَكِهِ (١) .
الثَّانِي: السَّبَبُ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِي التَّرْتِيبِ:
٤ - إِذَا أُثْبِتَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي دِيوَانِ الْجَيْشِ اعْتُبِرَ فِي تَرْتِيبِهِمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا عَامٌّ، وَالآْخَرُ خَاصٌّ.
فَأَمَّا الْعَامُّ: فَهُوَ تَرْتِيبُ الْقَبَائِل وَالأَْجْنَاسِ حَتَّى تَتَمَيَّزَ كُل قَبِيلَةٍ عَنْ غَيْرِهَا وَكُل جِنْسٍ عَمَّنْ خَالَفَهُ، لِتَكُونَ دَعْوَةُ الدِّيوَانِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ مَعْرُوفٍ بِالنَّسَبِ يَزُول بِهِ التَّنَازُعُ
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٠٣، ٢٠٤، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٤٠، ٢٤١، نهاية المحتاج ٦ / ١٣٩، المغني ٦ / ٤١٨.
وَالتَّجَاذُبُ، فَإِنْ كَانُوا عَرَبًا تَرَتَّبَتْ قَبَائِلُهُمْ بِالْقُرْبَى مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَمَا فَعَل عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حِينَ دَوَّنَهُمْ، فَيَكُونُ بَنُو هَاشِمٍ قُطْبَ التَّرْتِيبِ، ثُمَّ مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ أَقْرَبِ الأَْنْسَابِ إِلَيْهِمْ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ الأَْنْصَارُ، ثُمَّ سَائِرُ الْعَرَبِ ثُمَّ الْعَجَمُ، وَإِنْ كَانُوا عَجَمًا لاَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى نَسَبٍ فَالَّذِي يَجْمَعُهُمْ عِنْدَ فَقْدِ النَّسَبِ أَمْرَانِ: إِمَّا أَجْنَاسٌ، وَإِمَّا بِلاَدٌ، فَإِذَا تَمَيَّزُوا بِأَحَدِهِمَا وَكَانَ لَهُمْ سَابِقَةٌ فِي الإِْسْلاَمِ تَرَتَّبُوا عَلَيْهَا فِي الدِّيوَانِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ سَابِقَةٌ تَرَتَّبُوا بِالْقُرْبِ مِنْ وَلِيِّ الأَْمْرِ، فَإِنْ تَسَاوَوْا فَبِالسَّبْقِ إِلَى طَاعَتِهِ.
وَأَمَّا التَّرْتِيبُ الْخَاصُّ: فَهُوَ تَرْتِيبُ الْوَاحِدِ بَعْدَ الْوَاحِدِ، فَيُرَتَّبُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِالسَّابِقَةِ فِي الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ تَكَافَأُوا فَبِالدِّينِ، فَإِنْ تَقَارَبُوا فِيهِ فَبِالسِّنِّ، فَإِنْ تَقَارَبُوا فِيهِ فَبِالشَّجَاعَةِ، فَإِنْ تَقَارَبُوا فِيهَا فَوَلِيُّ الأَْمْرِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُرَتِّبَهُمْ بِالْقُرْعَةِ أَوْ يُرَتِّبَهُمْ عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ. (١)
الثَّالِثُ: الْحَال الَّذِي يُقَدَّرُ بِهِ الْعَطَاءُ:
٥ - تَقْدِيرُ الْعَطَاءِ لِمَنْ يُثْبَتُ فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٠٤ / ٢٠٥، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٤١ - ٢٤٢، المغني ٦ / ٤١٧، نهاية المحتاج ٦ / ١٣٩.
مُعْتَبَرٌ بِالْكِفَايَةِ حَتَّى يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْتِمَاسِ مَادَّةٍ تَقْطَعُهُ عَنْ حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ. وَالْكِفَايَةُ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: عَدَدُ مَنْ يَعُولُهُمْ مِنَ الذَّرَارِيِّ وَالزَّوْجَاتِ وَالْخَدَمِ وَغَيْرِهِمْ، فَيُزَادُ ذُو الْوَلَدِ وَالزَّوْجَاتِ مِنْ أَجْل وَلَدِهِ وَزَوْجَاتِهِ، وَيُزَادُ مَنْ لَهُ خَدَمٌ لِمَصْلَحَةِ الْحَرْبِ أَوْ لِلْخِدْمَةِ بِمَا يَلِيقُ بِمِثْلِهِ حَسْبَ مُؤْنَتِهِمْ فِي كِفَايَتِهِ. وَيُرَاعَى حَالُهُ فِي مُرُوءَتِهِ وَعَادَةِ الْبَلَدِ فِي الْمَطْعُومِ وَالْمُؤْنَةِ.
الثَّانِي: عَدَدُ مَا يَرْتَبِطُهُ مِنَ الْخَيْل وَالظَّهْرِ، فَيُزَادُ ذُو الْفَرَسِ مِنْ أَجْل فَرَسِهِ وَكَذَلِكَ ذُو الظَّهْرِ.
الثَّالِثُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يَحِلُّهُ فِي الْغَلاَءِ وَالرُّخْصِ؛ لأَِنَّ الْغَرَضَ الْكِفَايَةُ.
وَبِمُرَاعَاةِ هَذِهِ الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي بَيَانِ الْكِفَايَةِ تُقَدَّرُ النَّفَقَةُ، فَيَكُونُ مَا يُقَدَّرُ فِي عَطَائِهِ، ثُمَّ يُعْرَضُ حَالُهُ، فَإِنْ زَادَتْ رَوَاتِبُهُ الْمَاسَّةُ زِيدَ، وَإِنْ نَقَصَتْ نُقِصَ (١) .
٦ - وَإِذَا اتَّفَقَ مُثْبَتُونَ فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلاَثَةِ وَتَفَاوَتُوا فِي غَيْرِهَا كَالسَّبْقِ إِلَى الإِْسْلاَمِ وَالْغَنَاءِ فِيهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْخِصَال. . فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ التَّفْضِيل بِسَبَبِ
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٠٥، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٤٢، أسنى المطالب ٣ / ٨٩، المغني ٦ / ٤١٧.
هَذَا التَّفَاوُتِ، تَبَعًا لاِخْتِلاَفِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ:
فَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَرَى التَّسْوِيَةَ فِي الْعَطَاءِ وَلاَ يَرَى التَّفْضِيل بِالسَّابِقَةِ، وَكَذَلِكَ كَانَ رَأْيُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي خِلاَفَتِهِ، وَبِهِ أَخَذَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَصَرَّحَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ بِأَنَّهُ لاَ يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ - أَيْ مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ - لِنَسَبٍ عَرِيقٍ أَوْ سَبْقِ الإِْسْلاَمِ وَالْهِجْرَةِ وَسَائِرِ الْخِصَال الْمَرْضِيَّةِ وَإِنِ اتَّسَعَ الْمَال، بَل يَسْتَوُونَ كَالإِْرْثِ وَالْغَنِيمَةِ؛ لأَِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ بِسَبَبِ تَرَصُّدِهِمْ لِلْجِهَادِ وَكُلُّهُمْ مُتَرَصِّدُونَ لَهُ.
وَكَانَ رَأْيُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ التَّفْضِيل بِالسَّابِقَةِ فِي الإِْسْلاَمِ، وَكَذَلِكَ كَانَ رَأْيُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعْدَهُ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ (١) .
وَقَدْ نَاظَرَ عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - حِينَ سَوَّى بَيْنَ النَّاسِ فَقَال: أَتُسَوِّي بَيْنَ مَنْ هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ وَصَلَّى إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ، وَبَيْنَ مَنْ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ خَوْفَ السَّيْفِ؟ فَقَال لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا عَمِلُوا لِلَّهِ، وَإِنَّمَا أُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ بَلاَغٍ لِلرَّاكِبِ، فَقَال
_________
(١) أسنى المطالب ٣ / ٩٠، المغني ٦ / ٤١٧ - ٤١٨، الأحكام السلطانية للماوردي ٢٠١، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٣٨.
لَهُ عُمَرُ: لاَ أَجْعَل مَنْ قَاتَل رَسُول اللَّهِ ﷺ كَمَنْ قَاتَل مَعَهُ
وَلَمَّا وَضَعَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الدِّيوَانَ فَضَّل بِالسَّابِقَةِ، فَفَرَضَ لِكُل وَاحِدٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَْوَّلِينَ خَمْسَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ فِي كُل سَنَةٍ (١)، وَلِنَفْسِهِ مَعَهُمْ، وَأَلْحَقَ بِهِمُ الْعَبَّاسَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ لِمَكَانِهِمْ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَفَرَضَ لِكُل مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَْنْصَارِ أَرْبَعَةَ آلاَفٍ، وَلَمْ يُفَضِّل عَلَى أَهْل بَدْرٍ أَحَدًا إِلاَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ وَفَرَضَ لِمَنْ هَاجَرَ قَبْل الْفَتْحِ ثَلاَثَةَ آلاَفٍ، وَلِمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْفَتْحِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَفَرَضَ لِغِلْمَانٍ أَحْدَاثٍ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَْنْصَارِ كَفَرَائِضِ مُسْلِمِي الْفَتْحِ.
وَفَرَضَ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيِّ أَرْبَعَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ؛ لأَِنَّ أُمَّهُ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا قَال لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: لِمَ تُفَضِّل عُمَرَ عَلَيْنَا وَقَدْ هَاجَرَ آبَاؤُنَا وَشَهِدُوا بَدْرًا؟ قَال: أُفَضِّلُهُ لِمَكَانِهِ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلْيَأْتِ الَّذِي يَسْتَعْتِبُ بِأُمٍّ مِثْل أُمِّ سَلَمَةَ أَعْتِبُهُ.
_________
(١) أثر عمر: " أنه فرض للبدريين خمسة آلاف. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٧ / ٣٢٣) عن إسماعيل عن قيس قال: كان عطاء البدريين خمسة آلاف، خمسة آلاف وقال عمر: لأفضلنهم على من بعدهم.
وَفَرَضَ عُمَرُ ﵁ لأُِسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَرْبَعَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ، فَقَال لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: فَرَضْتَ لِي ثَلاَثَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ وَفَرَضْتَ لأُِسَامَةَ أَرْبَعَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ وَقَدْ شَهِدْتُ مَا لَمْ يَشْهَدْ أُسَامَةُ، فَقَال عُمَرُ: زِدْتُهُ لأَِنَّهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْكَ، وَكَانَ أَبُوهُ أَحَبَّ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ أَبِيكَ.
ثُمَّ فَرَضَ لِلنَّاسِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ وَقِرَاءَتِهِمْ لِلْقُرْآنِ وَجِهَادِهِمْ، وَفَرَضَ لأَِهْل الْيَمَنِ وَقَيْسٍ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ لِكُل رَجُلٍ مِنْ أَلْفَيْنِ إِلَى أَلْفٍ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ إِلَى ثَلاَثِمِائَةٍ (١) .
الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِفَايَةِ:
٧ - إِذَا قُدِّرَ رِزْقُ مَنْ أُثْبِتَ فِي الدِّيوَانِ بِالْكِفَايَةِ هَل يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَيْهَا؟
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذَا اتَّسَعَ الْمَال لَهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ؛ لأَِنَّهُ قَال فِي رِوَايَةِ أَبِي النَّضْرِ الْعِجْلِيِّ: وَالْفَيْءُ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، فَقَدْ جَعَل لِلْغَنِيِّ حَقًّا فِي الزِّيَادَةِ، وَالْغَنِيُّ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا فَضَل عَنْ حَاجَتِهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٠١ - ٢٠٢، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٣٨ - ٢٣٩.
الْكِفَايَةِ لاَ تَجُوزُ وَإِنِ اتَّسَعَ الْمَال؛ لأَِنَّ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال لاَ تُوضَعُ إِلاَّ فِي الْحُقُوقِ اللاَّزِمَةِ (١)
وَقْتُ الْعَطَاءِ:
٨ - وَيَكُونُ وَقْتُ الْعَطَاءِ لِلْمُثْبَتِينَ فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ مَعْلُومًا يَتَوَقَّعُهُ الْجَيْشُ عِنْدَ الاِسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْوَقْتِ الَّذِي تُسْتَوْفَى فِيهِ حُقُوقُ بَيْتِ الْمَال، فَإِنْ كَانَتْ تُسْتَوْفَى فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنَ السَّنَةِ جُعِل الْعَطَاءُ فِي رَأْسِ كُل سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَوْفَى فِي وَقْتَيْنِ جُعِل الْعَطَاءُ فِي كُل سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَوْفَى فِي كُل شَهْرٍ جُعِل الْعَطَاءُ فِي رَأْسِ كُل شَهْرٍ، لِيَكُونَ الْمَال مَصْرُوفًا إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ عِنْدَ حُصُولِهِ فَلاَ يُحْبَسُ عَنْهُمْ إِذَا اجْتَمَعَ وَلاَ يُطَالِبُونَ بِهِ إِذَا تَأَخَّرَ.
وَإِذَا تَأَخَّرَ الْعَطَاءُ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ وَكَانَ حَاصِلًا فِي بَيْتِ الْمَال كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّينَ الْمُطَالَبَةُ بِهِ كَالدُّيُونِ الْمُسْتَحَقَّةِ.
وَإِنْ أَعْوَزَ بَيْتُ الْمَال لِعَوَارِضَ أَبْطَلَتْ حُقُوقَهُ أَوْ أَخَّرَتْهَا كَانَتْ أَرْزَاقُهُمْ دَيْنًا عَلَى بَيْتِ الْمَال وَلَيْسَ لَهُمْ مُطَالَبَةُ وَلِيِّ الأَْمْرِ بِهِ كَمَا لَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ مُطَالَبَةُ مَنْ أَعْسَرَ بِدَيْنِهِ (٢) .
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٠٥، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٤٣.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٠٦، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٤٣.