الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠
الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ أَكْل مَا يَتَأَذَّى مِنْ رَائِحَتِهِ، وَمِنَ الْغَزْل.
وَعَلَى هَذَا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ التَّزَيُّنِ بِمَا يَتَأَذَّى بِرِيحِهِ، كَأَنْ يَتَأَذَّى بِرَائِحَةِ الْحِنَّاءِ الْمُخْضَرِّ وَنَحْوِهِ، وَلَهُ ضَرْبُهَا بِتَرْكِ الزِّينَةِ إِذَا كَانَ يُرِيدُهَا (١) .
وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَلَهُ جَبْرُهَا عَلَى التَّطْيِيبِ وَالاِسْتِحْدَادِ (٢) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُجْبِرَ زَوْجَتَهُ عَلَى غَسْل مَا تَنَجَّسَ مِنْ أَعْضَائِهَا لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ لُبْسِ مَا كَانَ نَجِسًا، وَلُبْسِ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى التَّنْظِيفِ بِالاِسْتِحْدَادِ وَقَلْمِ الأَْظَافِرِ وَإِزَالَةِ شَعْرِ الإِْبِطِ وَالأَْوْسَاخِ سَوَاءٌ تَفَاحَشَ أَوْ لَمْ يَتَفَاحَشْ، وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ أَكْل مَا يَتَأَذَّى مِنْ رَائِحَتِهِ كَبَصَلٍ وَثُومٍ وَمِنْ أَكْل مَا يَخَافُ مِنْهُ حُدُوثَ مَرَضٍ (٣) .
د - التَّأْدِيبُ عِنْدَ النُّشُوزِ:
١٥ - مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ تَأْدِيبُهَا عِنْدَ النُّشُوزِ وَالْخُرُوجِ عَلَى طَاعَتِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ
_________
(١) فتح القدير ٢ / ٥٢٠ ط. الأميرية ١٣١٥هـ.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٣٤١ ط. الأميرية ١٣١٠هـ.
(٣) مغني المحتاج ٣ / ١٨٩، كشاف القناع ٥ / ١٩٠.
أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ . (١)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَأْدِيب ف ٨) مُصْطَلَحِ: (نُشُوز) .
هـ - عَدَمُ الإِْذْنِ لِمَنْ يَكْرَهُ الزَّوْجُ دُخُولَهُ:
١٦ - مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَلاَّ تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ لأَِحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَحِل لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَلاَ تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ. (٢)
وَنَقَل ابْنُ حَجَرٍ عَنِ النَّوَوِيِّ قَوْلَهُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُفْتَاتُ عَلَى الزَّوْجِ بِالإِْذْنِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لاَ تَعْلَمُ رِضَا الزَّوْجِ بِهِ، أَمَّا لَوْ عَلِمَتْ رِضَا الزَّوْجِ بِذَلِكَ فَلاَ حَرَجَ عَلَيْهَا، كَمَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِإِدْخَال الضِّيفَانِ مَوْضِعًا مُعَدًّا لَهُمْ سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا أَمْ غَائِبًا فَلاَ يَفْتَقِرُ إِدْخَالُهُمْ إِلَى إِذْنٍ خَاصٍّ لِذَلِكَ. . وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِ إِذْنِهِ تَفْصِيلًا أَوْ إِجْمَالًا (٣) .
_________
(١) سورة النساء / ٣٤، وانظر أحكام القرآن للجصاص ٢ / ٢٢٩، حاشية ابن عابدين ٣ / ١٨٨، مواهب الجليل ٤ / ١٥، ١٦، مغني المحتاج ٣ / ٢٥٩، المغني ٧ / ٤٦.
(٢) حديث: " لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٢٩٥)، ومسلم (٢ / ٧١١) واللفظ للبخاري.
(٣) فتح الباري ٩ / ٢٩٦ ط مكتبة الرياض، ومطالب أولى النهي ٥ / ٢٥٨ ط. المكتب الإسلامي بدمشق.
و- عَدَمُ الْخُرُوجِ مِنَ الْبَيْتِ إِلاَّ بِإِذْنِ الزَّوْجِ:
١٧ - مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَلاَّ تَخْرُجَ مِنَ الْبَيْتِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (١) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ؟ فَقَال: حَقُّهُ عَلَيْهَا أَلاَّ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ لَعَنَتْهَا مَلاَئِكَةُ السَّمَاءِ وَمَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ حَتَّى تَرْجِعَ. (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (زَوْج ف ٥، ٦) .
ز - الْخِدْمَةُ:
١٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ خِدْمَةِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ خِدْمَةُ زَوْجِهَا، وَالأَْوْلَى لَهَا فِعْل مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ خِدْمَةِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا دِيَانَةً لاَ قَضَاءً
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ خِدْمَةُ زَوْجِهَا فِي الأَْعْمَال الْبَاطِنَةِ الَّتِي جَرَتِ
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٣٤١، فتح القدير ٣ / ٣٠٤، الفواكه الدواني ٢ / ٤٨، المغني ٧ / ٢٠.
(٢) حديث: " أن امرأَة أتت النبي ﷺ. . . ". أخرجه الطبراني كما في الترغيب والترهيب للمنذري (٣ / ٥٧ - ٥٨) وأشار المنذري إلى تضعيفه.
الْعَادَةُ بِقِيَامِ الزَّوْجَةِ بِمِثْلِهَا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهَا الْخِدْمَةُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا فَقِيرَ الْحَال (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (خِدْمَة ف ١٨) .
ح - السَّفَرُ بِالزَّوْجَةِ:
١٩ - مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ السَّفَرُ وَالاِنْتِقَال بِهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ بِنِسَائِهِمْ.
وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لِلسَّفَرِ بِالزَّوْجَةِ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مَأْمُونًا عَلَيْهَا (٢)
حُقُوقُ الزَّوْجَةِ:
أ - الْمَهْرُ:
٢٠ - مِنْ حُقُوقِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْمَهْرُ (٣)، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٤) قَال إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ: وَالنِّحْلَةُ هَاهُنَا
_________
(١) بدائع الصنائع ٤ / ١٩٢، الخرشي على مختصر خليل ٤ / ١٨٦، وفتح الباري ٩ / ٣٢٤، ٥٠٦، تحفة المحتاج ٨ / ٣١٦، كشاف القناع ٥ / ١٩٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٦٠، جواهر الإكليل ١ / ٣٠٧، حاشية الدسوقي ٢ / ٢٩٧، ٢٩٨، القليوبي وعميرة ٤ / ٧٤، مطالب أولى النهي ٥ / ٢٥٨.
(٣) تبيين الحقائق ٢ / ١٣٥، القليوبي وعميرة ٣ / ٢٩٩.
(٤) سورة النساء / ٤.
الْفَرِيضَةُ، وَهُوَ مِثْل مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَقِبَ ذِكْرِ الْمَوَارِيثِ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ .
(١) كَمَا أَنَّهُ لاَ يَحِل لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَهْرِ زَوْجَتِهِ شَيْئًا إِلاَّ بِرِضَاهَا وَطِيبِ نَفْسِهَا (٢) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَحِل لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ (٣) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (مَهْر) .
ب - النَّفَقَةُ:
٢١ - مِنْ حُقُوقِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا النَّفَقَةُ (٤) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٥) وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ. . .، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. (٦) قَال ابْنُ هُبَيْرَةَ: اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ
_________
(١) أحكام القرآن للكيا الهراس ٢ / ١٠٥، وانظر سورة النساء / ١١.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٢ / ٧١، أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٣١٦ ط. عيسى الحلبي ١٩٥٧ م.
(٣) سورة البقرة / ٢٢٩.
(٤) تبيين الحقائق ٣ / ٥٠، القليوبي وعميرة ٤ / ٦٩، كشاف القناع ٥ / ٤٦٠.
(٥) سورة الطلاق / ٧.
(٦) حديث: " فاتقوا الله في النساء ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٨٩ - ٨٩٠) من حديث جابر بن عبد الله.
الرَّجُل عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ كَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَالأَْبِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (نَفَقَة)
ج - إِعْفَافُ الزَّوْجَةِ:
٢٢ - مِنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يَقُومَ بِإِعْفَافِهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَطَأَهَا.
وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَطَأَ زَوْجَتَهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْوَطْءِ عَلَى الزَّوْجِ وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ فِي حَقِّهِ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَطْء) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَعْزِل عَنْ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ بِلاَ إِذْنِهَا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ عَزْل الْحُرَّةِ إِلاَّ بِإِذْنِهَا (٣)؛ وَلأَِنَّ لَهَا فِي الْوَلَدِ حَقًّا وَعَلَيْهَا فِي الْعَزْل ضَرَرًا فَلَمْ يَجُزْ إِلاَّ بِإِذْنِهَا. لَكِنْ أَجَازَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْعَزْل بِغَيْرِ رِضَا
_________
(١) الإفصاح لابن هبيرة ٢ / ١٨١ط. المؤسسة السعيدية بالرياض.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٣٣١، وفتح القدير ٢ / ٥١٨، والفواكه الدواني ٢ / ٤٦، والبجيرمي على الخطيب ٣ / ٣٩٥، وكشاف القناع ٥ / ١٩٢.
(٣) حديث: " نهى رسول الله ﷺ عن عزل الحرة إلا بإذنها ". أخرجه البيهقي (٧ / ٢٣١)، وذكر ابن حجر في التلخيص (٣ / ١٨٨) تضعيف أحد رواته.
الزَّوْجَةِ إِنْ خَافَ الزَّوْجُ مِنَ الْوَلَدِ السُّوءَ لِفَسَادِ الزَّمَانِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (عَزْل) (وَوَطْء) .
د - الْبَيَاتُ عِنْدَ الزَّوْجَةِ:
٢٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ بَيَاتِ الزَّوْجِ عِنْدَ زَوْجَتِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ زَوْجَتِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ تَقْدِيرِهِ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْبَيَاتُ عِنْدَ زَوْجَتِهِ أَحْيَانًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَإِذَا تَشَاغَل الزَّوْجُ عَنْ زَوْجَتِهِ بِالْعِبَادَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لاَ يَتَعَيَّنُ مِقْدَارٌ بَل يُؤْمَرُ أَنْ يَبِيتَ مَعَهَا وَيَصْحَبَهَا أَحْيَانًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ، وَاخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ لَهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ كُل أَرْبَعِ لَيَالٍ وَبَاقِيهَا لَهُ؛ لأَِنَّ لَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهَا فِي الثَّلاَثِ بِتَزَوُّجِ ثَلاَثِ حَرَائِرَ، وَإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ أَمَةً فَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ كُل سَبْعٍ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٧٩، ٣٨٠، حاشية الدسوقي ٢ / ٢٦٦، القليوبي وعميرة ٤ / ٣٧٥، كشاف القناع ٥ / ١٨٩.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٩٩.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَبِيتَ فِي مَضْجَعِ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ لَيْلَةً مِنْ كُل أَرْبَعِ لَيَالٍ، لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ سَوَّارٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ أَفْضَل مِنْ زَوْجِي، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَبِيتُ لَيْلَهُ قَائِمًا وَيَظَل نَهَارَهُ صَائِمًا، فَاسْتَغْفَرَ لَهَا وَأَثْنَى عَلَيْهَا، وَاسْتَحْيَتِ الْمَرْأَةُ وَقَامَتْ رَاجِعَةً، فَقَال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلاَّ أَعْدَيْتَ الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا؟ فَقَال: مَا ذَاكَ؟ فَقَال: إِنَّهَا جَاءَتْ تَشْكُوهُ إِذَا كَانَ هَذَا حَالُهُ فِي الْعِبَادَةِ مَتَى يَتَفَرَّغُ لَهَا؟ فَبَعَثَ عُمَرُ إِلَى زَوْجِهَا وَقَال لِكَعْبٍ اقْضِ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّكَ فَهِمْتَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا لَمْ أَفْهَمْهُ، قَال: فَإِنِّي أَرَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ عَلَيْهَا ثَلاَثُ نِسْوَةٍ وَهِيَ رَابِعَتُهُنَّ فَاقْضِ لَهُ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ وَلَمْ تُنْكَرْ فَكَانَتْ كَالإِْجْمَاعِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنْ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنْ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا (١) .
وَقَال الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: يَلْزَمُهُ مِنَ الْبَيْتُوتَةِ مَا يَزُول مَعَهُ ضَرُّ الْوَحْشَةِ، وَيَحْصُل مِنْهُ الأُْنْسُ الْمَقْصُودُ بِالزَّوْجِيَّةِ بِلاَ تَوْقِيتٍ
_________
(١) حديث: " إن لجسدك عليك حقا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٢٩٩)، ومسلم (٢ / ٨١٨)، واللفظ للبخاري.
فَيَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ، وَصَوَّبَ الْمِرْدَاوِيُّ هَذَا الْقَوْل، وَمَحَل الْوُجُوبِ إِذَا طَلَبَتِ الزَّوْجَةُ مِنْهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لَهَا فَلاَ يَجِبُ بِدُونِ الطَّلَبِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْبَيَاتُ عِنْدَ زَوْجَتِهِ، وَإِنَّمَا يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ أَدْنَى دَرَجَاتِ السُّنَّةِ فِي الْبَيَاتِ لَيْلَةٌ فِي كُل أَرْبَعِ لَيَالٍ، اعْتِبَارًا بِمَنْ لَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ.
وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وُجُوبَ الْبَيَاتِ عِنْدَهَا، أَوْ يُحْضِرَ لَهَا مُؤْنِسَةً؛ لأَِنَّ تَرْكَهَا وَحْدَهَا ضَرَرٌ بِهَا لاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمَحَل يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الْفَسَادُ وَالْخَوْفُ مِنَ اللُّصُوصِ (٢)
هـ - إِخْدَامُ الزَّوْجَةِ:
٢٤ - مِنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا إِخْدَامُهَا؛ لأَِنَّهُ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ،؛ وَلأَِنَّهُ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ.
وَفِي تَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (خِدْمَةٌ ف ٧ وَمَا بَعْدَهَا) .
و الْقَسْمُ:
٢٥ - مِنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْقَسْمُ،
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ١٩١، الإنصاف ٨ / ٣٥٣.
(٢) العدوي على الرسالة ٢ / ٥٩، حاشية الجمل ٤ / ٢٨١، البجيرمي على الخطيب ٣ / ٣٩٥.
وَذَلِكَ فِيمَا إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُتَزَوِّجًا بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ (١) .
فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ يَقْسِمُ فَيَعْدِل، وَيَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلاَ تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قَسْم) .
الْحُقُوقُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ:
أ - الْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ:
٢٦ - الْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَيَجِبُ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُعَاشِرَ صَاحِبَهُ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ: (ف ٣)
ب - الاِسْتِمْتَاعُ:
٢٧ - مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ اسْتِمْتَاعُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالآْخَرِ، وَهَذَا الْحَقُّ وَإِنْ كَانَ مُشْتَرَكًا لَكِنَّهُ فِي جَانِبِ الرَّجُل أَقْوَى مِنْهُ فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ. وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ: (ف ١٣) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٩٧، حاشية الدسوقي ٢ / ٣٣٩، مغني المحتاج ٣ / ٢٥١، كشاف القناع ٥ / ١٩٨، المغني لابن قدامة ٧ / ٢٧.
(٢) حديث عائشة: " كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٦٠١)، والترمذي (٣ / ٤٣٧) وأعله الترمذي بالإرسال.