الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣ الصفحة 63

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣

وَرُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَسْقَى بِيَزِيدَ بْنِ الأَْسْوَدِ فَقَال:

" اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَسْقِي بِخَيْرِنَا وَأَفْضَلِنَا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَسْقِي بِيَزِيدَ بْنِ الأَْسْوَدِ. يَا يَزِيدُ ارْفَعْ يَدَيْكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ، فَثَارَتْ سَحَابَةٌ مِنَ الْمَغْرِبِ كَأَنَّهَا تُرْسٌ، وَهَبَّ لَهَا رِيحٌ، فَسُقُوا حَتَّى كَادَ النَّاسُ أَلاَّ يَبْلُغُوا مَنَازِلَهُمْ (١) .

التَّوَسُّل بِالْعَمَل الصَّالِحِ:

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَسَّل كُلٌّ فِي نَفْسِهِ بِمَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ.

وَاسْتَدَل عَلَى هَذَا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ، وَهُمُ الثَّلاَثَةُ الَّذِينَ آوَوْا إِلَى الْغَارِ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، فَتَوَسَّل كُل وَاحِدٍ بِصَالِحِ عَمَلِهِ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الصَّخْرَةَ، وَقَشَعَ الْغُمَّةَ، وَخَرَجُوا يَمْشُونَ (٢) .

تَحْوِيل الرِّدَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ:

٢١ - قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ (٣): يُسْتَحَبُّ تَحْوِيل الرِّدَاءِ لِلإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ، لِفِعْل الرَّسُول ﷺ لَهُ، وَلأَِنَّ مَا فَعَلَهُ الرَّسُول ﷺ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ. وَقَدْ

_________

(١) المجموع للنووي ٥ / ٦٥، والطحطاوى ص ٣٦٠، والمغني ٢ / ٢٩٥ والحديث تقدم تخريجه (ف ٣)

(٢) حديث. قصة أصحاب الغار. أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٥٠٥ - ٥٠٦ ط السلفية)، ومسلم (٤ / ٢٠٩٩ - ٢١٠٠ ط عيسى الحلبي) .

(٣) المجموع للنووي ٥ / ٨٥، والمغني ٢ / ٤٨٩، والشرح الصغير ١ / ٥٣٩ - ٥٤٠

عُقِل الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ، وَهُوَ التَّفَاؤُل بِقَلْبِ الرِّدَاءِ، لِيَقْلِبَ اللَّهُ مَا بِهِمْ مِنَ الْجَدْبِ إِلَى الْخِصْبِ. وَهُوَ خَاصٌّ بِالرِّجَال دُونَ النِّسَاءِ عِنْدَ الْجَمِيعِ.

وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ: إِنَّ تَحْوِيل الرِّدَاءِ مُخْتَصٌّ بِالإِْمَامِ فَقَطْ دُونَ الْمَأْمُومِ؛ لأَِنَّهُ نُقِل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ أَصْحَابِهِ (١) .

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يُسَنُّ تَقْلِيبُ الرِّدَاءِ؛ لأَِنَّهُ دُعَاءٌ فَلاَ يُسْتَحَبُّ تَحْوِيل الرِّدَاءِ فِيهِ، كَسَائِرِ الأَْدْعِيَةِ (٢) .

كَيْفِيَّةُ تَقْلِيبِ الرِّدَاءِ:

٢٢ - قَال الْحَنَابِلَةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ (٣): يَقْلِبُ الْمُسْتَسْقُونَ أَرْدِيَتَهُمْ، فَيَجْعَلُونَ مَا عَلَى الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ، وَمَا عَلَى الْيَسَارِ عَلَى الْيَمِينِ، وَدَلِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَوَّل رِدَاءَهُ، وَجَعَل عِطَافَهُ الأَْيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْسَرِ، وَجَعَل عِطَافَهُ الأَْيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْمَنِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُ ذَلِكَ، وَقَدْ نَقَل تَحْوِيل الرِّدَاءِ جَمَاعَةٌ، كُلُّهُمْ نَقَلُوهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَعَل أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ.

وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي

_________

(١) شرح العناية على هامش فتح القدير ١ / ٤٤٠، والمغني ٢ / ٢٨٩

(٢) شرح العناية على هامش فتح القدير ١ / ٤٤٠

(٣) المغني ٢ / ٢٩٠، والشرح الصغير ١ / ٥٣٩ - ٥٤٠، والمجموع للنووي ٥ / ٨٥

الرَّأْيِ الرَّاجِحِ (١): إِنْ كَانَ الرِّدَاءُ مُدَوَّرًا بِأَنْ كَانَ جُبَّةً يَجْعَل الأَْيْمَنَ عَلَى الأَْيْسَرِ، وَالأَْيْسَرَ عَلَى الأَْيْمَنِ، وَإِنْ كَانَ الرِّدَاءُ مُرَبَّعًا يَجْعَل أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ، وَأَسْفَلَهُ أَعْلاَهُ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَل أَسْفَلَهَا أَعْلاَهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ جَعَل الْعِطَافَ الَّذِي فِي الأَْيْسَرِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْمَنِ، وَاَلَّذِي عَلَى الأَْيْمَنِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْسَرِ، وَيَبْدَأُ بِتَحْوِيل الرِّدَاءِ عِنْدَ الْبَدْءِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (٢) .

الْمُسْتَسْقُونَ

٢٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى، أَنَّ السُّنَّةَ خُرُوجُ الإِْمَامِ لِلاِسْتِسْقَاءِ مَعَ النَّاسِ، فَإِذَا تَخَلَّفَ فَقَدْ أَسَاءَ بِتَرْكِ السُّنَّةِ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ.

تَخَلُّفُ الإِْمَامِ عَنْ الاِسْتِسْقَاءِ:

٢٤ - فِي مَسْأَلَةِ تَخَلُّفِ الإِْمَامِ رَأْيَانِ:

الرَّأْيُ الأَْوَّل: وَهُوَ رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ: إِذَا تَخَلَّفَ الإِْمَامُ عَنْ الاِسْتِسْقَاءِ أَنَابَ عَنْهُ. فَإِذَا لَمْ يُنِبْ لَمْ يَتْرُكِ النَّاسُ الاِسْتِسْقَاءَ، وَقَدَّمُوا أَحَدَهُمْ لِلصَّلاَةِ، كَمَا إِذَا خَلَتِ الأَْمْصَارُ مِنَ الْوُلاَةِ قَدَّمُوا أَحَدَهُمْ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ، كَمَا قَدَّمَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ حِينَ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُصْلِحَ بَيْنَ بَنِي عُمَرَ وَبَنِيَّ عَوْفٍ، وَقَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ حِينَ تَأَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ

_________

(١) شرح العناية على هامش فتح القدير ١ / ٤٤٠، والمجموع للنووي ٥ / ٨٥

(٢) الشرح الصغير ١ / ٥٣٩، والمغني ٢ / ٢٨٨، والمجموع للنووي ٥ / ٨٥، وابن عابدين ١ / ٧٩١

لِحَاجَتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ (١) . قَال الشَّافِعِيُّ: فَإِذَا جَازَ فِي الْمَكْتُوبَةِ فَغَيْرُهَا أَوْلَى.

الرَّأْيُ الثَّانِي: لاَ يُسْتَحَبُّ الاِسْتِسْقَاءُ بِالصَّلاَةِ إِلاَّ بِخُرُوجِ الإِْمَامِ، أَوْ رَجُلٍ مِنْ قِبَلِهِ. وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، فَإِذَا خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ دَعَوْا وَانْصَرَفُوا بِلاَ صَلاَةٍ وَلاَ خُطْبَةٍ (٢) .

مَنْ يُسْتَحَبُّ خُرُوجُهُمْ، وَمَنْ يَجُوزُ، وَمَنْ يُكْرَهُ:

٢٥ - يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ خُرُوجُ الشُّيُوخِ وَالضُّعَفَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَجَزَةِ وَغَيْرِ ذَاتِ الْهَيْئَةِ مِنَ النِّسَاءِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: بِخُرُوجِ مَنْ يَعْقِل مِنَ الصِّبْيَانِ، أَمَّا مَنْ لاَ يَعْقِل فَيُكْرَهُ خُرُوجُهُمْ مَعَ الْجَمَاعَةِ لِلصَّلاَةِ. وَاسْتَدَلُّوا لِخُرُوجِ مَنْ ذُكِرَ بِقَوْل الرَّسُول ﵊: هَل تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ. (٣)

إِخْرَاجُ الدَّوَابِّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ:

٢٦ - فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:

الأَْوَّل: يُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الدَّوَابِّ؛ لأَِنَّهُ قَدْ تَكُونُ السُّقْيَا بِسَبَبِهِمْ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ؛ لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَوْلاَ عِبَادٌ لِلَّهِ

_________

(١) الحديث رواه مسلم ١ / ٣١٧ - ٣١٨ ط عيسى الحلبي

(٢) المجموع للنووي ٥ / ٦٤، ٩٤، وبدائع الصنائع ١ / ٢٨٢ ط المطبوعات العلمية، وابن عابدين ١ / ٧٩١، والمغني ٢ / ٢٩٤

(٣) المجموع للنووي ٥ / ٧٠، والطحطاوي ص ٣٦٠، والشرح الكبير على المغني ٢ / ٢٨٧ ط المنار، والتاج والإكليل على هامش الحطاب ٢ / ٢٠٦، وحاشية العدوي على الشرح الصغير ١ / ٥٣٨. وحديث: " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٨٨ - ط السلفية) .

رُكَّعٌ، وَصِبْيَانٌ رُضَّعٌ، وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ صَبًّا، ثُمَّ رُصَّ رَصًّا.

وَلِمَا رَوَى الإِْمَامُ أَحْمَدُ أَنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ " خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهِمَا إِلَى السَّمَاءِ. فَقَال: ارْجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْل هَذِهِ النَّمْلَةِ (١) " وَقَال أَصْحَابُ هَذَا الرَّأْيِ: إِذَا أُقِيمَتْ فِي الْمَسْجِدِ، أُوقِفَتِ الدَّوَابُّ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ.

الثَّانِي: لاَ يُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الْبَهَائِمِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَرَأْيٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيَّةِ (٢) . الثَّالِثُ: لاَ يُسْتَحَبُّ وَلاَ يُكْرَهُ، وَهُوَ رَأْيٌ ثَالِثٌ لِلشَّافِعِيَّةِ (٣) .

خُرُوجُ الْكُفَّارِ وَأَهْل الذِّمَّةِ:

٢٧ - فِي الْمَسْأَلَةِ رَأْيَانِ:

الأَْوَّل: وَهُوَ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ: لاَ يُسْتَحَبُّ خُرُوجُ الْكُفَّارِ وَأَهْل الذِّمَّةِ، بَل يُكْرَهُ، وَلَكِنْ إِذَا خَرَجُوا مَعَ النَّاسِ فِي يَوْمِهِمْ، وَانْفَرَدُوا فِي مَكَانٍ وَحْدَهُمْ لَمْ يُمْنَعُوا. وَجُمْلَةُ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ أَنَّهُ لاَ يُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ أَهْل الذِّمَّةِ وَالْكُفَّارِ؛ لأَِنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فَهُمْ بَعِيدُونَ مِنَ الإِْجَابَةِ. وَإِنْ أُغِيثَ الْمُسْلِمُونَ

_________

(١) الطحطاوي ص٣٦١، والمجموع للنووي ٥ / ٦٦ - ٧١ وحديث: " لولا عباد لله ركع وصبيان رضع وبهائم رتع. . . " أخرجه الطبراني والبيهقي، وضعفه الذهبي والهيثمي (فيض القدير ٥ / ٣٤٤ - طبع المكتبة التجارية) .

(٢) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ١ / ٥٣٨، والشرح الكبير على المغني ٢ / ٢٨٧. والمجموع للنووي ٥ / ٧١

(٣) المجموع للنووي ٥ / ٧١

فَرُبَّمَا قَالُوا: هَذَا حَصَل بِدُعَائِنَا وَإِجَابَتِنَا، وَإِنْ خَرَجُوا لَمْ يُمْنَعُوا؛ لأَِنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ فَلاَ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يُجِيبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى؛ لأَِنَّهُ قَدْ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ فِي الدُّنْيَا، كَمَا ضَمِنَ أَرْزَاقَ الْمُؤْمِنِينَ. وَلَكِنْ يُؤْمَرُونَ بِالاِنْفِرَادِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِعَذَابٍ فَيَعُمَّ مَنْ حَضَرَهُمْ. وَلاَ يَخْرُجُونَ وَحْدَهُمْ، فَإِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَتَّفِقَ نُزُول الْغَيْثِ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ وَحْدَهُمْ، فَيَكُونُ أَعْظَمَ فِتْنَةً لَهُمْ، وَرُبَّمَا افْتُتِنَ غَيْرُهُمْ (١) .

الرَّأْيُ الثَّانِي: وَهُوَ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، قَال بِهِ أَشْهَبُ وَابْنُ حَبِيبٍ: لاَ يَحْضُرُ الذِّمِّيُّ وَالْكَافِرُ الاِسْتِسْقَاءَ، وَلاَ يَخْرُجُ لَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِدُعَائِهِ. وَالاِسْتِسْقَاءُ لاِسْتِنْزَال الرَّحْمَةِ، وَهِيَ لاَ تَنْزِل عَلَيْهِمْ، وَيُمْنَعُونَ مِنَ الْخُرُوجِ؛ لاِحْتِمَال أَنْ يُسْقَوْا فَتَفْتَتِنَ بِهِ الضُّعَفَاءُ وَالْعَوَامُّ (٢) .

اسْتِسْلاَمٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِسْتِسْلاَمُ فِي اللُّغَةِ: الاِنْقِيَادُ وَالْخُضُوعُ لِلْغَيْرِ (٣) .

_________

(١) نهاية المحتاج ٢ / ٤٠٩، والمجموع للنووي ٥ / ٧١، والمغني ٢ / ٢٩٨، والخرشي ٢ / ١٠٩

(٢) الطحطاوي ص ٣٦٠، والخرشي ٢ / ١٠٩

(٣) تاج العروس ولسان العرب مادة: (مسلم) بتصرف

وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ " اسْتِسْلاَمٍ " بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا (١) .

وَيُعَبِّرُونَ أَيْضًا عَنْ الاِسْتِسْلاَمِ بِ " النُّزُول عَلَى الْحُكْمِ وَقَبُول الْجِزْيَةِ ".

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ، وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٢ - أ - اسْتِسْلاَمُ الْعَدُوِّ سَوَاءٌ أَكَانَ كَافِرًا - مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ - أَمْ مُسْلِمًا بَاغِيًا مُوجِبٌ لِلْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِ (٢) .

وَقَدْ أَفَاضَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَفِي كِتَابِ الْبُغَاةِ.

٣ - ب - لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِعَدُوِّهِ الظَّالِمِ - سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا - إِلاَّ أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَلاَ يَجِدُ حِيلَةً لِلْحِفَاظِ عَلَيْهَا إِلاَّ بِالاِسْتِسْلاَمِ، فَيَجُوزُ لَهُ الاِسْتِسْلاَمُ حِينَئِذٍ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ الاِسْتِسْلاَمُ لِعَدُوِّهِمْ فِي سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ إِلاَّ بِهَذَا الشَّرْطِ (٣) .

وَذَكَرُوا فِي كِتَابِ الصِّيَال: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمَصُول عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلصَّائِل إِلاَّ بِهَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا (٤) .

وَذَكَرُوا فِي كِتَابِ الإِْكْرَاهِ: أَنَّ الإِْكْرَاهَ عَلَى بَعْضِ الأَْفْعَال، لاَ تَتَرَتَّبُ آثَارُهُ إِلاَّ إِذَا كَانَ الاِسْتِسْلاَمُ لِلْمُكْرِهِ (بِكَسْرِ الرَّاءِ) بِهَذَا الشَّرْطِ (٥) .

_________

(١) حاشية عميرة ٤ / ٢٠٧ طبع مصطفى البابي الحلبي.

(٢) فتح القدير شرح الهداية ٢ / ٢٨٢ طبع بولاق، والمغني لابن قدامة المقدسي ٨ / ٤٧٩ الطبعة الثالثة طبع المنار، وتفسير النسفي ١ / ٢٤٢ طبع عيسى البابي الحلبي.

(٣) فتح القدير ٤ / ٢٩٦

(٤) حاشية عميرة ٤ / ٢٠٧

(٥) فتح القدير ٧ / ٢٩٨

اسْتِشَارَةٌ

اُنْظُرْ: شُورَى

اسْتِشْرَافٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِسْتِشْرَافُ فِي اللُّغَةِ: وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْحَاجِبِ لِلنَّظَرِ، كَاَلَّذِي يَسْتَظِل مِنَ الشَّمْسِ حَتَّى يَسْتَبِينَ الشَّيْءَ. وَأَصْلُهُ مِنَ الشَّرَفِ: الْعُلُوُّ، وَأَشْرَفْتُ عَلَيْهِ بِالأَْلِفِ: اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ (١) .

وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَى: التَّطَلُّعِ إِلَى الشَّيْءِ، كَمَا فِي اسْتِشْرَافِ الأُْضْحِيَّةِ (٢) . وَهُوَ فِي الأَْمْوَال بِأَنْ يَقُول: سَيَبْعَثُ إِلَيَّ فُلاَنٌ، أَوْ لَعَلَّهُ يَبْعَثُ، وَإِنْ لَمْ يَسْأَل.

وَقَال أَحْمَدُ: الاِسْتِشْرَافُ بِالْقَلْبِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ، قِيل لَهُ: إِنَّ هَذَا شَدِيدٌ، قَال: وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا فَهُوَ هَكَذَا، قِيل لَهُ: فَإِنْ كَانَ الرَّجُل لَمْ يَوَدَّ فِي أَنْ يُرْسِل إِلَيَّ شَيْئًا، إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ عَرَضَ بِقَلْبِي، فَقُلْتُ: عَسَى أَنْ يَبْعَثَ إِلَيَّ، قَال: هَذَا إِشْرَافٌ،

_________

(١) نهاية ابن الأثير، والمصباح المنير، والصحاح مادة: (شرف) .

(٢) البحر الرائق ٨ / ٢٠١ ط العلمية، ومغني ابن قدامة ٨ / ٦٢٥ ط الثالثة.

فَإِذَا جَاءَكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُحِسَّهُ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِكَ، فَهَذَا الآْنَ لَيْسَ فِيهِ إِشْرَافٌ (١) .

وَقَال الْبَعْضُ: الاِسْتِشْرَافُ هُوَ: التَّعَرُّضُ لِلسُّؤَال (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - يَنْبَغِي اسْتِشْرَافُ الأُْضْحِيَّةِ لِتُعْرَفَ سَلاَمَتُهَا مِنَ الْعُيُوبِ الْمَانِعَةِ مِنَ الإِْجْزَاءِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَمَرَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُْذُنَ، وَإِلاَّ نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ، وَلاَ مُدَابَرَةٍ، وَلاَ شَرْقَاءَ، وَلاَ خَرْقَاءَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣) .

٣ - أَمَّا الاِسْتِشْرَافُ فِي الأَْمْوَال: فَإِنْ كَانَ بِالْقَلْبِ فَلاَ يُؤَاخَذُ الإِْنْسَانُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ ﷿ تَجَاوَزَ لِهَذِهِ الأُْمَّةِ عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا، مَا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ لِسَانٌ أَوْ تَعْمَلْهُ جَارِحَةٌ، وَمَا اعْتَقَدَهُ الْقَلْبُ مِنَ الْمَعَاصِي - غَيْرِ الْكُفْرِ - فَلَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَعْمَل بِهِ، وَخَطِرَاتُ النَّفْسِ مُتَجَاوَزٌ عَنْهَا بِالإِْجْمَاعِ.

وَعِنْدَ أَحْمَدَ: الاِسْتِشْرَافُ بِالْقَلْبِ كَالتَّعَرُّضِ بِاللِّسَانِ (٤) .

وَلِلْعُلَمَاءِ فِي قَبُول الْمَال دُونَ اسْتِشْرَافٍ - بِمَعْنَى

_________

(١) القرطبي ٣ / ٣٤٦ ط دار الكتب المصرية، والزواجر ١ / ١٨٧ ط دار المعرفة، والفروع ١ / ٩٤٤ ط أمير قطر.

(٢) الشبراملسي على النهاية ٦ / ١٧٠ ط الحلبي.

(٣) البحر الرائق ٨ / ٢٠١ ط العلمية، والمغني لابن قدامة ٨ / ٦٢٥ الطبعة الثالثة ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٦٦ و(المقابلة) الشاة التي يقطع من أذنيها قطعة ولا تبين، وتبقى معلقة من قدام، فإن كانت من آخر فهي (المدابرة)، و(الشرقاء) هي الشاة المشقوقة الأذنين " المصباح ".

(٤) تفسير القرطبي ٣ / ٣٤٦ ط دار الكتب المصرية، والزواجر ١ / ١٨٧ ط دار المعرفة. ولواقح الأنوار ص ١٣٧ ط الحلبي، والفروع ١ / ٩٤٤

التَّحَدُّثِ فِي النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ - ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:

٤ - أ - جَوَازُ الْقَبُول وَعَدَمُهُ، غَيْرَ أَنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ لِمَنْ مَلَكَ أَقَل مِنْ نِصَابٍ، وَقَال قَوْمٌ: إِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِعَطِيَّةِ غَيْرِ السُّلْطَانِ.

وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتَهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتَهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَال: يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَال حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافٍ لَمْ يُبَارَكْ فِيهِ، وَكَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُل وَلاَ يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. قَال حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أَرْزَأُ (١) أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَل مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ، فَقَال: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُشْهِدُكُمْ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَ اللَّهُ لَهُ فِي هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢) .

٥ - ب وُجُوبُ الآْخِذِ، وَحُرْمَةُ الرَّدِّ، لِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُول: أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِنِّي، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: خُذْهُ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَال وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلاَ

_________

(١) أصل الرزء: النقص، ومعنى " لم يرزأ، أي لم ينقص أحدا شيئا بالأخذ منه (المجموع ٦ / ٢٤٥ - ٢٤٦)

(٢) المجموع ٦ / ٢٤٥، ٢٤٦ ط المنيرية، والبحر الرائق ٢ / ٢٦٩ ط العلمية، والفروع ١ / ٩٤٣