الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣ الصفحة 62

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣

الصِّيَامُ قَبْل الاِسْتِسْقَاءِ:

١٠ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى الصِّيَامِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ، وَالْخُرُوجِ بِهِ إِلَى الاِسْتِسْقَاءِ. لأَِنَّ الصِّيَامَ مَظِنَّةُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ (١) . . . وَلِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ الشَّهْوَةِ، وَحُضُورِ الْقَلْبِ، وَالتَّذَلُّل لِلرَّبِّ.

قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: يَأْمُرُهُمُ الإِْمَامُ بِصَوْمِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ قَبْل الْخُرُوجِ، وَيَخْرُجُونَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَهُمْ صِيَامٌ.

وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِالْخُرُوجِ بَعْدَ الصِّيَامِ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ مُفْطِرِينَ؛ لِلتَّقَوِّي عَلَى الدُّعَاءِ، كَيَوْمِ عَرَفَةَ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ بِالصِّيَامِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَيَخْرُجُونَ فِي آخِرِ أَيَّامِ صِيَامِهِمْ.

الصَّدَقَةُ قَبْل الاِسْتِسْقَاءِ:

١١ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ قَبْل الاِسْتِسْقَاءِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي أَمْرِ الإِْمَامِ بِهَا، قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَأْمُرُهُمُ الإِْمَامُ بِالصَّدَقَةِ فِي حُدُودِ طَاقَتِهِمْ (٣) .

وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَأْمُرُهُمْ بِهَا، بَل يَتْرُكُ هَذَا لِلنَّاسِ بِدُونِ أَمْرٍ؛ لأَِنَّهُ أَرْجَى لِلإِْجَابَةِ، حَيْثُ

_________

(١) حديث: " ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر. . . . " أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي ٧ / ٢٢٩، ١٠ / ٥٦ - نشر السلفية) وفي إسناده ضعف وجهالة.

(٢) المجموع للنووي ٢ / ٦٥، وشرح العناية على الهداية على هامش فتح القدير ١ / ٤٤١، وكشاف القناع ٢ / ٥٩، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٠٦ ط دار الفكر.

(٣) حاشية الشرنبلالي على الدرر ١ / ١٤٨

تَكُونُ صَدَقَتُهُمْ بِدَافِعٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، لاَ بِأَمْرٍ مِنَ الإِْمَامِ.

آدَابٌ شَخْصِيَّةٌ:

١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى آدَابٍ شَخْصِيَّةٍ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَهَا النَّاسُ قَبْل الاِسْتِسْقَاءِ، بَعْدَ أَنْ يَعِدَهُمُ الإِْمَامُ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ: وَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ (١) فَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْخُرُوجِ لِلاِسْتِسْقَاءِ: التَّنَظُّفُ بِغُسْلٍ وَسِوَاكٍ؛ لأَِنَّهَا صَلاَةٌ يُسَنُّ لَهَا الاِجْتِمَاعُ وَالْخُطْبَةُ، فَشُرِعَ لَهَا الْغُسْل، كَصَلاَةِ الْجُمُعَةِ.

وَيُسْتَحَبُّ: أَنْ يَتْرُكَ الإِْنْسَانُ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ، فَلَيْسَ هَذَا وَقْتَ الزِّينَةِ، وَلَكِنَّهُ يَقْطَعُ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ، وَيَخْرُجُ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ، وَهِيَ ثِيَابُ مِهْنَتِهِ (٢)، وَيَخْرُجُ مُتَوَاضِعًا خَاشِعًا مُتَذَلِّلًا مُتَضَرِّعًا مَاشِيًا، وَلاَ يَرْكَبُ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرِيقِهِ ذَهَابًا إِلاَّ لِعُذْرٍ، كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ. وَالأَْصْل فِي هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلًا مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا وَهِيَ مُسْتَحَبَّاتٌ لَمْ يَرِدْ فِيهَا خِلاَفٌ (٣) .

الاِسْتِسْقَاءُ بِالدُّعَاءِ:

١٣ - قَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ الاِسْتِسْقَاءَ هُوَ دُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ، وَلَيْسَ فِيهِ صَلاَةٌ مَسْنُونَةٌ فِي جَمَاعَةٍ. فَإِنْ صَلَّى النَّاسُ وُحْدَانًا جَازَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ

_________

(١) حديث عائشة تقدم فقرة (٣)

(٢) المجموع للنووي ٥ / ٦٦، والمغني ٢ / ٢٨٤، وكشاف القناع ٢ / ٥٩، والطحطاوي ص ٣٦٠

(٣) المغني ٢ / ٢٨٣ ط المنار، وفتح القدير ١ / ٤٣٧، والمجموع للنووي ٥ / ٦٦

اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (١) الآْيَةَ، وَقَدْ اسْتَدَل لَهُ كَذَلِكَ بِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ وَاسْتِسْقَائِهِ بِالْعَبَّاسِ ﵁ مِنْ غَيْرِ صَلاَةٍ، مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الاِقْتِدَاءِ بِرَسُول اللَّهِ ﷺ. وَقَدْ عَلَّل ابْنُ عَابِدِينَ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَال: الْحَاصِل أَنَّ الأَْحَادِيثَ لَمَّا اخْتَلَفَتْ فِي الصَّلاَةِ بِالْجَمَاعَةِ وَعَدَمِهَا عَلَى وَجْهٍ لاَ يَصِحُّ مَعَهُ إِثْبَاتُ السُّنِّيَّةِ، لَمْ يَقُل أَبُو حَنِيفَةَ بِسُنِّيَّتِهَا، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا أَنَّهَا بِدْعَةٌ، كَمَا نَقَل بَعْضُ الْمُتَعَصِّبِينَ، بَل هُوَ قَال بِالْجَوَازِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ النَّدْبُ وَالاِسْتِحْبَابُ، لِقَوْلِهِ فِي الْهِدَايَةِ: لَمَّا فَعَلَهُ الرَّسُول ﷺ مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى لَمْ يَكُنْ سُنَّةً؛ لأَِنَّ السُّنَّةَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ. وَالْفِعْل مَرَّةً وَالتَّرْكُ أُخْرَى يُفِيدُ النَّدْبَ (٢) .

وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: فَقَالُوا بِسُنِّيَّةِ الدُّعَاءِ وَحْدَهُ، وَبِسُنِّيَّتِهِ مَعَ صَلاَةٍ لَهُ عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي تَقَدَّمَ.

الاِسْتِسْقَاءُ بِالدُّعَاءِ وَالصَّلاَةِ:

١٤ - الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالُوا: الاِسْتِسْقَاءُ يَكُونُ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ وَالْخُطْبَةِ، لِلأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ.

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ خُطْبَةَ فِي الاِسْتِسْقَاءِ، وَمَا

_________

(١) سورة نوح / ١٠ - ١١

(٢) ابن عابدين ١ / ٧٩١ ط الثالثة، وشرح العناية على الهداية بهامش القدير ١ / ٤٤٠ ط بولاق.

تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ لاَ يُثْبِتُ الْخُطْبَةَ؛ لأَِنَّ طَلَبَ السُّقْيَا مِنْ رَسُول اللَّهِ وَقَعَ لَهُ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَالْخُطْبَةُ سَابِقَةٌ (١) فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ عَلَى الإِْخْبَارِ بِالْجَدْبِ.

تَقْدِيمُ الصَّلاَةِ عَلَى الْخُطْبَةِ وَتَأْخِيرُهَا:

١٥ - فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:

الأَْوَّل: تَقْدِيمُ الصَّلاَةِ عَلَى الْخُطْبَةِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْوْلَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْل أَبِي هُرَيْرَةَ: صَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَطَبَنَا وَلِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: صَنَعَ فِي الاِسْتِسْقَاءِ كَمَا يَصْنَعُ فِي الْعِيدِ؛ وَلأَِنَّهَا صَلاَةٌ ذَاتُ تَكْبِيرَاتٍ، فَأَشْبَهَتْ صَلاَةَ الْعِيدِ (٢) .

الثَّانِي: تَقْدِيمُ الْخُطْبَةِ عَلَى الصَّلاَةِ وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ، وَخِلاَفُ الأَْوْلَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَهِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيل، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٣) . وَدَلِيلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَعَائِشَةَ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَطَبَ وَصَلَّى، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَرَجَ يَسْتَسْقِي حَوَّل إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّل رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ

_________

(١) الطحطاوي ص ٣٦٠ ط المعرفة.

(٢) المجموع للنووي ٥ / ٧٧، والطحطاوي ص ٣٦٠، والمغني ٢ / ١٨٧، والشرح الصغير ١ / ٥٣٩ ط المعارف.

(٣) المجموع النووي ٥ / ٩٣، والمغني ٢ / ١٨٨

فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) .

الثَّالِثُ: هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْخُطْبَةِ قَبْل الصَّلاَةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ؛ لِوُرُودِ الأَْخْبَارِ بِكِلاَ الأَْمْرَيْنِ، وَدَلاَلَتِهَا عَلَى كِلْتَا الصِّفَتَيْنِ.

كَيْفِيَّةُ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ:

١٦ - لاَ يُعْلَمُ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِصَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ خِلاَفٌ فِي أَنَّهَا رَكْعَتَانِ، وَاخْتُلِفَ فِي صِفَتِهَا عَلَى رَأْيَيْنِ:

الرَّأْيُ الأَْوَّل، وَهُوَ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَوْلٌ لِمُحَمَّدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِي الأُْولَى سَبْعًا، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ مِثْل صَلاَةِ الْعِيدِ، لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ صَلاَةَ الاِسْتِسْقَاءِ يُكَبِّرُونَ فِيهَا سَبْعًا وَخَمْسًا. (٢)

الرَّأْيُ الثَّانِي: وَهُوَ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَالْقَوْل الثَّانِي لِمُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ: تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَصَلاَةِ النَّافِلَةِ وَالتَّطَوُّعِ؛ لِمَا رُوِيَ

_________

(١) حديث عبد الله بن زيد: " رأيت النبي ﷺ لما خرج يستسقي حول ظهره إلى الناس. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥١٤ - ط السلفية "، ومسلم (٢ / ٦١١ - ط عيسى الحلبي) .

(٢) المغني ٢ / ٢٨٤ ط المنار، والمجموع للنووي ٥ / ٧٤، وابن عابدين ١ / ٧٩١، وبدائع الصنائع ١ / ٢٨٣. والحديث روي عن جعفر عن أبيه " أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعا وخمسا " أخرجه عبد الرزاق (٣ / ٨٥ - ط المجلس العلمي)، والشافعي في الأم ١ / ٢٤٩ - ط شركة الطباعة الفنية. وفي إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وهو متروك كما في التقريب لابن حجر.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرَا التَّكْبِيرَ (١)، فَتَنْصَرِفُ إِلَى الصَّلاَةِ الْمُطْلَقَةِ.

وَاتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ؛ لأَِنَّهَا صَلاَةٌ ذَاتُ خُطْبَةٍ (٢)، وَكُل صَلاَةٍ لَهَا خُطْبَةٌ فَالْقِرَاءَةُ فِيهَا تَكُونُ جَهْرًا؛ لاِجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلسَّمَاعِ، وَيَقْرَأُ بِمَا شَاءَ، وَلَكِنِ الأَْفْضَل أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِمَا كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدِ، وَقِيل: يَقْرَأُ بِسُورَتَيْ ق وَنُوحٍ (٣)، أَوْ يَقْرَأُ بِسُورَتَيِ الأَْعْلَى وَالْغَاشِيَةِ (٤)، أَوْ بِسُورَتَيِ الأَْعْلَى وَالشَّمْسِ. وَحَذْفُ التَّكْبِيرَاتِ أَوْ بَعْضِهَا أَوِ الزِّيَادَةُ فِيهَا لاَ تُفْسِدُ الصَّلاَةَ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَاتِ أَوْ بَعْضَهَا أَوْ زَادَ فِيهِنَّ لاَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ بَعْضَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّائِدَةِ فَهَل يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْ التَّكْبِيرَاتِ؟ قَالُوا: فِيهَا الْقَوْلاَنِ، مِثْل صَلاَةِ الْعِيدِ (٥) .

كَيْفِيَّةُ الْخُطْبَةِ وَمُسْتَحَبَّاتُهَا:

١٧ - قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يَخْطُبُ الإِْمَامُ خُطْبَتَيْنِ كَخُطْبَتَيِ الْعِيدِ بِأَرْكَانِهِمَا وَشُرُوطِهِمَا وَهَيْئَاتِهِمَا، وَفِي الْجُلُوسِ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَجْهَانِ كَمَا فِي الْعِيدِ أَيْضًا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ

_________

(١) الشرح الصغير ١ / ٥٣٧ ط دار المعارف، وابن عابدين ١ / ١٩١، والمغني ٢ / ٢٨٥. والحديث رواه أحمد وأبو عوانة والبيهقي ورواته ثقات (نيل الأوطار ٤ / ٦)

(٢) المجموع للنووي ٥ / ٦٣، وابن عابدين ١ / ٧٩١، والمغني ٢ / ٢٩٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٠٥

(٣) المجموع للنووي ٥ / ٧٣، والمغني ٢ / ٢٩٣

(٤) المغني ٢ / ٨٩٣

(٥) المجموع للنووي ٥ / ٧٥

الْمُتَقَدِّمِ؛ وَلأَِنَّهَا أَشْبَهَتْهَا فِي التَّكْبِيرِ وَفِي صِفَةِ الصَّلاَةِ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: يَخْطُبُ الإِْمَامُ خُطْبَةً وَاحِدَةً يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ، لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَل فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ، وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ مَا فَصَل بَيْنَ ذَلِكَ بِسُكُوتٍ وَلاَ جُلُوسٍ؛ وَلأَِنَّ كُل مَنْ نَقَل الْخُطْبَةَ لَمْ يَنْقُل خُطْبَتَيْنِ (٢) .

وَلاَ يُخْرِجُ الْمِنْبَرَ إِلَى الْخَلاَءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ؛ لأَِنَّهُ خِلاَفُ السُّنَّةِ. وَقَدْ عَابَ النَّاسُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ عِنْدَ إِخْرَاجِهِ الْمِنْبَرَ فِي الْعِيدَيْنِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ.

وَيَخْطُبُ الإِْمَامُ عَلَى الأَْرْضِ مُعْتَمِدًا عَلَى قَوْسٍ أَوْ سَيْفٍ أَوْ عَصًا، وَيَخْطُبُ مُقْبِلًا بِوَجْهِهِ إِلَى النَّاسِ (٣) . وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْخُطْبَةَ عَلَى الأَْرْضِ مَنْدُوبَةٌ، وَعَلَى الْمِنْبَرِ مَكْرُوهَةٌ (٤) . أَمَّا إِذَا كَانَ الْمِنْبَرُ مَوْجُودًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الصَّلاَةُ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ فَفِيهِ رَأْيَانِ: الْجَوَازُ، وَالْكَرَاهَةُ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ (٥)، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمَرْجُوحِ: يُكَبِّرُ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا فِي صَلاَةِ الْعِيدِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ: يَسْتَبْدِل بِالتَّكْبِيرِ الاِسْتِغْفَارَ، فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي أَوَّل الْخُطْبَةِ

_________

(١) المجموع للنووي ٥ / ٦٤، ٨٣، والشرح الصغير ١ / ٥٣٩، والطحطاوي ص ٣٦٠

(٢) المغني ٢ / ٢٩١ ط المنار، وابن عابدين ١ / ٧٩١ ط الثالثة.

(٣) بدائع الصنائع ١ / ٢٨٣ ط المطبوعات العلمية، والمجموع ٥ / ٨٤، والشرح الصغير ١ / ٥٣٩، والمغني ٢ / ٢٩١، وحاشية العدوي ٢ / ١٦

(٤) العدوي على الخرشي ٢ / ١٦

(٥) بدائع الصنائع ١ / ٢٨٣

الأُْولَى تِسْعًا، وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعًا، يَقُول: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، وَيَخْتِمُ كَلاَمَهُ بِالاِسْتِغْفَارِ، وَيُكْثِرُ مِنْهُ فِي الْخُطْبَةِ، وَمِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الآْيَةَ، وَيُخَوِّفُهُمْ مِنَ الْمَعَاصِي الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْجَدْبِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَالإِْنَابَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبِرِّ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ: يَسْتَقْبِل الإِْمَامُ النَّاسَ فِي الْخُطْبَةِ مُسْتَدْبِرًا الْقِبْلَةَ، حَتَّى إِذَا قَضَى خُطْبَتَهُ تَوَجَّهَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو وَفِي لَفْظٍ: فَحَوَّل إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ يَدْعُو (١) .

صِيَغُ الدُّعَاءِ الْمَأْثُورَةُ:

١٨ - يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بِمَا أُثِرَ عَنِ النَّبِيِّ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو فِي الاِسْتِسْقَاءِ فَيَقُول: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا مُرِيعًا غَدَقًا مُجَلِّلًا سَحًّا عَامًّا طَبَقًا دَائِمًا. اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْبِلاَدِ وَالْعِبَادِ وَالْخَلْقِ مِنَ اللأَّْوَاءِ وَالضَّنْكِ مَا لاَ نَشْكُو إِلاَّ إِلَيْكَ. اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الأَْرْضِ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا، فَإِذَا مُطِرُوا. قَالُوا:

_________

(١) المغني ٢ / ٢٨٩، والكافي ١ / ٣٢٢ ط آل ثاني، وكشاف القناع ٢ / ٦٢.

اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا. وَيَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِفَضْل اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ. (١)

وَرُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، حِينَ قَال لَهُ الرَّجُل: يَا رَسُول اللَّهِ هَلَكَتِ الأَْمْوَال، وَانْقَطَعَتِ السُّبُل، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُغِيثَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَال:

اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. (٢)

وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ: " لِيَكُنْ مِنْ دُعَائِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعَدْتَنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَأَجِبْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا، اللَّهُمَّ امْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ مَا قَارَفْنَا، وَإِجَابَتِكَ فِي سُقْيَانَا، وَسِعَةِ رِزْقِنَا، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ دُعَائِهِ أَقْبَل عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَعَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَقَرَأَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَتَيْنِ، وَيُكْثِرُ مِنْ الاِسْتِغْفَارِ، وَمِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ .

وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ اسْتَسْقَى فَكَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ الاِسْتِغْفَارَ، وَقَال: لَقَدِ اسْتَسْقَيْتُ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ.

_________

(١) فتح القدير ١ / ٤٤٠، والكافي ١ / ٣٢٢، ٣٢٣، وحديث: " اللهم اسقنا غياثا معينا هنيئا. . . . " رواه ابن ماجه ورجاله ثقات (نيل الأوطار ٤ / ١١)

(٢) حديث: " اللهم أغثنا. . . " أخرجه البخاري ومسلم (نيل الأوطار ٤ / ١٥)

رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ:

١٩ - اسْتَحَبَّ الأَْئِمَّةُ رَفْعَ الْيَدَيْنِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الدُّعَاءِ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلاَّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ (١) . وَأَنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطَيْهِ. وَفِي حَدِيثٍ لأَِنَسٍ فَرَفَعَ الرَّسُول ﷺ وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَرِيبٌ مِنْ ثَلاَثِينَ حَدِيثًا فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ.

وَذَكَرَ الأَْئِمَّةُ: أَنَّهُ يَدْعُو سِرًّا وَجَهْرًا، فَإِذَا دَعَا سِرًّا دَعَا النَّاسُ سِرًّا، فَيَكُونُ أَبْلَغُ فِي الْبُعْدِ عَنِ الرِّيَاءِ. وَإِذَا دَعَا جَهْرًا أَمَّنَ النَّاسُ عَلَى دُعَاءِ الإِْمَامِ (٢) .

وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ بَعْضَ الدُّعَاءِ سِرًّا، وَبَعْضَهُ جَهْرًا، وَيَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ فِي دُعَائِهِ مُتَضَرِّعًا خَاشِعًا مُتَذَلِّلًا تَائِبًا.

الاِسْتِسْقَاءُ بِالصَّالِحِينَ:

٢٠ - اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الاِسْتِسْقَاءِ بِأَقَارِبِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِالصَّالِحِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ عُرِفُوا بِالتَّقْوَى وَالاِسْتِقَامَةِ، لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَقَال: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذَا قَحَطْنَا تَوَسَّلْنَا إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّل بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، فَيُسْقَوْنَ (٣) .

_________

(١) حديث: " كان رسول الله ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥١٧ - ط السلفية) .

(٢) المجموع للنووي ٥ / ٧٩، والطحطاوي ص ٣٥٩، والمغني ٢ / ٢٨٩، والشرح الصغير ١ / ٥٤٠

(٣) تقدم تخريجه (ف ٣)