الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣
مُشْرِفٍ فَخُذْهُ، وَمَا لاَ فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ، قَال: فَكَانَ سَالِمٌ لاَ يَسْأَل أَحَدًا شَيْئًا، وَلاَ يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١) .
٦ - ج - اسْتِحْبَابُ الأَْخْذِ، وَحَمْل النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ لِلْوُجُوبِ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، غَيْرَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَهُ عَلَى عَطِيَّةِ غَيْرِ السُّلْطَانِ.
جَاءَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: " الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: يُسْتَحَبُّ الْقَبُول فِي غَيْرِ عَطِيَّةِ السُّلْطَانِ، وَأَمَّا عَطِيَّةُ السُّلْطَانِ فَحَرَّمَهَا قَوْمٌ، وَأَبَاحَهَا قَوْمٌ، وَكَرِهَهَا قَوْمٌ، قَال: وَالصَّحِيحُ إِنْ غَلَبَ الْحَرَامُ فِيمَا فِي يَدِ السُّلْطَانِ حُرِّمَتْ، وَإِلاَّ أُبِيحَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَابِضِ مَانِعٌ مِنْ الاِسْتِحْقَاقِ (٢) ".
٧ - وَالاِسْتِشْرَافُ بِمَعْنَى التَّعَرُّضِ لِلسُّؤَال، لاَ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ عَنْ أَحْكَامِ السُّؤَال. (ر: سُؤَال) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٨ - يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنْ الاِسْتِشْرَافِ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَفِي الأُْضْحِيَّةِ، وَفِي الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ.
اسْتِشْهَادٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِشْهَادُ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الشَّهَادَةِ مِنَ الشُّهُودِ، فَيُقَال: اسْتَشْهَدَهُ: إِذَا سَأَلَهُ تَحَمُّل أَوْ
_________
(١) المجموع ٦ / ٢٤٥، والفروع ١ / ٩٤٣
(٢) الفروع ١ / ٩٤٤
أَدَاءَ الشَّهَادَةِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١)
وَاسْتُعْمِل فِي الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّهِ، فَيُقَال: اسْتُشْهِدَ: قُتِل فِي سَبِيل اللَّهِ (٢) .
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ لاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُهُمْ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ (٣) .
وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ فِي الْغَالِبِ لَفْظَةَ إِشْهَادٍ، وَيُرَادُ بِهَا: الاِسْتِشْهَادُ عَلَى حَقٍّ مِنَ الْحُقُوقِ (٤) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الاِسْتِشْهَادُ - بِمَعْنَى طَلَبِ الشَّهَادَةِ - يَخْتَلِفُ مِنْ حَقٍّ إِلَى حَقٍّ؛ لِذَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ تَبَعًا لِلْمَوَاطِنِ، وَمِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ: الاِسْتِشْهَادُ فِي الرَّجْعَةِ، فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٥)، وَمَنْدُوبٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٦)، وَوَاجِبٌ فِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٧) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - يُفَصِّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الاِسْتِشْهَادِ بِالنِّسْبَةِ لِكُل مَسْأَلَةٍ فِي مَوْضِعِهَا، وَمِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ: النِّكَاحُ، وَالرَّجْعَةُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالزِّنَا، وَاللُّقَطَةُ، وَاللَّقِيطُ،
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨٢
(٢) لسان العرب المحيط، وتاج العروس، والصحاح مادة: (شهد) .
(٣) طلبة الطلبة ص ١٣٢ ط دار الطباعة العامرة.
(٤) طلبة الطلبة ص ١٣٢، والنظم المستعذب مع المهذب ٢ / ٣٢٥ ط مصطفى الحلبي.
(٥) فتح القدير ٣ / ١٦٢ ط بولاق، والمهذب ٢ / ١٠٤ ط مصطفى الحلبي، والإقناع ٤ / ٦٦ ط دار المعرفة.
(٦) الشرح الصغير ٢ / ٦١٦
(٧) المهذب ٢ / ١٠٤
وَكِتَابُ الْقَاضِي لِلْقَاضِي، وَغَيْرُهَا عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ الاِسْتِشْهَادِ، أَوِ الإِْشْهَادِ فِيهَا.
٤ - أَمَّا الاِسْتِعْمَال الثَّانِي - بِمَعْنَى الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّهِ - فَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى الْجَنَائِزِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ غُسْل الْمَيِّتِ وَعَدَمِ غُسْلِهِ. وَالْجِهَادِ، عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ فَضْل الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّهِ.
اسْتِصْبَاحٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِصْبَاحُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ اسْتَصْبَحَ بِمَعْنَى: أَوْقَدَ الْمِصْبَاحَ، وَهُوَ الَّذِي يَشْتَعِل مِنْهُ الضَّوْءُ. وَاسْتَصْبَحَ بِالزَّيْتِ وَنَحْوِهِ: أَيْ أَمَدَّ بِهِ مِصْبَاحَهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي السُّؤَال عَنْ شُحُومِ الْمَيْتَةِ. . وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ: أَيْ يُشْعِلُونَ بِهَا سُرُجَهُمْ (١) "
وَلَمْ يَخْرُجِ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (٢)، فَقَدْ وَرَدَ فِي طِلْبَةِ الطَّلَبَةِ (٣) الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ: إِيقَادُ الْمِصْبَاحِ، وَهُوَ السِّرَاجُ. وَفِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ (٤) اسْتَصْبَحْتُ بِالْمِصْبَاحِ، وَاسْتَصْبَحْتُ بِالدُّهْنِ: نَوَّرْتُ بِهِ الْمِصْبَاحَ.
_________
(١) لسان العرب، وتاج العروس، والصحاح، والقاموس المحيط، والمعجم الوسيط مادة: (صبح)، والنهاية في غريب الحديث ٣ / ٧، وحديث " ويستصبح بها الناس. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٢٤ - ط السلفية) وفي أوله قول رسول الله ﷺ " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ".
(٢) المغرب في ترتيب المعرب.
(٣) طلبة الطلبة ص ٩
(٤) المصباح المنير مادة: (صبح)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِقْتِبَاسُ:
٢ - الاِقْتِبَاسُ لَهُ مَعَانٍ عِدَّةٌ أَهَمُّهَا: طَلَبُ الْقَبَسِ، وَهُوَ الشُّعْلَةُ مِنَ النَّارِ، فَإِذَا كَانَ بِهَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ يَخْتَلِفُ عَنْ الاِسْتِصْبَاحِ، كَمَا ظَهَرَ مِنَ التَّعْرِيفِ. وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ بَيْنَ طَلَبِ الشُّعْلَةِ، وَإِيقَادِ الشَّيْءِ لِتَتَكَوَّنَ لَنَا شُعْلَةٌ، فَالإِْيقَادُ سَابِقٌ لِطَلَبِ الشُّعْلَةِ (١) .
أَمَّا كَوْنُ الاِقْتِبَاسِ بِمَعْنَى تَضْمِينِ الْمُتَكَلِّمِ كَلاَمَهُ - شِعْرًا كَانَ أَوْ نَثْرًا - شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، أَوِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، عَلَى وَجْهٍ لاَ يَكُونُ فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ أَوِ الْحَدِيثِ، فَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا عَنْ مَعْنَى الاِسْتِصْبَاحِ.
ب - الاِسْتِضَاءَةُ:
٣ - الاِسْتِضَاءَةُ مَصْدَرُ: اسْتَضَاءَ. وَالاِسْتِضَاءَةُ: طَلَبُ الضَّوْءِ. يُقَال: اسْتَضَاءَ بِالنَّارِ: أَيِ اسْتَنَارَ بِهَا، أَيِ انْتَفَعَ بِضَوْئِهَا (٢)، فَإِيقَادُ السِّرَاجِ غَيْرُ الاِنْتِفَاعِ بِضَوْئِهِ، إِذْ أَنَّهُ يَكُونُ سَابِقًا لِلاِسْتِضَاءَةِ (٣) .
حُكْمُ الاِسْتِصْبَاحِ:
٤ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِسْتِصْبَاحِ بِاخْتِلاَفِ مَا يُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَالْمَكَانُ الَّذِي يُسْتَصْبَحُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مَا يُسْتَصْبَحُ بِهِ طَاهِرًا فَبِهَا، وَإِلاَّ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا هُوَ نَجِسٌ وَمَا هُوَ مُتَنَجِّسٌ، وَمَا إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَمَا إِذَا كَانَ فِي غَيْرِهِ.
أ - فَإِنْ كَانَ مَا يُسْتَصْبَحُ بِهِ نَجَسًا بِعَيْنِهِ، كَشَحْمِ
_________
(١) الكليات ١ / ٢٥٣
(٢) الكليات لأبي البقاء ١ / ٢٥٣
(٣) الفروق في اللغة ص ٣٠٧ ط بيروت، والشرح الصغير ٤ / ٩ ط دار المعارف.
الْخِنْزِيرِ، أَوْ شَحْمِ الْمَيْتَةِ، فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى حُرْمَةِ الاِسْتِصْبَاحِ بِهِ (١)، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ فِي غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِلأَْدِلَّةِ التَّالِيَةِ:
أَوَّلًا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا سُئِل عَنْ الاِنْتِفَاعِ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ بِاسْتِصْبَاحٍ وَغَيْرِهِ قَال: لاَ، هُوَ حَرَامٌ. (٢)
ثَانِيًا: وَقَوْلُهُ ﷺ: لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ. (٣)
ثَالِثًا: وَلأَِنَّهُ مَظِنَّةُ التَّلَوُّثِ بِهِ، وَلِكَرَاهَةِ دُخَانِ النَّجَاسَةِ (٤) .
ب - وَإِنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا، أَيْ أَنَّ الْوَقُودَ طَاهِرٌ فِي الأَْصْل، وَأَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ، فَإِنْ كَانَ الاِسْتِصْبَاحُ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ (٥) .
أَمَّا إِنْ كَانَ الاِسْتِصْبَاحُ بِالْمُتَنَجِّسِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، فَيَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٦)، لأَِنَّ الْوَقُودَ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٢٢٠ ط بولاق، والحطاب ١ / ١١٧ - ١١٩ ط ليبيا، وإعلام الساجد للزركشي ص ٣٦١ ط القاهرة، والقواعد لابن رجب ص ١٩٢ ط الصدق الخيرية، والمغني ٦ / ٦١٠
(٢) نيل الأوطار ٥ / ١٦١ ط الحلبي، وحديث: " سئل عن الانتفاع. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٢٤ ط السلفية)
(٣) نيل الأوطار ٥ / ١٦١ ط م الحلبي "، وحديث " لا تنتفعوا من الميتة بشيء. . . " رواه ابن وهب في مسنده، وفي إسناده زمعة بن صالح، وهو ضعيف. (تلخيص الحبير ١ / ٤٨ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٢٠، والحطاب ١ / ١١٧ - ١١٩، وإعلام الساجد للزركشي ص ٣٦١، والقواعد لابن رجب ص ١٩٢
(٥) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٢٠، وجواهر الإكليل ١ / ١٠، ٢ / ٢٠٣ ط م الحلبي، وإعلام الساجد ص ٣٦١
(٦) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٢٠، وجواهر الإكليل ١ / ١٠، ٢ / ٢٠٣، وإعلام الساجد ص ٣٦١، وفتاوى ابن تيمية ٢١ / ٨٣، ٦٠٨ ط الرياض.
يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَجَازَ كَالطَّاهِرِ. وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعَجِينِ الَّذِي عُجِنَ بِمَاءٍ مِنْ آبَارِ ثَمُودَ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ أَكْلِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَعْلِفُوهُ النَّوَاضِحَ (١) (الإِْبِل الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا) وَهَذَا الْوَقُودُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ، وَلاَ هُوَ مِنْ شُحُومِهَا فَيَتَنَاوَلُهُ الْخَبَرُ (٢) .
حُكْمُ اسْتِعْمَال مُخَلَّفَاتِهِمَا:
٥ - إِذَا اسْتُصْبِحَ بِالْمُتَنَجِّسِ، أَوِ النَّجَسِ فَلاَ بَأْسَ بِدُخَانِهِ أَوْ رَمَادِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَقُ بِالثِّيَابِ، وَذَلِكَ لاِضْمِحْلاَل النَّجَاسَةِ بِالنَّارِ، وَزَوَال أَثَرِهَا، فَمُجَرَّدُ الْمُلاَقَاةِ لاَ يُنَجِّسُ، بَل يُنَجِّسُ إِذَا عَلِقَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُلُوقِ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ، أَمَّا مُجَرَّدُ الرَّائِحَةِ فَلاَ. وَكَذَلِكَ يَرَوْنَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي جَوَازِ الاِنْتِفَاعِ هِيَ التَّغَيُّرُ وَانْقِلاَبُ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ يُفْتَى بِهِ لِلْبَلْوَى (٣) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ الْمُتَنَجِّسَ كَالنَّجَسِ (٤)؛ لأَِنَّهُ جُزْءٌ يَسْتَحِيل مِنْهُ، وَالاِسْتِحَالَةُ لاَ تَطْهُرُ، فَإِنْ عَلِقَ شَيْءٌ وَكَانَ يَسِيرًا عُفِيَ عَنْهُ (٥)؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَأَشْبَهَ دَمَ الْبَرَاغِيثِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ. وَقِيل أَيْضًا بِأَنَّ دُخَانَ النَّجَاسَةِ نَجَسٌ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ مَا يَنْفَصِل مِنَ
_________
(١) أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٢٩٣ ط عبد الرحمن محمد) .
(٢) المغني ٨ / ٦٠٨ - ٦١٠ ط الرياض.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٢١٠، ٢١٦، والحطاب ١ / ١٠٧، ١٢٠، وفتح الباري ١١ / ٨٥ - ٨٦ نشر دار البحوث بالرياض، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٢٦١ ط المنار، وشرح الزرقاني للموطأ ٤ / ٣٠٢ ط الاستقامة.
(٤) المجموع ٢ / ٥٣٠ ط العامة، والمغني ٨ / ٦١٠ ط الرياض، ومنتهى الإرادات ١ / ٤٣ ط دار العروبة.
(٥) المغني ٨ / ٦١٠
الدُّخَانِ يُؤَثِّرُ فِي الْحِيطَانِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى تَنْجِيسِهَا فَلاَ يَجُوزُ (١) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل هَذَا فِي (نَجَاسَة) .
آدَابُ الاِسْتِصْبَاحِ:
٦ - يُسْتَحَبُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِطْفَاءُ الْمِصْبَاحِ عِنْدَ النَّوْمِ، خَوْفًا مِنَ الْحَرِيقِ الْمُحْتَمَل بِالْغَفْلَةِ، فَإِنْ وُجِدَتِ الْغَفْلَةُ حَصَل النَّهْيُ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ لِلرَّسُول ﷺ تَدُل عَلَى هَذَا، مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: خَمِّرُوا الآْنِيَةَ أَيْ غَطُّوهَا وَأَجِيفُوا الأَْبْوَابَ أَيْ أَغْلِقُوهَا وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الْفَتِيلَةَ، فَأَحْرَقَتْ أَهْل الْبَيْتِ. (٢)
قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: يُسْتَحَبُّ إِطْفَاءُ النَّارِ عِنْدَ النَّوْمِ؛ لأَِنَّهَا عَدُوٌّ مَزْمُومٌ بِزِمَامٍ لاَ يُؤْمَنُ لَهَبُهَا فِي حَالَةِ نَوْمِ الإِْنْسَانِ. أَمَّا إِنْ جَعَل الْمِصْبَاحَ فِي شَيْءٍ مُعَلَّقٍ أَوْ عَلَى شَيْءٍ لاَ يُمْكِنُ الْفَوَاسِقُ وَالْهَوَامُّ التَّسَلُّقَ إِلَيْهِ فَلاَ أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا (٣) .
اسْتِصْحَابٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِصْحَابُ فِي اللُّغَةِ: الْمُلاَزَمَةُ، يُقَال: اسْتَصْحَبْتُ الْكِتَابَ وَغَيْرَهُ: حَمَلْتُهُ بِصُحْبَتِي (٤) .
_________
(١) إعلام الساجد ص ٣٦١
(٢) فتح الباري ١١ / ٨٥ - ٨٦ ط السلفية، وشرح الزرقاني للموطأ ٤ / ٣٠٢
(٣) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٢٦١
(٤) القاموس والمصباح المنير، مادة: (صحب)
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ، فَقَدْ عُرِّفَ بِعِدَّةِ تَعْرِيفَاتٍ مِنْهَا مَا عَرَّفَهُ بِهِ الإِْسْنَوِيُّ بِقَوْلِهِ: الاِسْتِصْحَابُ عِبَارَةٌ عَنِ الْحُكْمِ بِثُبُوتِ أَمْرٍ فِي الزَّمَنِ الآْتِي، بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِهِ فِي الزَّمَنِ الأَْوَّل (١) . وَمِثَالُهُ: أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ بِيَقِينٍ يَبْقَى عَلَى وُضُوئِهِ وَإِنْ شَكَّ فِي نَقْضِ طَهَارَتِهِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الإِْبَاحَةُ:
٢ - الإِْبَاحَةُ الأَْصْلِيَّةُ - بِمَعْنَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ - نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الاِسْتِصْحَابِ، وَهِيَ مَا يُسَمَّى بِاسْتِصْحَابِ الْعَدَمِ الأَْصْلِيِّ (٢) . وَأَمَّا الإِْبَاحَةُ الَّتِي هِيَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ، فَهِيَ مُغَايِرَةٌ لِلاِسْتِصْحَابِ، إِذِ الاِسْتِصْحَابُ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهِ - نَوْعٌ مِنَ الأَْدِلَّةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الإِْبَاحَةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الأَْحْكَامِ.
أَنْوَاعُ الاِسْتِصْحَابِ:
٣ - لِلاِسْتِصْحَابِ أَنْوَاعٌ ثَلاَثَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، هِيَ (٣):
أ - اسْتِصْحَابُ الْعَدَمِ الأَْصْلِيِّ، كَنَفْيِ وُجُوبِ صَلاَةٍ سَادِسَةٍ، وَنَفْيِ وُجُوبِ صَوْمِ شَوَّالٍ.
ب - اسْتِصْحَابُ الْعُمُومِ إِلَى أَنْ يَرِدَ الْمُخَصِّصُ، كَبَقَاءِ الْعُمُومِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤)، وَاسْتِصْحَابُ النَّصِّ إِلَى أَنْ يَرِدَ نَاسِخٌ،
_________
(١) نهاية السول في شرح منهاج الأصول ٣ / ١١٢ مطبعة التوفيق الأدبية.
(٢) المستصفى ١ / ٢١٨ طبعة بولاق.
(٣) المستصفى ١ / ٢١٧ وما بعدها، والإبهاج ٣ / ١١٠
(٤) سورة البقرة / ٢٧٥
كَوُجُوبِ جَلْدِ كُل قَاذِفٍ زَوْجًا أَوْ غَيْرَهُ، إِلَى أَنْ وَرَدَ النَّاسِخُ الْجُزْئِيُّ، بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجِ دُونَ غَيْرِهِ.
ج - اسْتِصْحَابُ حُكْمٍ دَل الشَّرْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَدَوَامِهِ، كَالْمِلْكِ عِنْدَ جَرَيَانِ الْعَقْدِ الَّذِي يُفِيدُ التَّمْلِيكَ، وَكَشَغْل الذِّمَّةِ عِنْدَ جَرَيَانِ إِتْلاَفٍ أَوْ إِلْزَامٍ، فَيَبْقَى الْمِلْكُ وَالدَّيْنُ إِلَى أَنْ يَثْبُتَ زَوَالُهُمَا بِسَبَبٍ مَشْرُوعٍ.
وَهُنَاكَ نَوْعَانِ آخَرَانِ لِلاِسْتِصْحَابِ مُخْتَلَفٌ فِي حُجِّيَّتِهِمَا، وَمَوْضِعُ تَفْصِيلِهِمَا الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
حُجِّيَّتُهُ:
٤ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي حُجِّيَّةِ الاِسْتِصْحَابِ عَلَى أَقْوَالٍ أَشْهُرُهَا (١):
أ - قَال الْمَالِكِيَّةُ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةُ بِحُجِّيَّتِهِ مُطْلَقًا، أَيْ فِي النَّفْيِ وَالإِْثْبَاتِ.
ب - وَقَال أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ بِعَدَمِ حُجِّيَّتِهِ مُطْلَقًا.
ج - وَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِحُجِّيَّتِهِ فِي النَّفْيِ دُونَ الإِْثْبَاتِ، وَهُمْ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى مَوْضِعُهَا وَتَفْصِيلُهَا فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
مَرْتَبَتُهُ فِي الْحُجِّيَّةِ:
٥ - الاِسْتِصْحَابُ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِحُجِّيَّتِهِ - هُوَ آخِرُ دَلِيلٍ يَلْجَأُ إِلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ، لِمَعْرِفَةِ حُكْمِ مَا يَعْرِضُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّهُ آخِرُ مَدَارِ الْفَتْوَى (٢)،
_________
(١) إرشاد الفحول ص ٢٣٨ وما بعدها، والإبهاج على البيضاوي ٣ / ١١١
(٢) إرشاد الفحول للشوكاني ص ٢٣٦
وَعَلَيْهِ ثَبَتَتِ الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ الْمَشْهُورَةُ: (الأَْصْل بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيل عَلَى خِلاَفِهِ) وَالْقَاعِدَةُ: (مَا ثَبَتَ بِالْيَقِينِ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ (١» .
اسْتِصْلاَحٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِصْلاَحُ فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ الاِسْتِفْسَادِ (٢) .
وَعِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: اسْتِنْبَاطُ الْحُكْمِ فِي وَاقِعَةٍ لاَ نَصَّ فِيهَا وَلاَ إِجْمَاعَ، بِنَاءً عَلَى مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ لاَ دَلِيل عَلَى اعْتِبَارِهَا وَلاَ إِلْغَائِهَا. وَيُعَبَّرُ عَنْهُ أَيْضًا بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ.
٢ - وَالْمَصْلَحَةُ فِي اللُّغَةِ: ضِدُّ الْمَفْسَدَةِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرْعِ الْخَمْسَةِ (٣) .
٣ - وَالْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ: مَا لاَ يَشْهَدُ لَهَا أَصْلٌ بِالاِعْتِبَارِ وَلاَ بِالإِْلْغَاءِ، لاَ بِالنَّصِّ وَلاَ بِالإِْجْمَاعِ، وَلاَ يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْتِحْسَانُ:
٤ - عَرَّفَهُ الأُْصُولِيُّونَ بِتَعَارِيفَ كَثِيرَةٍ، الْمُخْتَارُ مِنْهَا: الْعُدُول إِلَى خِلاَفِ النَّظِيرِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ،
_________
(١) مجلة الأحكام العدلية مادة: (٤ - ١٠)
(٢) لسان العرب. مادة: (صلح)
(٣) المستصفى ١ / ٢٨٦، ٢٨٧، ٢ / ٣٠٦ ط بولاق، وشرح جمع الجوامع ٢ / ٢٨٤ ط مصطفى الحلبي.
(٤) ابن الحاجب ٢ / ٢٨٩ ط الكلية الأزهرية ١٢٩٣ هـ