الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣ الصفحة 59

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣

ثَالِثًا: سُقُوطُ الْحَقِّ فِي اسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ وَالضَّمَانِ قَضَاءً لاَ دِيَانَةً:

٣٤ - وَذَلِكَ كَمَا لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا دَخَل دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَأَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لاَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ وَلاَ بِالضَّمَانِ، وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ جَل جَلاَلُهُ.

عَوْدَةُ حَقِّ الاِسْتِرْدَادِ بَعْدَ زَوَال الْمَانِعِ:

٣٥ - مَا وَجَبَ رَدُّهُ ثُمَّ بَطَل حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ فِيهِ لِمَانِعٍ، فَإِنَّ هَذَا الْحَقَّ يَعُودُ إِذَا زَال الْمَانِعُ؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ إِذَا زَال عَادَ الْمَمْنُوعُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:

الْبَيْعُ الْفَاسِدُ - حَيْثُ يَجِبُ فِيهِ الرَّدُّ - إِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ الْمُشْتَرِي بِبَيْعٍ سَقَطَ حَقُّ الرَّدِّ، فَإِنْ رُدَّ عَلَى الْمُشْتَرِي بِخِيَارِ شَرْطٍ، أَوْ رُؤْيَةٍ، أَوْ عَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ، وَعَادَ عَلَى حُكْمِ الْمِلْكِ الأَْوَّل عَادَ حَقُّ الْفَسْخِ وَالرَّدِّ؛ لأَِنَّ الرَّدَّ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ فَسْخٌ مَحْضٌ، فَكَانَ دَفْعًا لِلْعَقْدِ مِنَ الأَْصْل وَجَعْلًا لَهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ. أَمَّا لَوِ اشْتَرَاهُ ثَانِيًا، أَوْ عَادَ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ مُبْتَدَأٍ لاَ يَعُودُ حَقُّ الْفَسْخِ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ اخْتَلَفَ لاِخْتِلاَفِ السَّبَبِ، فَكَانَ اخْتِلاَفُ الْمِلْكَيْنِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلاَفِ الْعَقْدَيْنِ.

هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَيُسَايِرُهُ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فِي عَوْدَةِ حَقِّ الاِسْتِرْدَادِ إِذَا زَال الْمَانِعُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ الْحَنَفِيَّةَ فِي أَنَّهُ لَوْ عَادَ الْمَبِيعُ الْفَاسِدُ إِلَى الْمُشْتَرِي بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ - سَوَاءٌ كَانَ عَوْدُهُ اخْتِيَارِيًّا أَوْ ضَرُورِيًّا كَإِرْثٍ - فَإِنَّهُ يَعُودُ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ، مَا لَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ بِعَدَمِ الرَّدِّ، أَوْ كَانَ الْفَوَاتُ رَاجِعًا لِتَغَيُّرِ السُّوقِ، ثُمَّ عَادَ السُّوقُ إِلَى حَالَتِهِ الأُْولَى، فَلاَ

يَرْتَفِعُ حُكْمُ السَّبَبِ الْمَانِعِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي الرَّدُّ.

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: فَإِنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ عِنْدَهُمْ لاَ يَحْصُل بِهِ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، وَلاَ يَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي بِبَيْعٍ وَلاَ هِبَةٍ وَلاَ عِتْقٍ وَلاَ غَيْرِهِ، هُوَ وَاجِبُ الرَّدِّ مَا لَمْ يَتْلَفْ فَيَكُونُ فِيهِ الضَّمَانُ (١) .

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَنَافِعِ الأَْعْضَاءِ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى حَالَتِهَا الطَّبِيعِيَّةِ فَإِنَّ الدِّيَةَ تُسْتَرَدُّ. وَعَلَى ذَلِكَ: مَنْ جَنَى عَلَى سَمْعِ إِنْسَانٍ فَزَال السَّمْعُ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ الدِّيَةُ، ثُمَّ عَادَ السَّمْعُ، وَجَبَ رَدُّ الدِّيَةِ؛ لأَِنَّ السَّمْعَ لَمْ يَذْهَبْ؛ لأَِنَّهُ لَوْ ذَهَبَ لَمَا عَادَ. وَمَنْ جَنَى عَلَى عَيْنَيْنِ فَذَهَبَ ضَوْءُهُمَا وَجَبَتِ الدِّيَةُ، فَإِنْ أُخِذَتِ الدِّيَةُ، ثُمَّ عَادَ الضَّوْءُ وَجَبَ رَدُّ الدِّيَةِ. وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خِلاَفٌ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ (٢) . (ر: جِنَايَة - دِيَة) .

أَثَرُ الاِسْتِرْدَادِ:

٣٦ - الاِسْتِرْدَادُ حَقٌّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي تَثْبُتُ نَتِيجَةً لِبَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ، فَفِي الْغَصْبِ يَثْبُتُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ مِنَ الْغَاصِبِ، وَفِي الْعَارِيَّةِ يَثْبُتُ لِلْمُعِيرِ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ مِنَ الْمُسْتَعِيرِ، وَفِي الْوَدِيعَةِ يَثْبُتُ لِلْمُودِعِ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ مِنَ الْمُودَعِ، وَفِي الرَّهْنِ يَثْبُتُ لِلرَّاهِنِ حَقُّ اسْتِرْدَادِ الْمَرْهُونِ مِنَ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ.

_________

(١) البدائع ٥ / ٣٠١، ٣٠٢، والدسوقي ٣ / ٧٥، والمغني ٤ / ٢٥٢، ٢٥٣

(٢) الحطاب ٦ / ٢٦١ - ٢٦٤، ونهاية المحتاج ٧ / ٣١٦، والمحرر ٢ / ١٢٩، والزيلعي ٦ / ١٣٨

وَمَا وَجَبَ رَدُّهُ بِعَيْنِهِ كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا، وَالأَْمَانَاتِ حِينَ طَلَبِهَا إِذَا رُدَّتْ أَوِ اسْتَرَدَّهَا كُلَّهَا فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مَا يَأْتِي:

أ - الْبَرَاءَةُ مِنَ الضَّمَانِ، فَالْغَاصِبُ يَبْرَأُ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَالْمُودَعُ يَبْرَأُ بِرَدِّ الْوَدِيعَةِ، وَهَكَذَا.

ب - يُعْتَبَرُ الرَّدُّ فَسْخًا لِلْعَقْدِ، فَرَدُّ الْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا يُعْتَبَرُ فَسْخًا لِلْعَقْدِ.

ج - تَرَتُّبُ بَعْضِ الْحُقُوقِ، كَثُبُوتِ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ لِمَنِ اسْتُحِقَّ بِيَدِهِ شَيْءٌ عَلَى مَنِ اشْتَرَاهَا مِنْهُ.

اسْتِرْسَالٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِسْتِرْسَال أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ: السُّكُونُ وَالثَّبَاتُ. وَمِنْ مَعَانِيهِ لُغَةً: الاِسْتِئْنَاسُ وَالطُّمَأْنِينَةُ إِلَى الإِْنْسَانِ وَالثِّقَةُ بِهِ. (١)

وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِعِدَّةِ مَعَانٍ:

أ - بِمَعْنَى الطُّمَأْنِينَةِ إِلَى الإِْنْسَانِ وَالثِّقَةِ بِهِ، وَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ (٢) .

ب - بِمَعْنَى الاِنْسِحَابِ وَاللَّحَاقِ وَالاِنْجِرَارِ مِنَ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ (٣)، وَذَلِكَ فِي الْوَلاَءِ.

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: (رسل) .

(٢) الحطاب ٤ / ٤٧٠ ط دار الفكر، والمغني ٣ / ٥٨٤ ط مكتبة الرياض الحديثة.

(٣) الوجيز ٢ / ٢٧٩ ط مطبعة الآداب، والمواق بهامش الحطاب ٦ / ٣٦١ ط دار الفكر.

ج - بِمَعْنَى الاِنْطِلاَقِ وَالاِنْبِعَاثِ بِدُونِ بَاعِثٍ (١)، وَذَلِكَ فِي الصَّيْدِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

أَوَّلًا - بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْعِ:

٢ - الْمُسْتَرْسِل هُوَ الْجَاهِل بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ، وَلاَ يُحْسِنُ الْمُبَايَعَةَ، قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: الْمُسْتَرْسِل: هُوَ الَّذِي لاَ يُمَاكِسُ، فَكَأَنَّهُ اسْتَرْسَل إِلَى الْبَائِعِ، فَأَخَذَ مَا أَعْطَاهُ، مِنْ غَيْرِ مُمَاكَسَةٍ وَلاَ مَعْرِفَةٍ بِغَبْنِهِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُسْتَرْسِل إِذَا غَبَنَ غَبْنًا يَخْرُجُ عَنِ الْعَادَةِ.

فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْمْضَاءِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: غَبْنُ الْمُسْتَرْسِل حَرَامٌ. (٢) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَثْبُتُ لَهُ الرَّدُّ؛ لأَِنَّ الْمَبِيعَ سَلِيمٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ تَدْلِيسٌ، وَإِنَّمَا فَرَّطَ الْمُشْتَرِي فِي تَرْكِ التَّأَمُّل، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرَّدُّ.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ يُفْتَى بِالرَّدِّ إِنْ حَدَثَ غَرَرٌ، وَذَلِكَ رِفْقًا بِالنَّاسِ (٣) .

وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِيمَا يُعْتَبَرُ غَبْنًا وَمَا لاَ يُعْتَبَرُ، وَهَل يُقَدَّرُ بِالثُّلُثِ أَوْ أَقَل أَوْ أَكْثَرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (غَبْن - خِيَار) .

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ٢١١ ط دار المعرفة بيروت، والوجيز ٢ / ٢٠٧

(٢) المغني ٣ / ٥٨٤، والحطاب ٤ / ٤٧٠، والمواق بهامش الحطاب ٤ / ٤٦٨، وحديث " غبن المسترسل حرام " أخرجه الطبراني٨ / ١٤٩ ط وزارة الأوقاف العراقية. وقال الهيثمي: " فيه موسى بن عمير الأعمى وهو ضعيف جدا ". انظر مجمع الزوائد (٤ / ٧٦ ط القدسي) .

(٣) ابن عابدين ٤ / ١٦٦، ١٦٧ ط بولاق الثالثة، والمهذب ١ / ٢٩٤ ط دار المعرفة بيروت.

ثَانِيًا: بِالنِّسْبَةِ لِلصَّيْدِ:

٣ - يُشْتَرَطُ لإِبَاحَةِ مَا قَتَلَهُ الْحَيَوَانُ الْجَارِحُ إِرْسَال الصَّائِدِ لَهُ. فَإِذَا اسْتَرْسَل مِنْ نَفْسِهِ دُونَ إِرْسَال الصَّائِدِ فَلاَ يَحِل مَا قَتَلَهُ، إِلاَّ إِذَا وَجَدَهُ غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِل فَذَكَّاهُ.

وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١)، إِلاَّ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا إِذَا أَشْلاَهُ الصَّائِدُ - أَيْ أَغْرَاهُ - أَوْ زَجَرَهُ أَثْنَاءَ اسْتِرْسَالِهِ، هَل يَحِل أَوْ لاَ؟ عَلَى تَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (صَيْد - وَإِرْسَال) .

ثَالِثًا: بِالنِّسْبَةِ لِلْوَلاَءِ:

٤ - إِذَا تَزَوَّجَ الْمَمْلُوكُ حُرَّةً مَوْلاَةً لِقَوْمٍ أَعْتَقُوهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلاَدًا فَهُمْ مَوَالٍ لِمَوَالِي أُمِّهِمْ، مَا دَامَ الأَْبُ رَقِيقًا مَمْلُوكًا، فَإِذَا عَتَقَ الأَْبُ اسْتُرْسِل الْوَلاَءُ (انْجَرَّ وَانْسَحَبَ) مِنْ مَوَالِي الأُْمِّ إِلَى مَوَالِي الْعَبْدِ.

أَمَّا لَوْ وَلَدَتْ الأَْمَةُ قَبْل عِتْقِهَا، ثُمَّ عَتَقَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلاَ يَنْسَحِبُ الْوَلاَءُ؛ لأَِنَّ الْوَلَدَ مَسَّهُ رِقٌّ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (٢) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٥ - يُنْظَرُ تَفْصِيل هَذِهِ الْمَوَاضِيعِ فِي بَابِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ، وَفِي بَابِ الْوَلاَءِ، وَفِي شُرُوطِ حِل الصَّيْدِ فِي بَابِ الصَّيْدِ (٣) .

_________

(١) المغني ٨ / ٥٥٠، ٥٤٥، والبدائع ٥ / ٥٥ ط الجمالية، وجواهر الإكليل ١ / ٢١١، والوجيز ٢ / ٢٠٧

(٢) الوجيز ٢ / ٢٧٩، والمهذب ٢ / ٢٣، والمواق بهامش الحطاب ٦ / ٣٦١، والمغني ٦ / ٣٦١، والهداية ١ / ٢٧١، ٢٧٢، ط المكتبة الإسلامية، والزاهر فقرة ٤٢٨، ٩٩٣ ط وزارة الأوقاف الكويتية.

(٣) المراجع السابقة.

اسْتِرْقَاقٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِسْتِرْقَاقُ لُغَةً: الإِْدْخَال فِي الرِّقِّ، وَالرِّقُّ (١): كَوْنُ الآْدَمِيِّ مَمْلُوكًا مُسْتَعْبَدًا. وَلاَ يَخْرُجُ الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيُّ عَنْ ذَلِكَ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الأَْسْرُ وَالسَّبْيُ:،

٢ - الأَْسْرُ هُوَ: الشَّدُّ بِالإِْسَارِ، وَالإِْسَارُ: مَا يُشَدُّ بِهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ الأَْسْرُ عَلَى الأَْخْذِ ذَاتِهِ. وَالسَّبْيُ هُوَ: الأَْسْرُ أَيْضًا، وَلَكِنْ يَغْلِبُ إِطْلاَقُ السَّبْيِ عَلَى أَخْذِ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ.

وَالأَْسْرُ وَالسَّبْيُ مَرْحَلَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الاِسْتِرْقَاقِ فِي الْجُمْلَةِ. وَقَدْ يَتْبَعُهَا اسْتِرْقَاقٌ أَوْ لاَ يَتْبَعُهَا، إِذْ قَدْ يُؤْخَذُ الْمُحَارِبُ، ثُمَّ يُمَنُّ عَلَيْهِ، أَوْ يُفْدَى، أَوْ يُقْتَل وَلاَ يُسْتَرَقُّ (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلاِسْتِرْقَاقِ:

٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِسْتِرْقَاقِ بِاخْتِلاَفِ الْمُسْتَرَقِّ (بِالْفَتْحِ)، فَإِنْ كَانَ الأَْسِيرُ مِمَّنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْحَرْبِ فَلاَ يَجِبُ اسْتِرْقَاقُهُ، بَل يَجُوزُ، وَيَكُونُ النَّظَرُ فِيهِ إِلَى

_________

(١) لسان العرب مادة: (رق) .

(٢) لسان العرب، وتاج العروس مادة: (رق) و(أسر) و(سبى)، والمغني ٨ / ٣٧٥ طبعة المنار الثالثة، أو طبعة مكتبة الرياض الحديثة، وأسنى المطالب ٤ / ١٩٣ طبع المكتبة الإسلامية، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٠ طبع دار الفكر.

الإِْمَامِ، إِنْ رَأَى فِي قَتْلِهِ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ قَتَلَهُ، وَإِنْ رَأَى فِي اسْتِرْقَاقِهِ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ اسْتَرَقَّهُ، كَمَا يَجُوزُ الْمَنُّ وَالْفِدَاءُ أَيْضًا. أَمَّا إِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْحَرْبِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى اتِّجَاهَيْنِ:

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ اسْتِرْقَاقِهِ، بَل إِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ يُسْتَرَقُّ بِنَفْسِ الأَْسْرِ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِ، حَيْثُ يُخَيَّرُ الإِْمَامُ بَيْنَ الاِسْتِرْقَاقِ وَغَيْرِهِ، كَجَعْلِهِمْ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، أَوِ الْمُفَادَاةِ بِهِمْ (٢)، أَوِ الْمَنِّ عَلَيْهِمْ - كَمَا فَعَل الرَّسُول ﷺ فِي فَتْحِ مَكَّةَ - عَلَى مَا يَرَى مِن الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ. وَلِلتَّفْصِيل (ر: أَسْرَى)

حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الاِسْتِرْقَاقِ:

٤ - قَال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبُخَارِيُّ شَيْخُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ:

" الرِّقُّ إِنَّمَا ثَبَتَ فِي بَنِي آدَمَ لاِسْتِنْكَافِهِمْ مِنْ عُبُودِيَّتِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى الَّذِي خَلَقَهُمْ، وَكُلُّهُمْ عَبِيدُهُ وَأَرِقَّاؤُهُ، فَإِنَّهُ خَلَقَهُمْ وَكَوَّنَهُمْ، فَلَمَّا اسْتَنْكَفُوا عَنْ عُبُودِيَّتِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى جَزَاهُمْ بِرِقِّهِمْ لِعِبَادِهِ، فَإِذَا أَعْتَقَهُ فَقَدْ أَعَادَهُ الْمُعْتِقُ إِلَى رِقِّهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا، فَعَسَى يَرَى هَذِهِ الْمِنَّةَ: أَنَّهُ لَوِ اسْتَنْكَفَ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى لاَبْتُلِيَ بِرِقٍّ لِعَبِيدِهِ، فَيُقِرُّ لِلَّهِ تَعَالَى

_________

(١) الأم ٤ / ١٤٤ طبع دار المعرفة، وأسنى المطالب ٤ / ١٩٣، والكافي ٣ / ٢٧١

(٢) بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٤٨، وفتح القدير ٤ / ٣٠٦، ومواهب الجليل ٣ / ٣٥١

بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَيَفْتَخِرُ بِعُبُودِيَّتِهِ (١)، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ . (٢)

٥ - وَكَانَ طَرِيقُ التَّخَلُّصِ مِنَ الرِّقِّ الَّذِي انْتَهَجَهُ الإِْسْلاَمُ يَتَلَخَّصُ فِي أَمْرَيْنِ:

الأَْمْرُ الأَْوَّل: حَصْرِ مَصَادِرِ الاِسْتِرْقَاقِ بِمَصْدَرَيْنِ اثْنَيْنِ لاَ ثَالِثَ لَهُمَا، وَإِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ أَيُّ مَصْدَرٍ غَيْرُهُمَا مَصْدَرًا مَشْرُوعًا لِلاِسْتِرْقَاقِ:

أَحَدُهُمَا: الأَْسْرَى وَالسَّبْيُ مِنْ حَرْبٍ لِعَدُوٍّ كَافِرٍ إِذَا رَأَى الإِْمَامُ أَنَّ مِنَ الْمَصْلَحَةِ اسْتِرْقَاقَهُمْ.

وَثَانِيهُمَا: مَا وُلِدَ مِنْ أُمٍّ رَقِيقَةٍ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا، أَمَّا لَوْ كَانَ مِنْ سَيِّدِهَا فَهُوَ حُرٌّ.

الأَْمْرُ الثَّانِي: فَتْحُ أَبْوَابِ تَحْرِيرِ الرَّقِيقِ عَلَى مَصَارِيعِهَا، كَالْكَفَّارَاتِ، وَالنُّذُورِ، وَالْعِتْقِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُكَاتَبَةِ، وَالاِسْتِيلاَدِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَالْعِتْقِ بِمِلْكِ الْمَحَارِمِ، وَالْعِتْقِ بِإِسَاءَةِ الْمُعَامَلَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

٦ - مَنْ لَهُ حَقُّ الاِسْتِرْقَاقِ:

اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الَّذِي لَهُ حَقُّ الاِسْتِرْقَاقِ أَوِ الْمَنِّ أَوِ الْفِدَاءِ هُوَ الإِْمَامُ الأَْعْظَمُ لِلْمُسْلِمِينَ، بِحُكْمِ وِلاَيَتِهِ الْعَامَّةِ، أَوْ مَنْ يُنِيبُهُ، وَلِذَلِكَ جُعِل إِلَيْهِ أَمْرُ الْخِيَارِ فِي الاِسْتِرْقَاقِ وَعَدَمِهِ (٣) .

_________

(١) محاسن الإسلام للبخاري شيخ صاحب الهداية ص ٥٥ ط القدسي.

(٢) سورة النساء / ١٧٢

(٣) المغني ٨ / ٣٧٢، ٣٧٧، وأسنى المطالب ٤ / ١٩٣ طبع المكتبة الإسلامية، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٥، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار ٢ / ٤٤٧ طبع دار المعرفة.

أَسْبَابُ الاِسْتِرْقَاقِ:

أَوَّلًا - مَنْ يُضْرَبُ عَلَيْهِ الرِّقُّ:

٧ - لاَ يَجُوزُ ضَرْبُ الرِّقِّ عَلَى النِّسَاءِ إِلاَّ إِذَا تَوَفَّرَتْ فِيمَنْ يُسْتَرَقُّ صِفَتَانِ: الصِّفَةُ الأُْولَى الْكُفْرُ، وَالصِّفَةُ الثَّانِيَةُ الْحَرْبُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُحَارِبًا بِنَفْسِهِ، أَمْ تَابِعًا لِمُحَارِبٍ، عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:

أ - الأَْسْرَى مِن الَّذِينَ اشْتَرَكُوا فِي حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ فِعْلًا.

٨ - وَهَؤُلاَءِ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ، أَوْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، أَوْ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ، أَوْ مِنَ الْبُغَاةِ.

(١) فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ: جَازَ اسْتِرْقَاقُهُمْ بِالاِتِّفَاقِ، وَالْمَجُوسُ يُعَامَلُونَ مِثْلَهُمْ فِي هَذَا.

(٢) أَمَّا إِنْ كَانُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ. وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَجُوزُ.

أَمَّا إِنْ كَانُوا مِنَ الْعَرَبِ: فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِمْ.

وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الْقُرَشِيِّينَ، فَقَالُوا: لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ، بَل لاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ، فَإِنْ رَفَضُوهُ قُتِلُوا؛ وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ هَذَا التَّفْرِيقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَالْقُرْآنَ نَزَل بِلُغَتِهِمْ، فَالْمُعْجِزَةُ فِي حَقِّهِمْ أَظْهَرُ، فَكَانَ

كُفْرُهُمْ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - أَغْلَظَ مِنْ كُفْرِ الْعَجَمِ (١) .

(٣) وَأَمَّا إِنْ كَانُوا مِنَ الْمُرْتَدِّينَ: فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ بِالاِتِّفَاقِ، وَلاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ، فَإِنْ رَفَضُوهُ قُتِلُوا لِغِلَظِ كُفْرِهِمْ (٢) .

(٤) وَأَمَّا إِنْ كَانُوا مِنَ الْبُغَاةِ: فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ بِالاِتِّفَاقِ؛ لأَِنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، وَالإِْسْلاَمُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الرِّقِّ (٣) .

ب - الأَْسْرَى مِنَ الَّذِينَ أُخِذُوا فِي الْحَرْبِ مِمَّنْ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، كَالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ:

٩ - وَهَؤُلاَءِ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ بِالاِتِّفَاقِ، إِنْ كَانُوا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ، أَوْ مِنَ الْوَثَنِيِّينَ الْمُشْرِكِينَ (٤)، سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنَ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الرُّهْبَانَ الْمُنْقَطِعِينَ عَنِ النَّاسِ فِي الْجِبَال،

_________

(١) فتح القدير على الهداية ٤ / ٣٧١ طبع بولاق سنة١٣١٦ هـ، والبحر الرائق ٥ / ٨٩ طبع المطبعة العلمية، ومجمع الأنهر ١ / ٥٩ طبع المطبعة العثمانية سنة ١٣٢٧ هـ، وبدائع الصنائع ٩ / ٤٣٤٨ طبع مطبعة الإمام، وحاشية الطحطاوي على الدر ٢ / ٤٤٧ طبع بولاق سنة ١٢٥٤ هـ، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٢٩ طبع بولاق الأولى، وأسنى المطالب ٤ / ١٩٣ طبع المكتبة الإسلامية، وحاشية الجمل ٥ / ١٩٧ طبع دار إحياء التراث العربي، والمدونة ٢ / ٢٤ طبع مطبعة السعادة بمصر، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٨٤ طبع دار الفكر، ومواهب الجليل ٣ / ٣٥٨، والمغني لابن قدامة ٨ / ٣٧٢، و٣٧٦، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣١ و١٢٥

(٢) بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٤٨، وفتح القدير ٤ / ٣٧١، وحاشية الطحطاوي على الدر ٢ / ٤٤٧، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٢٩، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٥ و٢٠١، وأسنى المطالب ٤ / ١٢٣

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١، والمدونة ٢ / ٢١، والشرح الصغير ٤ / ٤٢٨ طبع دار المعارف، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٩

(٤) بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٤٨، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٢٩، ٢٦٩، وحاشية الطحطاوي على الدر ٢ / ٤٤٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٥،٢٠١،١٨٤، والمغني ٨ / ٣٧٦، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٢٧، وأسنى المطالب ٤ / ١٩٣