الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣
إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَأْيٌ فِي الْحَرْبِ (١)، وَإِنَّمَا كَانَ الاِسْتِرْقَاقُ لِهَؤُلاَءِ دُونَ الْقَتْل لِلتَّوَسُّل إِلَى إِسْلاَمِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْحَرْبِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِ أَهْل الْكِتَابِ بِاسْتِرْقَاقِ رَسُول اللَّهِ نِسَاءَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِ سَبْيِ الْمُرْتَدِّينَ بِاسْتِرْقَاقِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نِسَاءَ الْمُرْتَدِّينَ مِنَ الْعَرَبِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِ سَبْيِ الْمُشْرِكِينَ بِاسْتِرْقَاقِ رَسُول اللَّهِ نِسَاءَ هَوَازِنَ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَهُمْ مِنْ صَمِيمِ الْعَرَبِ (٢) .
أَمَّا مَنْ يُؤْخَذُ مِنْ نِسَاءِ الْبُغَاةِ وَذَرَارِيِّهِمْ، فَلاَ يُسْتَرَقُّونَ بِالاِتِّفَاقِ؛ لأَِنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، وَالإِْسْلاَمُ يَمْنَعُ ضَرْبَ الرِّقِّ ابْتِدَاءً (٣) .
ج - اسْتِرْقَاقُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الأَْسْرَى أَوِ السَّبْيِ:
١٠ - مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الأَْسْرَى بَعْدَ الأَْخْذِ فَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ؛ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ لاَ يُنَافِي الرِّقَّ جَزَاءً عَلَى الْكُفْرِ الأَْصْلِيِّ، وَقَدْ وُجِدَ الإِْسْلاَمُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِ الْمِلْكِ، وَهُوَ الأَْخْذُ (٤) .
د - الْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةُ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ:
١١ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا ارْتَدَّتْ، وَأَصَرَّتْ عَلَى رِدَّتِهَا لاَ تُسْتَرَقُّ، بَل تُقْتَل كَالْمُرْتَدِّ، مَا دَامَتْ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ. وَعَنِ الْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ: تُسْتَرَقُّ فِي دَارِ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٢ / ١٧٧
(٢) البدائع ٩ / ٤٣٤٨، والمغني ٨ / ١٢٣
(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١، والمدونة ٢ / ٢١، والشرح الصغير ٤ / ٤٢٨، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٩
(٤) فتح القدير ٤ / ٣٠٦، والبحر الرائق ٥ / ٩٤، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٢٩، ٢٣٣، وحاشية الجمل ٢ / ١٩٨، والمغني ٨ / ٣٧٤، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٢٥
الإِْسْلاَمِ أَيْضًا. قِيل: لَوْ أُفْتِيَ بِهَذِهِ لاَ بَأْسَ بِهِ فِيمَنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، حَسْمًا لِقَصْدِهَا السَّيِّئِ بِالرِّدَّةِ مِنْ إِثْبَاتِ الْفُرْقَةِ (١) .
هـ - اسْتِرْقَاقُ الذِّمِّيِّ النَّاقِضِ لِلذِّمَّةِ:
١٢ - إِذَا أَتَى الذِّمِّيُّ مَا يُعْتَبَرُ نَقْضًا لِلذِّمَّةِ - عَلَى اخْتِلاَفِ الاِجْتِهَادَاتِ فِيمَا يُعْتَبَرُ نَقْضًا لِلذِّمَّةِ وَمَا لاَ يُعْتَبَرُ (ر: ذِمَّة) - فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ وَحْدَهُ، دُونَ نِسَائِهِ وَذَرَارِيِّهِ؛ لأَِنَّهُ بِنَقْضِهِ الذِّمَّةَ قَدْ عَادَ حَرْبِيًّا، فَيُطَبَّقُ عَلَيْهِ مَا يُطَبَّقُ عَلَى الْحَرْبِيِّينَ.
أَمَّا نِسَاؤُهُ وَذَرَارِيُّهُ فَيَبْقَوْنَ عَلَى الذِّمَّةِ، إِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ نَقْضٌ لَهَا. (٢)
و الْحَرْبِيُّ الَّذِي دَخَل إِلَيْنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ.
١٣ - إِذَا دَخَل الْحَرْبِيُّ بِلاَدَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَمُقْتَضَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ (٣)، وَالشَّافِعِيَّةِ (٤)، وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْجُمْلَةِ: أَنَّهُ يَصِيرُ فَيْئًا بِالدُّخُول، وَيَجُوزُ عِنْدَئِذٍ اسْتِرْقَاقُهُ، إِلاَّ الرُّسُل فَإِنَّهُمْ لاَ يُرَقُّونَ بِالاِتِّفَاقِ (ر: رَسُول) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِنِ ادَّعَى أَنَّهُ إِنَّمَا دَخَل لِيَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ، وَلِيَتَعَرَّفَ عَلَى شَرِيعَةِ الإِْسْلاَمِ فَإِنَّهُ لاَ يَصِيرُ فَيْئًا (٥) .
_________
(١) فتح القدير ٤ / ٣٨٨، والسير الكبير للإمام محمد بن الحسن ٣ / ١٠٣٠، ومصنف عبد الرزاق١٠ / ١٧٦ طبع المكتب الإسلامي.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٤٣ و٢٧٧، والشرح الصغير ٤ / ٤٣٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٨٧، ٢٠٥، وأسنى المطالب ٤ / ٢٢٣، والمغني ٨ / ٤٥٨
(٣) بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٤٤، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٣٣
(٤) أسنى المطالب ٤ / ٢١٢، والمغني ٨ / ٤٠٣، ٥٢١
(٥) أسنى المطالب ٤ / ٢١١
ز - التَّوَلُّدُ مِنَ الرَّقِيقَةِ:
١٤ - مِنَ الْمُقَرَّرِ فِي الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ، فَإِذَا كَانَتِ الأُْمُّ حُرَّةً كَانَ وَلَدُهَا حُرًّا، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً كَانَ وَلَدُهَا رَقِيقًا، وَهَذَا مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (١) . وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ التَّوَلُّدُ مِنْ سَيِّدِ الأَْمَةِ، إِذْ يُولَدُ حُرًّا وَيَنْعَقِدُ لأُِمِّهِ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ، فَتُصْبِحُ حُرَّةً بِمَوْتِ سَيِّدِهَا.
انْتِهَاءُ الاِسْتِرْقَاقِ:
١٥ - يَنْتَهِي الاِسْتِرْقَاقُ بِالْعِتْقِ. وَالْعِتْقُ قَدْ يَكُونُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، كَمَنْ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ، وَكَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ. وَقَدْ يَكُونُ الْعِتْقُ بِالإِْعْتَاقِ لِمُجَرَّدِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِسَبَبٍ مُوجِبٍ لِلْعِتْقِ، كَأَنْ يُعْتِقَهُ فِي كَفَّارَةٍ (ر: كَفَّارَة)، أَوْ نَذْرٍ (ر: نَذْر) . كَمَا تَنْتَهِي بِالتَّدْبِيرِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهُ حُرًّا دُبُرَ وَفَاتِهِ أَيْ بَعْدَهَا (ر: تَدْبِير)، أَوْ بِالْمُكَاتَبَةِ، أَوْ إِجْبَارِ وَلِيِّ الأَْمْرِ سَيِّدًا عَلَى إِعْتَاقِ عَبْدِهِ لإِضْرَارِهِ بِهِ (ر: عِتْق) .
آثَارُ الاِسْتِرْقَاقِ:
١٦ - أ - يَتَرَتَّبُ عَلَى الاِسْتِرْقَاقِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ الْمَسْنُونَةِ إِذَا كَانَتْ مُخِلَّةً بِحَقِّ السَّيِّدِ، كَصَلاَةِ الْجَمَاعَةِ مَثَلًا (ر: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ)، أَوِ الْوَاجِبَاتِ الْكِفَائِيَّةِ؛ لإِخْلاَلِهَا بِحَقِّ السَّيِّدِ أَيْضًا، أَوْ لأَِمْرٍ آخَرَ كَالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ يُرَخِّصُ
_________
(١) مصنف عبد الرزاق ٧ / ٢٩٩، ٨ / ٣٨٥، وآثار أبي يوسف ص ١٩٢، وآثار الإمام محمد ص ١١٥، وأسنى المطالب ٤ / ٤٦٩
لِلْعَبْدِ فِي تَرْكِهَا. وَمِنْهَا جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَسْقُطُ عَنِ الْمَرْءِ بِاسْتِرْقَاقِهِ، لأَِنَّ الْعَبْدَ لاَ يَمْلِكُ الْمَال، كَالزَّكَاةِ، وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَالصَّدَقَاتِ وَالْحَجِّ.
١٧ - ب - الْوَاجِبَاتُ الْمَالِيَّةُ عَلَى مَنِ اسْتُرِقَّ إِنْ كَانَ لَهَا بَدَلٌ بَدَنِيٌّ، فَإِنَّهُ يُصَارُ إِلَى بَدَلِهَا، كَالْكَفَّارَاتِ، فَالرَّقِيقُ لاَ يُكَفِّرُ فِي الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ بِالْعِتْقِ وَلاَ بِالإِْطْعَامِ وَلاَ بِالْكِسْوَةِ، وَلَكِنَّهُ يُكَفِّرُ بِالصِّيَامِ.
أَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ بَدَلٌ بَدَنِيٌّ، فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمُسْتَرَقِّ، فَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ عَلَى يَدِ إِنْسَانٍ فَقَطَعَهَا خَطَأً، وَكَانَتْ دِيَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ، لَمْ يُكَلَّفِ الْمَالِكُ بِأَكْثَرَ مِنْ دَفْعِ الْعَبْدِ إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، كَمَا يُذْكَرُ فِي أَبْوَابِ الْجِنَايَاتِ. وَكَذَا إِذَا اسْتَدَانَ مِنْ شَخْصٍ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، فَإِنَّ هَذَا الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهِ، وَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَلاَ يُكَلَّفُ سَيِّدُهُ بِوَفَائِهِ. فَإِنِ اسْتُرِقَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَمْ يَسْقُطِ الدَّيْنُ عَنْهُ؛ لأَِنَّ شَغْل ذِمَّتِهِ قَدْ حَصَل، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ لِحَرْبِيٍّ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ؛ لِعَدَمِ احْتِرَامِ الْحَرْبِيِّ (١) .
١٨ - ج - وَالاِسْتِرْقَاقُ يَمْنَعُ الْمُسْتَرَقَّ مِنْ سَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ كَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
١٩ - د - كَمَا يَمْنَعُ الاِسْتِرْقَاقُ مِنْ سَائِرِ الاِسْتِحْقَاقَاتِ الْمَالِيَّةِ، فَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْهَا اسْتَحَقَّهُ الْمَالِكُ لاَ الرَّقِيقُ، فَالرَّقِيقُ لاَ يَرِثُ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ.
وَإِنْ اسْتُرِقَّ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، فَإِنَّ سَيِّدَهُ هُوَ الَّذِي يُطَالَبُ بِهَذَا الدَّيْنِ، أَمَّا إِنْ كَانَ
_________
(١) أسنى المطالب ٤ / ١٩٥
الدَّيْنُ عَلَى حَرْبِيٍّ فَيَسْقُطُ (١) .
٢٠ - هـ - وَإِذَا سُبِيَ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ دُونَ وَالِدَيْهِ، حُكِمَ بِإِسْلاَمِهِ تَبَعًا لِلسَّابِي؛ لأَِنَّ لَهُ عَلَيْهِ وِلاَيَةً، وَلَيْسَ مَعَهُ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْهُ فَيَتْبَعُهُ (٢) .
٢١ - وَ- وَالاِسْتِرْقَاقُ يَمْنَعُ الرَّجُل مِنْ أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلاَيَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الرَّقِيقَ لاَ يَكُونُ أَمِيرًا وَلاَ قَاضِيًا؛ لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَكَيْفَ تَكُونُ لَهُ الْوِلاَيَةُ عَلَى غَيْرِهِ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَمَانُ الرَّقِيقِ، وَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ أَيْضًا، عَلَى خِلاَفٍ فِي ذَلِكَ.
٢٢ - ز - وَالاِسْتِرْقَاقُ مُخَفِّضٌ لِلْعُقُوبَةِ، فَتُنَصَّفُ الْحُدُودُ فِي حَقِّ الرَّقِيقِ، إِنْ كَانَتْ قَابِلَةً لِلتَّنْصِيفِ.
٢٣ - ح - وَلِلاِسْتِرْقَاقِ أَثَرٌ فِي النِّكَاحِ، إِذِ الْعَبْدُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِلْحُرَّةِ، وَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ إِذْنِ السَّيِّدِ، وَلاَ يَمْلِكُ الْعَبْدُ نِكَاحَ أَكْثَرَ مِنِ امْرَأَتَيْنِ، وَلاَ تُنْكَحُ أَمَةٌ عَلَى حُرَّةٍ.
٢٤ - ط - وَلَهُ أَثَرٌ فِي الطَّلاَقِ أَيْضًا، إِذْ لاَ يَمْلِكُ الرَّقِيقُ مِنَ الطَّلاَقِ أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَتَيْنِ، وَإِذَا نَكَحَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فَالطَّلاَقُ بِيَدِ سَيِّدِهِ.
٢٥ - ي - وَلَهُ أَثَرٌ فِي الْعِدَّةِ، إِذْ عِدَّةُ الأَْمَةِ فِي الطَّلاَقِ حَيْضَتَانِ، لاَ ثَلاَثُ حِيَضٍ، وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهِ.
_________
(١) أسنى المطالب ٤ / ١٩٥، وحاشية الجمل ٥ / ١٩٨
(٢) أسنى المطالب ٢ / ٥٠١، ٤ / ١٩٥، وبدائع الصنائع ٩ / ٤٣١٤ مطبعة الإمام.
اسْتِسْعَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِسْعَاءُ لُغَةً: سَعْيُ الرَّقِيقِ فِي فِكَاكِ مَا بَقِيَ مِنْ رِقِّهِ إِذَا عَتَقَ بَعْضُهُ، فَيَعْمَل وَيَكْسِبُ، وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ إِلَى مَوْلاَهُ. وَاسْتَسْعَيْتُهُ فِي قِيمَتِهِ: طَلَبْتُ مِنْهُ السَّعْيَ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ (٢)
وَإِعْتَاقُ الْمُسْتَسْعَى غَيْرُ الإِْعْتَاقِ بِالْكِتَابَةِ، فَالْمُسْتَسْعَى لاَ يُرَدُّ إِلَى الرِّقِّ (٣)، لأَِنَّهُ إِسْقَاطٌ لاَ إِلَى أَحَدٍ، وَالإِْسْقَاطُ لاَ إِلَى أَحَدٍ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، بِخِلاَفِ الْمُكَاتَبِ؛ لأَِنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ تَرِدُ عَلَيْهِ الإِْقَالَةُ وَالْفَسْخُ (٤)، لَكِنَّهُ يُشْبِهُ الْكِتَابَةَ فِي أَنَّهُ إِعْتَاقٌ بِعِوَضٍ.
وَمَحَل الاِسْتِسْعَاءِ: مَنْ أُعْتِقَ بَعْضُهُ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - أَغْلَبُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَوْلَى لَوْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ فَإِنَّهُ يَسْرِي الْعِتْقُ إِلَى بَاقِيهِ، وَلاَ يُسْتَسْعَى؛
_________
(١) لسان العرب (سعى)
(٢) الزاهر ص ٤٢٧ ط وزارة الأوقاف بالكويت، وابن عابدين ٣ / ١٥ ط بولاق، والطحطاوي على الدر ٢ / ٢٩٦
(٣) العدوي على خليل ٨ / ١٢٦ ط دار صادر
(٤) الهداية مع فتح القدير ٣ / ٣٧٨ ط بولاق
لأَِنَّ الْعِتْقَ لاَ يَتَبَعَّضُ ابْتِدَاءً (١)، وَلِحَدِيثِ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ غُلاَمٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ، وَأَجَازَ عِتْقَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي لَفْظٍ: هُوَ حُرٌّ كُلُّهُ، لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ. (٢)
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يُسْتَسْعَى فِي الْبَاقِي.
٣ - أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا، وَأَعْتَقَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَقَدْ خَيَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ الشَّرِيكَ الآْخَرَ بَيْنَ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ: الْعِتْقُ، أَوْ تَضْمِينُ الشَّرِيكِ الْمُعْتِقِ، أَوِ اسْتِسْعَاءُ الْعَبْدِ. وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ، بَيْنَ الإِْعْتَاقِ وَبَيْنَ الاِسْتِسْعَاءِ فَقَطْ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ هُنَا: لَيْسَ لَهُ إِلاَّ الضَّمَانُ مَعَ الْيَسَارِ، وَالسِّعَايَةُ مَعَ الإِْعْسَارِ، وَقَوْلُهُمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٣)، لِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا فِي مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَهُ كُلَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلاَّ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ (٤) أَيْ لاَ يُغْلِي عَلَيْهِ الثَّمَنُ (٥) . وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَظَاهِرُ
_________
(١) الهداية مع فتح القدير ٣ / ٣٧٧، ٣٨٢، والحطاب ٦ / ٣٣٦، ٣٣٧ ط ليبيا، وتحفة المحتاج مع الشرواني وابن قاسم العبادي ١٠ / ٣٥٤ ط دار صادر، والمغني مع الشرح الكبير ١٢ / ٢٦٩ ط المنار الأولى.
(٢) حديث: " ليس لله شريك. . . " أخرجه أبو داود (عون المعبود ٤ / ٣٦ ط المطبعة الأنصارية) وأحمد ٥ / ٧٤، ٧٥ ط الميمنية. وقال ابن حجر: " إسناده قوي " (فتح الباري ٥ / ١٥٩ ط السلفية) .
(٣) فتح القدير ٣ / ٣٧٧، ٣٨٢
(٤) حديث " منى أعتق شقصا. . . " أخرجه البخاري ٥ / ١٥٦ (فتح الباري ط السلفية)، ومسلم ٢ / ١١٤٠ ط عيسى الحلبي، واللفظ لأبي داود، (عون المعبود ٤ / ٣٧ - ط المطبعة الأنصارية) .
(٥) الهداية مع فتح القدير ٣ / ٣٨٠، ٣٨١، والمغني مع الشرح الكبير ١٢ / ٢٤٩، ٢٥٠
مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّهُ مَعَ الْيَسَارِ يَسْرِي الْعِتْقُ إِلَى الْبَاقِي، وَيَغْرَمُ الْمُعْتِقُ قِيمَةَ حِصَّةِ الشُّرَكَاءِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلاَ سِرَايَةَ وَلاَ اسْتِسْعَاءَ (١) .
٤ - وَيَقَعُ الْخِلاَفُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ كَذَلِكَ إِذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ دَبَّرَ، أَوْ أَوْصَى بِعَبِيدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ، فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَقُ جُزْءٌ مِنْ كُل وَاحِدٍ، وَيُسْتَسْعَى فِي بَاقِيهِ، وَقَال غَيْرُهُ: يُعْتَقُ ثُلُثُهُمْ بِالاِقْتِرَاعِ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ الْمُسْتَسْعَى دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ، يُقَدِّرُهَا عَدْلٌ، وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الأَْحْرَارِ، وَقَال الْبَعْضُ: لاَ يَأْخُذُ حُكْمَ الْحُرِّ إِلاَّ بَعْدَ الأَْدَاءِ. وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الإِْعْتَاقِ؛ لأَِنَّهُ وَقْتُ الإِْتْلاَفِ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - الْكَلاَمُ عَنِ الاِسْتِسْعَاءِ مَنْثُورٌ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ، وَأَغْلَبُ ذِكْرِهِ مَعَ السِّرَايَةِ، وَفِي بَابِ (الْعَبْدُ يُعْتَقُ بَعْضُهُ) (وَالإِْعْتَاقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ) كَمَا يُذْكَرُ فِي الْكَفَّارَةِ.
_________
(١) التاج والإكليل ٦ / ٣٣٨ هامش الحطاب ليبيا، والخرشي ٨ / ١٢٦، ١٢٧، والعدوي بهامشه ٨ / ١٢٦ ط دار صادر، والشرح الكبير مع المغني ١٢ / ٢٤٨
اسْتِسْقَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِسْقَاءُ لُغَةً: طَلَبُ السُّقْيَا، أَيْ طَلَبُ إِنْزَال الْغَيْثِ عَلَى الْبِلاَدِ وَالْعِبَادِ. وَالاِسْمُ: السُّقْيَا بِالضَّمِّ، وَاسْتَسْقَيْتُ فُلاَنًا: إِذَا طَلَبْتَ مِنْهُ أَنْ يَسْقِيَكَ (١) .
وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلاِسْتِسْقَاءِ هُوَ: طَلَبُ إِنْزَال الْمَطَرِ مِنَ اللَّهِ بِكَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ (٢) .
صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):
٢ - قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: الاِسْتِسْقَاءُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِالدُّعَاءِ وَالصَّلاَةِ أَمْ بِالدُّعَاءِ فَقَطْ، فَعَلَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَصَحَابَتُهُ وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَال بِسُنِّيَّةِ الدُّعَاءِ فَقَطْ، وَبِجَوَازِ غَيْرِهِ (٣) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَعْتَرِيهِ الأَْحْكَامُ الثَّلاَثَةُ التَّالِيَةُ:
الأَْوَّل: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، إِذَا كَانَ لِلْمَحَل وَالْجَدْبِ، أَوْ لِلْحَاجَةِ إِلَى الشُّرْبِ لِشِفَاهِهِمْ، أَوْ لِدَوَابِّهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ، سَوَاءٌ أَكَانُوا فِي حَضَرٍ، أَمْ سَفَرٍ فِي صَحْرَاءَ، أَوْ سَفِينَةٍ فِي بَحْرٍ مَالِحٍ.
الثَّانِي: مَنْدُوبٌ، وَهُوَ الاِسْتِسْقَاءُ مِمَّنْ كَانَ فِي خِصْبٍ لِمَنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ وَجَدْبٍ؛ لأَِنَّهُ مِنَ التَّعَاوُنِ
_________
(١) لسان العرب مادة: (سقى)
(٢) ابن عابدين ١ / ٧٩٠ ط الثالثة، وفتح العزيز بهامش المجموع ٥ / ٨٧، والشرح الصغير ١ / ٥٣٧ ط المعارف.
(٣) نهاية المحتاج ٢ / ٤٠٢، والمغني ٢ / ٢٨٣ ط رشيد رضا، وابن عابدين ١ / ٧٩١ ط الثالثة.
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. وَلِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَل الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى. (١) وَصَحَّ: دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأَِخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لأَِخِيهِ بِخَيْرٍ قَال الْمَلَكُ الْمُوَكَّل بِهِ: آمِينَ وَلَك بِمِثْلٍ. (٢) وَلَكِنَّ الأَْوْزَاعِيَّ وَالشَّافِعِيَّةَ قَيَّدُوهُ بِأَلاَّ يَكُونَ الْغَيْرُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ أَوْ ضَلاَلَةٍ وَبَغْيٍ. وَإِلاَّ لَمْ يُسْتَحَبَّ زَجْرًا وَتَأْدِيبًا؛ وَلأَِنَّ الْعَامَّةَ تَظُنُّ بِالاِسْتِسْقَاءِ لَهُمْ حُسْنَ طَرِيقِهِمْ وَالرِّضَى بِهَا، وَفِيهَا مِنَ الْمَفَاسِدِ مَا فِيهَا (٣) . مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوِ احْتَاجَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ وَسَأَلُوا الْمُسْلِمِينَ الاِسْتِسْقَاءَ لَهُمْ فَهَل يَنْبَغِي إِجَابَتُهُمْ أَمْ لاَ؟
الأَْقْرَبُ: الاِسْتِسْقَاءُ لَهُمْ وَفَاءً بِذِمَّتِهِمْ. ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: وَلاَ يُتَوَهَّمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّا فَعَلْنَاهُ لِحُسْنِ حَالِهِمْ؛ لأَِنَّ كُفْرَهُمْ مُحَقَّقٌ مَعْلُومٌ. وَلَكِنْ تُحْمَل إِجَابَتُنَا لَهُمْ عَلَى الرَّحْمَةِ بِهِمْ، مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُمْ مِنْ ذَوِي الرُّوحِ، بِخِلاَفِ الْفَسَقَةِ وَالْمُبْتَدِعَةِ (٤) .
الثَّالِثُ: مُبَاحٌ، وَهُوَ اسْتِسْقَاءُ مَنْ لَمْ يَكُونُوا فِي مَحَلٍّ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى الشُّرْبِ، وَقَدْ أَتَاهُمُ الْغَيْثُ، وَلَكِنْ لَوِ اقْتَصَرُوا عَلَيْهِ لَكَانَ دُونَ السِّعَةِ، فَلَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ (٥) .
_________
(١) حديث: " ترى المؤمنين. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٣٨ - ط السلفية) .
(٢) حديث: " دعوة المرء المسلم. . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٩٤ - ط عيسى الحلبي) .
(٣) نهاية المحتاج ٢ / ٤٠٣ ط الحلبي.
(٤) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٢ / ٤٠٣
(٥) الخرشي على مختصر خليل ٢ / ١٣