الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣
الْقِسْمُ الأَْوَّل: صَدَقَاتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ الَّتِي أَخَذَهَا بِحَقَّيْهِ، فَإِنَّ أَحَدَ حَقَّيْهِ خُمُسُ الْخُمُسِ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنَائِمِ، وَالْحَقُّ الثَّانِي أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ الَّذِي أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ، فَمَا صَارَ إِلَيْهِ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْحَقَّيْنِ فَقَدْ رَضَخَ مِنْهُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَتَرَكَ بَاقِيَهُ لِنَفَقَتِهِ وَصَلاَتِهِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى مَاتَ عَنْهُ ﷺ فَاخْتَلَفَ فِي حُكْمِهِ النَّاسُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَجَعَلَهُ قَوْمٌ مَوْرُوثًا عَنْهُ، وَمَقْسُومًا عَلَى الْمَوَارِيثِ مِلْكًا، وَجَعَلَهُ آخَرُونَ لِلإِْمَامِ الْقَائِمِ مَقَامَهُ، فِي حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَجِهَادِ الْعَدُوِّ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهَا صَدَقَاتٌ مُحَرَّمَةُ الرِّقَابِ، مَخْصُوصَةُ الْمَنَافِعِ، مَصْرُوفَةُ الاِرْتِفَاعِ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ صَدَقَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَصَرَهَا فِي ثَمَانٍ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: سَائِرُ أَرْضِ الْحِجَازِ مَا عَدَا مَا ذُكِرَ، وَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ لاَ خَرَاجَ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّهَا مَا بَيْنَ مَغْنُومٍ مُلِكَ عَلَى أَهْلِهِ، أَوْ مَتْرُوكٍ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ. وَكِلاَ الأَْمْرَيْنِ عُشْرِيٌّ لاَ خَرَاجَ عَلَيْهِ.
وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَافَقَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كُل مَا قَالَهُ إِلاَّ أَنَّهُ ذَكَرَ رِوَايَةً أُخْرَى عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - وَقَدَّمَهَا - فِي أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ، أَنَّهَا لِكُل الْمُسْلِمِينَ (١) .
حِمَى النَّبِيِّ ﷺ:
٢٤ - يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى أَيْضًا مِنْ سَائِرِ أَرْضِ الْحِجَازِ، مَا حَمَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٥١ ط ١٣٢٧ هـ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٨٤ ط ١٣٥٦ هـ
الأَْقْوَال. فَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ إِحْيَاؤُهُ؛ لِيَكُونَ فِيهِ عُشْرٌ أَوْ خَرَاجٌ. فَقَدْ حَمَى الْبَقِيعَ (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ: النَّقِيعَ، بِالنُّونِ) لِخَيْل الْمُسْلِمِينَ، صَعِدَ جَبَلًا وَقَال: هَذَا حِمَايَ: وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْقَاعِ، وَهُوَ قَدْرُ مِيلٍ إِلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ. فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: حِمَاهُ ﷺ ثَابِتٌ، وَإِحْيَاءُ مَا حَمَاهُ بَاطِلٌ. وَالْمُتَعَرِّضُ لإِحْيَائِهِ مَرْدُودٌ مَزْجُورٌ (١)، وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ إِنْ زَالَتْ حَاجَةٌ إِلَى حِمَى مَا حَمَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَفِي جَوَازِ إِحْيَائِهِ قَوْلاَنِ (٢) .
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى اسْتِمْرَارِ مَا حَمَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوِ انْقِضَائِهِ. وَاسْتَظْهَرَ الْحَطَّابُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازَ نَقْضِهِ إِنْ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيل عَلَى إِرَادَةِ الاِسْتِمْرَارِ.
إِرْضَاعٌ
اُنْظُرْ: رَضَاع
إِرْفَاقٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْرْفَاقُ لُغَةً: نَفْعُ الْغَيْرِ، وَهُوَ مَصْدَرُ أَرْفَقَ، وَمَعْنَى رَفَقَ وَأَرْفَقَ وَاحِدٌ. وَالرِّفْقُ ضِدُّ الْعُنْفِ (٣) .
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٦٥، ولأبى يعلى ص٢٠٦
(٢) المغني ٥ / ٥٨١، ٦ / ١٦٦، والحطاب ٦ / ١٠
(٣) الصحاح واللسان والمصباح مادة (رفق)
وَاصْطِلاَحًا: إِعْطَاءُ مَنَافِعِ الْعَقَارِ.
وَالإِْرْفَاقُ أَحَدُ نَوْعَيِ الإِْقْطَاعِ؛ لأَِنَّهُ تَمْلِيكٌ أَوْ إِقْطَاعُ إِرْفَاقٍ، فَقَدْ عَلَّقَ الْقَلْيُوبِيُّ عَلَى قَوْل النَّوَوِيِّ. " وَلَوْ أَقْطَعَهُ الإِْمَامُ مَوَاتًا صَارَ أَحَقَّ بِإِحْيَائِهِ " فَقَال: وَمِثْلُهُ الأَْمْوَال الَّتِي جُهِلَتْ أَرْبَابُهَا إِرْفَاقًا وَتَمَلُّكًا (١) . وَتَفْصِيل أَحْكَامِ (إِقْطَاعِ الإِْرْفَاقِ) فِي مُصْطَلَحِ (إِقْطَاع) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الاِرْتِفَاقُ:
٢ - الإِْرْفَاقُ هُوَ مَنْحُ الْمَنْفَعَةِ، وَالاِرْتِفَاقُ أَثَرُ الإِْرْفَاقِ وَتَفْصِيل أَحْكَامِ الاِرْتِفَاقِ فِي مُصْطَلَحِهِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ إِرْفَاقِ الإِْقْطَاعِ مِنَ الإِْمَامِ بِحَسَبِ الْغَرَضِ مِنْهُ، أَمَّا الإِْرْفَاقُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَمُسْتَحَبٌّ، وَالدَّلِيل مِنَ الْمَنْقُول مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ. ثُمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَةَ: مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاَللَّهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ (٢) . وَقَدْ حُمِل النَّهْيُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْكَرَاهَةِ. وَالدَّلِيل مِنَ الْمَعْقُول أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلإِْنْسَانِ حَقُّ الْمَنْفَعَةِ بِالأَْشْيَاءِ الَّتِي يَمْلِكُهَا، فَلَهُ أَنْ يُعِيرَهَا غَيْرَهُ، أَوْ يَهَبَهَا، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ بِذَلِكَ ثَوَابَ الآْخِرَةِ فَهِيَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلِذَلِكَ يُنْدَبُ إِرْفَاقُ الْغَيْرِ مَنْفَعَةً مُعَيَّنَةً لِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ،
_________
(١) البهجة شرح التحفة ٢ / ٢٥١، والقليوبي ٣ / ٩٢
(٢) حديث: " لا يمنع جار جاره. . . . " متفق عليه، وهذا اللفظ للبخاري: (اللؤلؤ والمرجان ص ٣٩٣)
أَوْ إِلَى الأَْبَدِ بِدُونِ أَجْرٍ (١) . وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ مَبَاحِثَ الإِْرْفَاقِ ضِمْنَ كَلاَمِهِمْ فِي الْعَارِيَّةِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ.
إِرْقَابٌ
اُنْظُرْ: رُقْبَى
إِزَارٌ
اُنْظُرْ: اتِّزَار
إِزَالَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الإِْزَالَةِ فِي اللُّغَةِ: التَّنْحِيَةُ، وَالإِْذْهَابُ وَالاِضْمِحْلاَل. وَهِيَ مَصْدَرُ أَزَلْتُهُ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ يَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ الإِْزَالَةَ وَالإِْذْهَابَ وَالإِْبْطَال بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقِيل: إِنَّ هَذِهِ الأَْلْفَاظَ الثَّلاَثَةَ قَدْ يَصِحُّ كُل وَاحِدٍ مِنْهَا فِي شَيْءٍ لاَ يَصِحُّ فِيهِ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٨٢ ط بولاق الأولى، والمغني ٦ / ٢٤٦ ط رشيد رضا.
(٢) تاج العروس (زول) .
غَيْرُهُ مِنْهَا، كَمَا يُقَال لِمَنْ صَرَفَ مَالَهُ فِي شَيْءٍ: أَذْهَبَ مَالَهُ فِي كَذَا، وَلاَ يُقَال أَبْطَلَهُ، وَلاَ أَزَالَهُ، وَيُقَال لِمَنْ نَقَل شَيْئًا مِنْ مَحَلٍّ إِلَى آخَرَ: أَزَالَهُ، وَلاَ يُقَال أَبْطَلَهُ، وَلاَ أَذْهَبَهُ، وَيُقَال لِمَنْ أَفْسَدَ صَلاَتَهُ: أَبْطَلَهَا، وَلاَ يُقَال أَذْهَبَهَا، وَلاَ أَزَالَهَا (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - الإِْزَالَةُ قَدْ تَكُونُ مَطْلُوبَةً مِنَ الشَّارِعِ عَلَى سَبِيل الْفِعْل، وَقَدْ تَكُونُ مَطْلُوبَةً عَلَى سَبِيل التَّرْكِ.
وَالإِْزَالَةُ قَدْ تَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ أَحْيَانًا كَمَا فِي إِزَالَةِ الْجَنَابَةِ، عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ تَحْصُل بِلاَ نِيَّةٍ كَمَا فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ (٢) .
وَمِنَ الإِْزَالَةِ الْمَطْلُوبَةِ عَلَى سَبِيل الْفِعْل: إِزَالَةُ الضَّرَرِ، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: " الضَّرَرُ يُزَال "؛ لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (٣) لَكِنْ لاَ يُزَال الضَّرَرُ بِضَرَرٍ مِثْلِهِ، وَيُدْفَعُ الضَّرَرُ الأَْشَدُّ بِالأَْخَفِّ (٤) .
وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ يَنْبَنِي عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، فَمِنْ ذَلِكَ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ، وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ الْخِيَارَاتِ، وَالشُّفْعَةُ، فَإِنَّ فِيهَا دَفْعَ ضَرَرِ الْقِسْمَةِ (٥) .
٣ - وَمِنَ الإِْزَالَةِ الْمَطْلُوبَةِ شَرْعًا: إِزَالَةُ الْمُنْكَرِ، وَهِيَ فِي الْجُمْلَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلْتَكُنْ
_________
(١) القليوبي ٤ / ١٣٨ ط الحلبي.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ١٣ ط الحلبي.
(٣) حديث: " لا ضرر. . . " أخرجه مالك مرسلا (المنتقى ٦ / ٤٠ ط السعادة) ورواه الحاكم موصولا (٢ / ٥٧ ط حيدر آباد)
(٤) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٤، ٣٥ المطبعة الحسينية، والأشباه والنظائر للسيوطي ٨٦، ٨٧ ط الحلبي لابن نجيم ص٣٤
(٥) الأشباه.
مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . (١) إِذْ لَمْ يَقُل اللَّهُ سُبْحَانَهُ كُونُوا آمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ نَاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ (٢) . وَتَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ تَحْتَ مُصْطَلَحِ: (الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ) (وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ)
٤ - وَالْمُعْتَدَّةُ لِلْوَفَاةِ يَجِبُ عَلَيْهَا إِزَالَةُ الطِّيبِ تَفَجُّعًا عَلَى الزَّوْجِ، وَيَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنْ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْدَاد (٣» .
وَيُنْدَبُ كَذَلِكَ إِزَالَةُ شَعْرِ الْعَانَةِ، وَمَا تَحْتَ الإِْبِطِ (٤) وَنَحْوِهِمَا، وَفَصَّلَهُ الْفُقَهَاءُ فِي خِصَال الْفِطْرَةِ، مَسَائِل الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ.
كَذَلِكَ مِنَ الإِْزَالَةِ الْمَطْلُوبَةِ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ، وَلِذَلِكَ بَابٌ خَاصٌّ يُفَصِّل الْفُقَهَاءُ فِيهِ أَحْكَامَهَا (٥) .
٥ - وَمِنَ الإِْزَالَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا: إِزَالَةُ دَمِ الشَّهِيدِ، وَهِيَ حَرَامٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: زَمِّلُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي اللَّهِ إِلاَّ
_________
(١) سورة آل عمران / ١٠٤
(٢) ابن عابدين ١ / ٦٠٤ ط بولاق، والحطاب ٣ / ٣٤٨ ط ليبيا وجواهر الإكليل ١ / ٢٥١ ط الحلبي، ونهاية المحتاج ٨ / ٤٤ ط الحلبي، والآداب الشرعية ١ / ١٨١ ط المنار، والقرطبي ٤ / ٤٨، ١٦٥ ط دار الكتب، وإتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين ٧ / ٤، ١٤، ٤٢، ومنهاج اليقين في أدب الدنيا والدين ١٥٨ ط محمود بك مطيعي.
(٣) مجمع الأنهر ١ / ٤٧٩ ط تركيا، وجواهر الإكليل ١ / ٣٨٩، وشرح الروض ٣ / ٤٠٢ ط الميمنية، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٢٧ ط دار الفكر.
(٤) ابن عابدين ٥ / ٢٦١، ٢٣٩، والفواكه الدواني ٢ / ٤٠١ ط الحلبي، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ٧١، ٧٢، ٧٧، ٨٨ ط المنار، ومطالب أولي النهى ١ / ٨٨، والكافي ١ / ٢٧ ط المكتب الإسلامي.
(٥) جواهر الإكليل ١ / ١١
أَتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُرْحُهُ يُدْمِي لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ. (١)
وَفِي الإِْحْرَامِ تَحْرُمُ إِزَالَةُ شَعْرِ الْبَدَنِ وَالْوَجْهِ وَالرَّأْسِ دُونَ عُذْرٍ، وَيَجِبُ فِي إِزَالَتِهِ جَزَاءٌ. وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي مُحَرَّمَاتِ الإِْحْرَامِ، وَفِي الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ فِي الْحَجِّ.
بِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ بِنَوْعَيْهِ، تَأْتِي الإِْزَالَةُ فِي أَبْوَابٍ وَمَسَائِل كَثِيرَةٍ مِنْهَا: إِزَالَةُ تَغَيُّرِ الْمَاءِ، وَيَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْمِيَاهِ، وَمِنْهَا: إِزَالَةُ الأَْقْذَارِ، وَإِزَالَةُ الْوَشْمِ، وَمِنْهَا: إِزَالَةُ التَّعَدِّي، وَيُذْكَرُ فِي عُقُودِ الأَْمَانَاتِ وَفِي الْغَصْبِ، وَمِنْهَا: مَا يُذْكَرُ فِي الْوَقْفِ مِنْ حَيْثُ وَقْفُ مُسْتَحِقِّ الإِْزَالَةِ، وَمِنْ حَيْثُ مَنْعُ إِزَالَةِ الإِْرْصَادِ، وَمِنْهَا: الْبَكَارَةُ، وَيُبَيِّنُ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَهَا فِي النِّكَاحِ (تَعْرِيفُ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ)، وَفِي الْجِنَايَاتِ (الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ) وَمِنْهَا: إِزَالَةُ الْعِصْمَةِ، وَتُذْكَرُ فِي الطَّلاَقِ، وَمِنْهَا: إِزَالَةُ شُبْهَةِ الْبُغَاةِ وَالْمُرْتَدِّينَ.
أَزْلاَمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْزْلاَمُ فِي اللُّغَةِ: جَمْعُ زَلَمٍ - بِفَتْحِ الزَّايِ وَضَمِّهَا مَعَ فَتْحِ اللاَّمِ - الْقَدَحُ الَّذِي لاَ رِيشَ عَلَيْهِ.
_________
(١) حاشية الشلبي على الكنز ١ / ٢٤٨ ط بولاق، والبدائع ١ / ٣٢٤ المطبوعات العلمية، وجواهر الإكليل ١ / ١١٥، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٨٩، ونيل المآرب ١ / ٦٤ ط بولاق، والمغني مع الشرح الكبير ٢ / ٤٠٢، وحديث: " زملوهم. . . " أخرجه النسائي ٤ / ٧٨ ط المكتبة التجارية، وأصله في البخاري (فتح الباري ٣ / ٢١٢)
وَالزَّلَمُ وَالسَّهْمُ وَالْقَدَحُ مُتَرَادِفَةُ الْمَعَانِي، تَدُل كُلُّهَا عَلَى قِطْعَةٍ مِنْ غُصْنٍ مُسَوَّاةٍ مُشَذَّبَةٍ.
قَال الأَْزْهَرِيُّ: الأَْزْلاَمُ كَانَتْ لِقُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا: أَمْرٌ وَنَهْيٌ، وَافْعَل وَلاَ تَفْعَل، قَدْ زُلِّمَتْ وَسُوِّيَتْ، وَوُضِعَتْ فِي الْكَعْبَةِ، يَقُومُ بِهَا سَدَنَةُ الْبَيْتِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُل سَفَرًا أَوْ نِكَاحًا أَتَى السَّادِنَ فَقَال: أَخْرِجْ لِي زَلَمًا، فَيُخْرِجُهُ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَإِذَا خَرَجَ قَدَحُ (الأَْمْرِ) مَضَى عَلَى مَا عَزَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَرَجَ قَدَحُ (النَّهْيِ) قَعَدَ عَمَّا أَرَادَهُ، وَرُبَّمَا كَانَ مَعَ الرَّجُل زَلَمَانِ وَضَعَهُمَا فِي قِرَابِهِ، فَإِذَا أَرَادَ الاِسْتِقْسَامَ أَخْرَجَ أَحَدَهُمَا.
وَقَال الْمُؤَرِّخُ السَّدُوسِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْل اللُّغَةِ: الأَْزْلاَمُ هِيَ قِدَاحُ الْمَيْسِرِ. وَقَال الأَْزْهَرِيُّ: وَهُوَ وَهْمٌ، وَاسْتَدَل عَلَيْهِ بِحَدِيثِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيِّ (١) .
وَالْفُقَهَاءُ يَذْكُرُونَ الأَْزْلاَمَ عَلَى أَنَّهَا السِّهَامُ الَّتِي كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا فِي أُمُورِ حَيَاتِهِمْ (٢) . وَهَذَا الرَّأْيُ يُوَافِقُ مَا قَالَهُ الأَْزْهَرِيُّ.
وَرَوَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنِ الْهَرَوِيِّ هَذَا الْمَعْنَى، وَرُوِيَ عَنِ الْعَزِيزِيِّ: أَنَّهَا السِّهَامُ الَّتِي كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا عَلَى الْمَيْسِرِ (٣) .
وَاَلَّذِي تَحَصَّل مِنْ كَلاَمِ أَهْل النَّقْل - كَمَا جَاءَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَالْقُرْطُبِيِّ وَالطَّبَرِيِّ - أَنَّ الأَْزْلاَمَ: مِنْهَا مَا هُوَ مُخَصَّصٌ لِلاِسْتِقْسَامِ بِهَا فِي أُمُورِ الْحَيَاةِ، مِنْ نِكَاحٍ وَسَفَرٍ وَغَزْوٍ وَتِجَارَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا هُوَ
_________
(١) تاج العروس، ولسان العرب، والمصباح المنير مادة (زلم)
(٢) طلبة الطلبة ص ١٥٨ ط المثنى ببغداد، والدسوقي ٢ / ١٢٩ ط دار الفكر، والمبسوط ٢٤ / ٢ ط دار المعرفة بيروت.
(٣) النظم المستعذب بأسفل المهذب ٢ / ٢٨٧ ط دار المعرفة بيروت.
مُخَصَّصٌ لِلْمَيْسِرِ (١) . وَلَكِنْ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ يَنْصَرِفُ إِلَى مَا هُوَ مُخَصَّصٌ لِلاِسْتِقْسَامِ. وَلِتَفْصِيل أَحْكَامِ مَا هُوَ مُخَصَّصٌ لِلْمَيْسِرِ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِهِ.
وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَل (الزَّلَمُ) فِي الاِسْتِقْسَامِ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَل (السَّهْمُ) فِي سَهْمِ الْقَوْسِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَل (الْقَدَحُ) فِي قِدَاحِ الْمَيْسِرِ.
٢ - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا كَانَتْ تُتَّخَذُ مِنْهُ الأَْزْلاَمُ، فَقِيل: هِيَ السِّهَامُ الَّتِي يُرْمَى بِهَا، وَقِيل: هِيَ مِنْ حَصًى بِيضٍ، وَقِيل: مِنَ الْقَرَاطِيسِ. وَالْحُكْمُ لاَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ مَا سَيَأْتِي (٢) .
تَعْظِيمُ الْعَرَبِ لِلأَْزْلاَمِ:
٣ - كَانَ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَدِّسُونَ الأَْزْلاَمَ، وَلَهَا فِي حَيَاتِهِمْ شَأْنٌ كَبِيرٌ، يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا فِي كُل شَيْءٍ، فَقَدْ ضَرَبَ بِهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ - جَدُّ الرَّسُول ﷺ عَلَى بَنِيهِ، إِذْ كَانَ نَذَرَ نَحْرَ أَحَدِهِمْ إِذَا كَمَلُوا عَشَرَةً (٣) . وَكَذَلِكَ ضَرَبَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ بْنِ جُعْشُمٍ بِقِدَاحِهِ الَّتِي يَسْتَقْسِمُ بِهَا حِينَ اتَّبَعَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَقْتَ الْهِجْرَةِ (٤) . وَكَانَ لِلْعَامِل الدِّينِيِّ أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَتِ الأَْزْلاَمُ
_________
(١) فتح الباري ٨ / ٢٧٧ ط البحوث العلمية بالسعودية، والطبري ٩ / ٥١٠ وما بعدها ط دار المعارف بمصر، والقرطبي ٦ / ٥٨ وما بعدها ط دار الكتب المصرية.
(٢) فتح الباري ٨ / ٢٧٧، والطبري ٩ / ٥١٠، والقرطبي ٦ / ٥٨، والمبسوط ٢٤ / ٢، والدسوقي ٢ / ١٢٩، وأحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٥٤٣ ط عيسى الحلبي، والفروق للقرافي ٤ / ٢٤٠ ط دار المعرفة بيروت.
(٣) خبر ضرب عبد المطلب للقداح، أورده ابن هشام في السيرة ١ / ١٥٢ ط مصطفى الحلبي.
(٤) خبر ضرب سراقة للقداح أورده ابن هشام في السير ١ / ٤٨٩ ط مصطفى الحلبي.
تُوضَعُ عِنْدَ (هُبَلٍ) - أَعْظَمِ صَنَمٍ لِقُرَيْشٍ فِي مَكَّةَ - وَيَقُومُ الْكُهَّانُ أَوِ السَّدَنَةُ بِإِجَالَتِهَا (أَيْ تَحْرِيكِهَا) لِمَنْ يُرِيدُ الاِسْتِقْسَامَ، إِعْظَامًا لِلأَْمْرِ الَّذِي يَبْغُونَهُ.
وَقَدْ بَلَغَ مِنْ تَقْدِيسِهِمْ لِلأَْزْلاَمِ، أَنَّهُمْ جَعَلُوا فِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ صُورَةً لإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل ﵉، وَهُمَا يَسْتَقْسِمَانِ بِالأَْزْلاَمِ. وَلِذَلِكَ لَمَّا قَدِمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ أَبَى أَنْ يَدْخُل الْبَيْتَ وَفِيهِ الآْلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، وَأَخْرَجَ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل، وَفِي أَيْدِيهِمَا الأَْزْلاَمُ، وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أ - حُكْمُ صُنْعِهَا وَاقْتِنَائِهَا وَالتَّعَامُل فِيهَا:
٤ - الأَْزْلاَمُ مِنْ أَعْمَال الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ ﷾ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ . (٢)
وَكُل مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَحْرُمُ صُنْعُهُ وَاقْتِنَاؤُهُ وَالتَّعَامُل فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ وَالأَْصْنَامَ. يَقُول ابْنُ الْقَيِّمِ: يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ بَيْعِ كُل آلَةٍ مُتَّخَذَةٍ لِلشِّرْكِ، عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَتْ، وَمِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَتْ، صَنَمًا أَوْ وَثَنًا أَوْ صَلِيبًا، فَهَذِهِ كُلُّهَا يَجِبُ إِزَالَتُهَا وَإِعْدَامُهَا،
_________
(١) القرطبي ٦ / ٥٩، والمغني ٧ / ٦، وحديث: " إخراج صورة إبراهيم وإسماعيل من البيت. . . " رواه البخاري (فتح الباري ٨ / ١٦ ط السلفية) .
(٢) سورة المائدة / ٩٠