الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣
أَهْل الْيَمَنِ: فِي الرِّجْل الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الإِْبِل، وَفِي كُل أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ أَوِ الرِّجْل عَشَرَةٌ مِنَ الإِْبِل، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل الْحَدِيثَ (١) .
فَإِذَا كَانَ الْفَائِتُ بِالْجِنَايَةِ جِنْسَ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْكَمَال، أَوْ زَال بِهَا جَمَالٌ مَقْصُودٌ، كَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا دِيَةً كَامِلَةً. فَإِذَا تَعَدَّدَ الْعُضْوُ مَرَّتَيْنِ فِي جِسْمِ الإِْنْسَانِ كَانَ فِي فَوَاتِ مَنْفَعَتِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ بِحِسَابِهِ، كَالأَْصَابِعِ؛ لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: فِي كُل أُصْبُعٍ عَشَرَةٌ مِنَ الإِْبِل، وَفِي كُل سِنٍّ خَمْسَةٌ مِنَ الإِْبِل، وَالأَْصَابِعُ سَوَاءٌ، وَالأَْسْنَانُ سَوَاءٌ. (٢)
وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ مُقَدَّرٌ مِنَ الشَّارِعِ، فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ.
أَنْوَاعُ الأُْرُوشِ:
أ - أَرْشُ جِرَاحِ الْحُرَّةِ:
٥ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ مَا يَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فِي الْحُرِّ يَجِبُ فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي الْحُرَّةِ.
_________
(١) حديث: " في الرجل الواحدة. . . " أخرجه النسائي، وهذا لفظه، وصححه كل من ابن حبان والحاكم والدارقطني، وأخرجه أبو داود في مراسيله من حديث كتاب عمرو بن حزم، (الدراية ٢ / ٢٧٦، ونصب الراية ٢ / ٣٦٧، وجامع الأصول ٤ / ٤٢٢)، وانظر الدر المختار ٥ / ٣٧٠ ط بولاق الطبعة الأولى، والجمل ٥ / ٦٧ وما بعدها ط إحياء التراث، وكشاف القناع ٦ / ١٥ ط السنة المحمدية، وفتح القدير على الهداية ٨ / ٢٦٨ - ٢٧٣ ط دار صادر، والشرح الكبير على خليل ٤ / ٢٣٨ - ٢٤٣ ط دار الفكر.
(٢) حديث " في كل إصبع عشرة. . . " رواه الخمسة إلا الترمذي، ونيل الأوطار ٧ / ٧٢
وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِذَا بَلَغَ الأَْرْشُ ثُلُثَ الدِّيَةِ أَوْ أَكْثَرَ، أَمَّا إِذَا كَانَ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ فَإِنَّهَا تَتَسَاوَى مَعَهُ (١) .
ب - أَرْشُ جِرَاحِ الذِّمِّيِّ:
٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى تَسَاوِي الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي الأُْرُوشِ وَالدِّيَاتِ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: دِيَةُ الذِّمِّيِّ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ. أَمَّا الْمَجُوسِيُّ وَالْمُعَاهَدُ وَالْمُرْتَدُّ، فَفِيهِ ثُلُثُ خُمُسِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: كُل هَؤُلاَءِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: كُلُّهُمْ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ (٢)
تَعَدُّدُ الأُْرُوشِ:
٧ - الأَْصْل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الْقَوْل بِتَعَدُّدِ الأُْرُوشِ بِتَعَدُّدِ الْجِنَايَاتِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ، يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي الدِّيَاتِ وَالْمَعَاقِل (٣) . .
_________
(١) الهداية وفتح القدير ٨ / ٣٠٦ ط دار صادر، والدر المختار ٥ / ٣٦٨، والبدائع ٧ / ٣٢٢ ط الجمالية، والنهاية ٧ / ٣٠٣ ط مصطفى الحلبي، والجمل ٥ / ٦٣، والشرح الكبير ٤ / ٢٨ وكشاف القناع ٦ / ١٥
(٢) الهداية وفتح القدير ٨ / ٢٨٢، والدسوقي ٤ / ٢٨٦ ط دار الفكر، والنهاية ٧ / ٣٠٧ ط مصطفى الحلبي، وابن عابدين ٥ / ٣٦٩، وكشاف القناع ٦ / ١٥ ط أنصار السنة المحمدية.
(٣) نفس المراجع السابقة
إِرْشَادٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْرْشَادُ لُغَةً: الْهِدَايَةُ وَالدَّلاَلَةُ، يُقَال: أَرْشَدَهُ إِلَى الشَّيْءِ وَعَلَيْهِ: دَلَّهُ (١) . وَالأُْصُولِيُّونَ يَذْكُرُونَ الإِْرْشَادَ بِاعْتِبَارِهِ أَحَدَ الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةِ الَّتِي يَرِدُ لَهَا الأَْمْرُ، وَعَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ: تَعْلِيمُ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، وَمَثَّلُوا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ . (٢)
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ النَّدْبِ؛ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي طَلَبِ تَحْصِيل الْمَصْلَحَةِ، غَيْرَ أَنَّ النَّدْبَ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَوِيَّةٍ، وَالإِْرْشَادَ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ (٣) .
وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَى الدَّلاَلَةِ عَلَى الْخَيْرِ، وَالإِْرْشَادِ إِلَى الْمَصَالِحِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ دُنْيَوِيَّةً أَمْ أُخْرَوِيَّةً، وَيَسْتَعْمِلُونَهُ كَذَلِكَ بِالْمَعْنَى الأُْصُولِيِّ، وَهُوَ تَعْلِيمُ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
النُّصْحُ:
٢ - النُّصْحُ: الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ.
_________
(١) لسان العرب مادة (رشد)
(٢) البقرة / ١٨٢
(٣) كشف الأسرار ١ / ١٠٧ ط مكتب الصنايع، وجمع الجوامع ١ / ٣٧٨ ط الأزهرية، والأحكام للآمدي ٢ / ٩ ط صبيح.
(٤) الشرح الصغير ٤ / ٧٤١ ط دار المعارف، وحاشية الجمل على المنهج ٤ / ١١٦ ط دار إحياء التراث العربي، والفتح المبين ص ١٢٥ ط عيسى الحلبي، ونهاية المحتاج ٨ / ٤٤ ط مصطفى الحلبي.
وَالإِْرْشَادُ يُرَادِفُ النُّصْحَ، وَيُرَادِفُ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ جَرَى عَلَى التَّعْبِيرِ بِالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فِيمَا كَانَ مُجْمَعًا عَلَى وُجُوبِهِ أَوْ تَحْرِيمِهِ. أَمَّا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَدْ جَرَى عَلَى التَّعْبِيرِ فِيهِ بِالإِْرْشَادِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - تَنَاوَل الأُْصُولِيُّونَ الأَْمْرَ الإِْرْشَادِيَّ مِنْ حَيْثُ الثَّوَابُ وَعَدَمُهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ فَعَل مَا أُرْشِدَ إِلَيْهِ، فَذَكَرُوا: أَنَّهُ مَا دَامَتِ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ دُنْيَوِيَّةً فَلاَ ثَوَابَ فِيهِ، مَا دَامَ الشَّخْصُ قَدْ فَعَلَهُ لِمُجَرَّدِ غَرَضِهِ. فَإِنْ فَعَلَهُ لِمُجَرَّدِ الاِمْتِثَال وَالاِنْقِيَادِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أُثِيبَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لأَِمْرٍ خَارِجٍ، وَإِنْ قَصَدَ الاِمْتِثَال وَتَحْصِيل الْمَصْلَحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَعًا اسْتَحَقَّ ثَوَابًا أَنْقَصَ مِنْ ثَوَابِ مَحْضِ قَصْدِ الاِمْتِثَال (٢) .
٤ - وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَحُكْمُ الإِْرْشَادِ عِنْدَهُمْ - أَيْ إِرْشَادِ النَّاسِ إِلَى الْخَيْرِ وَدَلاَلَتِهِمْ عَلَيْهِ وَنُصْحِهِمْ - هُوَ الْوُجُوبُ، وَذَلِكَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ الآْيَةَ (٣) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ (٤) عَلَى أَنْ يَكُونَ الإِْرْشَادُ بِالرِّفْقِ وَالْقَوْل اللَّيِّنِ؛ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْقَبُول، وَمَحَل الْوُجُوبِ إِذَا ظَنَّ الْفَائِدَةَ، وَلَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ
_________
(١) الزرقاني على خليل ٣ / ١٠٨ نشر دار الفكر، والفروق للقرافي ٤ / ٢٥٧
(٢) كشف الأسرار ١ / ١٠٧، وجمع الجوامع ١ / ٣٧٨، والأحكام للآمدي ٢ / ٩
(٣) سورة آل عمران / ١٠٤
(٤) رواه مسلم ١ / ٧٤ ط عيسى الحلبي.
مَالِهِ أَوْ غَيْرِهِ (١) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - أَحْكَامُ الأَْمْرِ الإِْرْشَادِيِّ تَأْتِي عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ فِي مَبْحَثِ الأَْمْرِ، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي مَبْحَثِ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
إِرْصَادٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْرْصَادُ فِي اللُّغَةِ: الإِْعْدَادُ. يُقَال: أَرْصَدَ لَهُ الأَْمْرَ: أَعَدَّهُ (٢)
وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: تَخْصِيصُ الإِْمَامِ غَلَّةَ بَعْضِ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَال لِبَعْضِ مَصَارِفِهِ (٣) .
وَيُطْلِقُ الْحَنَفِيَّةُ الإِْرْصَادَ أَيْضًا عَلَى: تَخْصِيصِ رَيْعِ الْوَقْفِ لِسَدَادِ دُيُونِهِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ لِضَرُورَةِ إِعْمَارِهِ (٤) .
_________
(١) الفواكه الدواني ٢ / ٣٨٥ ط مصطفى الحلبي، والفتح المبين ص ١٢٥ ط عيسى الحلبي، والقرطبي ٤ / ٤٨، ١٦٥ ط دار الكتب المصرية. والشرح الصغير ٤ / ١٧٤ ط دار المعارف، والآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ١٧٤ ط المنار، وابن عابدين ١ / ٢٣٤ ط بولاق.
(٢) لسان العرب، وتاج العروس، وأساس البلاغة، والنهاية مادة (رصد) .
(٣) الفتاوى المهدية ٢ / ٦٤٧ طبع المطبعة الأزهرية، وحاشية الجمل على منهج الطلاب ٣ / ٥٧٧ طبع دار إحياء التراث في بيروت، ومطالب أولي النهى ٤ / ٢٧٨ طبع المكتب الإسلامي.
(٤) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٧٦ طبع بولاق الأولى.
أَوَّلًا:
الإِْرْصَادُ بِمَعْنَى (تَخْصِيصِ بَعْضِ أَرَاضِيِ
بَيْتِ الْمَال لِبَعْضِ مَصَارِفِهِ):
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْوَقْفُ:
٢ - الْوَقْفُ لُغَةً: الْحَبْسُ، وَاصْطِلاَحًا: حَبْسُ الْعَيْنِ وَالتَّصَدُّقُ بِالْمَنْفَعَةِ. وَلِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالإِْرْصَادِ، يُشَارُ إِلَى أَنَّ فِي حَقِيقَةِ الإِْرْصَادِ اتِّجَاهَيْنِ.
الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: اعْتِبَارُ الإِْرْصَادِ غَيْرَ الْوَقْفِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا؛ لاِخْتِلاَل شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْوَقْفِ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ مَمْلُوكًا لِلْوَاقِفِ حِينَ الْوَقْفِ، وَالْمُرْصِدُ - بِكَسْرِ الصَّادِ - هُوَ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَهُوَ لاَ يَمْلِكُ مَا أَرْصَدَهُ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: " وَالإِْرْصَادُ مِنَ السُّلْطَانِ لَيْسَ بِإِيقَافٍ أَلْبَتَّةَ؛ لِعَدَمِ مِلْكِ السُّلْطَانِ، بَل هُوَ تَعْيِينُ شَيْءٍ مِنْ بَيْتِ الْمَال عَلَى بَعْضِ مُسْتَحِقِّيهِ (١) .
فَالْفَرْقُ بَيْنَ الإِْرْصَادِ وَالْوَقْفِ: أَنَّ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ كَانَتْ قَبْل الْوَقْفِ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ، وَفِي الإِْرْصَادِ كَانَتْ لِبَيْتِ الْمَال.
الاِتِّجَاهُ الثَّانِيَ: اعْتِبَارُ الإِْرْصَادِ وَقْفًا فِي حَقِيقَتِهِ؛ لِعَدَمِ اخْتِلاَل شَيْءٍ مِنْ شُرُوطِ الْوَقْفِ فِيهِ، فَالسُّلْطَانُ الْوَاقِفُ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال هُوَ وَكِيلٌ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ كَوَكِيل الْوَاقِفِ (٢)، وَعَلَى
_________
(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٨٤ طبع دار الفكر - ببروت، وحاشية كنون على شرح الزرقاني ٧ / ١٣١ بهامش الرهوني.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٦٦، وحاشية أبي السعود على ملا مسكين ٢ / ٥٠٥، طبع جمعية المعارف.
هَذَا الاِتِّجَاهِ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالإِْرْصَادِ مِنْ حَيْثُ سَبْقُ الْمِلْكِ، وَيَفْتَرِقَانِ بِأَنَّ الإِْرْصَادَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنَ الإِْمَامِ.
ب - الإِْقْطَاعُ:
٣ - الإِْقْطَاعُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الْقَطْعِ بِمَعْنَى الْفَصْل (١) . وَهُوَ فِي الشَّرْعِ: مَا يَقْطَعُهُ الإِْمَامُ أَيْ يُعْطِيهِ مِنْ أَرَاضِي الْمَوَاتِ - رَقَبَةً أَوْ مَنْفَعَةً - لِمَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَال، فَالإِْقْطَاعُ يَكُونُ تَمْلِيكًا وَغَيْرَ تَمْلِيكٍ (٢) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ إِقْطَاعِ التَّمْلِيكِ وَبَيْنَ الإِْرْصَادِ، أَنَّ الْمُقْطَعَ إِلَيْهِ يَمْلِكُ رَقَبَةَ الْقَطَائِعِ، وَلاَ يَتَرَتَّبُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمِلْكِ فِي الإِْرْصَادِ.
أَمَّا إِقْطَاعُ الْمَنْفَعَةِ أَوِ الْخَرَاجِ، فَيَفْتَرِقُ عَنِ الإِْرْصَادِ بِأَنَّ الإِْرْصَادَ لَهُ صِفَةُ التَّأْبِيدِ، وَلاَ يَكُونُ لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الإِْقْطَاعِ صِفَةُ التَّأْبِيدِ، إِذْ يَحِقُّ لِلإِْمَامِ سَلْخُ تِلْكَ الْقَطَائِعِ عَمَّنْ جَعَلَهَا لَهُ، وَإِعْطَاؤُهَا لِغَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الإِْقْطَاعَ يَحْمِل الصِّفَةَ الْفَرْدِيَّةَ الشَّخْصِيَّةَ، أَمَّا الإِْرْصَادُ فَيَحْمِل صِفَةَ الْعُمُومِ وَمَصْلَحَةَ الْجَمَاعَةِ.
ج - الْحِمَى:
٤ - الْحِمَى فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ وَالدَّفْعُ، وَفِي الشَّرْعِ: أَنْ يَحْمِيَ الإِْمَامُ مَكَانًا خَاصًّا مِنَ الْمَوَاتِ؛ لِحَاجَةِ غَيْرِهِ، كَرَعْيِ نَعَمِ جِزْيَةٍ وَصَدَقَةٍ، وَحَاجَةِ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ (٣) .
_________
(١) لسان العرب مادة (قطع) .
(٢) ابن عابدين ٣ / ٣٩٢، والشرح الكبير للدردير ٤ / ٦٨، والمهذب ١ / ٤٣٣، والمغني ٦ / ١٦٦.
(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ٦٩، والقليوبي ٣ / ٩٢ والمغني ٦ / ١٦٦
فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحِمَى وَالإِْرْصَادِ أَنَّ الإِْرْصَادَ تَخْصِيصُ الإِْمَامِ غَلَّةَ بَعْضِ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَال لِبَعْضِ مَصَارِفِهِ، وَالْحِمَى هُوَ تَخْصِيصُ الإِْمَامِ نَفْسَ أَرَاضِي الْمَوَاتِ لِحَاجَةِ غَيْرِهِ.
صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):
٥ - الإِْرْصَادُ مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ (١)، إِمَّا لاِعْتِبَارِهِ وَقْفًا (فَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ)، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ يُؤَمِّنُ مَصْلَحَةً عَامَّةً لِلْمُسْلِمِينَ بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ؛ لأَِنَّ الْمُرْصَدَ (بِفَتْحِ الصَّادِ) هُوَ مَال بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، وَصَل إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَمَصْرِفُهُ كُل مَا تَقُومُ بِهِ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُرْصَدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ وَنَحْوِهِمْ هُمْ عَمَلَةُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَقُومُ بِهِمْ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، فَهُمْ مَصْرِفٌ مِنْ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَال (٢) . وَتَأْمِينُ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَاجِبٌ عَلَى الإِْمَامِ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَصَالِحُ لاَ يُمْكِنُ تَأْمِينُهَا إِلاَّ بِالإِْرْصَادِ، كَانَ الإِْرْصَادُ وَاجِبًا؛ لأَِنَّ مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَقَدْ سُئِل الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْعَقَدِيُّ الْحَنَفِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَشْرُوعِيَّةِ الإِْرْصَادِ فَأَجَابَ:
" لاَ شَكَّ فِي جَوَازِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إِيصَال الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّيهِ فَيَكُونُ جَائِزًا، بَل وَاجِبًا لِمَا قُلْنَا، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ". (٣)
أَرْكَانُ الإِْرْصَادِ:
٦ - لاَ بُدَّ فِي الإِْرْصَادِ مِنْ وُجُودِ مُرْصِدٍ (بِكَسْرِ الصَّادِ)، وَمُرْصَدٍ (بِفَتْحِ الصَّادِ)، وَجِهَةٍ مُرْصَدٍ عَلَيْهَا، وَصِيغَةٍ.
_________
(١) حاشية كنون على الزرقاني ٧ / ١٣١
(٢) الفتاوى المهدية ٢ / ٦٤٧.
(٣) الفتاوى المهدية ٢ / ٦٤٨
وَلِكُل وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَْرْكَانِ شُرُوطٌ لاَ بُدَّ مِنْ تَوَفُّرِهَا فِيهِ؛ لِيَكُونَ الإِْرْصَادُ صَحِيحًا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
الأَْوَّل: الْمُرْصِدُ (بِكَسْرِ الصَّادِ)
٧ - وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُرْصِدِ (بِكَسْرِ الصَّادِ) أَنْ يَكُونَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ فِيمَا أَرَصَدَهُ، مِنْ مَال بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ (١) .
وَجَائِزُ التَّصَرُّفِ هَذَا لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْتَجْمِعَ شُرُوطَ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ، وَأَنْ يَكُونَ إِمَامًا أَوْ أَمِيرًا (٢)، أَوْ وَزِيرًا فُوِّضَ إِلَيْهِ تَدْبِيرُ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ (٣)، أَوْ رَجُلًا لَهُ اسْتِحْقَاقٌ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ وَجُعِلَتْ لَهُ مَنْفَعَةُ عَقَارٍ مُعَيَّنٍ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ (٤)، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الْمُرْصَدَ عَلَيْهِ لَهُ أَنْ يَرْصُدَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ أَلاَّ يَنْسُبَ الْمُرْصِدَ (بِكَسْرِ الصَّادِ) الإِْرْصَادَ إِلَى نَفْسِهِ. لأَِنَّ الأَْعْيَانَ الْمُرْصَدَةَ لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ، بَل هِيَ مِلْكُ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا النَّصُّ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ بَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ يَتَنَافَى مَعَ شَيْءٍ مِمَّا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي الإِْرْصَادِ.
فَإِنْ نَسَبَ الْمُرْصِدُ الإِْرْصَادَ إِلَى نَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ إِرْصَادُهُ.
_________
(١) مطالب أولي النهى ٤ / ٢٧٨، طبع المكتب الإسلامي ببيروت.
(٢) حاشية الجمل ٣ / ٥٧٧ طبع دار إحياء التراث ببيروت، حاشية الشرواني على التحفة ٥ / ٣٩٢ الطبعة الميمنية الأولى ١٣٠٦، وحاشية البجيرمي على منهج الطلاب ٣ / ٢٠٢ طبع المكتبة الإسلامية بتركيا، ونهاية الزين شرح قرة العين ٢٦٨ طبع مصطفى البابي الحلبي، وحاشية الدسوقي ٤ / ٨٢
(٣) الفتاوى المهدية ٢ / ٦٤٧
(٤) الفتاوى المهدية ٢ / ٦٤٦
قَال عَلِيُّ كَنُونٍ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الزَّرْقَانِيِّ: إِنْ وَقَفَ الأَْئِمَّةُ وَقْفًا عَلَى جِهَةِ الْبِرِّ وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَنَسَبُوهُ لأَِنْفُسِهِمْ فَلاَ يَصِحُّ (١) .
الثَّانِي: الْمُرْصَدُ (بِفَتْحِ الصَّادِ):
٨ - يُشْتَرَطُ فِي الْمَال الْمُرْصَدِ أَنْ يَكُونَ عَيْنًا قَدْ آلَتْ إِلَى بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ بِالاِتِّفَاقِ (٢)، كَالأَْرَاضِيِ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً، وَآلَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَال، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَرْصُدَ شَيْئًا مِنْ أَرَاضِي الْحَوْزِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْرَاضِيَ مِلْكُ أَصْحَابِهَا، وَلَيْسَتْ مِلْكًا لِبَيْتِ الْمَال.
وَالْمُرَادُ بِأَرْضِ الْحَوْزِ هُنَا: الأَْرْضُ الَّتِي عَجَزَ صَاحِبُهَا عَنْ زِرَاعَتِهَا، وَأَدَاءِ خَرَاجِهَا، فَدَفَعَهَا إِلَى الإِْمَامِ لِتَكُونَ مَنَافِعُهَا جَبْرًا لِلْخَرَاجِ (٣) .
الثَّالِثُ: الْمُرْصَدُ عَلَيْهِ:
٩ - يُشْتَرَطُ فِي الْمُرْصَدِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَصَارِفِ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ الإِْجْمَال (٤) . فَإِنْ لَمْ
_________
(١) حاشية كنون على شرح الزرقاني لمختصر خليل ٧ / ١٣١
(٢) الفتاوى المهدية ٢ / ٢٤٦، وابن عابدين ٣ / ٢٥٩، وحاشية أبو السعود ٢ / ٥٠٥، والأشباه والنظائر لابن نجيم ١ / ٣١٠، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٥ / ٣٩٢، وحاشية الدسوقي ٤ / ٨٢، ومطالب أولي النهى ٤ / ٢٧٨ ونهاية الزين شرح قرة العين ص: ٢٦٨
(٣) البحر الرائق ٥ / ٢٠٣، وهي تختلف عن أراضي الحوز التي يذكرونها في الغنائم والخراج، وهي ما مات أربابه بلا وارث وآل لبيت المال، أو فتح عنوة وأبقي للمسلمين إلى يوم القيامة. انظر حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٥٦، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار ٢ / ٤٦٣
(٤) الفتاوى المهدية ٢ / ٦٤٧، والأشباه والنظائر لابن نجيم ١ / ١٩٠، وابن عابدين ٣ / ٢٦٦، والشرواني على التحفة ٥ / ٣٩٢