الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣ الصفحة 20

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣

لأَِنَّهُ يَنْقُل عِبَارَةَ الْمُرْسِل. وَكَذَا الْكِتَابُ بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ مِنَ الْكَاتِبِ، فَكَانَ سَمَاعُ قَوْل الرَّسُول وَقِرَاءَةُ الْكِتَابِ سَمَاعَ قَوْل الْمُرْسِل وَكَلاَمَ الْكَاتِبِ مَعْنًى، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعَا كَلاَمَ الرَّسُول وَقِرَاءَةَ الْكِتَابِ لاَ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، بَيْنَمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إِذَا قَالَتْ: زَوَّجْتُ نَفْسِي يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعَا كَلاَمَ الرَّسُول وَقِرَاءَةَ الْكِتَابِ، إِذْ أَنَّ قَوْل الزَّوْجِ بِانْفِرَادِهِ عَقْدٌ عِنْدَهُ وَقَدْ حَضَرَ الشَّاهِدَانِ (١) . فَيَتَّضِحُ أَنَّ الشَّهَادَةَ هُنَا مَأْخُوذٌ بِهَا عِنْدَ السَّمَاعِ لِكَلاَمِ الْمُرْسِل. هَذَا وَقَدْ أَيَّدَ الدُّسُوقِيُّ الْكَاسَانِيَّ فِي اعْتِبَارِ الشَّهَادَةِ لِلْمُرْسِل، إِذْ ذَكَرَ فِي حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْمُودَعَ يَضْمَنُ الْوَدِيعَةَ إِنْ دَفَعَهَا لِلرَّسُول مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ؛ لأَِنَّهُ لَمَّا دَفَعَ لِغَيْرِ الْيَدِ الَّتِي ائْتَمَنَتْهُ كَانَ عَلَيْهِ الإِْشْهَادُ، فَلَمَّا تَرَكَهُ صَارَ مُفَرِّطًا، وَأَمَّا إِنْ دَفَعَ لَهُ بِإِشْهَادٍ فَقَدْ بَرِئَ، وَيَرْجِعُ الْمُرْسَل إِلَيْهِ عَلَى الرَّسُول عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ (٢) .

ثَالِثًا: الإِْرْسَال بِمَعْنَى الإِْهْمَال

حُكْمُ ضَمَانِ مَا أَتْلَفَتْهُ الْحَيَوَانَاتُ وَالْمَوَاشِي الْمُرْسَلَةُ:

١٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مَعْرِضِ بَيَانِهِمْ لِحُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى التَّفْرِيقِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ بَيْنَ الدَّابَّةِ الَّتِي تُتْلِفُ أَمْوَال الْغَيْرِ وَمَعَهَا رَاكِبٌ، وَالدَّابَّةِ الَّتِي تُتْلِفُهَا مِنْ غَيْرِ قَائِدٍ.

وَبِنَاءً عَلَى هَذَا التَّفْرِيقِ فَقَدْ قَالُوا: إِذَا أَتْلَفَتِ الدَّابَّةُ مَالًا أَوْ نَفْسًا، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَكَانَ مَعَهَا رَاكِبُهَا

_________

(١) بدائع الصنائع ٣ / ١٣٣٥ للعلامة علاء الدين أبي بكر الكاساني الحنفي مطبعة الإمام / بالقاهرة

(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٤٢٦ للعلامة شمس الدين محمد عرفة الدسوقي - مطبعة الحلبي / بالقاهرة.

فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لأَِنَّهَا فِي يَدِهِ، وَعَلَيْهِ تَعَهُّدُهَا وَحِفْظُهَا، وَلأَِنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَهَا كَانَ فِعْلُهَا مَنْسُوبًا إِلَيْهِ.

وَلَوْ كَانَ مَعَهَا سَائِقٌ وَقَائِدٌ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، وَلَوْ كَانَ مَعَهَا سَائِقٌ وَقَائِدٌ مَعَ رَاكِبٍ فَهَل يَخْتَصُّ الضَّمَانُ بِالرَّاكِبِ أَوْ يَجِبُ أَثْلاَثًا؟ وَجْهَانِ: أَرْجَحُهُمَا الأَْوَّل، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهَا رَاكِبَانِ فَهَل يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا أَوْ يَخْتَصُّ بِالأَْوَّل، دُونَ الرَّدِيفِ؟ وَجْهَانِ: أَوْجَهُهُمَا الأَْوَّل لأَِنَّ الْيَدَ لَهُمَا (١) .

أَمَّا إِذَا أَتْلَفَتِ الدَّابَّةُ أَمْوَال الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا رَاكِبٌ فَهُنَا يُنْظَرُ إِلَى الزَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الإِْتْلاَفُ، فَإِنْ كَانَ نَهَارًا فَلاَ ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا، وَإِنْ كَانَ لَيْلًا ضَمِنَ، لِتَقْصِيرِهِ بِإِرْسَالِهَا لَيْلًا، بِخِلاَفِ الإِْرْسَال نَهَارًا، لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ. وَهُوَ عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ فِي حِفْظِ الزَّرْعِ وَنَحْوِهِ نَهَارًا وَالدَّابَّةِ لَيْلًا، وَلَوْ تَعَوَّدَ أَهْل الْبَلَدِ إِرْسَال الدَّوَابِّ وَحِفْظَ الزَّرْعِ لَيْلًا دُونَ النَّهَارِ انْعَكَسَ الْحُكْمُ، فَيَضْمَنُ مُرْسِلُهَا مَا أَتْلَفَتْهُ نَهَارًا دُونَ اللَّيْل، اتِّبَاعًا لِمَعْنَى الْخَبَرِ وَالْعَادَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ لَوْ جَرَتْ عَادَةٌ بِحِفْظِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ضَمِنَ مُرْسِلُهَا مَا أَتْلَفَتْهُ مُطْلَقًا.

هَذَا، وَقَدِ اسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنَ الدَّوَابِّ الَّتِي يَلْزَمُ الضَّمَانُ بِإِتْلاَفِهَا الْحَمَامَ وَغَيْرَهُ مِنَ الطُّيُورِ وَالنَّحْل، إِذْ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ بِإِتْلاَفِهَا مُطْلَقًا، وَهَذَا الْحُكْمُ حَكَاهُ فِي أَصْل الرَّوْضَةِ عَنِ ابْنِ الصَّبَّاغِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْعَادَةَ إِرْسَالُهَا (٢) .

هَذَا، وَقَدْ وَافَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الشَّافِعِيَّةَ فِي

_________

(١) الإقناع ٢ / ٢٠١

(٢) الإقناع ٢ / ٢٠١ - ٢٠٢

أَنَّ الضَّمَانَ لاَزِمٌ فِي إِتْلاَفِ الدَّوَابِّ إِنْ كَانَ لَيْلًا، أَمَّا إِنْ كَانَ نَهَارًا فَلاَ ضَمَانَ فِيهِ (١) . بَيْنَمَا لِلْحَنَفِيَّةِ قَوْلٌ آخَرُ نَذْكُرُهُ بَعْدَ قَلِيلٍ بِإِذْنِ اللَّهِ.

هَذَا، وَقَدْ وَافَقَ الْمَالِكِيَّةُ الشَّافِعِيَّةَ فِي قَوْلِهِمْ بِتَضْمِينِ رَاكِبِهَا وَقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا.

أَمَّا حُكْمُ مَا أَتْلَفَهُ الْحَمَامُ وَالنَّحْل وَالدَّجَاجُ فَجَاءَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ فِيهِ رِوَايَتَانِ:

الأُْولَى: تُوَافِقُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ حُكْمَهَا كَالْمَاشِيَةِ فِي الإِْتْلاَفِ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ، إِلاَّ أَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ قَدْ قَال بِصَوَابِ الرِّوَايَةِ الأُْولَى (٢) . أَمَّا الْبَاجِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: فِي الْمَوَاضِعِ ضَرْبٌ تَنْفَرِدُ فِيهِ الْمَزَارِعُ وَالْحَوَائِطُ، لَيْسَ بِمَكَانِ سَرْحٍ، فَهَذَا لاَ يَجُوزُ إِرْسَال الْمَوَاشِي فِيهِ، وَمَا أَفْسَدَتْ فِيهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَعَلَى أَرْبَابِهَا الضَّمَانُ. وَضَرْبٌ آخَرُ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِإِرْسَال مَوَاشِيهِمْ فِيهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَأَحْدَثَ رَجُلٌ فِيهِ زَرْعًا فَأَتْلَفَتْهُ الْمَوَاشِي، فَلاَ ضَمَانَ فِيهِ عَلَى أَهْل الْمَوَاشِي، سَوَاءٌ وَقَعَ الإِْتْلاَفُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا (٣) .

وَمِنَ الْمُفِيدِ جِدًّا أَنْ نُشِيرَ إِلَى مَا ذَكَرَهُ مُؤَلِّفُ التَّاجِ وَالإِْكْلِيل إِذْ قَال: بِأَنَّ الرَّجُل إِذَا أَرْسَل فِي أَرْضِهِ نَارًا أَوْ مَاءً فَوَصَل إِلَى أَرْضِ جَارِهِ فَأَتْلَفَ زَرْعَهَا، يُنْظَرُ فِي الأَْمْرِ عَلَى ضَوْءِ قُرْبِ الأَْرْضِ وَبُعْدِهَا، فَإِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ قَرِيبَةً فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً إِلاَّ أَنَّ النَّارَ وَصَلَتْهَا بِسَبَبِ رِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلاَ ضَمَانَ (٤) .

_________

(١) التاج والإكليل ٣ / ٣٢٣ وكشاف القناع ٢ / ٤٣٨

(٢) التاج والإكليل ٦ / ٣٢٤

(٣) التاج والإكليل ٦ / ٣٢٣

(٤) التاج والإكليل ٦ / ٣٢١

وَهَذَا الرَّأْيُ قَدْ قَال بِهِ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا (١)، إِلاَّ أَنَّ لَهُمْ رَأْيًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِرْسَال الدَّابَّةِ وَالْكَلْبِ أَرَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ هُنَا، وَمُفَادُ هَذَا الرَّأْيِ هُوَ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الدَّابَّةِ وَالْكَلْبِ عِنْدَ الإِْرْسَال، حَيْثُ إِنَّهُ إِذَا أَرْسَل الْكَلْبَ وَلَمْ يَكُنْ سَائِقًا لَهُ فَلاَ ضَمَانَ فِيمَا يُتْلِفُهُ، وَإِنْ أَصَابَ الْمُتْلَفَ مِنْ فَوْرِهِ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ، إِذْ لاَ يُمْكِنُهُ اتِّبَاعُهُ، وَالْمُتَسَبِّبُ لاَ يَضْمَنُ إِلاَّ إِذَا تَعَدَّى، بَيْنَمَا إِذَا أَرْسَل الدَّابَّةَ فَأَتْلَفَتْ أَمْوَال الْغَيْرِ عَلَى الْفَوْرِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ بِإِرْسَالِهَا فِي الطَّرِيقِ مَعَ إِمْكَانِ اتِّبَاعِهَا، إِلاَّ أَنَّ الإِْمَامَ أَبَا يُوسُفَ لَمْ يُفَرِّقْ فِي لُزُومِ الضَّمَانِ بَيْنَ مَا يُتْلِفُهُ الْكَلْبُ بِإِرْسَالِهِ وَمَا تُتْلِفُهُ الدَّابَّةُ بِإِرْسَالِهَا (٢) .

هَذَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ أَنَّ الرَّجُل إِذَا أَرْسَل طَيْرًا سَاقَهُ (أَيْ سَارَ خَلْفَهُ) أَوْ لاَ، أَوْ أَرْسَل دَابَّةً أَوْ كَلْبًا وَلَمْ يَكُنْ سَائِقًا لَهُ، أَوِ انْفَلَتَتْ دَابَّةٌ بِنَفْسِهَا فَأَصَابَتْ مَالًا أَوْ آدَمِيًّا نَهَارًا أَوْ لَيْلًا فَلاَ ضَمَانَ فِي الْكُل، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ أَيِ الْمُنْفَلِتَةُ هَدَرٌ (٣) .

أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُرْسَل مَاءً، فَالْحُكْمُ يَخْتَلِفُ تَبَعًا لِحَالَةِ الْمَاءِ الْمُرْسَل وَطَبِيعَةِ الأَْرْضِ، فَلَوْ أَرْسَل مَاءً فِي أَرْضِهِ فَخَرَجَ الْمَاءُ إِلَى أَرْضِ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ مَا أَرْسَلَهُ تَحْتَمِلُهُ أَرْضُهُ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَرْسَل مَا لاَ تَحْتَمِلُهُ الأَْرْضُ كَانَ ضَامِنًا (٤)، فَإِنْ سَقَى أَرْضَهُ ثُمَّ أَرْسَل الْمَاءَ فِي النَّهْرِ حَتَّى جَاوَزَ عَنْ أَرْضِهِ وَقَدْ كَانَ رَجُلٌ أَسْفَل مِنْهُ طَرَحَ فِي النَّهْرِ تُرَابًا، فَمَال الْمَاءُ عَنِ النَّهْرِ حَتَّى غَرِقَ قَصْرُ إِنْسَانٍ، فَلاَ ضَمَانَ

_________

(١) الفتاوى الخانية على هامش الفتاوى الهندية ٣ / ٢٢١

(٢) حاشية ابن عابدين ٦ / ٦٠٧

(٣) الدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين ٦ / ٦٠٨

(٤) الفتاوى الخانية على هامش الفتاوى الهندية ٣ / ٢٢١

عَلَى الْمُرْسِل؛ لأَِنَّهُ أَرْسَل الْمَاءَ فِي النَّهْرِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي ذَلِكَ، وَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ طَرَحَ التُّرَابَ فِي النَّهْرِ وَمَنَعَ الْمَاءَ عَنِ السَّيَلاَنِ؛ لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ. وَلَوْ فَتَحَ فُوَّهَةَ النَّهْرِ وَأَرْسَل مَاءً قَدْرَ مَا يَحْتَمِلُهُ النَّهْرُ، فَدَخَل الْمَاءُ مِنْ فَوْرِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ قَبْل أَنْ يَدْخُل فِي أَرْضِهِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ (١) .

هَذَا، وَمِمَّا يَجْدُرُ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ هُوَ أَنْ نَذْكُرَ الدَّلِيل الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْحَنَابِلَةُ فِي مُوَافَقَتِهِمْ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي أَنَّ الضَّمَانَ فِي الْمُتْلَفِ لَيْلًا لاَ نَهَارًا، وَالدَّلِيل هُوَ رِوَايَةُ الإِْمَامِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حِزَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ - أَيْ مَا فِيهِ مِنْ أَمْوَالٍ - فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْل الأَْمْوَال حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَمَا أَفْسَدَتْ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ.

وَلأَِنَّ الْعَادَةَ مِنْ أَهْل الْمَوَاشِي إِرْسَالُهَا نَهَارًا لِلرَّعْيِ وَحِفْظُهَا لَيْلًا، وَعَادَةُ أَهْل الْحَوَائِطِ حِفْظُهَا نَهَارًا، فَإِذَا أَفْسَدَتْ شَيْئًا لَيْلًا كَانَ مِنْ ضَمَانِ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ إِنْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، مِثْل مَا إِذَا لَمْ يَضُمَّهَا وَنَحْوَهُ لَيْلًا، أَوْ ضَمَّهَا بِحَيْثُ يُمْكِنُهَا الْخُرُوجُ. أَمَّا إِذَا ضَمَّهَا مَنْ هِيَ بِيَدِهِ لَيْلًا فَأَخْرَجَهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَوْ فَتْحَ غَيْرُهُ عَلَيْهَا بَابَهَا فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا، فَالضَّمَانُ عَلَى مُخْرِجِهَا أَوْ فَاتِحِ بَابِهَا؛ لأَِنَّهُ السَّبَبُ وَلاَ ضَمَانَ عَلَى مَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ. ثُمَّ أَضَافَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ، بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا زَرْعٌ وَمَرَاعِي. أَمَّا الْقُرَى الْعَامِرَةُ الَّتِي لاَ مَرْعَى فِيهَا إِلاَّ بَيْنَ مَرَاحَيْنِ كَسَاقِيَةٍ وَطُرُقِ زَرْعٍ فَلَيْسَ لَهُ إِرْسَالُهَا بِغَيْرِ حَافِظٍ، فَإِنْ فَعَل لَزِمَهُ الضَّمَانُ لِتَفْرِيطِهِ.

_________

(١) المصدر السابق ٣ / ٢٢٢

وَقَدْ خَالَفَ الْحَنَابِلَةُ مَا قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَادَةَ تُرَاعَى فِي أَحْكَامِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، إِذْ قَال الْحَارِثِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: لَوْ جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ أَهْل النَّوَاحِي رَبْطُهَا نَهَارًا وَإِرْسَالُهَا لَيْلًا وَحِفْظُ الزَّرْعِ لَيْلًا، فَالْحُكْمُ هُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى مَالِكِهَا فِيمَا أَفْسَدَتْهُ لَيْلًا إِنْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، لاَ نَهَارًا (١) .

ثُمَّ اسْتَطْرَدَ الْحَنَابِلَةُ فِي ضَرْبِ الأَْمْثِلَةِ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ أَنَّ الرَّجُل أَرْسَل صَيْدًا وَقَال: أَعْتَقْتُكَ، لَمْ يَزُل مِلْكُهُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ أَرْسَل الْبَعِيرَ وَالْبَقَرَةَ، وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْبَهَائِمِ الْمَمْلُوكَةِ، إِذْ أَنَّ مِلْكَهُ لاَ يَزُول عَنْهَا بِذَلِكَ (٢) .

الإِْرْسَال فِي الْقَبْضِ وَالْعَزْل:

١٤ - قَال السَّرَخْسِيُّ: (إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ أَرْسَل رَسُولًا يَقْبِضُهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا رَآهُ، وَرُؤْيَةُ الرَّسُول وَقَبْضُهُ لاَ يُلْزِمُهُ الْمَتَاعَ) لأَِنَّ الْمَقْصُودَ عِلْمُ الْعَاقِدِ بِأَوْصَافِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، لِيَتِمَّ رِضَاهُ، وَذَلِكَ لاَ يَحْصُل بِرُؤْيَةِ الرَّسُول، فَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّ قَبْضَ رَسُولِهِ كَقَبْضِهِ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ قَبَضَ بِنَفْسِهِ قَبْل الرُّؤْيَةِ كَانَ بِالْخِيَارِ إِذَا رَآهُ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَرْسَل رَسُولًا فَقَبَضَهُ لَهُ، فَأَمَّا إِذَا وَكَّل وَكِيلًا يَقْبِضُهُ فَرَآهُ الْوَكِيل وَقَبَضَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوَكِّل فِيهِ خِيَارٌ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ ﵁. وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَهُ الْخِيَارُ إِذَا رَآهُ؛ لأَِنَّ الْقَبْضَ فِعْلٌ، وَالرَّسُول وَالْوَكِيل فِيهِ سَوَاءٌ، وَكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَأْمُورٌ بِإِحْرَازِ الْعَيْنِ وَالْحَمْل إِلَيْهِ وَالنَّقْل إِلَى ضَمَانِهِ بِفِعْلِهِ، ثُمَّ خِيَارُهُ لاَ

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ١٢٨

(٢) المصدر السابق ٤ / ١٣٤ هذا ويؤخذ مما تقدم أن الفروع التي مثل بها في المذاهب المختلفة ترجع كلها من حيث الضمان وعدمه إلى ثلاثة أمور: الإهمال، أو التعدي أو العرف.

يَسْقُطُ بِرُؤْيَةِ الرَّسُول فَكَذَلِكَ بِرُؤْيَةِ الْوَكِيل، وَكَيْفَ يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِرُؤْيَتِهِ وَهُوَ لَوْ أَسْقَطَ الْخِيَارَ نَصًّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ مِنْهُ لأَِنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْهُ بِهِ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا قَبَضَ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ، وَقَاسَا بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَالْعَيْبِ فَإِنَّهُ لاَ يَسْقُطُ بِقَبْضِ الْوَكِيل وَرِضَاهُ بِهِ. فَكَذَلِكَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵁ يَقُول: التَّوْكِيل بِمُطْلَقِ الْقَبْضِ يُثْبِتُ لِلْوَكِيل وِلاَيَةَ إِتْمَامِ الْقَبْضِ، كَالتَّوْكِيل بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ يُثْبِتُ لِلْوَكِيل وِلاَيَةَ إِتْمَامِهِ، وَتَمَامُ الْقَبْضِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ تَمَامِ الصَّفْقَةِ، وَلاَ تَتِمُّ مَعَ بَقَاءِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، فَيَضْمَنُ التَّوْكِيل بِالْقَبْضِ إِنَابَةَ الْوَكِيل مَنَابَ نَفْسِهِ فِي الرُّؤْيَةِ الْمُسْقِطَةِ لِخِيَارِهِ، وَبِخِلاَفِ الرَّسُول فَإِنَّ الرَّسُول لَيْسَ إِلَيْهِ إِلاَّ تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ، فَأَمَّا إِتْمَامُ مَا أُرْسِل بِهِ فَلَيْسَ إِلَيْهِ، كَالرَّسُول بِالْعَقْدِ لَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ شَيْءٌ.

وَالدَّلِيل عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالرِّسَالَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَ صِفَةَ الرِّسَالَةِ لِنَبِيِّهِ ﷺ وَنَفَى الْوَكَالَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُل لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ . (١) وَهَذَا بِخِلاَفِ خِيَارِ الْعَيْبِ فَإِنَّ بَقَاءَهُ لاَ يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ وَالْقَبْضِ، وَلِهَذَا مَلَكَ بَعْدَ الْقَبْضِ رَدَّ الْمَعِيبِ خَاصَّةً (٢) . وَلَوْ أَرْسَل إِلَى وَكِيلِهِ رَسُولًا بِعَزْلِهِ فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَقَال لَهُ: إِنَّ فُلاَنًا أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ وَيَقُول: إِنِّي عَزَلْتُكَ عَنِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِل كَائِنًا مَا كَانَ الرَّسُول، عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، بَعْدَ أَنْ تَكُونَ عِبَارَتُهُ مُعْتَبَرَةً، إِنْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا؛ لأَِنَّ الرَّسُول قَائِمٌ مَقَامَ الْمُرْسِل، مُعَبِّرٌ وَسَفِيرٌ عَنْهُ، فَتَصِحُّ سِفَارَتُهُ بَعْدَ

_________

(١) سورة الأنعام / ٦٦

(٢) المبسوط ١٣ / ٧٣ - ٧٤

أَنْ صَحَّتْ عِبَارَتُهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ (١) .

الرُّجُوعُ عَنِ الإِْرْسَال:

١٥ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُرْسِل لَوْ أَرْسَل رَسُولًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْ رَأْيِهِ صَحَّ رُجُوعُهُ، لأَِنَّ الْخِطَابَ بِالرِّسَالَةِ لاَ يَكُونُ وَفْقَ الْمُشَافَهَةِ، وَذَا مُحْتَمِلٌ لِلرُّجُوعِ، فَهَا هُنَا أَوْلَى، وَسَوَاءٌ أَعَلِمَ الرَّسُول رُجُوعَ الْمُرْسِل أَمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا وَكَّل إِنْسَانًا ثُمَّ عَزَلَهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ عَزْلُهُ؛ لأَِنَّ الرَّسُول يَحْكِي كَلاَمَ الْمُرْسِل وَيَنْقُلُهُ إِلَى الْمُرْسَل إِلَيْهِ، فَكَانَ سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا مَحْضًا، فَلَمْ يُشْتَرَطْ عِلْمُ الرَّسُول بِذَلِكَ، فَأَمَّا الْوَكِيل فَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ عَنْ تَفْوِيضِ الْمُوَكِّل إِلَيْهِ، فَشَرَطَ عِلْمَهُ بِالْعَزْل، صِيَانَةً عَنِ التَّغْرِيرِ (٢) .

وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيُّ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَال: لَوْ أَنَّ شَخْصًا أَرْسَل صَدَقَةً مَعَ رَسُولِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَاسْتَرَدَّهَا مِنَ الطَّرِيقِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا مَاتَ الْمُرْسِل قَبْل وُصُولِهَا كَانَتْ تَرِكَةً لِوَرَثَتِهِ (٣) .

الإِْرْسَال بِمَعْنَى التَّسْلِيطِ:

١٦ - إِرْسَال كَلْبِ الصَّيْدِ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُعَلَّمَةِ، إِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ يَنْطَلِقُ وَرَاءَ الصَّيْدِ بِإِرْسَال صَاحِبِهِ وَيَقِفُ بِأَمْرِهِ، فَيَكُونُ الصَّيْدُ مُبَاحَ الأَْكْل وَلَوْ لَمْ تُدْرَكْ ذَكَاتُهُ.

أَمَّا إِذَا انْطَلَقَ الْحَيَوَانُ الصَّائِدُ بِنَفْسِهِ فَصَادَ حَيَوَانًا، فَلاَ يُؤْكَل إِلاَّ إِذَا أُدْرِكَتْ تَذْكِيَتُهُ؛ لأَِنَّ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٤٨٦

(٢) بدائع الصنائع ٦ / ٢٩٩٤

(٣) الفتاوى الكبرى الفقهية للعلامة ابن حجر الهيثمي ٣ / ٣٦٧ - المكتبة الإسلامية بتركيا.

الْحَيَوَانَ إِنَّمَا صَادَهُ لِنَفْسِهِ لاَ لِصَاحِبِهِ. وَتَفْصِيل أَحْكَامِ الصَّيْدِ فِي مُصْطَلَحِهِ (١) .

رَابِعًا: الإِْرْسَال بِمَعْنَى التَّخْلِيَةِ

١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ إِرْسَال الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ الَّذِي فِي يَدِهِ حَقِيقَةً إِذَا كَانَ مَعَهُ قَبْل الإِْحْرَامِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمُحْرِمِ إِذَا صَادَهُ فِي الْحِل وَدَخَل بِهِ الْحَرَمَ. أَمَّا إِذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ فَلاَ يَجِبُ إِرْسَالُهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الصَّيْدُ فِي قَفَصٍ مَعَهُ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الإِْحْرَامِ.

وَأَمَّا صَاحِبُ كِتَابِ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ رَأْيًا مُخَالِفًا لِمَا قَالَهُ الأَْئِمَّةُ مِمَّا لَهُمْ مِنْ قَوْلٍ مُتَقَدِّمٍ. إِذْ أَنَّهُ قَال بِعَدَمِ إِرْسَال الصَّيْدِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ فِيمَا إِذَا كَانَ فِي بَيْتِ الْمُحْرِمِ، أَوْ فِي قَفَصٍ مَعَهُ، وَاسْتَدَل عَلَى رَأْيِهِ هَذَا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يُحْرِمُونَ وَفِي بُيُوتِهِمْ صُيُودٌ وَدَوَاجِنُ، وَلَمْ يُنْقَل عَنْهُمْ إِرْسَالُهَا، ثُمَّ أَضَافَ قَائِلًا بِأَنَّ مَنْ أَرْسَل صَيْدَهُ فِي مَفَازَةٍ فَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ، فَلاَ مُعْتَبَرَ بِبَقَاءِ الْمِلْكِ، وَقِيل إِذَا كَانَ الْقَفَصُ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ إِرْسَالُهُ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَضِيعُ، بِأَنْ يُخَلِّيَهُ فِي بَيْتِهِ لأَِنَّ إِضَاعَةَ الْمَال مَنْهِيٌّ عَنْهُ (٣) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٢٨٩٨، والتاج والإكليل ٣ / ٧٢١٦، والإقناع ٢ / ٢٣٢ - ٢٣٣، وكشاف القناع ٦ / ٢٢٤

(٢) الهداية ٢ / ٢٧٨، والمبسوط ٤ / ١٨٨ - ١٨٩، والخرشي ٢ / ٣٦٤ - ٣٦٥، ومغني المحتاج ١ / ٥٢١، وكشاف القناع ٢ / ٤٣٨

(٣) الهداية ٢ / ٢٧٨

أَرْشٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الأَْرْشِ فِي اللُّغَةِ: الدِّيَةُ وَالْخَدْشُ، وَمَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنَ الثَّوْبِ، لأَِنَّهُ سَبَبٌ لِلأَْرْشِ. وَاصْطِلاَحًا: هُوَ الْمَال الْوَاجِبُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى بَدَل النَّفْسِ، وَهُوَ الدِّيَةُ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - حُكُومَةُ الْعَدْل:

٢ - حُكُومَةُ الْعَدْل: هِيَ مَا يَجِبُ فِي جِنَايَةٍ لَيْسَ فِيهَا مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْمَال. وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ الأَْرْشِ، فَالأَْرْشُ أَعَمُّ مِنْهَا.

ب - الدِّيَةُ:

٣ - الدِّيَةُ: هِيَ بَدَل النَّفْسِ لِسُقُوطِ الْقِصَاصِ بِأَسْبَابِهِ، وَقَدْ يُسَمَّى أَرْشُ مَا دُونَ النَّفْسِ الدِّيَةَ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٤ - جَعَل الشَّارِعُ لِكُل نَقْصٍ جَبْرًا، حَتَّى لاَ تَذْهَبَ الْجِنَايَةُ هَدْرًا، فَإِذَا لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ، وَذَلِكَ فِي حَالَتَيِ الْجِنَايَةِ بِالْخَطَأِ، أَوْ سُقُوطِ الْقِصَاصِ لِسَبَبٍ مَا، وَجَبَ الأَْرْشُ بِحَسَبِ نَوْعِ الْجِنَايَةِ، فَإِذَا جَاءَ فِيهِ نَصٌّ بِسَهْمٍ مُعَيَّنٍ الْتَزَمَ فِيهِ ذَلِكَ.

مِنْ هَذَا مَا جَاءَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي كِتَابِهِ إِلَى