الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩ الصفحة 59

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩

الْهَرَمِ بِالْمَرْأَةِ شَابَّةً أَوْ مُتَجَالَّةً وَخَلْوَةُ الشَّابِّ بِالْمُتَجَالَّةِ (١) .

وَضَابِطُ الْخَلْوَةِ اجْتِمَاعٌ لاَ تُؤْمَنُ مَعَهُ الرِّيبَةُ عَادَةً، بِخِلاَفِ مَا لَوْ قُطِعَ بِانْتِفَائِهَا عَادَةً، فَلاَ يُعَدُّ خَلْوَةً (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل (ر: خَلْوَة ف ٦) .

مُصَافَحَةُ الْعَجُوزِ:

٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ جَوَازِ مَسِّ وَجْهِ الأَْجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا وَإِنْ كَانَ يَأْمَنُ الشَّهْوَةَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ مَنْ مَسَّ كَفَّ امْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهَا بِسَبِيلٍ وُضِعَ عَلَى كَفِّهِ جَمْرَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣) وَلاِنْعِدَامِ الضَّرُورَةِ إِلَى مَسِّ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا؛ لأَِنَّهُ أُبِيحَ النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفِّ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهِ - لِدَفْعِ الْحَرَجِ، وَلاَ حَرَجَ فِي تَرْكِ مَسِّهَا، فَبَقِيَ عَلَى أَصْل الْقِيَاسِ.

هَذَا إِذَا كَانَتِ الأَْجْنَبِيَّةُ شَابَّةً تُشْتَهَى (٤) .

أَمَّا إِذَا كَانَتْ عَجُوزًا فَلاَ بَأْسَ

_________

(١) الفواكه الدواني ٢ / ٤١٠.

(٢) حاشية الجمل ٤ / ١٢٥.

(٣) حديث: " من مس كف امرأة ليس منها بسبيل. . . ". أورده الزيلعي في نصب الراية (٤ / ٢٤٠) وقال: غريب.

(٤) البناية ٩ / ٢٥٠ - ٢٥١، وبدائع الصنائع ٥ / ١٢٣، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٢، وكشاف القناع ٥ / ١٥.

بِمُصَافَحَتِهَا وَمَسِّ يَدِهَا، لاِنْعِدَامِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ (١) .

بِهَذَا صَرَّحَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي قَوْل إِنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى تَحْرِيمِ مَسِّ الأَْجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ (٣) .

السَّلاَمُ عَلَى الْعَجُوزِ:

٨ - يَرَى الْفُقَهَاءُ - فِي الْجُمْلَةِ - أَنَّهُ يَجُوزُ السَّلاَمُ عَلَى الْعَجُوزِ الْخَارِجَةِ عَنْ مَظِنَّةِ الْفِتْنَةِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (سَلاَم ف ١٩) .

تَشْمِيتُ الْعَجُوزِ:

٩ - لاَ يَجُوزُ تَشْمِيتُ الأَْجْنَبِيَّةِ الشَّابَّةِ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا الْفِتْنَةُ، أَمَّا الْعَجُوزُ إِذَا عَطَسَتْ فَحَمِدَتِ اللَّهَ شَمَّتَهَا الرَّجُل، وَكَذَلِكَ إِذَا عَطَسَ فَشَمَّتَتْهُ الْعَجُوزُ رَدَّ عَلَيْهَا (٤) .

وَلِلتَّفْصِيل ر: (تَشْمِيت ف ٨) .

_________

(١) البناية ٩ / ٢٥١.

(٢) البناية ٩ / ٢٥١، ومطالب أولي النهى ٥ / ١٤، والإنصاف ٨ / ٢٦.

(٣) مغني المحتاج ٣ / ١٣٢ - ١٣٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٢١٥.

(٤) ابن عابدين ٥ / ٢٣٦، والفواكه الدواني٢ / ٤٥١، والأداب الشرعية ٢ / ٣٥٢ - ٣٥٣.

مُدَاوَاةُ الْعَجَائِزِ الْجَرْحَى فِي الْغَزْوِ:

١٠ - يَجُوزُ لِلْمُتَجَالاَّتِ مِنَ النِّسَاءِ مُدَاوَاةُ الْجَرْحَى وَالْمَرْضَى الأَْجَانِبِ وَمَا شَاكَلَهَا وَنَقْل الْمَوْتَى، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُتَجَالاَّتِ فَيُعَالِجْنَ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ مِنْهُنَّ لِلرِّجَال، فَيَصِفْنَ الدَّوَاءَ، وَيَضَعُهُ غَيْرُهُنَّ عَلَى الْجُرْحِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَضَعْنَهُ مِنْ غَيْرِ مَسِّ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ (١) .

وَضْعُ الْعَجُوزِ ثِيَابَهَا:

١١ - قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ (٢) وَإِنَّمَا خَصَّ الْقَوَاعِدَ بِهَذَا الْحُكْمِ لاِنْصِرَافِ الأَْنْفُسِ عَنْهُنَّ، إِذْ لاَ مَذْهَبَ لِلرِّجَال فِيهِنَّ، فَأُبِيحَ لَهُنَّ مَا لَمْ يُبَحْ لِغَيْرِهِنَّ، وَأُزِيل عَنْهُنَّ كُلْفَةُ التَّحَفُّظِ الْمُتْعِبِ لَهُنَّ (٣) .

وَلِلْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿ثِيَابَهُنَّ﴾ قَوْلاَنِ:

أَحَدُهُمَا: تَضَعُ خِمَارَهَا، وَذَلِكَ فِي بَيْتِهَا، وَمِنْ وَرَاءِ سِتْرِهَا مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جِدَارٍ، قَال الْقُرْطُبِيُّ: قَال قَوْمٌ: الْكَبِيرَةُ الَّتِي أَيِسَتْ مِنَ النِّكَاحِ لَوْ بَدَا شَعْرُهَا فَلاَ بَأْسَ، فَعَلَى هَذَا

_________

(١) عمدة القاري ١٤ / ١٦٨ - ١٦٩، وفتح الباري ٦ / ٨٠.

(٢) سورة النور / ٦٠.

(٣) تفسير القرطبي ١٢ / ٣٠٩.

يَجُوزُ لَهَا وَضْعُ الْخِمَارِ.

وَالثَّانِي: جِلْبَابَهُنَّ وَهُوَ قَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَابْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمَا، يَعْنِي بِهِ الرِّدَاءَ أَوِ الْمُقَنَّعَةَ الَّتِي فَوْقَ الْخِمَارِ، تَضَعُهُ عَنْهَا إِذَا سَتَرَهَا مَا بَعْدَهُ مِنَ الثِّيَابِ.

قَال الْقُرْطُبِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا كَالشَّابَّةِ فِي التَّسَتُّرِ، إِلاَّ أَنَّ الْكَبِيرَةَ تَضَعُ الْجِلْبَابَ الَّذِي فَوْقَ الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ (١) .

_________

(١) تفسير ابن العربي ٣ / ٤١٩، وتفسير القرطبي ١٢ / ٣٠٩.

عَدَالَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْعَدَالَةُ فِي اللُّغَةِ التَّوَسُّطُ، وَالاِعْتِدَال: الاِسْتِقَامَةُ، وَالتَّعَادُل التَّسَاوِي، وَالْعَدَالَةُ صِفَةٌ تُوجِبُ مُرَاعَاتُهَا الاِحْتِرَازَ عَمَّا يُخِل بِالْمُرُوءَةِ عَادَةً ظَاهِرًا (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَعَدَمُ الإِْصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ.

قَال الْبُهُوتِيُّ: الْعَدَالَةُ هِيَ اسْتِوَاءُ أَحْوَال الشَّخْصِ فِي دَيْنِهِ وَاعْتِدَال أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ (٢) .

وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الْعَدَالَةِ فِي مَوَاطِنَ مِنْهَا: الإِْخْبَارُ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ أَوْ طَهَارَتِهِ وَدُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ، وَجِهَةُ الْقِبْلَةِ، وَالإِْمَامَةُ فِي الصَّلاَةِ، وَشُرُوطُ عَامِل الزَّكَاةِ، وَشُرُوطُ الشَّاهِدَيْنِ لِرُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ، وَشُرُوطُ الْوَصِيِّ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ، وَوَلِيُّ النِّكَاحِ وَالإِْمَامَةِ الْكُبْرَى، وَالْقَضَاءُ وَالشَّهَادَةُ.

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (عَدْل) .

_________

(١) لسان العرب، المصباح المنير، التعريفات للجرجاني، المفردات للأصفهاني مادة (عدل) .

(٢) البدائع ٦ / ٢٦٨، جواهر الإكليل ١ / ١٢، مغني المحتاج ٤ / ٤٢٧، كشاف القناع ٦ / ٤١٨.

عَدَاوَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْعَدَاوَةُ فِي اللُّغَةِ: الظُّلْمُ وَتَجَاوُزُ الْحَدِّ، يُقَال: عَدَا فُلاَنٌ عَدْوًا وَعَدُوًّا وَعُدْوَانًا وَعَدَاءً أَيْ: ظَلَمَ ظُلْمًا جَاوَزَ فِيهِ الْقَدْرَ، وَعَدَا بَنُو فُلاَنٍ عَلَى بَنِي فُلاَنٍ أَيْ: ظَلَمُوهُمْ (١) .

وَالْعَادِي: الظَّالِمُ، وَالْعَدُوُّ: خِلاَفُ الصَّدِيقِ الْمُوَالِي، وَالْجَمْعُ أَعْدَاءٌ.

وَفِي التَّعْرِيفَاتِ وَدُسْتُورِ الْعُلَمَاءِ: الْعَدَاوَةُ هِيَ مَا يَتَمَكَّنُ فِي الْقَلْبِ مِنْ قَصْدِ الإِْضْرَارِ وَالاِنْتِقَامِ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الصَّدَاقَةُ:

٢ - الصَّدَاقَةُ فِي اللُّغَةِ: مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصِّدْقِ فِي الْوُدِّ وَالنُّصْحِ، يُقَال: صَادَقْتُهُ مُصَادَقَةً وَصَدَاقًا، وَالاِسْمُ الصَّدَاقَةُ: أَيْ خَالَلْتُهُ.

وَفِي الْكُلِّيَّاتِ: الصَّدَاقَةُ صِدْقُ الاِعْتِقَادِ فِي الْمَوَدَّةِ وَذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالإِْنْسَانِ دُونَ غَيْرِهِ.

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير.

(٢) التعريفات ١ / ١، والمغرب ٣٠٦، ودستور العلماء ٢ / ٣٠٨.

فَالصَّدَاقَةُ ضِدُّ الْعَدَاوَةِ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ اتِّفَاقُ الضَّمَائِرِ عَلَى الْمَوَدَّةِ، فَإِذَا أَضْمَرَ كُل وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ مَوَدَّةَ صَاحِبِهِ، فَصَارَ بَاطِنُهُ فِيهَا كَظَاهِرِهِ سُمِّيَا صَدِيقَيْنِ (١) .

فَالصَّدَاقَةُ ضِدُّ الْعَدَاوَةِ.

ب - الْخُصُومَةُ:

٣ - الْخُصُومَةُ لُغَةً: الْمُنَازَعَةُ، وَالْجَدَل، وَالْغَلَبَةُ بِالْحُجَّةِ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْعَدَاوَةِ وَالْخُصُومَةِ هِيَ: أَنَّ الْخُصُومَةَ مِنْ قَبِيل الْقَوْل، وَالْمُعَادَاةُ مِنْ أَفْعَال الْقُلُوبِ (٢) .

ج - الْكُرْهُ:

٤ - الْكُرْهُ فِي اللُّغَةِ: الْقُبْحُ وَالْقَهْرُ، وَهُوَ ضِدُّ الْحُبِّ، تَقُول: كَرِهْتُهُ أَكْرَهُهُ كُرْهًا فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَأَكْرَهْتُهُ عَلَى الأَْمْرِ إِكْرَاهًا: حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ قَهْرًا، وَكَرِهَ الأَْمْرَ وَالْمَنْظَرَ كَرَاهَةً فَهُوَ كَرِيهٌ، مِثْل قَبُحَ قَبَاحَةً فَهُوَ قَبِيحٌ وَزْنًا وَمَعْنًى.

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والكليات ٣ / ١١١، وانظر تفسير الماوردي آية ٦١ من سورة النور.

(٢) لسان العرب، وتكملة فتح القدير ٦ / ٩٦.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

أ - الْعَدَاوَةُ فِي الشَّهَادَةِ:

٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ قَبُول الشَّهَادَةِ عَدَمُ التُّهْمَةِ فِي الشَّاهِدِ، وَمِنَ التُّهَمِ الَّتِي لاَ تُقْبَل الشَّهَادَةُ مِنْ أَجْلِهَا: الْعَدَاوَةُ، فَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلاَ خَائِنَةٍ، وَلاَ ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لأَِهْل بَيْتِهِ (٢) وَالْغِمْرُ: الْحِقْدُ.

وَالْمُرَادُ بِالْعَدَاوَةِ الَّتِي لاَ تُقْبَل الشَّهَادَةُ مِنْ أَجْلِهَا: الْعَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ لاَ الدِّينِيَّةُ؛ لأَِنَّ الْمُعَادَاةَ مِنْ أَجْل الدُّنْيَا مُحَرَّمَةٌ وَمُنَافِيَةٌ لِعَدَالَةِ الشَّاهِدِ وَاَلَّذِي يَرْتَكِبُ ذَلِكَ لاَ يُؤْمَنُ مِنْهُ أَنْ يَشْهَدَ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ كَذِبًا.

وَالْعَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ هِيَ الْعَدَاوَةُ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ أُمُورٍ دُنْيَوِيَّةٍ كَالْمَال وَالْجَاهِ، فَلِذَلِكَ لاَ تُقْبَل

_________

(١) المصباح المنير والمغرب ٤٠٦.

(٢) حديث: " لا تجوز شهادة الخائن. . . ". أخرجه أحمد (٢ / ٢٠٤ - ط. الميمنية) وقوى إسناده ابن حجر في التلخيص (٢ / ١٩٨ ط. شركة الطباعة الفنية) .

شَهَادَةُ الْمَجْرُوحِ عَلَى الْجَارِحِ وَوَرَثَةِ الْمَقْتُول عَلَى الْقَاتِل، وَالْمَقْذُوفِ عَلَى الْقَاذِفِ، وَالْمَشْتُومِ عَلَى الشَّاتِمِ، وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي ضَابِطِهَا، فَقَال الشَّلَبِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: الْعَدُوُّ مَنْ يَفْرَحُ بِحُزْنِهِ وَيَحْزَنُ بِفَرَحِهِ، وَقِيل: يُعْرَفُ بِالْعُرْفِ، وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ دُرَرِ الْحُكَّامِ عَلَى الْعُرْفِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْعَدَاوَةُ الَّتِي تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ: أَنْ تَبْلُغَ حَدًّا يَتَمَنَّى زَوَال نِعْمَتِهِ وَيَفْرَحُ لِمُصِيبَتِهِ وَيَحْزَنُ لِمَسَرَّتِهِ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَيُخَصُّ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ عَلَى الآْخَرِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَنْ سَرَّهُ مَسَاءَةُ أَحَدٍ، أَوْ غَمَّهُ فَرَحُهُ، وَطَلَبَ لَهُ الشَّرَّ وَنَحْوَهُ، فَهُوَ عَدُوُّهُ، لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ لِلتُّهْمَةِ.

أَمَّا الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ فَلاَ تَمْنَعُ قَبُول الشَّهَادَةِ، فَتُقْبَل شَهَادَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ وَالْمُتَّبِعُ عَلَى الْمُبْتَدِعِ، وَلَوْ تَجَاوَزَ أَحَدٌ الْحَدَّ بِارْتِكَابِ الْمَنَاهِي وَالْمَعَاصِي وَصَارَ أَحَدٌ عَدُوًّا لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَتُقْبَل شَهَادَةُ ذَلِكَ الْعَدُوِّ عَلَيْهِ، إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ قَدْ سَبَّبَتْ إِفْرَاطَ الأَْذَى عَلَى الْفَاسِقِ وَمُرْتَكِبِ الْمَعَاصِي، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَمْنَعُ الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ قَبُول الشَّهَادَةِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ تُقْبَل فِيهِ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ،

سَوَاءٌ أَكَانَ الشَّاهِدُ عَدُوًّا لِلزَّوْجَيْنِ أَمْ أَحَدِهِمَا.

وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ - عَلَى قَبُول شَهَادَةِ الْعَدُوِّ لِعَدُوِّهِ، إِذْ لاَ تُهْمَةَ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ لاَ تُقْبَل وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. (١)

ب - الْعَدَاوَةُ فِي الْقَضَاءِ:

٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَقْضِي عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ، كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، لِلُحُوقِ التُّهْمَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِعَدَمِ نُفُوذِ حُكْمِهِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِنَقْضِهِ. (٢)

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاء) .

ج - الْعَدَاوَةُ فِي النِّكَاحِ:

٧ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ تَزْوِيجِ الأَْبِ لاِبْنَتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا أَنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ بِأَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهَا أَهْل

_________

(١) تبيين الحقائق ٤ / ٢٢١، ودرر الحكام ٤ / ٣٥٥، ٣٥٦، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٧١، والقوانين الفقهية ٣٣٦، وتبصرة الحكام ١ / ١٨٠ ط. الشرقية ١٣٠١هـ، روضة الطالبين ١١ / ٢٣٧، مغني المحتاج ٣ / ١٤٤، المغني ١٢ / ٥٥ وما بعدها، منتهى الإرادات ٣ / ٥٥٤، كشاف القناع ٦ / ٤٣١، الإنصاف ١٢ / ٧٤.

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٠١، حاشية الدسوقي ٤ / ١٥٢، روضة الطالبين ١١ / ١٤٦، كشاف القناع ٦ / ٣٢٠، الروض المربع ٣٦٨.