الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩ الصفحة 60

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩

مَحَلِّهَا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ فَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا إِلاَّ بِإِذْنِهَا، بِخِلاَفِ الْعَدَاوَةِ غَيْرِ الظَّاهِرَةِ؛ لأَِنَّ الْوَلِيَّ يَحْتَاطُ لِمُوَلِّيَتِهِ لِخَوْفِ الْعَارِ وَغَيْرِهِ.

قَال الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الإِْجْبَارِ أَيْضًا: انْتِفَاءُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ، وَلاَ يُعْتَبَرُ هَاهُنَا ظُهُورُ الْعَدَاوَةِ لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ، أَمَّا مُجَرَّدُ كَرَاهَةِ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُل مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فَلاَ تُؤَثِّرُ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ.

قَال صَاحِبُ شَرْحِ الرَّوْضِ: وَلاَ حَاجَةَ لاِشْتِرَاطِ عَدَمِ عَدَاوَةِ الزَّوْجِ؛ لأَِنَّ شَفَقَةَ الْوَلِيِّ تَدْعُوهُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُزَوِّجُهَا مِنْ عَدُوِّهَا. (١)

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (نِكَاح) .

_________

(١) مغني المحتاج ٣ / ١٤٩، القليوبي وعميرة ٣ / ٢٢٢، كشاف القناع ٥ / ٤٤.

عُدَّة

التَّعْرِيفُ

١ - الْعُدَّةُ - بِالضَّمِّ - فِي اللُّغَةِ: الاِسْتِعْدَادُ وَالتَّأَهُّبُ وَمَا أَعْدَدْتَهُ مِنْ مَالٍ أَوْ سِلاَحٍ. (١)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ هِيَ: جَمِيعُ مَا يُتَقَوَّى بِهِ فِي الْحَرْبِ عَلَى الْعَدُوِّ. (٢)

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعُدَّةِ:

٢ - الْعُدَّةُ - أَيِ الاِسْتِعْدَادُ لِلْحَرْبِ - فَرِيضَةٌ تُلاَزِمُ فَرِيضَةَ الْجِهَادِ، فَالْحَرْبُ بِلاَ عُدَّةٍ إِلْقَاءٌ لِلنَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَالْعُدَّةُ لِلْحَرْبِ فِي سَبِيل إِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللَّهِ بِأَنْوَاعِهَا فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَال تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، (٣) وَالْخِطَابُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى

_________

(١) المصباح المنير.

(٢) الفتوحات الإلهية، تفسير البغوي ٢ / ٢٥٣.

(٣) سورة الأنفال / ٦٠.

التَّهْلُكَةِ﴾ (١) أَيْ بِتَرْكِ الإِْنْفَاقِ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَالْخِطَابُ أَيْضًا لِكَافَّتِهِمْ، وَعَدَّ ﷾: تَرْكَ الإِْنْفَاقِ فِي سَبِيل اللَّهِ وَعَدَمَ الاِسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ بِاِتِّخَاذِ الْعُدَّةِ اللاَّزِمَةِ لِلنَّصْرِ تَهْلُكَةً لِلنَّفْسِ، وَتَهْلُكَةً لِلْجَمَاعَةِ، فَالدَّعْوَةُ إِلَى الْجِهَادِ فِي التَّوْجِيهَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ تُلاَزِمُهَا فِي الأَْغْلَبِ الأَْعَمِّ دَعْوَةٌ إِلَى الإِْنْفَاقِ.

جَاءَ فِي تَفْسِيرِ الْمَاوَرْدِيِّ: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ بِأَنْ تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ فِي سَبِيل اللَّهِ فَتَهْلَكُوا، ثُمَّ قَال: هَذَا قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيل: لاَ تُقْحِمُوا أَنْفُسَكُمْ فِي الْحَرْبِ بِغَيْرِ نِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ، وَقَال ابْنُ كَثِيرٍ: التَّهْلُكَةُ أَنْ تُمْسِكَ يَدَكَ عَنِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيل اللَّهِ. (٢)

وَالْعُدَّةُ بِمَا فِي الطَّوْقِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ تَرَكُوهَا أَثِمُوا جَمِيعًا، وَهِيَ مِنَ الأُْمُورِ الْمَنُوطَةِ بِالإِْمَامِ وَتَلْزَمُ عَلَيْهِ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: مِنَ الأُْمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الإِْمَامِ: تَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ، وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ حَتَّى لاَ يَظْفَرَ الأَْعْدَاءُ بِغِرَّةٍ يَنْتَهِكُونَ فِيهَا مُحَرَّمًا، أَوْ يَسْفِكُونَ فِيهَا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ دَمًا، وَعَدَّ الْقُرْآنُ تَرْكَ الْعُدَّةِ لِلْحَرْبِ إِعْلاَءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ مِنْ عَلاَمَاتِ النِّفَاقِ، فَقَال تَعَالَى: فِي

_________

(١) سورة البقرة / ١٩٥.

(٢) الخازن، ابن كثير، تفسير الماوردي.

شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ لأَِعْذَارٍ وَاهِيَةٍ فِي عَدَمِ الْخُرُوجِ مَعَهُ فِي الْجِهَادِ: ﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ .

(١) وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (سِلاَح) .

مَا تَكُونُ بِهِ الْعُدَّةُ:

٣ - بَيَّنَ الْقُرْآنُ الْعُدَّةَ: بِأَنَّهَا الْقُوَّةُ، وَرِبَاطُ الْخَيْل، قَال تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل﴾ .

وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ مِنَ الْقُوَّةِ: وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ:

أ - الْقُوَّةُ: ذُكُورُ الْخَيْل، وَرِبَاطُ الْخَيْل إِنَاثُهَا.

ب - الْقُوَّةُ: السِّلاَحُ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ.

ج - التَّصَافِي، وَاتِّفَاقُ الْكَلِمَةِ.

د - الثِّقَةُ بِاَللَّهِ.

هـ - الرَّمْيُ.

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٦. والآيات من سورة التوبة من ٤٤ - ٤٦.

وَقَال صَاحِبُ تَفْسِيرِ الْخَازِنِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَقْوَالًا فِي مَعْنَى الْقُوَّةِ: الْقَوْل الرَّابِعُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْقُوَّةِ جَمِيعُ مَا يُتَقَوَّى بِهِ فِي الْحَرْبِ عَلَى الْعَدُوِّ، فَكُل مَا هُوَ آلَةٌ يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْجِهَادِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْقُوَّةِ الْمَأْمُورِ بِإِعْدَادِهَا، وَقَوْلُهُ ﷺ: أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ (١) لاَ يَنْفِي كَوْنَ غَيْرِ الرَّمْيِ مِنَ الْقُوَّةِ الْمَأْمُورِ بِإِعْدَادِهَا فَهُوَ كَقَوْلِهِ ﷺ: الْحَجُّ عَرَفَةُ (٢) وَكَقَوْلِهِ: النَّدَمُ تَوْبَةٌ (٣) فَهَذَا لاَ يَنْفِي اعْتِبَارَ غَيْرِهِ، بَل يَدُل عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ مِنْ أَجَل الْمَقْصُودِ، وَلأَِنَّ الرَّمْيَ كَانَ مِنْ أَنْجَعِ وَسَائِل الْحَرْبِ نِكَايَةً فِي الْعَدُوِّ فِي زَمَنِهِ ﷺ فَهَكَذَا هُنَا يُحْمَل مَعْنَى الآْيَةِ عَلَى الاِسْتِعْدَادِ لِلْقِتَال فِي الْجِهَادِ بِجَمِيعِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الآْلاَتِ، كَالرَّمْيِ بِالنَّبْل، وَالنِّشَابِ، وَالسَّيْفِ، وَتَعَلُّمِ الْفُرُوسِيَّةِ، وَالتَّصَافِي، وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ، وَالثِّقَةِ بِاَللَّهِ وَكُل ذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَقَال الشِّهَابُ: إِنَّمَا ذُكِرَ هَذَا هُنَا، لأَِنَّهُ ﷺ: لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِعْدَادٌ تَامٌّ فِي

_________

(١) حديث: " ألا إن القوة الرمي " أخرجه مسلم (٣ / ١٥٢٢) من حديث عقبة بن عامر.

(٢) حديث: " الحج عرفة ". أخرجه أبو داود (٢ / ٤٨٦) الحاكم (١ / ٤٦٤) من حديث عبد الرحمن بن يعمر، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٣) حديث: " الندم توبة ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٤٢٠) والحاكم (٤ / ٢٤٣) من حديث ابن مسعود، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

بَدْرٍ، فَنُبِّهُوا عَلَى أَنَّ النَّصْرَ بِدُونِ اسْتِعْدَادٍ لاَ يَتَأَتَّى فِي كُل زَمَانٍ، وَدَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى وُجُودِ الْقُوَّةِ الْحَرْبِيَّةِ اتِّقَاءَ بَأْسِ الْعَدُوِّ. (١)

وَخَصَّ رِبَاطَ الْخَيْل بِالذِّكْرِ - مَعَ أَنَّ الأَْمْرَ بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ فِي الآْيَةِ يَتَنَاوَل جَمِيعَ مَا يُتَقَوَّى بِهِ لِلْحَرْبِ عَلَى اخْتِلاَفِ صُنُوفِهَا وَأَلْوَانِهَا وَأَسْبَابِهَا - لأَِنَّهَا الأَْدَاةُ الَّتِي كَانَتْ بَارِزَةً عِنْدَ مَنْ كَانَ يُخَاطِبُهُمُ الْقُرْآنُ أَوَّل مَرَّةٍ، وَلَوْ أَمَرَهُمْ بِأَسْبَابٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ لَدَيْهِمْ، وَلاَ يُطِيقُونَ إِعْدَادَهَا لَكَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لاَ يُطَاقُ. (٢)

_________

(١) تفسير الخازن، الفتوحات الإلهية، روح المعاني، تفسير البغوي: في تفسير آية ٦٠ من سورة الأنفال، وآية ٤٦ من سورة التوبة وآية ١٩٥ من سورة البقرة.

(٢) المصادر السابقة.

عِدَّةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْعِدَّةُ لُغَةً: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَدِّ وَالْحِسَابِ، وَالْعَدُّ فِي اللُّغَةِ: الإِْحْصَاءُ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لاِشْتِمَالِهَا عَلَى الْعَدَدِ مِنَ الأَْقْرَاءِ أَوِ الأَْشْهُرِ غَالِبًا، فَعِدَّةُ الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا هِيَ مَا تَعُدُّهُ مِنْ أَيَّامِ أَقْرَائِهَا، أَوْ أَيَّامِ حَمْلِهَا، أَوْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ، وَقِيل: تَرَبُّصُهَا الْمُدَّةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهَا، وَجَمْعُ الْعِدَّةِ: عِدَدٌ، كَسِدْرَةٍ، وَسِدَرٍ.

وَالْعُدَّةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ: الاِسْتِعْدَادُ أَوْ مَا أَعْدَدْتَهُ مِنْ مَالٍ وَسِلاَحٍ، وَالْجَمْعُ عُدَدٌ، مِثْل غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ.

وَالْعِدُّ: الْمَاءُ الَّذِي لاَ يَنْقَطِعُ، كَمَاءِ الْعَيْنِ وَمَاءِ الْبِئْرِ. (١)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ اسْمٌ لِمُدَّةٍ تَتَرَبَّصُ فِيهَا الْمَرْأَةُ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا، أَوْ لِلتَّعَبُّدِ أَوْ لِتَفَجُّعِهَا عَلَى زَوْجِهَا.

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الاِسْتِبْرَاءُ:

٢ - الاِسْتِبْرَاءُ لُغَةً: طَلَبُ الْبَرَاءَةِ أَيِ التَّخَلُّصِ، أَوِ التَّنَزُّهِ وَالتَّبَاعُدِ أَوِ الإِْعْذَارِ وَالإِْنْذَارِ أَوْ طَلَبُ بَرَاءَةِ الْمَرْأَةِ مِنَ الْحَبَل (١)، أَوْ هُوَ الاِسْتِقْصَاءُ وَالْبَحْثُ عَنْ كُل أَمْرٍ غَامِضٍ. (٢)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: الْمَعْنَى الأَْوَّل: الاِسْتِبْرَاءُ فِي الطَّهَارَةِ: وَهُوَ إِزَالَةُ مَا بِالْمَخْرَجَيْنِ مِنَ الأَْذَى. (٣)

الْمَعْنَى الثَّانِي: الاِسْتِبْرَاءُ فِي النَّسَبِ: وَهُوَ تَرَبُّصُ الأَْمَةِ مُدَّةً بِسَبَبِ مِلْكِ الْيَمِينِ حُدُوثًا أَوْ زَوَالًا لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ أَوْ لِلتَّعَبُّدِ. (٤)

فَالاِسْتِبْرَاءُ يَشْتَرِكُ مَعَ الْعِدَّةِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُدَّةٌ تَتَرَبَّصُ فِيهَا الْمَرْأَةُ لِتَحِل لِلاِسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَيَفْتَرِقَانِ فِي عِدَّةِ أُمُورٍ ذَكَرَهَا الْقَرَافِيُّ مِنْهَا:

أَنَّ الْعِدَّةَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُل حَالٍ، حَتَّى وَلَوْ تَيَقَّنَ بَرَاءَةَ الرَّحِمِ، لِتَغْلِيبِ جَانِبِ التَّعَبُّدِ فِيهَا، بِخِلاَفِ الاِسْتِبْرَاءِ.

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير.

(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٩٠.

(٣) شرح الحدود ابن عرفة للرصاع ص ٣٦.

(٤) مغني المحتاج ٣ / ٤٠٨.

وَأَنَّهُ يَكْفِي الْقُرْءُ الْوَاحِدُ فِي الاِسْتِبْرَاءِ لاَ فِي الْعِدَّةِ. (١)

ب - الإِْحْدَادُ:

٣ - الإِْحْدَادُ لُغَةً: الْمَنْعُ، وَمِنْهُ: امْتِنَاعُ الْمَرْأَةِ عَنِ الزِّينَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا إِظْهَارًا لِلْحُزْنِ وَالأَْسَفِ. (٢)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ امْتِنَاعُ الْمَرْأَةِ عَنِ الزِّينَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مُدَّةً مَخْصُوصَةً فِي أَحْوَالٍ مَخْصُوصَةٍ وَمِنْهُ امْتِنَاعُ الْمَرْأَةِ مِنَ الْبَيْتُوتَةِ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا. (٣)

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْعِدَّةِ وَالإِْحْدَادِ: أَنَّ الْعِدَّةَ ظَرْفٌ لِلإِْحْدَادِ، فَفِي الْعِدَّةِ تَتْرُكُ الْمَرْأَةُ زِينَتَهَا لِمَوْتِ زَوْجِهَا.

ج - التَّرَبُّصُ:

٤ - التَّرَبُّصُ لُغَةً: الاِنْتِظَارُ، يُقَال: تَرَبَّصْتُ الأَْمْرَ تَرَبُّصًا انْتَظَرْتُهُ، وَتَرَبَّصْتُ الأَْمْرَ بِفُلاَنٍ تَوَقَّعْتُ نُزُولَهُ بِهِ.

(٤) وَاصْطِلاَحًا هُوَ التَّثَبُّتُ وَالاِنْتِظَارُ قَال تَعَالَى: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ (٥) .

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ التَّرَبُّصِ وَالْعِدَّةِ أَنَّ التَّرَبُّصَ

_________

(١) الفروق ٣ / ٣٠٢ - ٢٠٥.

(٢) لسان العرب، المصباح المنير، مختار الصحاح.

(٣) البدائع ٣ / ٢٠٨، مغني المحتاج ٣ / ٣٩٩.

(٤) المصباح المنير.

(٥) سورة المؤمنين / ٢٥.

ظَرْفٌ لِلْعِدَّةِ فَإِذَا انْتَهَتِ الْعِدَّةُ انْتَهَى التَّرَبُّصُ، وَأَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْعِدَّةِ وَفِي غَيْرِهَا كَالآْجَال فِي بَابِ الدُّيُونِ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْعِدَّةِ، فَكُل عِدَّةٍ تَرَبُّصٌ، وَلَيْسَ كُل تَرَبُّصٍ عِدَّةٌ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

مَشْرُوعِيَّةُ الْعِدَّةِ وَالدَّلِيل عَلَيْهَا:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْعِدَّةِ وَوُجُوبِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهَا (١) وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.

أ - أَمَّا الْكِتَابُ فَمِنْهُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاَتُ الأَْحْمَال أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ . (٤)

ب - وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْهَا مَا وَرَدَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ

_________

(١) بدائع الصنائع ٣ / ١٩٠ وما بعدها، الدسوقي ٢ / ٤٨٦ مغني المحتاج ٣ / ٣٨٤، المغني لابن قدامة ٧ / ٤٤٨ مكتبة الرياض الحديثة.

(٢) سورة البقرة / ٢٢٨.

(٣) سورة الطلاق / ٤.

(٤) سورة البقرة / ٢٣٤.