الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩
فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ كَقَاعِدَةِ: الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ (١) .
وَذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ بَعْضَ أَسْبَابِ الْعَجْزِ أَثْنَاءَ الْكَلاَمِ عَلَى الْحُكْمِ، وَحُكْمُ التَّكْلِيفِ بِمَا لاَ يُطَاقُ، وَذَكَرُوا أَنَّ الْقُدْرَةَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ، أَوْ هِيَ شَرْطُ وُجُوبِ الأَْدَاءِ، أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٢) وَيَقْسِمُونَ الْقُدْرَةَ إِلَى قُدْرَةٍ مُمَكِّنَةٍ وَقُدْرَةٍ مُيَسِّرَةٍ (٣) .
وَمَعَ ذَلِكَ فَمِنَ الْعَسِيرِ اسْتِقْصَاءُ أَسْبَابِ الْعَجْزِ؛ لأَِنَّ كُل تَصَرُّفٍ لَهُ وَسَائِلُهُ الْخَاصَّةُ الَّتِي تُحَقِّقُهُ، وَاَلَّتِي يُعْتَبَرُ فِقْدَانُهَا سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ عَنْ تَحْصِيلِهِ وَيُرْجَعُ لِكُل تَصَرُّفٍ فِي بَابِهِ.
أَنْوَاعُ الْعَجْزِ:
٦ - الْعَجْزُ نَوْعَانِ: حَقِيقِيٌّ وَحُكْمِيٌّ.
جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: مَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِي الصَّلاَةِ لِمَرَضٍ حَقِيقِيٍّ، وَحَدُّهُ: أَنْ يَلْحَقَهُ بِالْقِيَامِ ضَرَرٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَرَضُ قَبْل الصَّلاَةِ أَوْ فِيهَا، أَوْ حُكْمِيٌّ: بِأَنْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ أَوْ بُطْءَ بُرْءٍ بِقِيَامِهِ.
_________
(١) المنثور ١ / ٢٥٣ و٢ / ١٦٥ والفروق للقرافي ١ / ١١٨، وتهذيب الفروق ١ / ١٧٩.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٦.
(٣) فواتح الرحموت ١ / ١٣٥، ١٣٧ - ١٤٠، والتلويح ١ / ١٩٧ - ١٩٨.
وَقَدْ عَلَّقَ ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى قَوْل الدُّرِّ (لِمَرَضٍ حَقِيقِيٍّ) بِقَوْلِهِ: الْحَقِيقِيُّ وَالْحُكْمِيُّ وَصْفَانِ لِلتَّعَذُّرِ، وَلَيْسَ لِلْمَرَضِ (١) .
وَفِي الْهِدَايَةِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ جَاءَ: خَائِفُ السَّبُعِ وَالْعَدُوِّ وَالْعَطَشِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ دَابَّتِهِ عَاجِزٌ حُكْمًا، فَيُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ (٢) .
وَفِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ، قَال الدَّرْدِيرُ: يَتَيَمَّمُ ذُو مَرَضٍ، وَلَوْ حُكْمًا، كَصَحِيحٍ خَافَ بِاسْتِعْمَال الْمَاءِ حُدُوثَهُ، قَال الدُّسُوقِيُّ (قَوْلُهُ: أَوْ حُكْمًا) وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي خَافَ بِاسْتِعْمَال الْمَاءِ حُدُوثَ مَرَضٍ، فَهُوَ بِسَبَبِ خَوْفِهِ الْمَذْكُورِ فِي حُكْمِ غَيْرِ الْقَادِرِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ (٣)، وَمِثْل ذَلِكَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ (٤) .
وَقَال الْبَزْدَوِيُّ: جَوَازُ التَّكْلِيفِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقُدْرَةِ الَّتِي يُوجَدُ بِهَا الْفِعْل الْمَأْمُورُ بِهِ، حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ لاَ تَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ حَقِيقَةً لِعَجْزِهِ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ بِبَدَنِهِ، أَوْ حُكْمًا بِأَنْ كَانَ يَحِل
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ١ / ٥٠٨، وينظر البحر الرائق ٢ / ١٢١.
(٢) الهداية ١ / ٢٦.
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ١٤٧ - ١٤٨.
(٤) حاشية الجمل على شرح المنهج ١ / ٣٤٠.
بِاسْتِعْمَالِهِ نَقْصٌ بِبَدَنِهِ أَوْ مَرَضٌ يَزْدَادُ بِهِ (١) .
أَثَرُ الْعَجْزِ:
٧ - الْعَجْزُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ وَالتَّيْسِيرِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ وَالْحُدُودِ وَالْقَضَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكُل مَا عَجَزَ عَنْهُ الإِْنْسَانُ يَسَّرَتْهُ لَهُ الشَّرِيعَةُ، تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ ﷾ وَرَحْمَةً بِعِبَادِهِ، وَرَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ عَنْهُمْ.
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ ﷾: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٢) قَال الْجَصَّاصُ: فِي هَذِهِ الآْيَةِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لاَ يُكَلِّفُ أَحَدًا مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلاَ يُطِيقُهُ، وَلَوْ كَلَّفَ أَحَدًا مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلاَ يَسْتَطِيعُهُ لَكَانَ مُكَلِّفًا لَهُ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ (٣) .
وَقَدْ وَضَعَ الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ مِنَ الْقَوَاعِدِ مَا يَجْمَعُ الْكَثِيرَ مِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ وَوَضَّحُوا التَّخْفِيفَاتِ الَّتِي تَنْبَنِي عَلَى كُل سَبَبٍ، وَمِنْ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ:
الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ:
٨ - قَال الْفُقَهَاءُ: الأَْصْل فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ
_________
(١) كشف الأسرار ١ / ١٩٣.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٦.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ١ / ٥٣٧ - ٥٣٨.
قَوْل اللَّهِ ﷾: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) .
وَقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢)
وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ رُخَصُ الشَّارِعِ وَتَخْفِيفَاتُهُ، وَأَسْبَابُ التَّخْفِيفِ هِيَ: السَّفَرُ وَالْمَرَضُ وَالإِْكْرَاهُ وَالنِّسْيَانُ وَالْجَهْل وَالْعُسْرُ وَعُمُومُ الْبَلْوَى وَالنَّقْصُ. . إِلَخْ.
وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الأَْسْبَابِ مِنْ آثَارِ.
وَمِنْهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرَضِ: التَّيَمُّمُ عِنْدَ مَشَقَّةِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ، وَالْقُعُودُ فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ، وَالتَّخَلُّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ مَعَ حُصُول الْفَضِيلَةِ، وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ، وَتَرْكُ الصَّوْمِ لِلشَّيْخِ الْهَرَمِ مَعَ الْفِدْيَةِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا ذَكَرُوهُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّقْصِ: عَدَمُ تَكْلِيفِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ (٣) .
وَمَا سَبَقَ مِنَ الأَْمْثِلَةِ يُوَضِّحُ أَثَرَ الْعَجْزِ فِي الْعِبَادَاتِ.
أَمَّا فِي الْمُعَامَلاَتِ فَأَثَرُ الْعَجْزِ يَخْتَلِفُ مِنْ تَصَرُّفٍ إِلَى تَصَرُّفٍ، وَمِنْ ذَلِكَ:
١ - إِذَا عَجَزَ الزَّوْجُ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ
_________
(١) سورة البقرة / ١٨٥.
(٢) سورة الحج / ٧٨.
(٣) الأشباه النظائر لابن نجيم ص ٧٥، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٧٦.
النَّفَقَةِ، وَطَلَبَتِ الزَّوْجَةُ التَّفْرِيقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ بَل تَسْتَدِينُ عَلَيْهِ، وَيُؤْمَرُ بِالأَْدَاءِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا لَوْلاَ الزَّوْجُ (١) . (ر: نَفَقَة) .
٢ - ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ مَوَانِعَ عَقْدِ الإِْمَامَةِ وَمَوَانِعَ اسْتِدَامَتِهَا، فَقَال: مَا يَمْنَعُ مِنْ عَقْدِ الإِْمَامَةِ وَمِنِ اسْتِدَامَتِهَا هُوَ مَا يَمْنَعُ مِنَ الْعَمَل كَذَهَابِ الْيَدَيْنِ، أَوْ مِنَ النُّهُوضِ كَذَهَابِ الرِّجْلَيْنِ، فَلاَ تَصِحُّ مَعَهُ الإِْمَامَةُ فِي عَقْدٍ، وَلاَ اسْتِدَامَةَ، لِعَجْزِهِ عَمَّا يَلْزَمُهُ مِنْ حُقُوقِ الأُْمَّةِ.
أَمَّا مَا يَمْنَعُ مِنْ عَقْدِ الإِْمَامَةِ مَعَ الاِخْتِلاَفِ فِي مَنْعِهِ مِنِ اسْتِدَامَتِهَا، فَهُوَ مَا ذَهَبَ بِهِ بَعْضُ الْعَمَل أَوْ فُقِدَ بِهِ بَعْضُ النُّهُوضِ، كَذَهَابِ إِحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ، فَلاَ يَصِحُّ مَعَهُ عَقْدُ الإِْمَامَةِ لِعَجْزِهِ عَنْ كَمَال التَّصَرُّفِ - فَإِنْ طَرَأَ بَعْدَ عَقْدِ الإِْمَامَةِ، فَفِي خُرُوجِهِ مِنْهَا مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَخْرُجُ مِنَ الإِْمَامَةِ؛ لأَِنَّهُ عَجْزٌ يَمْنَعُ مِنِ ابْتِدَائِهَا فَمَنَعَ مِنِ اسْتِدَامَتِهَا.
_________
(١) الهداية ٢ / ٤١، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٥٦، والدسوقي ٢ / ٥٠٩، ومغني المحتاج ٣ / ٤٤٢، وحاشية الجمل ٤ / ٤٨٨، والمغني ٧ / ٥٧٣ - ٥٧٤ والقليوبي ٤ / ٨٢.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الإِْمَامَةِ وَإِنْ مَنَعَ مِنْ عَقْدِهَا (١) . ر: (الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى) .
٣ - الدَّعْوَى إِذَا صَحَّتْ، سَأَل الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا لِيَنْكَشِفَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ، فَإِنِ اعْتَرَفَ قَضَى عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ سَأَل الْمُدَّعِيَ الْبَيِّنَةَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَقَال: لاَ، فَقَال: فَلَكَ يَمِينُهُ (٢) فَإِنْ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ قَضَى بِهَا وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ اسْتَحْلَفَهُ عَلَيْهَا (٣) .
وَإِنْ قَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَقٍّ: لِي بَيِّنَةٌ بِأَنِّي قَضَيْتُهُ، أَوْ: لِي بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ أَبْرَأَنِي، وَطَلَبَ الإِْنْظَارَ لَزِمَ إِنْظَارُهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِْتْيَانِ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي تَشْهَدُ لَهُ بِالْقَضَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ قَضَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ، وَاسْتَحَقَّ مَا ادَّعَى بِهِ (٤) .
ر: (دَعْوَى ف ٦٨ - وَقَضَاء) .
٤ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: تُفْسَخُ الإِْجَارَةُ بِالأَْعْذَارِ عِنْدَنَا، لأَِنَّ الْمَنَافِعَ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ وَهِيَ الْمَعْقُودُ
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٩.
(٢) حديث: " ألك بينة. . . ". أخرجه مسلم (١ / ١٢٣) من حديث وائل بن حجر.
(٣) الهداية ٣ / ١٥٦.
(٤) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٩٥ وتبصرة الحكام بهامش فتح العلي ١ / ١٧٦.
عَلَيْهَا فَصَارَ الْعُذْرُ فِي الإِْجَارَةِ كَالْعَيْبِ قَبْل الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ، فَتُفْسَخُ بِهِ، إِذِ الْمَعْنَى يَجْمَعُهُمَا، وَهُوَ عَجْزُ الْعَاقِدِ عَنِ الْمُضِيِّ فِي مُوجِبِهِ إِلاَّ بِتَحَمُّل ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِهِ. وَكَذَا مَنِ اسْتَأْجَرَ دُكَّانًا فِي السُّوقِ لِيَتَّجِر فِيهِ، فَذَهَبَ مَالُهُ، أَوْ أَجَّرَ دُكَّانًا أَوْ دَارًا ثُمَّ أَفْلَسَ وَلَزِمَتْهُ دُيُونٌ لاَ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهَا، فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ وَبَاعَهَا فِي الدُّيُونِ، لأَِنَّ فِي الْجَرْيِ عَلَى مُوجِبِ الْعَقْدِ إِلْزَامَ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ (١) . (ر: إِجَارَة) .
أَنْوَاعُ التَّخْفِيفِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَجْزِ:
تَخْتَلِفُ أَنْوَاعُ التَّخْفِيفِ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْعَجْزِ وَذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي:
أَوَّلًا: سُقُوطُ الْمَطْلُوبِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَدَلٌ:
٩ - إِذَا عَجَزَ الإِْنْسَانُ عَنْ أَدَاءِ الْمَطْلُوبِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَدَلٌ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ تَخْفِيفَ إِسْقَاطٍ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ إِسْقَاطُ الْحَجِّ عَنِ الْفَقِيرِ (٢) .
ثَانِيًا: الاِنْتِقَال إِلَى بَدَل الْمَطْلُوبِ:
١٠ - إِذَا عَجَزَ الإِْنْسَانُ عَنْ فِعْل الْمَطْلُوبِ
_________
(١) الهداية ٣ / ٢٥٠.
(٢) المنثور ١ / ٢٥٣ والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٨٣، والتلويح ٢ / ١٦٤، ١٦٨، ١٦٩.
وَكَانَ لَهُ بَدَلٌ فَإِنَّهُ يَنْتَقِل إِلَى الْبَدَل، كَالْعَاجِزِ عَنِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل فَإِنَّهُ يَنْتَقِل إِلَى التَّيَمُّمِ، وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١) . وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّلاَةِ انْتَقَل إِلَى الْقُعُودِ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقُعُودِ انْتَقَل إِلَى الاِضْطِجَاعِ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ انْتَقَل إِلَى الإِْيمَاءِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (٢) .
وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصِّيَامِ انْتَقَل إِلَى الإِْطْعَامِ (٣) .
وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ الْمَطْلُوبَ إِنْ كَانَ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ بِوَقْتٍ وَلَمْ يَجِدْهُ - لاَ يَتْرُكُهُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ثَمَنِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِل إِلَى الْبَدَل، كَالْمُتَمَتِّعِ إِذَا
_________
(١) سورة النساء / ٤٣، المائدة / ٦.
(٢) حديث: " صل قائما فإن لم تستطع. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٨٧) .
(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٨٣، والذخيرة ص ٣٣٩، والمنثور ١ / ٢٥٤، والمهذب ١ / ١٠٨، وأحكام القرآن للجصاص ١ / ٥٣٨، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٧٧.
كَانَ مَعَهُ مَالٌ إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا يَشْتَرِيهِ، فَعَلَيْهِ الاِنْتِقَال إِلَى الصَّوْمِ، لأَِنَّهُ مُؤَقَّتٌ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ الثَّلاَثَةَ فِي الْحَجِّ، وَكَمَا لَوْ عَدِمَ الْمَاءَ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَلاَ يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَهُ وَكَانَ مَالُهُ غَائِبًا، بِخِلاَفِ جَزَاءِ الصَّيْدِ إِذَا كَانَ مَالُهُ غَائِبًا فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ، لأَِنَّهُ يَقْبَل التَّأْخِيرَ (١) .
وَقَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ فِي الْقَوَاعِدِ: الأَْبْدَال إِنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلاَتِ فِي وُجُوبِ الإِْتْيَانِ بِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ مُبْدَلاَتِهَا فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَيْسَا فِي الأَْجْرِ سَوَاءٌ، فَإِنَّ الأَْجْرَ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ، وَلَيْسَ الصَّوْمُ فِي الْكَفَّارَةِ كَالإِْعْتَاقِ، وَلاَ الإِْطْعَامُ كَالصِّيَامِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ التَّيَمُّمُ كَالْوُضُوءِ، إِذْ لَوْ تَسَاوَتِ الأَْبْدَال وَالْمُبْدَلاَتُ لَمَا شُرِطَ فِي الاِنْتِقَال إِلَى الْبَدَل فَقْدُ الْمُبْدَل (٢) .
وُجُودُ الأَْصْل بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَل:
١١ - مَنْ تَلَبَّسَ بِالْبَدَل فِي الْعِبَادَةِ لِعَجْزِهِ عَنِ الأَْصْل، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الأَْصْل فِي أَثْنَاءِ أَدَاءِ الْبَدَل فَقَدْ قَال الزَّرْكَشِيُّ: إِنْ كَانَ الْبَدَل مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، لَيْسَ يُرَادُ لِغَيْرِهِ، اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ قَدَرَ الْمُتَمَتِّعُ عَلَى الْهَدْيِ بَعْدَ صِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَرُجُوعِهِ، فَإِنَّهُ يَتَمَادَى فِي إِتْمَامِ
_________
(١) المنثور ١ / ١٧٨، ٢١٩ - ٢٢٠.
(٢) المنثور ١ / ٢٢٥.
الْعَشَرَةِ، وَلاَ أَثَرَ لِوُجُودِ الْهَدْيِ بَعْدُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْبَدَل مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ بَل يُرَادُ لِغَيْرِهِ، لَمْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُهُ، كَمَا إِذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ التَّيَمُّمِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ وَقَبْل الشُّرُوعِ فِي الصَّلاَةِ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ يُرَادُ لِغَيْرِهِ، فَلاَ يَسْتَقِرُّ إِلاَّ بِالشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ (١) .
١٢ - وَإِذَا شُرِعَ فِي الْبَدَل، ثُمَّ وُجِدَ الأَْصْل بَعْدَ الاِنْتِهَاءِ مِنَ الْبَدَل، فَقَدْ قَال الزَّرْكَشِيُّ: إِذَا فَرَغَ مِنْهُ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الأَْصْل نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ مُضَيَّقًا فَقَدْ مَضَى الأَْمْرُ كَمَا لَوْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا وَتَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ وَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ الْمَال فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمُتَمَتِّعُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ وَصَامَ، ثُمَّ عَادَ الْمَال، لأَِنَّ وَقْتَهُ مُضَيَّقٌ كَالصَّلاَةِ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ مُوَسَّعًا فَقَوْلاَنِ، كَمَا لَوْ عَادَ مَالُهُ بَعْدَ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ (٢) .
الْعَجْزُ عَنْ بَعْضِ الْمَطْلُوبِ:
١٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ كُلِّفَ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّاعَاتِ فَقَدَرَ عَلَى بَعْضِهِ وَعَجَزَ عَنْ بَعْضِهِ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ (٣)، لِقَوْل اللَّهِ ﷾:
_________
(١) المنثور ١ / ٢٢٠ - ٢٢١.
(٢) الزركشي ١ / ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٣) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢ / ٥، والبدائع ١ / ١٠٦ - ١٠٧، والخرشي ١ / ٢٩٤ - ٢٩٩.