الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩ الصفحة 56

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٤ - الْعُجْبُ مَذْمُومٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ (١) ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الإِْنْكَارِ، وَقَال ﷺ: ثَلاَثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ (٢) وَقَال ﷺ: لَوْ لَمْ تَكُونُوا تُذْنِبُونَ لَخَشِيتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ: الْعُجْبَ الْعُجْبَ (٣) فَجَعَل الْعُجْبَ أَكْبَرَ الذُّنُوبِ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: الْهَلاَكُ فِي شَيْئَيْنِ: الْعُجْبُ وَالْقُنُوطُ، وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا، لأَِنَّ السَّعَادَةَ لاَ تُنَال إِلاَّ بِالطَّلَبِ، وَالْقَانِطُ لاَ يَطْلُبُ، وَالْمُعْجَبُ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِمُرَادِهِ فَلاَ يَسْعَى (٤) .

_________

(١) سورة التوبة / ٢٥.

(٢) حديث: " ثلاث مهلكات: شح مطاع. . . ". أخرجه البزار كما في كشف الأستار للهيثمي (١ / ٦٠) وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٢ / ٢٨٦) وقال: رواه البزار والبيهقي وغيرهما، وهو مروي عن جماعة من الصحابة، وأسانيده - وإن كان لا يسلم شيء منها من مقال - فهو بمجموعها حسن إن شاء الله تعالى.

(٣) حديث: " لو لم تكونوا تذنبون لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك. . . ". رواه البزار كما في كشف الأستار (٤ / ٢٤٤) من حديث أنس، وهو حسن لطرقه كما في فيض القدير للمناوي (٥ / ٣٣١) .

(٤) إحياء علوم الدين ٣ / ٣٥٨ - ٣٥٩، ومختصر منهاج القاصدين ص ٢٤٣، والذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب الأصفهاني ص ٣٠٦.

وَقَال عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: الإِْعْجَابُ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَآفَةُ الأَْلْبَابِ (١) .

وَقَال الشِّيرَازِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْعُجْبَ وَصْفٌ رَدِيءٌ يَسْلُبُ الْفَضَائِل وَيَجْلُبُ الرَّذَائِل، وَيُوجِبُ الْمَقْتَ وَيُخْفِي الْمَحَاسِنَ وَيُشْهِرُ الْمَسَاوِئَ وَيُفْضِي إِلَى الْمَهَالِكِ (٢) .

أَنْوَاعُ الْعُجْبِ:

٥ - مَا بِهِ الْعُجْبُ ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ:

الأَْوَّل: أَنْ يَعْجَبَ بِبَدَنِهِ فَيَلْتَفِتَ إِلَى جَمَال نَفْسِهِ وَيَنْسَى أَنَّهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ عُرْضَةٌ لِلزَّوَال فِي كُل حَالٍ (٣) .

وَيَنْفِي هَذَا الْعُجْبَ: النَّظَرُ فِي بَدْءِ خَلْقِهِ وَإِلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ.

الثَّانِي: الْقُوَّةُ، اسْتِعْظَامًا لَهَا مَعَ نِسْيَانِ شُكْرِهَا، وَتَرْكُ الاِعْتِمَادِ عَلَى خَالِقِهَا، كَمَا حُكِيَ عَنْ قَوْمٍ حِينَ قَالُوا فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ (٤) .

وَيَنْفِي هَذَا الْعُجْبَ اعْتِرَافُهُ بِمُطَالَبَةِ الشُّكْرِ عَلَيْهَا، وَأَنَّهَا عُرْضَةٌ لِلسَّلْبِ، فَيُصْبِحُ أَضْعَف الْعِبَادِ (٥) .

_________

(١) المنهج المسلوك في سياسة الملوك ص ٤١٤ وأدب الدنيا والدين ٢٣٢ ط. الحلبي.

(٢) المنهج المسلوك في سياسة الملوك ص ٤١٣.

(٣) إحياء علوم الدين ٣ / ٣٦٣ وبدائع السلك في طبائع الملك ١ / ٤٩٦.

(٤) سورة فصلت / ١٥.

(٥) بدائع السلك في طبائع الملك ١ / ٤٩٦، وإحياء علوم الدين ٣ / ٣٦٣ - ٣٦٤.

الثَّالِثُ: الْعَقْل، اسْتِحْسَانًا لَهُ وَاسْتِبْدَادًا بِهِ.

وَيَنْفِي الْعُجْبَ فِيهِ تَرْدِيدُ الشُّكْرِ عَلَيْهِ، وَتَجْوِيزُ أَنْ يُسْلَبَ مِنْهُ كَمَا فُعِل بِغَيْرِهِ، وَأَنَّهُ إِنِ اتَّسَعَ فِي الْعِلْمِ بِهِ فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا (١) .

الرَّابِعُ: النَّسَبُ الشَّرِيفُ افْتِخَارًا بِهِ وَاعْتِقَادًا لِلْفَضْل بِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادِ.

وَيَنْفِي هَذَا الْعُجْبَ عِلْمُهُ بِأَنَّهُ لاَ يَجْلِبُ ثَوَابًا وَلاَ يَدْفَعُ عَذَابًا، وَأَنَّ أَكْرَمَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِكُلٍّ مِنِ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ وَعَمَّتِهِ صَفِيَّةَ ﵄: لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا (٢) .

وَمِنَ الْعُجْبِ التَّكَبُّرُ بِالأَْنْسَابِ عُمُومًا، فَمَنِ اعْتَرَاهُ الْعُجْبُ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ هَذَا تَعَزُّزٌ بِكَمَال غَيْرِهِ، ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّ أَبَاهُ الْقَرِيبَ نُطْفَةٌ قَذِرَةٌ، وَأَبَاهُ الْبَعِيدَ تُرَابٌ (٣) .

الْخَامِسُ: الاِنْتِسَابُ إِلَى ظَلَمَةِ الْمُلُوكِ وَفَسَقَةِ أَعْوَانِهِمْ تَشَرُّفًا بِهِمْ (٤) .

قَال الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا غَايَةُ الْجَهْل وَعِلاَجُهُ

_________

(١) إحياء علوم الدين ٣ / ٣٦٤، وبدائع السلك في طبائع الملك ١ / ٤٩٦.

(٢) حديث: " لا أغني عنك من الله شيئا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٨ / ٥٠١) من حديث ابن عباس.

(٣) بدائع السلك ١ / ٤٩٦، وإحياء علوم الدين ٣ / ٣٦٤، ومختصر منهاج القاصدين ص ٢٤٢، ٢٤٥.

(٤) بدائع السلك ١ / ٤٩٦.

أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي مَخَازِيهِمْ وَأَنَّهُمُ الْمَمْقُوتُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (١) .

السَّادِسُ: كَثْرَةُ الأَْوْلاَدِ وَالأَْقَارِبِ وَالأَْتْبَاعِ اعْتِمَادًا عَلَيْهِمْ وَنِسْيَانًا لِلتَّوَكُّل عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَيَنْفِي الْعُجْبَ بِهِ تَحَقُّقُهُ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّ كَثْرَتَهُمْ لاَ تُغْنِي عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ شَيْئًا (٢) .

السَّابِعُ: الْمَال، اعْتِدَادًا بِهِ وَتَعْوِيلًا عَلَيْهِ كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ صَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ إِذْ قَال: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ (٣) وَرُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا غَنِيًّا جَلَسَ بِجَنْبِهِ فَقِيرٌ فَكَأَنَّهُ قَبَضَ مِنْ ثِيَابِهِ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَخَشِيتَ يَا فُلاَنُ أَنْ يَعْدُوَ غِنَاكَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَعْدُوَ إِلَيْكَ فَقْرُهُ (٤) وَذَلِكَ لِلْعُجْبِ بِالْغِنَى.

وَيَنْفِيهِ عِلْمُهُ أَنَّ الْمَال فِتْنَةٌ، وَأَنَّ لَهُ آفَاتٍ مُتَعَدِّدَةً (٥) .

الثَّامِنُ: الرَّأْيُ الْخَطَأُ، تَوَهُّمًا أَنَّهُ نِعْمَةٌ، وَهُوَ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ نِقْمَةٌ، قَال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ (٦) .

_________

(١) إحياء علوم الدين ٣ / ٣٦٦.

(٢) بدائع السلك ١ / ٤٩٦، وإحياء علوم الدين ٣ / ٣٦٦.

(٣) سورة الكهف / ٣٤.

(٤) حديث: " أن رسول الله ﷺ رأى رجلا غنيا. . . ". أخرجه أحمد في الزهد (ص٣٨) وفي إسناده إرسال.

(٥) بدائع السلك ١ / ٤٩٧، وإحياء علوم الدين ٣ / ٣٦٦.

(٦) سورة فاطر / ٨.

وَعِلاَجُ هَذَا الْعُجْبِ أَشَدُّ مِنْ عِلاَجِ غَيْرِهِ، لأَِنَّ صَاحِبَ الرَّأْيِ الْخَطَأِ جَاهِلٌ بِخَطَئِهِ، وَعِلاَجُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ: أَنْ يَكُونَ مُتَّهِمًا لِرَأْيِهِ أَبَدًا لاَ يَغْتَرُّ بِهِ، إِلاَّ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ قَاطِعٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ صَحِيحٍ (١) .

أَسْبَابُ الْعُجْبِ:

٦ - مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ الْعُجْبِ كَثْرَةُ مَدِيحِ الْمُتَقَرِّبِينَ، وَإِطْرَاءُ الْمُتَمَلِّقِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا النِّفَاقَ عَادَةً وَمَكْسَبًا، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: وَيْحَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ - يَقُولُهُ مِرَارًا - إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لاَ مَحَالَةَ فَلْيَقُل: أَحْسَبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا (٢) .

وَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: " الْمَدْحُ ذَبْحٌ.

وَلِذَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِل أَنْ يَسْتَرْشِدَ إِخْوَانَ الصِّدْقِ، الَّذِينَ هُمْ أَصْفِيَاءُ الْقُلُوبِ، وَمَرَايَا الْمَحَاسِنِ وَالْعُيُوبِ، عَلَى مَا يُنَبِّهُونَهُ عَلَيْهِ مِنْ

_________

(١) بدائع السلك ١ / ٤٩٧، وإحياء علوم الدين ٣ / ٣٦٦ - ٣٦٧، ومختصر منهاج القاصدين ص ٢٤٥ - ٢٤٦.

(٢) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٧٦) ومسلم (٤ / ٢٢٩٦) واللفظ للبخاري.

مُسَاوِيهِ الَّتِي صَرَفَهُ حُسْنُ الظَّنِّ عَنْهَا (١) .

وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، إِذَا رَأَى فِيهِ عَيْبًا أَصْلَحَهُ (٢) .

وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُول: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوبِي (٣) .

وَيَجِبُ عَلَى الإِْنْسَانِ إِذَا رَأَى مِنْ غَيْرِهِ سَيِّئَةً أَنْ يَرْجِعَ إِلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ رَأَى فِيهَا مِثْل ذَلِكَ أَزَالَهُ وَلاَ يَغْفُل عَنْهُ (٤) .

_________

(١) أدب الدنيا والدين ص ٢٣٥ - ٢٣٦ ط. الحلبي والمنهج المسلوك ص ٤١٨.

(٢) حديث: " المؤمن مرآة المؤمن. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢١٧) من حديث أبي هريرة، وحسن إسناده العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (٢ / ١٨٠) .

(٣) الذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب الأصفهاني ص ٣٠٧.

(٤) الذريعة إلى مكارم الشريعة ٣٠٧.

عَجْزٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْعَجْزُ لُغَةً: مَصْدَرُ الْفِعْل عَجْزٌ، يُقَال: عَجَزَ عَنِ الأَْمْرِ يَعْجِزُ عَجْزًا، وَعَجَّزَ فُلاَنٌ رَأْيَ فُلاَنٍ: إِذَا نَسَبَهُ إِلَى خِلاَفِ الْحَزْمِ، كَأَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى الْعَجْزِ.

وَالْعَجْزُ: الضَّعْفُ، وَالتَّعْجِيزُ: التَّثْبِيطُ (١) . وَفِي الْمِصْبَاحِ: أَعْجَزَهُ الشَّيْءُ: فَاتَهُ (٢) . وَفِي مُفْرَدَاتِ الرَّاغِبِ: الْعَجْزُ: أَصْلُهُ التَّأَخُّرُ عَنِ الشَّيْءِ، وَصَارَ فِي التَّعَارُفِ اسْمًا لِلْقُصُورِ عَنْ فِعْل الشَّيْءِ، وَهُوَ ضِدُّ الْقُدْرَةِ (٣) .

وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ قَال الرَّافِعِيُّ: لاَ نَعْنِي بِالْعَجْزِ عَدَمَ الإِْمْكَانِ فَقَطْ، بَل فِي مَعْنَاهُ خَوْفُ الْهَلاَكِ. . . وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الإِْمَامُ فِي ضَبْطِ الْعَجْزِ أَنْ تَلْحَقَهُ مَشَقَّةٌ تُذْهِبُ خُشُوعَهُ (٤)

وَيَقُول الأُْصُولِيُّونَ: جَوَازُ التَّكْلِيفِ مَبْنِيٌّ

_________

(١) لسان العرب.

(٢) المصباح المنير.

(٣) المفردات للراغب.

(٤) مغني المحتاج ١ / ١٥٤.

عَلَى الْقُدْرَةِ الَّتِي يُوجَدُ بِهَا الْفِعْل الْمَأْمُورُ بِهِ، وَهَذَا شَرْطٌ فِي أَدَاءِ حُكْمِ كُل أَمْرٍ، حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ لاَ تَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْهَا بِبَدَنِهِ، بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ حَقِيقَةً، وَلاَ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ إِلاَّ بِنُقْصَانٍ يَحِل بِهِ، أَوْ مَرَضٍ يُزَادُ بِهِ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الرُّخْصَةُ:

٢ - الرُّخْصَةُ لُغَةً: التَّسْهِيل فِي الأَْمْرِ وَالتَّيْسِيرُ، يُقَال: رَخَّصَ الشَّرْعُ لَنَا فِي كَذَا: إِذَا يَسَّرَهُ وَسَهَّلَهُ (٢) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: اسْمٌ لِمَا بُنِيَ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ، وَهُوَ مَا يُسْتَبَاحُ بِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ، وَذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ: أَنَّ الرُّخْصَةَ اسْمٌ لِمَا تَغَيَّرَ عَنِ الأَْمْرِ الأَْصْلِيِّ إِلَى تَخْفِيفٍ وَيُسْرٍ، تَرْفِيهًا وَتَوْسِعَةً عَلَى أَصْحَابِ الأَْعْذَارِ (٣) .

وَعَلَى ذَلِكَ فَالْعَجْزُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الرُّخْصَةِ.

ب - التَّيْسِيرُ:

٣ - التَّيْسِيرُ لُغَةً: مَصْدَرُ يَسَّرَ، يُقَال: يَسَّرَ

_________

(١) كشف الأسرار ١ / ١٩٢ - ١٩٣، والتلويح على التوضيح ١ / ١٩٨ وما بعدها، والموافقات للشاطبي ٢ / ١٠٧، ومسلم الثبوت مع شرحه ١ / ١٣٧ وما بعدها.

(٢) المصباح المنير.

(٣) كشف الأسرار للبزدوي ٢ / ٢٩٩.

الأَْمْرَ إِذَا سَهَّلَهُ وَلَمْ يُعَسِّرْ، وَلَمْ يَشُقَّ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ نَفْسِهِ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُوَافِقُ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ (١) .

وَالْعَجْزُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّيْسِيرِ.

ج - الْقُدْرَةُ:

٤ - الْقُدْرَةُ لُغَةً: الْقُوَّةُ عَلَى الشَّيْءِ وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُ (٢) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ الصِّفَةُ الَّتِي تُمَكِّنُ الْحَيَّ مِنَ الْفِعْل وَتَرْكِهِ بِالإِْرَادَةِ (٣) . وَالْقُدْرَةُ ضِدُّ الْعَجْزِ، فَهُمَا ضِدَّانِ.

أَسْبَابُ الْعَجْزِ:

٥ - لِلْعَجْزِ أَسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ، إِذْ هِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَطْلُوبُ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَمْ مِنَ الْمُعَامَلاَتِ أَمْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَكُل تَصَرُّفٍ لَهُ وَسَائِل لِتَحْصِيلِهِ، وَفِقْدَانُ هَذِهِ الْوَسَائِل يُعْتَبَرُ سَبَبًا لِلْعَجْزِ عَنْ تَحْصِيل الْمَطْلُوبِ.

فَعَدَمُ وُجُودِ الْمَاءِ مَثَلًا سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ عَنِ الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ (٤) (الْوُضُوءِ وَالْغُسْل) .

وَفِقْدَانُ الْقُدْرَةِ الْبَدَنِيَّةِ - مَثَلًا - سَبَبٌ مِنْ

_________

(١) انظر الموسوعة الفقهية ١٤ / ٢١١ ف ١ مصطلح تيسير.

(٢) المصباح المنير.

(&# x٦٦٣ ;) التعريفات للجرجاني.

(٤) مغني المحتاج ١ / ٨٧، والبدائع ١ / ٤٦.

أَسْبَابِ الْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ الصَّلاَةِ عَلَى الْوَجْهِ الأَْكْمَل (١)، وَسَبَبٌ أَيْضًا مِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ (٢) .

وَفِقْدَانُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ الْحَجِّ (٣) .

وَالإِْعْسَارُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ عَنِ الإِْنْفَاقِ (٤) .

وَعَدَمُ وُجُودِ مَا يُثْبِتُ حَقَّ الْمُدَّعِي سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ (٥) . . . وَهَكَذَا.

وَفِقْدَانُ هَذِهِ الأَْسْبَابِ يُسَمَّى عُذْرًا، فَالأَْعْذَارُ فِي الْجُمْلَةِ أَسْبَابٌ لِلْعَجْزِ (٦) .

وَيَذْكُرُ الأُْصُولِيُّونَ جُمْلَةً مِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ كَالصِّبَا وَالْجُنُونِ وَالْعَتَهِ. . . إِلَخْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الأَْهْلِيَّةَ يُبْنَى عَلَيْهَا التَّكْلِيفُ بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَمَا يَعْرِضُ لِلأَْهْلِيَّةِ يَكُونُ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ مَا كُلِّفَ بِهِ الإِْنْسَانُ (٧) .

كَمَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ الْكَثِيرَ مِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ

_________

(١) المهذب ١ / ١٠٨، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٧٠.

(٢) مغني المحتاج ١ / ٤٣٧، والاختيار ١ / ١٤٠.

(٣) المهذب ١ / ٣٠٣.

(٤) الاختيار ٢ / ٤١.

(٥) القوانين الفقهية / ٢٩٩.

(٦) المنثور ٢ / ٣٧٥ - ٣٧٦.

(٧) فواتح الرحموت ٢ / ١٥٦ - ١٦٠ وما بعدها، والتلويح على التوضيح ٢ / ١٦٤ وما بعدها.