الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩
الْقُوَى كُلَّهَا، وَالْعَتَهُ يُضْعِفُ الْقُوَى الْمُدْرِكَةَ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٥ - اعْتَبَرَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْعَتَهَ يَسْلُبُ التَّكْلِيفَ مِنْ صَاحِبِهِ، وَأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْجُنُونِ، وَيَنْطَبِقُ عَلَى الْمَعْتُوهِ مَا يَنْطَبِقُ عَلَى الْمَجْنُونِ مِنْ أَحْكَامٍ، سَوَاءٌ فِي أُمُورِ الْعِبَادَاتِ، أَوْ فِي أُمُورِ الْمَال وَالْمُعَامَلاَتِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ، أَوْ فِي الْعُقُودِ الأُْخْرَى كَعُقُودِ النِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الأُْخْرَى.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل وَفِي رِوَايَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِل (٢) .
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الدَّبُوسِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ،
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: غمى، والمغرب في ترتيب المعرب في مادة: إغماء وحاشية ابن عابدين ٢ / ٤٢٦.
(٢) حديث: " رفع القلم عن ثلاثة. . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ٥٦٠) والحاكم (٢ / ٥٩) وصححه ووافقه الذهبي. أما رواية " وعن المعتوه حتى يعقل " فأخرجها أحمد (٦ / ١٠٠ - ١٠١) .
فَقَال: تَجِبُ عَلَى الْمَعْتُوهِ الْعِبَادَاتُ احْتِيَاطًا، قَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ: وَصَرَّحَ الأُْصُولِيُّونَ: بِأَنَّ حُكْمَ الْمَعْتُوهِ كَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الْعَاقِل فِي تَصَرُّفَاتِهِ وَفِي رَفْعِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ مِثْل ذَلِكَ دُونَ أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى الأُْصُولِيِّينَ (١) .
انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (أَهْلِيَّة وَحَجْر وَجُنُون) .
_________
(١) مجلة الأحكام العدلية مادة ٩٤٥، ٩٥٧، ٩٦٠، ٩٧٨، الفتاوى الهندية ٣ / ٤٦٥، الفتاوى البزازية ٤ / ١٢٢، حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٢٦، ٤٢٧، جواهر الإكليل ١ / ٢٨١، مغني المحتاج ١ / ١٣١، نهاية المحتاج ١ / ٣٧٦، المغني لابن قدامة ١ / ٤٠٠، تبيين الحقائق ٥ / ١٩١.
عَتِيرَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْعَتِيرَةُ فِي اللُّغَةِ: لَهَا مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا:
أ - أَوَّل مَا يُنْتَجُ، كَانُوا يَذْبَحُونَهَا لآِلِهَتِهِمْ.
ب - ذَبِيحَةٌ كَانَتْ تُذْبَحُ فِي رَجَبٍ يَتَقَرَّبُ بِهَا أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ وَالْمُسْلِمُونَ فَنُسِخَ ذَلِكَ.
قَال الأَْزْهَرِيُّ: الْعَتِيرَةُ فِي رَجَبٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ إِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمْ أَمْرًا نَذَرَ: لَئِنْ ظَفِرَ بِهِ لِيَذْبَحَنَّ مِنْ غَنَمِهِ فِي رَجَبٍ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا ظَفِرَ بِهِ، فَرُبَّمَا ضَاقَتْ نَفْسُهُ عَنْ ذَلِكَ وَضَنَّ بِغَنَمِهِ، فَيَأْخُذُ عَدَدَهَا ظِبَاءً، فَيَذْبَحُهَا فِي رَجَبٍ مَكَانَ تِلْكَ الْغَنَمِ، فَكَأَنَّ تِلْكَ عَتَائِرُهُ (١) .
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ قَال: لاَ فَرَعَ وَلاَ عَتِيرَةَ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَقَدِ انْفَرَدَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ -
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمغرب.
(٢) حديث: " لا فرع ولا عتيرة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٥٩٦) ومسلم (٣ / ١٥٦٤) من حديث أبي هريرة.
بِتَفْسِيرٍ خَاصٍّ، قَال: الْعَتِيرَةُ: الطَّعَامُ الَّذِي يُبْعَثُ لأَِهْل الْمَيِّتِ، قَال مَالِكٌ: أَكْرَهُ أَنْ يُرْسِل لِمَنَاحَةٍ، وَاسْتَبْعَدَهُ غَيْرُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْفَرَعُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي الْفَرَعِ لُغَةً: أَنَّهُ أَوَّل نِتَاجِ الإِْبِل وَالْغَنَمِ، كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَذْبَحُونَهُ لآِلِهَتِهِمْ وَيَتَبَرَّكُونَ بِهِ، تَقُول: أَفْرَعَ الْقَوْمُ إِذَا ذَبَحُوا الْفَرَعَ.
أَوْ هُوَ: بَعِيرٌ كَانَ يُذْبَحُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِذَا كَانَ لِلإِْنْسَانِ مِائَةُ بَعِيرٍ نَحَرَ مِنْهَا بَعِيرًا كُل عَامٍ، فَأَطْعَمَ النَّاسَ، وَلاَ يَذُوقُهُ هُوَ وَلاَ أَهْلُهُ.
وَقِيل: الْفَرَعُ: طَعَامٌ يُصْنَعُ لِنِتَاجِ الإِْبِل، كَالْخَرَسِ لِوِلاَدَةِ الْمَرْأَةِ (٢) .
وَفَسَّرَهُ الْفُقَهَاءُ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل، وَهُوَ: أَنَّهُ أَوَّل وَلَدٍ تَلِدُهُ النَّاقَةُ أَوِ الشَّاةُ، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لآِلِهَتِهِمْ (٣) .
وَهِيَ تَشْتَرِكُ مَعَ الْعَتِيرَةِ فِي كَوْنِهَا مِمَّا تَعَوَّدَهُ
_________
(١) البدائع ٥ / ٦٩، والمواق والحطاب ٣ / ٢٤٨، والمجموع ٨ / ٤٤٣ - ٤٤٦ ط. السلفية، المغني ٨ / ٦٥٠.
(٢) لسان العرب والمصباح المنير والمغرب.
(٣) الحطاب ٣ / ٢٤٨، والمغني ٨ / ٦٥٠، وأسنى المطالب ١ / ٥٥٠.
الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الذَّبْحِ تَقَرُّبًا لِلآْلِهَةِ أَوْ لِسَبَبٍ آخَرَ.
غَيْرَ أَنَّ الْعَتِيرَةَ اشْتَهَرَ كَوْنُهَا فِي شَهْرِ رَجَبٍ.
ب - الأُْضْحِيَّةُ:
٣ - الأُْضْحِيَّةُ فِي اللُّغَةِ: هِيَ الشَّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ ضَحْوَةً، أَيْ وَقْتَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، أَوْ هِيَ الشَّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ يَوْمَ الأَْضْحَى.
وَشَرْعًا: هِيَ مَا يُذَكَّى تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَيَّامِ النَّحْرِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ (١) .
وَهِيَ تَشْتَرِكُ مَعَ الْعَتِيرَةِ فِي أَنَّهَا ذَبِيحَةٌ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ، فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَ الْعَتِيرَةَ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ.
ج - الْعَقِيقَةُ:
٤ - الْعَقِيقَةُ: مَا يُذَكَّى مِنَ النَّعَمِ، شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ مِنْ وِلاَدَةِ مَوْلُودٍ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أَنْثَى (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٥ - جَاءَ الإِْسْلاَمُ وَالْعَرَبُ يَذْبَحُونَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ مَا يُسَمَّى بِالْعَتِيرَةِ أَوِ الرَّجَبِيَّةِ، وَصَارَ مَعْمُولًا بِذَلِكَ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ (٣)، لِقَوْل
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، وابن عابدين ٥ / ١١.
(٢) الحطاب والمواق ٣ / ٢٥٥.
(٣) المغني ٨ / ٦٥٠، الحطاب ٣ / ٢٤٨، المجموع شرح المهذب ٨ / ٤٤٦ ط. السلفية.
النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَهْل كُل بَيْتٍ أُضْحِيَّةٌ وَعَتِيرَةٌ (١) .
لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي نَسْخِ هَذَا الْحُكْمِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ طَلَبَ الْعَتِيرَةِ مَنْسُوخٌ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ فَرَعَ لاَ عَتِيرَةَ (٣)، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: " نَسَخَ صَوْمُ رَمَضَانَ كُل صَوْمٍ كَانَ قَبْلَهُ، وَنَسَخَتِ الأُْضْحِيَّةُ كُل ذَبْحٍ كَانَ قَبْلَهَا، وَنَسَخَ غُسْل الْجَنَابَةِ كُل غُسْلٍ كَانَ قَبْلَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا قَالَتْ ذَلِكَ سَمَاعًا مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ لأَِنَّ انْتِسَاخَ الْحُكْمِ مِمَّا لاَ يُدْرَكُ بِالاِجْتِهَادِ (٤) .
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالنَّهْيِ فِي حَدِيثِ لاَ فَرَعَ وَلاَ عَتِيرَةَ فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل وَكِيعِ بْنِ عُوَيْسٍ وَابْنِ كَجٍّ وَالدَّارِمِيِّ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبَرِ نَفْيُ كَوْنِهَا سُنَّةً، لاَ تَحْرِيمُ فِعْلِهَا، وَلاَ كَرَاهَتُهُ، فَلَوْ ذَبَحَ إِنْسَانٌ ذَبِيحَةً فِي رَجَبٍ، أَوْ ذَبَحَ وَلَدَ النَّاقَةِ لِحَاجَتِهِ
_________
(١) حديث: " على أهل كل بيت أضحية وعتيرة ". أخرجه أبو داود (٣ / ٢٢٦) من حديث مخنف بن سليم، وضعف إسناده الخطابي كما في مختصر السنن للمنذري (٤ / ٩٣) .
(٢) المجموع شرح المهذب ٨ / ٤٤٦ ط. السلفية.
(٣) حديث: " لا فرع ولا عتيرة " سبق تخريجه فـ ١.
(٤) البدائع ٥ / ٦٩.
إِلَى ذَلِكَ أَوْ لِلصَّدَقَةِ أَوْ إِطْعَامِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَكْرُوهًا.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهُوَ قَوْل عُلَمَاءِ الأَْمْصَارِ سِوَى ابْنِ سِيرِينَ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ نَسْخٌ لِلْوُجُوبِ، لَكِنَّهُمْ جَمِيعًا مُتَّفِقُونَ عَلَى الإِْبَاحَةِ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الإِْبَاحَةِ بِمَا رَوَى الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو التَّمِيمِيُّ أَنَّهُ لَقِيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَال رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ: يَا رَسُول اللَّهِ، الْعَتَائِرُ وَالْفَرَائِعُ؟ قَال: مَنْ شَاءَ عَتَرَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَعْتِرْ، وَمَنْ شَاءَ فَرَّعَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفَرِّعْ (٢) وَمَا رُوِيَ عَنْ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ سَأَل النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: إِنَّا كُنَّا نَذْبَحُ فِي رَجَبٍ ذَبَائِحَ فَنَأْكُل مِنْهَا وَنُطْعِمُ مِنْهَا مَنْ جَاءَنَا؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ، فَقَال وَكِيعٌ: لاَ أَتْرُكُهَا أَبَدًا (٣) .
وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِالنَّسْخِ الْحَنَفِيَّةُ، لَكِنَّهُمْ لَمْ
_________
(١) المغني ٨ / ٦٥٠، الحطاب ٣ / ٢٤٨.
(٢) حديث الحارث بن عمرو أنه لقي رسول الله ﷺ في حجة الوداع. أخرجه النسائي (٧ / ١٦٧ - ١٦٩) وفي إسناده ضعف، ولكن له شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه أبو داود (٣ / ٢٦٣) والحاكم (٤ / ٢٣٦) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) حديث لقيط بن عامر: أنه سأل النبي ﷺ فقال: إنا كنا نذبح في رجب ذبائح. أخرجه أحمد (٤ / ١٢ - ١٣)، وفي إسناده جهالة راويه وكيع بن عدي.
يُبَيِّنُوا حُكْمَ الْعَتِيرَةِ، هَل هُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مُبَاحٌ؟ .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ نَسْخِ طَلَبِ الْعَتِيرَةِ، وَقَالُوا تُسْتَحَبُّ الْعَتِيرَةُ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ سِيرِينَ.
قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ نُبَيْشَةَ قَال: نَادَى رَجُلٌ رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي رَجَبٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَال: اذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ. . . إِلَخْ الْحَدِيثِ.
قَال ابْنُ حَجَرٍ فَلَمْ يُبْطِل رَسُول اللَّهِ ﷺ الْعَتِيرَةَ مِنْ أَصْلِهَا، وَإِنَّمَا أَبْطَل خُصُوصَ الذَّبْحِ فِي شَهْرِ رَجَبٍ.
قَال النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَاقْتَضَتْهُ الأَْحَادِيثُ: أَنَّهُمَا لاَ يُكْرَهَانِ، بَل يُسْتَحَبَّانِ، (أَيِ الْفَرَعُ وَالْعَتِيرَةُ (١» .
_________
(١) المجموع ٨ / ٤٤٣ - ٤٤٤ - ٤٤٥ - ٤٤٦، وفتح الباري ٩ / ٥٩٧.
عُجْب
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الْعُجْبِ - بِالضَّمِّ - فِي اللُّغَةِ: الزَّهْوُ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، قَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: الْعُجْبُ: ظَنُّ الإِْنْسَانِ فِي نَفْسِهِ اسْتِحْقَاقَ مَنْزِلَةٍ هُوَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لَهَا (٢) .
وَقَال الْغَزَالِيُّ: الْعُجْبُ هُوَ اسْتِعْظَامُ النِّعْمَةِ وَالرُّكُونُ إِلَيْهَا، مَعَ نِسْيَانِ إِضَافَتِهَا إِلَى الْمُنْعِمِ (٣) .
قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الْعُجْبُ فَرْحَةٌ فِي النَّفْسِ بِإِضَافَةِ الْعَمَل إِلَيْهَا وَحَمْدِهَا عَلَيْهِ، مَعَ نِسْيَانِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُنْعِمُ بِهِ، وَالْمُتَفَضِّل بِالتَّوْفِيقِ إِلَيْهِ، وَمَنْ فَرِحَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مِنَّةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَعْظَمَهُ، لِمَا يَرْجُو عَلَيْهِ مِنْ ثَوَابِهِ، وَلَمْ يُضِفْهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَحْمَدْهَا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ بِمُعْجَبٍ (٤) .
_________
(١) لسان العرب.
(٢) الذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب الأصفهاني ص ٣٠٦ نشر دار الصحوة - القاهرة.
(٣) إحياء علوم الدين ٣ / ٣٦٠ ط. الحلبي ١٩٣٩م.
(٤) بدائع السلك في طبائع الملك لأبي عبد الله محمد بن الأزرق الأندلسي ١ / ٤٩٥ - ٤٩٦.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْكِبْرُ:
٢ - الْكِبْرُ: هُوَ ظَنُّ الإِْنْسَانِ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَالتَّكَبُّرُ إِظْهَارٌ لِذَلِكَ، وَصِفَةُ " الْمُتَكَبِّرِ " لاَ يَسْتَحِقُّهَا إِلاَّ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنِ ادَّعَاهَا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ فَهُوَ فِيهَا كَاذِبٌ، وَلِذَلِكَ صَارَ مَدْحًا فِي حَقِّ الْبَارِي ﷾ وَذَمًّا فِي الْبَشَرِ، وَإِنَّمَا شَرَفُ الْمَخْلُوقِ فِي إِظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ (١) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ هِيَ: أَنَّ الْكِبْرَ يَتَوَلَّدُ مِنَ الإِْعْجَابِ (٢) .
ب - الإِْدْلاَل:
٣ - الإِْدْلاَل: مِنْ أَدَل، وَالأَْدَل: الْمَنَّانُ بِعَمَلِهِ، وَالإِْدْلاَل وَرَاءَ الْعُجْبِ، فَلاَ مُدِل إِلاَّ وَهُوَ مُعْجَبٌ، وَرُبَّ مُعْجَبٍ لاَ يُدِل (٣) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الْعُجْبُ إِنَّمَا يَكُونُ بِوَصْفِ كَمَالٍ مِنْ عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ، فَإِنِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ أَنْ يَرَى حَقًّا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ سُمِّيَ إِدْلاَلًا، فَالْعُجْبُ يَحْصُل بِاسْتِعْظَامِ مَا عَجِبَ بِهِ، وَالإِْدْلاَل يُوجِبُ تَوَقُّعَ الْجَزَاءِ، مِثْل أَنْ يَتَوَقَّعَ إِجَابَةَ دُعَائِهِ وَيُنْكِرُ رَدَّهُ (٤) .
_________
(١) الذريعة إلى مكارم الشريعة ٢٩٩ - ٣٠٠.
(٢) الذريعة إلى مكارم الشريعة ص ٣٠٠.
(٣) إحياء علوم الدين ٣ / ٣٦٠.
(٤) مختصر منهاج القاصدين ص ٢٤٤ وقارن بما جاء في إحياء علوم الدين ٣ / ٣٦٠.