الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩
السَّيِّدُ: إِنْ لَمْ أَفْعَل كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ، أَوْ أَمَتِي حُرَّةٌ.
فَإِذَا عَلَّقَ الْعِتْقَ بِصِيغَةِ الْبِرِّ فَلِلسَّيِّدِ الْبَيْعُ وَالْوَطْءُ، لأَِنَّهُ عَلَى بِرٍّ حَتَّى يَحْصُل الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ قَيَّدَ الْعِتْقَ بِأَجَلٍ أَوْ أَطْلَقَ، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ لَمْ يَخْرُجِ الْعَبْدُ وَلاَ الأَْمَةُ مِنْ ثُلُثٍ وَلاَ غَيْرِهِ، بَل يَكُونُ مِيرَاثًا.
وَإِذَا عَلَّقَ السَّيِّدُ الْعِتْقَ بِصِيغَةِ الْحِنْثِ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الْعَبْدِ وَلاَ وَطْءُ الأَْمَةِ، وَإِذَا بَاعَ فُسِخَ الْبَيْعُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْل فِعْل الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ عَتَقَ مِنَ الثُّلُثِ.
وَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ الْحِنْثِ مُقَيَّدَةً بِأَجَلٍ، مِثْل: إِنْ لَمْ أَدْخُل الدَّارَ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَعَبْدِي حُرٌّ وَأَمَتِي حُرَّةٌ، فَيُمْنَعُ مِنَ الْبَيْعِ دُونَ الْوَطْءِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيْعَ يَقْطَعُ الْعِتْقَ وَيُضَادُّهُ، بِخِلاَفِ الْوَطْءِ (١) .
فَإِنْ عَادَ الْعَبْدُ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ عَلَى صِفَةٍ إِلَى مِلْكِ السَّيِّدِ، بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ وَتَحَقَّقَتِ الصِّفَةُ، عَتَقَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ التَّعْلِيقَ حَدَثَ وَالْعَبْدُ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ، وَتَحَقَّقَ الشَّرْطُ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَقَ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُعْتَقُ الْعَبْدُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لأَِنَّ التَّعْلِيقَ السَّابِقَ يَسْقُطُ بِالْبَيْعِ (٢) .
_________
(١) الدسوقي ٤ / ٣٦٤.
(٢) المبسوط للسرخسي ٧ / ٨٠ - ٨٤، ونهاية المحتاج ٨ / ٣٥٤، وكشاف القناع ٤ / ٥٢٢، والمغني لابن قدامة ٩ / ٣٧٥، ٣٧٦.
الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْعِتْقِ:
أَوَّلًا - إِرْثُ الْمُعْتِقِ مِنْ عَتِيقِهِ:
١٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُعْتِقَ - رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً - يَرِثُ جَمِيعَ مَال مَنْ أَعْتَقَهُ، أَوِ الْبَاقِيَ مِنْهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ بِالنَّسَبِ، وَيُسَمَّى الْعَتِيقُ: مَوْلَى الْعَتَاقَةِ: وَمَوْلَى النِّعْمَةِ أَوِ الْعُصُوبَةِ السَّبَبِيَّةِ.
فَإِذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ فَإِنَّهُ يَكْتَسِبُ صِفَةً تَجْعَلُهُ مُسْتَحِقًّا لإِرْثِ عَتِيقِهِ لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: الْوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ (١) .
فَالْوَلَدُ يُنْسَبُ إِلَى أَبِيهِ وَأُسْرَتِهِ، وَالْعَتِيقُ يُنْسَبُ إِلَى مُعْتِقِهِ وَأُسْرَتِهِ، إِلاَّ أَنَّ النَّسَبَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإِْرْثُ لِكِلاَ الْجَانِبَيْنِ، فَكَمَا يَرِثُ الاِبْنُ أَبَاهُ يَرِثُ الأَْبُ ابْنَهُ، أَمَّا الإِْعْتَاقُ فَيُقَرِّرُ الإِْرْثَ لِجَانِبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمُعْتِقُ، فَلاَ إِرْثَ لِلْعَتِيقِ مِنْ سَيِّدِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَفْعَل مَا يَسْتَوْجِبُ الْمُكَافَأَةَ بِعَكْسِ السَّيِّدِ (٢) . لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ، فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلاَءَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ
_________
(١) حديث: " الولاء لحمة كلحمة النسب ". أخرجه الشافعي (بدائع المنن ١٢ / ٣٢) ومن طريقه الحاكم (٤ / ٣٤١) من حديث ابن عمر، وصححه الحاكم.
(٢) المغني لابن قدامة ٦ / ٢٦٨، روضة الطالبين ٦ / ٢١، فتح الباري ١٢ / ٣٢.
لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَال. أَعْتِقِيهَا فَإِنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ (١) . وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْوَلاَءُ لِلأَْكْبَرِ (٢) مِنَ الذُّكُورِ، وَلاَ تَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الْوَلاَءِ إِلاَّ وَلاَءَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَهُ مَنْ أَعْتَقْنَ " (٣) .
وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الإِْرْثَ هُنَا بِطَرِيقِ الْعُصُوبَةِ، وَهِيَ قَاصِرَةٌ عَلَى الرِّجَال؛ لأَِنَّهُمُ الَّذِينَ تَتَحَقَّقُ بِهِمُ النُّصْرَةُ، وَهِيَ سَبَبٌ لِلْخِلاَفَةِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَيْسَ لَهُنَّ مِنَ الْوَلاَءِ إِلاَّ مَا كُنَّ سَبَبًا فِيهِ، بِإِعْتَاقِهِنَّ مُبَاشَرَةً، أَوْ بِوَاسِطَةِ إِعْتَاقِ مَنْ أَعْتَقْنَ. وَإِذَا كَانَ لِلْعَتِيقِ عَصَبَةٌ مِنَ النَّسَبِ، أَوْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ أَصْحَابُ فُرُوضٍ، وَاسْتَوْعَبَتْ أَنْصِبَاؤُهُمْ كُل التَّرِكَةِ، فَإِنَّهُ لاَ شَيْءَ لِلْمُعْتِقِ؛ لأَِنَّ لِهَؤُلاَءِ أَوْلَوِيَّةً عَلَيْهِ.
_________
(١) حديث: " أعتقيها فإن الولاء لمن أعطى الورق ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٤٥) ومسلم (٢ / ١١٤٣) من حديث عائشة: واللفظ للبخاري.
(٢) المراد بالأكبر الأقرب في الدرجة، وليس المراد به الأكبر سنًا.
(٣) حديث: " الولاء للأكبر من الذكور ولا ترث النساء من الولاء ". قال الزيلعي في نصب الراية: (٤ / ١٥٤) غريب، انتهى. وقد روى البيهقي في السنن الكبرى (١٠ / ٣٠٦) عن علي وعبد الله وزيد بن ثابت ﵃ أنهم كانوا يجعلون الولاء للكبر من العصبة، ولا يورثون النساء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن.
مَرْتَبَةُ الْعَصَبَةِ السَّبَبِيَّةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ:
٢٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَاصِبَ السَّبَبِيَّ مُؤَخَّرٌ فِي الإِْرْثِ عَنِ الْعَاصِبِ النَّسَبِيِّ، أَمَّا تَحْدِيدُ مَرْتَبَتِهِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُتَأَخِّرُو الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ مَرْتَبَةَ الْعَاصِبِ السَّبَبِيِّ فِي الإِْرْثِ تَلِي الْعَاصِبَ النَّسَبِيَّ مُبَاشَرَةً، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُؤَخَّرًا عَنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ وَالْعَصَبَاتِ النَّسَبِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الرَّدِّ عَلَى أَصْحَابِ الْفُرُوضِ وَإِرْثِ ذَوِي الأَْرْحَامِ، فَلَوْ مَاتَ الْعَتِيقُ عَنْ بِنْتِهِ وَمَوْلاَهُ، فَلِبِنْتِهِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِمَوْلاَهُ، وَإِنْ خَلَّفَ ذَا رَحِمٍ وَمَوْلاَهُ فَالْمَال لِمَوْلاَهُ دُونَ ذِي الرَّحِمِ، وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ بِنْتِ حَمْزَةَ قَالَتْ: مَاتَ مَوْلاَيَ وَتَرَكَ ابْنَةً، فَقَسَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَالَهُ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنَتِهِ فَجَعَل لِي النِّصْفَ وَلَهَا النِّصْفَ (١) .
وَمَا رُوِيَ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: الْمِيرَاثُ لِلْعَصَبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ فَالْوَلاَءُ (٢) .
_________
(١) حديث عبد الله بن شداد عن بنت حمزة قالت: " مات مولاى. . . ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٩١٣) والحاكم (٤ / ٦٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٢٣١): رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح.
(٢) حديث الحسن: " الميراث للعصبة فإن لم يكن عصبة فالولاء ". أخرجه سعيد بن منصور (٣ / ٧٥) مرسلا.
وَذَهَبَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَمِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ إِلَى أَنَّ إِرْثَ الْعَصَبَةِ السَّبَبِيَّةِ مُؤَخَّرٌ عَنِ الرَّدِّ عَلَى أَصْحَابِ الْفُرُوضِ وَعَنْ تَوْرِيثِ ذَوِي الأَْرْحَامِ، فَلاَ إِرْثَ لِلْعَاصِبِ السَّبَبِيِّ مَعَ وُجُودِ وَارِثٍ آخَرَ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ فَرْضٍ أَوْ عَاصِبًا نَسَبِيًّا أَوْ ذَا رَحِمٍ (١) لِظَاهِرِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٢) .
ثَانِيًا - مَال الْعَتِيقِ:
٢١ - إِذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ وَلَهُ مَالٌ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْل أَحْمَدَ عَلَى أَنَّ مَالَهُ لِسَيِّدِهِ، لِمَا رَوَى الأَْثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَال لِغُلاَمِهِ عُمَيْرٍ: يَا عُمَيْرُ إِنِّي أَعْتَقْتُكَ عِتْقًا هَنِيئًا، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ غُلاَمًا وَلَمْ يُسَمِّ مَالَهُ فَالْمَال لَهُ فَأَخْبَرَنِي مَا مَالُكَ (٣)، وَلأَِنَّ الْعَبْدَ وَمَالَهُ كَانَا لِلسَّيِّدِ، فَأَزَال مِلْكَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا، فَبَقِيَ مِلْكُهُ فِي
_________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٧٦، أسباب النزول للسيوطي ص ٩٢.
(٢) سورة الأنفال / ٧٥.
(٣) حديث: " أيما رجل أعتق غلاما ولم يسم ماله. . . ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٤٥) من حديث عبد الله بن مسعود وقال البوصيري في الزوائد (٢ / ٦٨): هذا إسناد فيه مقال.
الآْخَرِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ (١) .
وَقَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ مَال الْعَبْدِ تَبَعٌ لَهُ، رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ﵃ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَهْل الْمَدِينَةِ وَقَدِ اسْتَدَل هَؤُلاَءِ بِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَال الْعَبْدِ لَهُ (٢) .
وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ مَال الْعَبْدِ يَتْبَعُهُ فِي الْعِتْقِ، دُونَ الْبَيْعِ، مَا لَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ السَّيِّدُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلسَّيِّدِ (٣) .
عِتْقُ الْمُكَاتَبِ:
٢٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ لاَ يُعْتَقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابَةِ، إِذْ هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ (٤) وَقَوْلُهُ ﵊
_________
(١) فتح القدير ٤ / ٢٣٢ ط. بيروت، البدائع ٤ / ١٦٠، نهاية المحتاج ٨ / ٣٦٩ ط. بيروت.
(٢) حديث: " من أعتق عبدا وله مال فمال العبد له ". أخرجه أبو داود (٤ / ٢٧٠ - ٢٧١) وابن ماجه (٢ / ٨٤٥) من حديث ابن عمر. وإسناده صحيح.
(٣) الخرشي ٨ / ١٣١ ط. بيروت، حاشية الدسوقي ٤ / ٣٧٩، المغني لابن قدامة ٩ / ٣٧٤.
(٤) حديث: " المكاتب عبد. . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ٤٤٢) والبيهقي (١٠ / ٣٢٤) وصححه الحاكم وروي موقوفا عن بعض الصحابة كما في فتح الباري (٥ / ١٩٥) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
أَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ فَأَدَّاهَا إِلاَّ عَشْرَ أَوَاقٍ فَهُوَ عَبْدٌ (١) فَعَلَى هَذَا إِنْ أَدَّى الْعَبْدُ عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ لَمْ يُعْتَقْ (٢) .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي عِتْقَهُ عَتَقَ وَيُعْتَقُ مَعَهُ وَلَدُهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ (٣) .
فَالرَّسُول ﷺ أَمَرَهُنَّ بِالْحِجَابِ بِمُجَرَّدِ مِلْكِهِ لِمَا يُؤَدِّي، وَلأَِنَّهُ مَالِكٌ لِوَفَاءِ مَال الْكِتَابَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّاهُ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَصِيرُ حُرًّا بِمِلْكِ الْوَفَاءِ، وَإِنْ هَلَكَ مَا فِي يَدَيْهِ قَبْل الأَْدَاءِ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَقَدْ أَصْبَحَ حُرًّا (٤) .
عِتْقُ الْمُدَبَّرِ:
٢٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُدَبَّرَ يُعْتَقُ
_________
(١) حديث: " أيما عبد كاتب. . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ٢٤٤) والحاكم (٢ / ٢١٨) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) بدائع الصنائع ٤ / ١٣٤، ١٣٥، حاشية الدسوقي ٤ / ٣٩٩، روضة الطالبين ١٢ / ٢٣٦.
(٣) حديث: " إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه ". أخرجه أبو داود (٤ / ٢٤٤) والترمذي (٣ / ٥٥٣) وأشار البيهقي في السنن الكبرى (١٠ / ٣٢٧) إلى تضعيف الشافعي له.
(٤) المغني لابن قدامة ٩ / ٤٢٩.
مِنْ ثُلُثِ الْمَال بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى؛ لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَكَانَ مِنَ الثُّلُثِ كَالْوَصِيَّةِ، وَيُفَارِقُ التَّدْبِيرُ الْعِتْقَ فِي الصِّحَّةِ، فَإِنَّ التَّدْبِيرَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِ الْمُعْتِقِ، فَيَنْفُذُ فِي الْجَمِيعِ كَالْهِبَةِ الْمُنَجَّزَةِ.
وَإِنْ ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ قِيمَةِ الْمُدَبَّرِ عَتَقَ مِنْهُ مِقْدَارُ الثُّلُثِ وَبَقِيَ سَائِرُهُ رَقِيقًا (١) .
عِتْقُ الْمُسْتَوْلَدَةِ:
٢٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ فِي أُمِّ وَلَدِهِ التَّصَرُّفُ بِمَا يَنْقُل الْمِلْكَ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا وَلاَ وَقْفُهَا وَلاَ رَهْنُهَا وَلاَ تُورَثُ، بَل تُعْتَقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ مِنْ كُل الْمَال وَيَزُول الْمِلْكُ عَنْهَا.
انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (اسْتِيلاَد ف ١٠) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٤ / ١٢٣، القوانين الفقهية ص ٣٧٦، المغني لابن قدامة ٩ / ٣٨٧، روضة الطالبين ١٢ / ١٩٨.
عَتَه
التَّعْرِيفُ:
١ - الْعَتَهُ فِي اللُّغَةِ: نَقْصُ الْعَقْل مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ أَوْ دَهَشٍ، وَالْمَعْتُوهُ الْمَدْهُوشُ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ أَوْ جُنُونٍ.
وَالْعَتَهُ فِي الاِصْطِلاَحِ: آفَةٌ نَاشِئَةٌ عَنِ الذَّاتِ، تُوجِبُ خَلَلًا فِي الْعَقْل، وَيَصِيرُ صَاحِبُهُ مُخْتَلِطَ الْعَقْل، فَيُشْبِهُ بَعْضُ كَلاَمِهِ كَلاَمَ الْعُقَلاَءِ، وَبَعْضُهُ كَلاَمَ الْمَجَانِينِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْخَبْل:
٢ - الْخَبْل (بِالتَّسْكِينِ): الْفَسَادُ وَالْجُنُونُ، وَيَكُونُ فِي الأَْفْعَال وَالأَْبْدَانِ وَالْعُقُول فَيُؤَثِّرُ فِيهَا، وَيَلْحَقُ الْحَيَوَانَ فَيُورِثُهُ اضْطِرَابًا كَالْجُنُونِ وَالْمَرَضِ.
وَالْخَبَل (بِالتَّحْرِيكِ): الْجِنُّ، وَالْخَابِل: الشَّيْطَانُ، وَالْخَبَال: الْفَسَادُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى فِي التَّنْزِيل. ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا﴾ (٢) وَفِي
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، التعريفات للجرجاني.
(٢) سورة التوبة / ٤٧.
الْحَدِيثِ: بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ خَبْلٌ (١) أَيْ: فَسَادُ الْفِتْنَةِ وَالْهَرَجُ وَالْمَرَجُ وَالْقَتْل.
وَالْخَبْل وَالْعَتَهُ يَشْتَرِكَانِ فِي مَعْنًى وَهُوَ نُقْصَانُ الْعَقْل فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (٢) .
ب - الْحُمْقُ:
٣ - الْحُمْقُ: فَسَادُ الْعَقْل، أَوْ هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِقُبْحِهِ (٣) .
وَالْحُمْقُ وَالْعَتَهُ يَشْتَرِكَانِ فِي فَسَادِ الْعَقْل وَسُوءِ التَّصَرُّفِ.
ج - الإِْغْمَاءُ:
٤ - الإِْغْمَاءُ: مَصْدَرُ أُغْمِيَ عَلَى الرَّجُل، مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُول، وَالإِْغْمَاءُ: مَرَضٌ يُزِيل الْقُوَى وَيَسْتُرُ الْعَقْل، وَقِيل: فُتُورٌ عَارِضٌ - لاَ بِمُخَدِّرٍ - يُزِيل عَمَل الْقُوَى.
وَلاَ يَخْرُجُ التَّعْرِيفُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَتَهِ وَالإِْغْمَاءِ: أَنَّ الإِْغْمَاءَ: مُؤَقَّتٌ، وَالْعَتَهُ مُسْتَمِرٌّ غَالِبًا، وَالإِْغْمَاءُ يُزِيل
_________
(١) حديث: " بين يدى الساعة خبل ". أورده ابن الأثير في النهاية (٢ / ٨) ولم نهتد إلى من أخرجه من المصادر الحديثية الموجودة لدينا.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن للأصفهاني.
(٣) لسان العرب، والمصباح المنير.