الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩ الصفحة 53

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩

أَحْكَامِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ عَلَى حَسَبِ إِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ (١) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٧ - حُكْمُ الْعِتْقِ: الاِسْتِحْبَابُ، وَهُوَ الإِْعْتَاقُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ.

وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا إِذَا كَانَ الْعَبْدُ يَتَضَرَّرُ بِالْعِتْقِ، كَمَنْ لاَ كَسْبَ لَهُ فَتَسْقُطُ نَفَقَتُهُ عَنْ سَيِّدِهِ، أَوْ يَصِيرُ كَلًّا عَلَى النَّاسِ وَيَحْتَاجُ إِلَى الْمَسْأَلَةِ، أَوْ يَخَافُ الْمُعْتِقُ عَلَى الْعَبْدِ الْخُرُوجَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْرِقَ، أَوْ تَكُونُ جَارِيَةً فَيَخَافُ مِنْهَا الزِّنَا وَالْفَسَادَ.

وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا، إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ الْخُرُوجُ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ أَوِ الرُّجُوعُ عَنِ الإِْسْلاَمِ، أَوِ الزِّنَا مِنَ الْجَارِيَةِ - لأَِنَّ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ، وَلَكِنْ إِذَا أَعْتَقَهُ صَحَّ - لأَِنَّهُ إِعْتَاقٌ صَادِرٌ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ.

وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا بِالنَّذْرِ وَفِي الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُعَيَّنًا أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ النَّذْرَ كَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ لاَ يُقْضَى بِهِ عَلَى النَّاذِرِ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْعِتْقُ نَاجِزًا وَتَعَيَّنَ مُتَعَلِّقُهُ، كَعَبْدِي هَذَا، أَوْ عَبْدِي فُلاَنٌ حُرٌّ.

_________

(١) بدائع الصنائع ٤ / ٩٨ وما بعدها، المغني لابن قدامة ٩ / ٣٢٩.

فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِتَنْجِيزِ الْعِتْقِ إِنِ امْتَنَعَ (١) .

أَرْكَانُ الْعِتْقِ وَشُرُوطُهُ:

٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْعِتْقِ رُكْنًا وَاحِدًا، وَهُوَ اللَّفْظُ الَّذِي جُعِل دَلاَلَةً عَلَى الْعِتْقِ.

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ لِلْعِتْقِ أَرْكَانًا ثَلاَثَةً تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا صِحَّةُ الْعِتْقِ هِيَ: الْمُعْتِقُ بِالْكَسْرِ - وَالْمُعْتَقُ بِالْفَتْحِ - وَالصِّيغَةُ.

الأَْوَّل: الْمُعْتِقُ:

٩ - وَيُشْتَرَطُ فِي الْعِتْقِ كَوْنُهُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ، بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا رَشِيدًا مَالِكًا فَلاَ يَصِحُّ الْعِتْقُ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ بِلاَ إِذْنٍ، وَلاَ مِنْ غَيْرِ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ أَوْ سَفَهٍ، وَلاَ مِنْ مُبَعَّضٍ وَمُكَاتَبٍ وَمُكْرَهٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَعِتْقُ السَّكْرَانِ كَطَلاَقِهِ، وَفِيهِ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (طَلاَق ف ١٨)، وَيَصِحُّ الْعِتْقُ وَيَلْزَمُ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ (٢) وَيَثْبُتُ وَلاَؤُهُ عَلَى عَتِيقِهِ الْمُسْلِمِ، سَوَاءٌ أَعْتَقَهُ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ.

الثَّانِي: الْمُعْتَقُ:

١٠ - وَيُشْتَرَطُ فِيهِ: أَنْ لاَ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لاَزِمٌ

_________

(١) بدائع الصنائع ٤ / ٤٥، والمغني ٩ / ٣٣٠، وحاشية الدسوقي، ٤ / ٤٦٣ ومغني المحتاج ٤ / ٤٩١، والقوانين الفقهية ص ٣٧١.

(٢) بدائع الصنائع ٤ / ٥٥، حاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٩، المغني لابن قدامة ٩ / ٣٣٣، مغني المحتاج ٤ / ٤٩١.

يَمْنَعُ عِتْقَهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ، أَوْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِلسَّيِّدِ إِسْقَاطُهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّ، لِعَدَمِ لُزُومِهِ لِعَيْنِهِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِهِ سَيِّدُهُ لِفُلاَنٍ ثُمَّ نَجَّزَ عِتْقَهُ فَإِنَّ عِتْقَهُ صَحِيحٌ مَاضٍ؛ لأَِنَّهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ - وَهُوَ الْمُوصَى لَهُ بِهِ - إِلاَّ أَنَّ هَذَا الْحَقَّ غَيْرُ لاَزِمٍ؛ لأَِنَّ لِلْمُوصَى أَنْ يَرْجِعَ فِي وَصِيَّتِهِ وَيُنَجِّزُ الْعِتْقَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مُرْتَهِنًا، أَوْ كَانَ رَبُّهُ مَدِينًا، أَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ جِنَايَةٌ وَكَانَ رَبُّهُ مَلِيًّا صَحَّ الْعِتْقُ، وَعُجِّل الدَّيْنُ وَالأَْرْشُ، وَلاَ يَصِحُّ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا (١) .

الثَّالِثُ: الصِّيغَةُ:

١١ - وَيُشْتَرَطُ فِي الصِّيغَةِ أَنْ تَكُونَ بِاللَّفْظِ، سَوَاءٌ أَكَانَ صَرِيحًا أَوْ كِنَايَةً، ظَاهِرَةً أَوْ خَفِيَّةً، فَالصَّرِيحُ مِثْل: أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ عَتِيقٌ أَوْ مُعْتَقٌ أَوْ أَعْتَقْتُكَ.

وَالْكِنَايَةُ الظَّاهِرَةُ - مِثْل قَوْل السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: لاَ سَبِيل عَلَيْكَ وَلاَ سُلْطَانَ لِي عَلَيْكَ، وَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، وَقَدْ خَلَّيْتُكَ.

وَالْكِنَايَةُ الْخَفِيَّةُ - كَاذْهَبْ أَوِ اغْرُبْ عَنِّي أَوِ اسْقِنِي فَلاَ يَنْصَرِفُ لِلْعِتْقِ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ (٢) .

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) المغني لابن قدامة ٩ / ٣٣١، حاشية الدسوقي ٤ / ٣٦٢، بدائع الصنائع ٤ / ٤٦، نهاية المحتاج ٨ / ٣٥٦، ٣٥٧.

أَسْبَابُ الْعِتْقِ:

لِلْعِتْقِ أَسْبَابٌ سِتَّةٌ هِيَ:

١ - التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.

٢ - النَّذْرُ وَالْكَفَّارَاتُ.

٣ - الْقَرَابَةُ.

٤ - الْمُثْلَةُ بِالْعَبْدِ.

٥ - التَّبْعِيضُ.

٦ - الْعِتْقُ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ.

أَوَّلًا - الْعِتْقُ لِلتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ:

١٢ - وَقَدْ نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى ذَلِكَ: لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ قَال أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُل عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ (١) .

ثَانِيًا - عِتْقٌ وَاجِبٌ بِالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَاتِ:

١٣ - وَذَلِكَ كَالْقَتْل وَالظِّهَارِ وَإِفْسَادِ الصَّوْمِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَالْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ، إِلاَّ أَنَّهُ فِي الْقَتْل الْخَطَأِ وَالظِّهَارِ وَاجِبٌ عَلَى التَّعْيِينِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَفِي الْيَمِينِ عَلَى التَّخْيِيرِ (٢) .

_________

(١) حديث: " أيما امرئ مسلم أعتق امرءا مسلما. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١٤٦) ومسلم (٢ / ١١٤٨) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.

(٢) بدائع الصنائع (٤ / ٤٩) فتح الجليل ٤ / ٥٦٤، المغني ٩ / ٣٢٩.

ثَالِثًا: الْقَرَابَةُ:

١٤ - فَمَنْ مَلَكَ قَرِيبًا لَهُ بِمِيرَاثٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ وَصِيَّةٍ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَرِيبِ الَّذِي يُعْتَقُ عَلَى مَنْ مَلَكَهُ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ: مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ (١) وَهُمُ الْوَالِدَانِ وَإِنْ عَلَوْا مِنْ قِبَل الأَْبِ وَالأُْمِّ جَمِيعًا، وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَل مِنْ وَلَدِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، وَالأَْخَوَاتُ وَالإِْخْوَةُ وَأَوْلاَدُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، وَالأَْعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ وَالأَْخْوَال وَالْخَالاَتُ دُونَ أَوْلاَدِهِمْ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَقَال بِهِ الْحَسَنُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّ الَّذِي يُعْتَقُ بِالْقَرَابَةِ - الأَْبَوَانِ وَإِنْ عَلَوْا، وَالْمَوْلُودُونَ وَإِنْ سَفَلُوا، وَالأَْخُ وَالأُْخْتُ مُطْلَقًا شَقِيقَيْنِ أَوْ لأَِبٍ أَوْ لأُِمٍّ، وَعَلَى هَذَا فَاَلَّذِي يُعْتَقُ بِالْمِلْكِ عِنْدَهُمُ الأُْصُول وَالْفُرُوعُ وَالْحَاشِيَةُ الْقَرِيبَةُ فَقَطْ، فَلاَ

_________

(١) حديث: " من ملك ذا رحم محرم فهو حر ". أخرجه أبو داود (٤ / ٢٦٠) والترمذي (٣ / ٦٣٧) من حديث سمرة.

(٢) بدائع الصنائع ٤ / ٤٩، والمغني ٩ / ٣٥٥، والمبسوط للسرخسي ٧ / ٦٩.

عِتْقَ لِلأَْعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ، وَلاَ لِلأَْخْوَال وَالْخَالاَتِ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى أَنَّ الَّذِي يُعْتَقُ إِذَا مُلِكَ بِالْقَرَابَةِ - عَمُودُ النَّسَبِ أَيِ: الأُْصُول وَالْفُرُوعُ - وَيَخْرُجُ مَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الأَْقَارِبِ كَالإِْخْوَةِ وَالأَْعْمَامِ، فَإِنَّهُمْ لاَ يُعْتَقُونَ بِالْمِلْكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الأُْصُول: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (٢) وَالأُْصُول وَالْفُرُوعُ يُعْتَقُونَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ مُلِكُوا اخْتِيَارًا أَوْ لاَ، اتَّحَدَ دِينُهُمَا أَوْ لاَ، لأَِنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْقَرَابَةِ، فَاسْتَوَى فِيهِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ (٣) .

وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل مِنَ الآْيَةِ: أَنَّهُ لاَ يَتَأَتَّى خَفْضُ الْجَنَاحِ مَعَ الاِسْتِرْقَاقِ، وَلِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لاَ يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا، إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا، فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ (٤) . أَيْ فَيُعْتِقَهُ الشِّرَاءُ، لاَ أَنَّ الْوَلَدَ هُوَ الْمُعْتِقُ بِإِنْشَائِهِ الْعِتْقَ، بِدَلِيل رِوَايَةِ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ (٥) .

وَأَمَّا الْفُرُوعُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُل مَنْ فِي السَّمَوَاتِ

_________

(١) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٦٦، الشرح الصغير ٤ / ٥٢١.

(٢) سورة الإسراء / ٢٤.

(٣) مغني المحتاج ٤ / ٤٩٩، روضة الطالبين ١٢ / ١٣٢.

(٤) حديث: " لا يجزى ولد والدا إلا أن يجده مملوكا. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ١١٤٨) من حديث أبي هريرة.

(٥) زيادة " فيعتق عليه ". . . في مغني المحتاج (٤ / ٤٩٩) ولم نهتد إليه في المراجع التي بين أيدينا.

وَالأَْرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنَ عَبْدًا﴾ (١) وَقَال تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٢) تَدُل عَلَى نَفْيِ اجْتِمَاعِ الْوَلَدِيَّةِ وَالْعَبْدِيَّةِ (٣) .

رَابِعًا: الْمُثْلَةُ بِالْعَبْدِ:

١٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ إِعْتَاقُ شَيْءٍ مِنَ الْعَبْدِ بِمَا يَفْعَلُهُ سَيِّدُهُ فِيهِ مِنَ الأَْمْرِ الْخَفِيفِ كَاللَّطْمِ وَالأَْدَبِ وَالْخَطَأِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا كَثُرَ مِنْ ذَلِكَ وَشَنُعَ، مِنْ ضَرْبٍ مُبَرِّحٍ لِغَيْرِ مُوجِبٍ، أَوْ تَحْرِيقٍ بِنَارٍ، أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ أَوْ إِفْسَادِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، عَلَى مَذْهَبَيْنِ:

الأَْوَّل: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَاللَّيْثُ وَالأَْوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّ مَنْ مَثَّل بِعَبْدِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ وُجُوبًا بِالْحُكْمِ، لاَ بِمُجَرَّدِ التَّمْثِيل - إِنْ تَعَمَّدَ السَّيِّدُ التَّمْثِيل بِالْعَبْدِ (٤)، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: مَنْ مَثَّل بِعَبْدِهِ أَوْ حَرَقَهُ بِالنَّارِ فَهُوَ حُرٌّ، وَهُوَ مَوْلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ (٥) .

_________

(١) سورة مريم / ٩٢ - ٩٣.

(٢) سورة الأنبياء / ٢٦.

(٣) مغني المحتاج ٤ / ٤٩٩.

(٤) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٦٧ بداية المجتهد لابن رشد ٢ / ٣٣٧ صحيح مسلم بشرح النووي ١١ / ١٢٧، نيل الأوطار للشوكاني ٦ / ٩٥، ٩٦، القوانين الفقهية ص ٣٧٢.

(٥) حديث: " من مثل بعبده أو حرقه بالنار. . . ". أخرجه أحمد (٢ / ٢٢٥) من حديث عبد الله بن عمرو، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٢٣٩) وقال: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات.

الثَّانِي: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِلَى أَنَّ مَنْ مَثَّل بِعَبْدِهِ لاَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ (١) .

خَامِسًا: التَّبْعِيضُ:

١٦ - مَنْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ رَقِيقِهِ الْمَمْلُوكِ لَهُ، فَإِنَّ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يُعْتَقُ كُلُّهُ عَلَيْهِ بِالسِّرَايَةِ؛ لأَِنَّ الإِْعْتَاقَ لاَ يَتَجَزَّأُ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ الإِْعْتَاقَ يَتَجَزَّأُ.

وَإِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنَ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ مَعَ غَيْرِهِ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحُكْمِ تَبَعًا لِكَوْنِ الْمُعْتِقِ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا.

فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ يُعْتَقُ كُلُّهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ بَاقِيهِ لِشَرِيكِهِ.

وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُهُ فَقَطْ.

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا فَشَرِيكُهُ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُعْتِقَ قِيمَةَ نَصِيبِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ (٢) .

وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مَوْضِعِهِ فِي مُصْطَلَحِ: (تَبْعِيض ف ٤٠) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٤ / ١٠٠، وصحيح مسلم بشرح النووي ١١ / ١٢٧، بداية المجتهد لابن رشد ٢ / ٣٣٧، نيل الأوطار للشوكاني ٦ / ٩٥، ٩٦.

(٢) بدائع الصنائع ٤ / ٨٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٦٩، والمغني لابن قدامة ٩ / ٣٣٦، ٣٣٨، وروضة الطالبين ١٢ / ١١٠، وصحيح مسلم بشرح النووي ١٠ / ١٣٥، ١٣٧.

سَادِسًا: الْعِتْقُ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ:

١٧ - إِذَا قَال السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ لِغَيْرِ وَجْهِ اللَّهِ يَقَعُ الْعِتْقُ بِالاِتِّفَاقِ لِوُجُودِ رُكْنِهِ، وَلَكِنِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَلاَءِ الْمُعْتِقِ وَمِيرَاثِهِ مِنَ الْمُعْتَقِ - فَتْحُ التَّاءِ - عَلَى مَذْهَبَيْنِ:

فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: أَنَّهُ يَثْبُتُ الْوَلاَءُ لِلْمُعْتِقِ، لأَِنَّ الْوَلاَءَ ثَمَرَةُ الْعِتْقِ، فَحَيْثُ وُجِدَ هَذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ السَّبَبُ تَحَقَّقَ الْمُسَبَّبُ (١) لِحَدِيثِ: الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ الْوَلاَءُ لِلْمُعْتِقِ - بِكَسْرِ التَّاءِ (٣) -.

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (وَلاَء) .

تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ:

١٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عَلَّقَ السَّيِّدُ عِتْقَ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ عَلَى مَجِيءِ وَقْتٍ أَوْ فِعْلٍ، كَأَنْتَ حُرٌّ فِي رَأْسِ الْحَوْل، أَوْ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ فَعَبْدِي حُرٌّ لَمْ يُعْتَقْ حَتَّى يَأْتِيَ الْوَقْتُ أَوْ يَحْصُل الْفِعْل، وَبِهَذَا قَال الأَْوْزَاعِيُّ

_________

(١) بدائع الصنائع ٤ / ١٥٩، ١٦٠، روضة الطالبين ١٢ / ١٧٠، مغني المحتاج ٤ / ٥٠٧، فتح الباري شرح البخاري ١٢ / ٣٥، نيل الاوطار للشوكاني ٦ / ٧٩.

(٢) حديث: " لمن أعتق ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١٨٥) ومسلم (٢ / ١١٤٥) من حديث عائشة.

(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ٤١٧، المغني لابن قدامة ٦ / ٣٥٣، فتح الباري ١٢ / ٣٢، نيل الأوطار للشوكاني ٦ / ٧٩.

وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ - لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال لِعَبْدِهِ: أَنْتَ عَتِيقٌ إِلَى رَأْسِ الْحَوْل، فَلَوْلاَ أَنَّ الْعِتْقَ يَتَعَلَّقُ بِالْحَوْل لَمْ يُعَلِّقْهُ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ، فَإِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ أَوْ حَصَل الْفِعْل الْمُعَلَّقُ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ عَتَقَ بِغَيْرِ خِلاَفٍ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ لَمْ يُعْتَقْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: لاَ طَلاَقَ إِلاَّ فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ عِتْقَ إِلاَّ فِيمَا تَمْلِكُ، وَلاَ بَيْعَ إِلاَّ فِيمَا تَمْلِكُ (١) . وَلأَِنَّهُ لاَ مِلْكَ لَهُ، فَلَمْ يَقَعْ عَتَاقُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ مُتَقَدِّمٌ.

وَقَال النَّخَعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: عَتَقَ، وَيُنْتَقَضُ الْبَيْعُ وَالإِْجَارَةُ (٢) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: تَنْقَسِمُ صِيغَةُ تَعْلِيقِ الْعِتْقِ إِلَى قِسْمَيْنِ: صِيغَةُ بِرٍّ، وَصِيغَةُ حِنْثٍ.

فَأَمَّا صِيغَةُ الْبِرِّ فَصُورَتُهَا: أَنْ يَقُول السَّيِّدُ: إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَعَبْدِي فُلاَنٌ حُرٌّ، أَوْ أَمَتِي فُلاَنَةُ حُرَّةٌ.

وَأَمَّا صِيغَةُ الْحِنْثِ فَصُورَتُهَا: أَنْ يَقُول

_________

(١) حديث: " لا طلاق إلا فيما تملك. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٦٤٠ - ٦٤١) والترمذي (٣ / ٤٧٧) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وهو أحسن شيء روي في هذا الباب.

(٢) المبسوط للسرخسي ٧ / ٨٠، ٨٤، حاشية الدسوقي ٤ / ٣٦٤، نهاية المحتاج ٨ / ٣٥٤، كشاف القناع ٤ / ٥٢٢، المغني لابن قدامة ٩ / ٣٧٥، ٣٧٦.