الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩ الصفحة 45

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩

وَالذِّمِّيِّ الَّذِي أَسْلَمَ فَعَاقِلَتُهُ بَيْتُ الْمَال (١) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَارِثُ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ أَعْقِل عَنْهُ وَأَرِثُهُ (٢)

عَام

انْظُرْ: سَنَة

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ١١٤، المواق ٦ / ٢٦٦، روضة الطالبين ٩ / ٣٥٤، المغني لابن قدامة ٧ / ٧٩١.

(٢) حديث: " أنا وراث من لا وارث له: أعقل عنه وأرثه. ". أخرجه أبو داود (٣ / ٣٢٠) وابن ماجه (٢ / ٩١٥) في حديث المقداد بن معدي كرب. وأورده ابن القيم في تهذيب السنة (٤ / ١٧١) روايات الحديث وحسنها.

عَامِلٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْعَامِل فِي اللُّغَةِ بِوَزْنِ فَاعِلٍ مِنْ عَمِل، يُقَال: عَمِلْتُ عَلَى الصَّدَقَةِ: سَعَيْتُ فِي جَمْعِهَا.

وَيُطْلَقُ الْعَامِل وَيُرَادُ بِهِ: الْوَالِي، وَالْجَمْعُ عُمَّالٌ وَعَامِلُونَ، وَيَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي بِالْهَمْزَةِ، فَيُقَال: أَعْمَلْتُهُ كَذَا، وَاسْتَعْمَلْتُهُ أَيْ: جَعَلْتُهُ عَامِلًا، أَوْ سَأَلْتُهُ أَنْ يَعْمَل، وَعَمَّلْتُهُ عَلَى الْبَلَدِ بِالتَّشْدِيدِ: وَلَّيْتُهُ عَمَلَهُ.

وَالْعُمَالَةُ - بِضَمِّ الْعَيْنِ -: أُجْرَةُ الْعَامِل، وَالْكَسْرُ لُغَةٌ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْعَامِل عَلَى الزَّكَاةِ هُوَ: الْمُتَوَلِّي عَلَى الصَّدَقَةِ وَالسَّاعِي لِجَمْعِهَا مِنْ أَرْبَابِ الْمَال، وَالْمُفَرِّقُ عَلَى أَصْنَافِهَا إِذَا فَوَّضَهُ الإِْمَامُ بِذَلِكَ (١) .

وَالْعَامِل بِمَعْنَى الْوَالِي: هُوَ مَنْ يُقَلِّدُهُ الْخَلِيفَةُ أَمِيرًا عَلَى إِقْلِيمٍ أَوْ بَلَدٍ، أَوْ يَسْتَعْمِلُهُ

_________

(١) المصباح المنير، المغرب في ترتيب المعرب، المفردات في غريب القرآن للأصفهاني مادة: عمل، جواهر الإكليل ١ / ١٣٨، حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٩، ٣٧.

فِي عَمَلٍ مُعَيَّنٍ (١) .

وَأَحْكَامُ هَذَا الْمُصْطَلَحِ خَاصَّةً بِعَامِل الزَّكَاةِ، أَمَّا الْعَامِل بِمَعْنَى الْوَالِي فَتُنْظَرُ أَحْكَامُهُ فِي: (إِمَارَة، وَوِلاَيَة) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْعَاشِرُ:

٢ - الْعَاشِرُ: هُوَ مَنْ نَصَّبَهُ الإِْمَامُ عَلَى الطَّرِيقِ لِيَأْخُذَ الصَّدَقَاتِ مِنَ التُّجَّارِ مِمَّا يَمُرُّونَ بِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ: عَشَرْتُ الْمَال عَشْرًا - مِنْ بَابِ قَتَل - وَعُشُورًا: أَخَذْتُ عُشْرَهُ وَاسْمُ الْفَاعِل عَاشِرٌ وَعَشَّارٌ (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٣ - تَعْيِينُ الْعُمَّال لِقَبْضِ الزَّكَاةِ وَتَفْرِيقِهَا عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَاجِبٌ عَلَى الإِْمَامِ، لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوَلِّي الْعُمَّال ذَلِكَ، وَيَبْعَثُهُمْ إِلَى أَصْحَابِ الأَْمْوَال (٣)، وَقَدِ اسْتَعْمَل عُمَرُ بْنُ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٣٠.

(٢) المصباح المنير، التعريفات للجرجاني (مادة: عشر) وحاشية ابن عابدين ٢ / ٣٨، ٥٩.

(٣) حديث: " أن رسول الله ﷺ كان يولي العمال لقبض الزكاة ". ورد عن جمع من الصحابة بمعناه، منهم عمر بن الخطاب كما أخرجه مسلم (٢ / ٦٧٦ - ٦٧٧) من حديث أبي هريرة.

الْخَطَّابِ ﵁ عَلَيْهَا (١) وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ كَانُوا يُرْسِلُونَ عُمَّالَهُمْ لِقَبْضِهَا، وَلأَِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ يَمْلِكُ الْمَال وَلاَ يَعْرِفُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْخَل بِالزَّكَاةِ.

مَنْ يَشْمَلُهُ لَفْظُ الْعَامِل:

٤ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَامِل عَلَى الزَّكَاةِ مَصْرِفٌ مِنْ مَصَارِفِهَا الثَّمَانِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا (٢)﴾

وَقَالُوا: إِنَّهُ يَدْخُل فِي اسْمِ الْعَامِل:

السَّاعِي: وَهُوَ الَّذِي يَجْبِي الزَّكَاةَ وَيَسْعَى فِي الْقَبَائِل لِجَمْعِهَا.

وَالْحَاشِرُ: وَهُوَ اثْنَانِ، أَحَدُهُمَا: مَنْ يَجْمَعُ أَرْبَابَ الأَْمْوَال. وَثَانِيهُمَا: مَنْ يَجْمَعُ ذَوِي السِّهَامِ مِنَ الأَْصْنَافِ.

وَالْعَرِيفُ: وَهُوَ كَالنَّقِيبِ لِلْقَبِيلَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُعَرِّفُ السَّاعِيَ أَهْل الصَّدَقَاتِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُمْ.

وَالْكَاتِبُ: وَهُوَ الَّذِي يَكْتُبُ مَا أَعْطَاهُ أَرْبَابُ الصَّدَقَاتِ مِنَ الْمَال، وَيَكْتُبُ لَهُمْ

_________

(١) حديث: " أنه استعمل عمر على قبض الزكاة. . . ". أخرجه البخاري (١٣ / ١٥٠) ومسلم (٢ / ٧٢٤) من حديث عبد الله بن السعدي.

(٢) سورة التوبة / ٦٠.

بَرَاءَةً بِالأَْدَاءِ، وَيَكْتُبُ كَذَلِكَ مَا يُدْفَعُ لِلْمُسْتَحِقِّينَ.

وَالْقَاسِمُ: وَهُوَ الَّذِي يَقْسِمُ أَمْوَال الزَّكَاةِ بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهَا.

وَيَدْخُل فِي اسْمِ الْعَامِل كَذَلِكَ: الْحَاسِبُ، وَالْخَازِنُ، وَحَافِظُ الْمَال، وَالْعَدَّادُ، وَالْكَيَّال، وَالْوَزَّانُ، وَالرَّاعِي لِمَوَاشِي الصَّدَقَةِ، وَالْحَمَّال، وَكُل مَنْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي شَأْنِ الصَّدَقَةِ، حَتَّى إِذَا لَمْ تَقَعِ الْكِفَايَةُ بِسَاعٍ وَاحِدٍ، أَوْ كَاتِبٍ وَاحِدٍ، أَوْ حَاسِبٍ وَاحِدٍ، أَوْ حَاشِرٍ أَوْ نَحْوِهِ زِيدَ فِي الْعَدَدِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.

مُؤْنَةُ جَمْعِ الزَّكَاةِ:

٥ - أُجْرَةُ كَيْل أَمْوَال الصَّدَقَةِ وَوَزْنِهَا، وَمُؤْنَةُ دَفْعِهَا مِنَ الْمَالِكِ إِلَى السَّاعِي عَلَى رَبِّ الْمَال، وَكَذَا أُجْرَةُ الْكَيَّال وَالْوَزَّانِ وَالْعَادِّ الَّذِي يُمَيِّزُ الزَّكَاةَ مِنَ الْمَال، لأَِنَّهَا لِتَوْفِيَةِ الْوَاجِبِ، كَالْبَائِعِ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ الْكَيْل وَالْوَزْنِ عِنْدَ الْبَيْعِ.

أَمَّا أُجْرَةُ الْكَيَّال وَالْوَزَّانِ وَالْعَادِّ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ مُسْتَحِقَّاتِ الأَْصْنَافِ فَعَلَى سَهْمِ الْعَامِل بِلاَ خِلاَفٍ. إِذْ لَوِ أَلْزَمْنَاهَا الْمَالِكَ لَزِدْنَا فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ (١)

_________

(١) البدائع ٢ / ٤٤، حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٨، ٥٩، جواهر الإكليل ١ / ١٣٨، المجموع للنووي ٦ / ١٨٧، مغني المحتاج ٣ / ١٠٩، روضة الطالبين ٢ / ٣١٣، المغني لابن قدامة ٢ / ٦٥٤، كشاف القناع ٢ / ٢٧٤.

شُرُوطُ الْعَامِل:

٦ - يُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا بَالِغًا عَدْلًا سَمِيعًا ذَكَرًا، وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ، لِيَعْلَمَ مَا يَأْخُذُهُ، وَمَنْ يَأْخُذُ مِنْهُ، وَلِئَلاَّ يَأْخُذَ غَيْرَ الْوَاجِبِ، أَوْ يُسْقِطَ الْوَاجِبَ، وَلِئَلاَّ يَدْفَعَ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ، أَوْ يَمْنَعَ عَنْ مُسْتَحِقٍّ، وَهَذَا إِذَا كَانَ مُفَوَّضًا مِنَ الإِْمَامِ لِعُمُومِ أَمْرِ الزَّكَاةِ، أَيْ: أَخْذِهَا مِنْ أَرْبَابِ الأَْمْوَال وَتَوْزِيعِهَا عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ فِي جَمْعِ الزَّكَاةِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُفَوَّضًا تَفْوِيضًا عَامًّا، كَأَنْ يَكُونَ مُنَفِّذًا فَقَطْ، عَيَّنَ لَهُ الإِْمَامُ مَا يَأْخُذُهُ وَمَنْ يُعْطِيهِ، فَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَبْعَثُ الْعُمَّال وَيَكْتُبُ لَهُمْ مَا يَأْخُذُونَ (١)، وَكَذَلِكَ فَعَل أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِعُمَّالِهِ، وَلأَِنَّ هَذِهِ رِسَالَةٌ لاَ وِلاَيَةٌ.

_________

(١) حديث: " كان النبي ﷺ يبعث العمال ويكتب لهم ما يأخذون ". ورد ذلك مع الصحابي قرة بن دعموص النميري في قصة أخرجها أحمد (٥ / ٧٢) من حديث جرير بن حازم، وأوردها الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ / ٨٢) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي شَرْطَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: الْحُرِّيَّةُ، فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ، فَلاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ الْعَامِل عَبْدًا، لِعَدَمِ الْوِلاَيَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِل عَلَيْكُمْ عَبْدٌ (١) الْحَدِيثَ.

ثَانِيهُمَا: أَنْ لاَ يَكُونَ هَاشِمِيًّا، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاة ف ١٤٤، وَجِبَايَة ف ١٣) .

مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِل:

٧ - إِذَا تَوَلَّى الْمُزَكِّي إِخْرَاجَ زَكَاةِ مَالِهِ بِنَفْسِهِ سَقَطَ حَقُّ الْعَامِل مِنْهَا؛ لأَِنَّ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ بِعَمَلِهِ، فَإِذَا لَمْ يَعْمَل فِيهَا شَيْئًا فَلاَ حَقَّ لَهُ فِيهَا، وَتُوَزَّعُ الزَّكَاةُ حِينَئِذٍ عَلَى الأَْصْنَافِ السَّبْعَةِ الأُْخْرَى.

وَالإِْمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الْعَامِل، إِنْ شَاءَ أَرْسَلَهُ لأَِخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلاَ تَسْمِيَةِ شَيْءٍ، بَل يَدْفَعُ إِلَيْهِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ، لِمَا رَوَاهُ ابْنُ السَّاعِدِيِّ قَال: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا

_________

(١) حديث: " اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ١٢١) من حديث أنس بن مالك.

وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ وَأَجْرِي عَلَى اللَّهِ، قَال: خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّه ﷺ فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْل قَوْلِكَ، فَقَال لِي رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَل فَكُل وَتَصَدَّقْ (١) .

وَإِنْ شَاءَ عَقَدَ لَهُ عَقْدًا وَاسْتَأْجَرَهُ إِجَارَةً صَحِيحَةً سَمَّى لَهُ فِيهَا قَدْرَ أُجْرَتِهِ، ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ مَا سَمَّى لَهُ مِنْ أَمْوَال الزَّكَاةِ.

٨ - وَإِذَا زَادَ سَهْمُ الْعَامِلِينَ عَلَى أُجْرَتِهِ رَدَّ الْفَاضِل عَلَى سَائِرِ الأَْصْنَافِ، وَقَسَمَ عَلَى سِهَامِهِمْ.

أَمَّا إِنْ كَانَ سَهْمُ الْعَامِلِينَ أَقَل مِنْ أُجْرَتِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكَمَّل لَهُ مِنْ أَمْوَال الزَّكَاةِ الَّتِي بِيَدِهِ، بِشَرْطِ أَلاَّ يَزِيدَ عَلَى نِصْفِ مَا قَبَضَهُ؛ لأَِنَّ التَّنْصِيفَ هُوَ عَيْنُ الإِْنْصَافِ، وَلاَ يُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَال شَيْئًا.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُتَمَّمُ لَهُ مِنْ أَمْوَال الزَّكَاةِ وَإِنِ اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ أَمْوَال الزَّكَاةِ الَّتِي بِيَدِهِ لأَِنَّهَا أُجْرَةُ عَمَلِهِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُتَمَّمُ لَهُ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مِنْ أَيْنَ يُتَمَّمُ لَهُ؟ فَالْمَذْهَبُ

_________

(١) حديث: " إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٧٢٣ - ٧٢٤) .

عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ يُتَمَّمُ مِنْ حَقِّ سَائِرِ الأَْصْنَافِ، لأَِنَّهُ يَعْمَل لَهُمْ، فَكَانَتْ أُجْرَتُهُ عَلَيْهِمْ، وَقِيل: يُتَمَّمُ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل لِكُل صِنْفٍ سَهْمًا، فَلَوْ قَسَمْنَا ذَلِكَ عَلَى الأَْصْنَافِ وَنَقَصْنَا حَقَّهُمْ فَضَّلْنَا الْعَامِل عَلَيْهِمْ.

وَقِيل: الإِْمَامُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ تَمَّمَهُ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ وَإِنْ شَاءَ تَمَّمَهُ مِنْ سِهَامِ الأَْصْنَافِ الأُْخْرَى، لأَِنَّهُ يُشْبِهُ الْحَاكِمَ حَيْثُ يَسْتَوْفِي بِهِ حَقَّ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ الأَْمَانَةِ، وَيُشْبِهُ الأَْجِيرَ، فَخُيِّرَ بَيْنَ حَقَّيْهِمَا.

وَقِيل: إِنْ كَانَ الإِْمَامُ بَدَأَ بِنَصِيبِ الْعَامِل، فَوَجَدَهُ يَنْقُصُ تَمَّمَ مِنْ سِهَامِ الأَْصْنَافِ الأُْخْرَى، وَإِنْ كَانَ بَدَأَ بِسِهَامِ الأَْصْنَافِ الأُْخْرَى فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ وَجَدَ سَهْمَ الْعَامِل يَنْقُصُ تَمَّمَهُ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ؛ لأَِنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ اسْتِرْجَاعُ مَا دَفَعَ إِلَيْهِمْ.

وَقِيل: إِنْ فَضَل عَنْ قَدْرِ حَاجَةِ الأَْصْنَافِ شَيْءٌ تَمَّمَ مِنَ الْفَضْل، فَإِنْ لَمْ يَفْضُل عَنْهُمْ شَيْءٌ تَمَّمَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ.

قَال النَّوَوِيُّ: وَالْخِلاَفُ فِي جَوَازِ التَّكْمِيل مِنْ أَمْوَال الزَّكَاةِ، وَلَكِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّكْمِيل مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ مُطْلَقًا، بَل لَوْ رَأَى الإِْمَامُ أَنْ يَجْعَل أُجْرَةَ الْعَامِل كُلَّهَا فِي بَيْتِ الْمَال، وَيَقْسِمُ الزَّكَاةَ عَلَى سَائِرِ الأَْصْنَافِ

جَازَ، لأَِنَّ بَيْتَ الْمَال لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مِنَ الْمَصَالِحِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُتَمَّمُ لَهُ مِنْ أَمْوَال الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَتْ أُجْرَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ أَمْوَال الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِل أُجْرَةٌ، إِلاَّ أَنَّ الإِْمَامَ إِذَا رَأَى إِعْطَاءَ الْعَامِل أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَيُوَفِّرُ الزَّكَاةَ عَلَى بَاقِي الأَْصْنَافِ جَازَ لَهُ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَل لَهُ رِزْقًا ثَابِتًا فِي بَيْتِ الْمَال نَظِيرَ عِمَالَتِهِ، وَلاَ يُعْطِيهِ مِنْ أَمْوَال الزَّكَاةِ شَيْئًا جَازَ كَذَلِكَ (١) .

تَلَفُ مَال الزَّكَاةِ فِي يَدِ الْعَامِل:

٩ - لَوْ تَلِفَ مَال الزَّكَاةِ فِي يَدِ الْعَامِل بِلاَ تَفْرِيطٍ أَوْ تَقْصِيرٍ لَمْ يَضْمَنْ؛ لأَِنَّهُ أَمِينٌ كَالْوَكِيل: وَنَاظِرُ مَال الْيَتِيمِ إِذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ بِلاَ تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ.

أَمَّا إِذَا تَلِفَ الْمَال بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ، بِأَنْ قَصَّرَ فِي حِفْظِهِ أَوْ عَرَفَ الْمُسْتَحِقِّينَ وَأَمْكَنَهُ التَّفْرِيقُ عَلَيْهِمْ فَأَخَّرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ضَمِنَهُ؛ لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ.

وَاخْتَلَفُوا فِي دَفْعِ أُجْرَتِهِ إِذَا تَلِفَ الْمَال بِدُونِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٠، جواهر الإكليل ١ / ١٣٨، المجموع للنووي ٦ / ١٧٥، ١٨٧، ١٨٨، روضة الطالبين ٢ / ٣٢٧، مغني المحتاج ٣ / ١٠٩، ١١٦، المغني لابن قدامة ٢ / ٦٦٨، كشاف القناع ٢ / ٢٧٦، ٢٧٧.