الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩ الصفحة 46

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَتَهُ، وَتُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَال؛ لأَِنَّهُ أَجِيرٌ، وَلأَِنَّ بَيْتَ الْمَال لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مِنْهَا.

وَعِنْدَهُمْ أَيْضًا: يَسْتَحِقُّ الْعَامِل الزَّكَاةَ بِعَمَلِهِ عَلَى سَبِيل الأُْجْرَةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ كُلٌّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ حَقَّهُ يَسْقُطُ، كَنَفَقَةِ الْمُضَارِبِ تَكُونُ فِي مَال الْمُضَارَبَةِ، فَإِذَا هَلَكَ سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ؛ لأَِنَّ الْعَامِل عِنْدَهُمْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ بِعَمَلِهِ عَلَى سَبِيل الْكِفَايَةِ لاِشْتِغَالِهِ بِهَا، لاَ عَلَى سَبِيل الأُْجْرَةِ؛ لأَِنَّ الأُْجْرَةَ مَجْهُولَةٌ (٢) .

بَيْعُ الْعَامِل مَال الزَّكَاةِ:

١٠ - قَال الْفُقَهَاءُ: لاَ يَجُوزُ لِلسَّاعِي بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ مَال الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، بَل يُوصِلُهَا إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ بِأَعْيَانِهَا إِذَا كَانَ مُفَوَّضًا لِلتَّفْرِيقِ عَلَيْهِمْ؛ لأَِنَّ أَهْل الزَّكَاةِ أَهْل رُشْدٍ لاَ وِلاَيَةَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ مَالِهِمْ بِدُونِ إِذْنِهِمْ، أَوْ يُوصِلُهَا إِلَى الإِْمَامِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُفَوَّضًا لِلتَّفْرِيقِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ بَاعَ بِلاَ ضَرُورَةٍ ضَمِنَ.

_________

(١) المجموع للنووي ٦ / ١٧٥، مغني المحتاج ٣ / ١١٩، جواهر الإكليل ٢ / ١٣٩، البدائع ٢ / ٤٤، كشاف القناع ٢ / ٢٧٦.

(٢) البدائع ٢ / ٤٤، حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٨، ٥٩.

فَإِنْ وَقَعَتْ ضَرُورَةُ الْبَيْعِ، كَأَنْ خَافَ هَلاَكَ بَعْضِ الْمَاشِيَةِ، أَوْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ خَطَرٌ، أَوِ احْتَاجَ إِلَى رَدِّ جُبْرَانٍ، أَوْ إِلَى مُؤْنَةِ النَّقْل، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ جَازَ الْبَيْعُ لِلضَّرُورَةِ (١) .

مَا يُسْتَحَبُّ فِي جَمْعِ الزَّكَاةِ وَتَفْرِيقِهَا:

١١ - يُسْتَحَبُّ لِلإِْمَامِ أَوِ الْعَامِل أَنْ يُعَيِّنَ لِلنَّاسِ شَهْرًا يَأْتِيهِمْ فِيهِ لأَِخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا حَوَلاَنُ الْحَوْل عَلَيْهَا، كَالْمَوَاشِي وَالنُّقُودِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّهْرُ مِنَ السَّنَةِ هُوَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ (٢) وَلأَِنَّهُ أَوَّل السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ، وَلِيَتَهَيَّأَ أَرْبَابُ الأَْمْوَال لِدَفْعِ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ، وَيَتَهَيَّأَ الْمُسْتَحِقُّونَ لأَِخْذِ الزَّكَاةِ، وَالأَْفْضَل أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ قَبْل شَهْرِ الْمُحَرَّمِ، لِيَصِل إِلَيْهِمْ فِي أَوَّلِهِ.

أَمَّا فِيمَا لاَ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْل مِنْ أَمْوَال الزَّكَاةِ

_________

(١) المجموع للنووي ٦ / ١٧٥، مغني المحتاج ٣ / ١١٩، المغني لابن قدامة ٢ / ٦٧٤.

(٢) حديث: " هذا شهر زكاتكم ". أخرجه مالك (٣٢٢) وأبو عبيد في الأموال (١٧٧) موقوفا على عثمان بن عفان وأخرجه البيهقي (٤ / ١٤٨) وقال: رواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان، وأراد بذلك أن أصله في البخاري كما في التلخيص الحبير (٢ / ١٦٤) .

كَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، فَيَبْعَثُ الإِْمَامُ الْعُمَّال لأَِخْذِ زَكَوَاتِهَا وَقْتَ وُجُوبِهَا، وَهُوَ وَقْتُ الْجُذَاذِ وَالْحَصَادِ.

وَيُسْتَحَبُّ لِلسَّاعِي كَذَلِكَ: أَنْ يَعُدَّ الْمَاشِيَةَ عَلَى الْمَاءِ إِنْ كَانَتْ تَرِدُ الْمَاءَ، وَفِي أَفْنِيَتِهِمْ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرِدُ الْمَاءَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ مِيَاهِهِمْ أَوْ عِنْدَ أَفْنِيَتِهِمْ (١) .

فَإِنْ أَخْبَرَهُ صَاحِبُ الْمَال بِعَدَدِهَا - وَهُوَ ثِقَةٌ - فَلَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيَعْمَل بِقَوْلِهِ؛ لأَِنَّهُ أَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ، أَوْ أَرَادَ الاِحْتِيَاطَ بَعْدَهَا عَدَّهَا.

فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْعَدِّ بَعْدَ الْعَدِّ، وَكَانَ الْفَرْضُ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، أَعَادَ الْعَدَّ ثَانِيَةً.

وَإِنِ اخْتَلَفَ السَّاعِي وَرَبُّ الْمَال فِي حَوَلاَنِ الْحَوْل كَأَنْ يَقُول الْمَالِكُ: لَمْ يَحِل الْحَوْل بَعْدُ، وَيَقُول السَّاعِي: بَل حَال الْحَوْل، أَوْ قَال الْمَالِكُ: هَذِهِ السِّخَال تَوَلَّدَتْ بَعْدَ الْحَوْل، وَقَال السَّاعِي: بَل تَوَلَّدَتْ قَبْلَهُ، أَوْ قَال

_________

(١) حديث: " تؤخذ صدقات المسلمين عند مياههم. . . ". أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (ص٢٩٩) من حديث عبد الله بن عمرو، وأخرجه ابن ماجه (١ / ٥٧٧) بلفظ مقارب، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٣١٨)، ولكن له شاهدًا من حديث عائشة أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ / ٧٩) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.

السَّاعِي: كَانَتْ مَاشِيَتُكَ نِصَابًا ثُمَّ تَوَالَدَتْ، وَقَال الْمَالِكُ: بَل مَاشِيَتِي تَمَّتْ نِصَابًا بِالتَّوْلِيدِ، فَالْقَوْل قَوْل الْمَالِكِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَنَظَائِرُهَا مِمَّا لاَ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ، لأَِنَّ الأَْصْل بَرَاءَتُهُ، وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الرِّفْقِ.

وَإِنْ رَأَى السَّاعِي - الْمُفَوَّضُ فِي قَبْضِ الزَّكَاةِ وَتَفْرِيقِهَا - الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يُوَكِّل مَنْ يَأْخُذُهَا مِنَ الْمُزَكِّي عِنْدَ حُلُولِهَا وَيُفَرِّقَهَا عَلَى أَهْلِهَا فَعَل.

وَإِنْ وَثِقَ بِصَاحِبِ الْمَال، وَرَأَى أَنْ يُفَوِّضَ إِلَيْهِ تَفْرِيقَهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ فَعَل أَيْضًا، لأَِنَّ الْمَالِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ زَكَاتَهُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْعَامِل، فَمَعَ إِذْنِهِ أَوْلَى.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ السَّاعِي - لأَِخْذِ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ - مَنْ يَخْرُصُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى خَرْصِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَهُ خَارِصَانِ ذَكَرَانِ حُرَّانِ.

كَمَا يُسْتَحَبُّ لِلإِْمَامِ - أَوِ الْعَامِل إِنْ كَانَ مُفَوَّضًا لِلْقِسْمَةِ - أَنْ يَكُونَ عَارِفًا عَدَدَ الْمُسْتَحِقِّينَ وَقَدْرَ حَاجَتِهِمْ، لِيَتَعَجَّل حُقُوقَهُمْ، وَلِيَأْمَنَ هَلاَكَ الْمَال عِنْدَهُ.

وَيَبْدَأُ فِي الْقِسْمَةِ بِالْعَامِلِينَ، لأَِنَّ

اسْتِحْقَاقَهُمْ أَقْوَى، لِكَوْنِهِمْ يَأْخُذُونَ عَلَى وَجْهِ الْعِوَضِ، وَغَيْرُهُمْ يَأْخُذُ عَلَى وَجْهِ الْمُوَاسَاةِ (١) .

عَامّ

انْظُرْ: عُمُوم.

عَانِسٌ

انْظُرْ: عُنُوس.

_________

(١) المراجع السابقة، وجواهر الإكليل ١ / ١٣٩، حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٩.

عَانَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْعَانَةُ فِي اللُّغَةِ: هِيَ الشَّعْرُ النَّابِتُ فَوْقَ الْفَرْجِ، وَتَصْغِيرُهَا عُوَيْنَةٌ وَقِيل: هِيَ الْمَنْبَتُ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، قَال الْعَدَوِيُّ وَالنَّفْرَاوِيُّ: الْعَانَةُ: هِيَ مَا فَوْقَ الْعَسِيبِ وَالْفَرْجِ وَمَا بَيْنَ الدُّبُرِ وَالأُْنْثَيَيْنِ (٢) .

وَقَال النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْعَانَةِ الشَّعْرُ الَّذِي فَوْقَ ذَكَرِ الرَّجُل وَحَوَالَيْهِ وَكَذَلِكَ الشَّعْرُ الَّذِي حَوَالَيْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ (٣) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعَانَةِ:

حَلْقُ الْعَانَةِ:

٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ حَلْقَ الْعَانَةِ سُنَّةٌ، وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وُجُوبَ

_________

(١) المغرب والمصباح المنير.

(٢) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٣٥٣ ط والحلبي، والفواكه الدواني ٢ / ٤٠١.

(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ٣ / ١٤٨، والمجموع ١ / ٢٨٩.

حَلْقِ الْعَانَةِ عَلَى الزَّوْجَةِ إِذَا أَمَرَهَا زَوْجُهَا بِذَلِكَ (١) .

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ حَلْقِ الْعَانَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ طُرُقِ الإِْزَالَةِ:

٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ إِزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ بِأَيِّ مُزِيلٍ مِنْ حَلْقٍ وَقَصٍّ وَنَتْفٍ وَنَوْرَةٍ (٢)، لأَِنَّ أَصْل السُّنَّةِ يَتَأَدَّى بِالإِْزَالَةِ بِأَيِّ مُزِيلٍ (٣)، كَمَا أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَل لإِزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ فِي حَقِّ الرَّجُل (٤) .

أَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الأَْوْلَى فِي حَقِّهَا النَّتْفُ (٥) .

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ وَالنَّوَوِيُّ فِي قَوْلٍ إِلَى تَرْجِيحِ الْحَلْقِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ (٦)، لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي النَّهْيِ عَنْ طُرُوقِ النِّسَاءِ لَيْلًا حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغَيَّبَةُ (٧) .

_________

(١) المجموع ١ / ٢٨٩، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٥٣ ط. الحلبي، وابن عابدين ٥ / ٢٦١، والفروع ١ / ١٣٠.

(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٣ / ١٤٨، وكشاف القناع ١ / ٧٦، والمغني ١ / ٨٦.

(٣) فتح الباري ١٠ / ٣٤٤.

(٤) فتح الباري ١٠ / ٣٤٤، وصحيح مسلم بشرح النووي ٣ / ١٤٨، والمغني ١ / ٨٦، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٥٣ ط. الحلبي، وابن عابدين ٥ / ٢٦١، والاختيار ٤ / ١٦٧.

(٥) ابن عابدين ٥ / ٢٦١، وحاشية الجمل ٢ / ٤٨، وفتح الباري ١٠ / ٣٤٤.

(٦) كفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٥٣ - ٣٥٤، وفتح الباري ١٠ / ٣٤٤.

(٧) حديث جابر: في النهي عن طروق النساء ليلا. أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٣٤١) .

قَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ بَأْسَ بِالإِْزَالَةِ بِأَيِّ شَيْءٍ وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَفْضَلِيَّةَ الْحَلْقِ (١) .

تَوْقِيتُ حَلْقِ الْعَانَةِ:

٤ - يُسْتَحَبُّ حَلْقُ الْعَانَةِ فِي كُل أُسْبُوعٍ مَرَّةً، وَجَازَ فِي كُل خَمْسَةَ عَشْرَ، وَكُرِهَ تَرْكُهُ وَرَاءَ الأَْرْبَعِينَ (٢)، لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الأَْظْفَارِ وَنَتْفِ الإِْبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لاَ نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (٣) .

قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: ذِكْرُ الأَْرْبَعِينَ تَحْدِيدٌ لأَِكْثَرِ الْمُدَّةِ، وَلاَ يَمْنَعُ تَفَقُّدَ ذَلِكَ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ: الاِحْتِيَاجُ.

وَقَال النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ الأَْحْوَال وَالأَْشْخَاصِ، وَالضَّابِطُ: الْحَاجَةُ فِي هَذَا وَفِي جَمِيعِ الْخِصَال الْمَذْكُورَةِ (٤)، (أَيْ خِصَال الْفِطْرَةِ) .

دَفْنُ شَعْرِ الْعَانَةِ:

٥ - يُسْتَحَبُّ دَفْنُ مَا أُخِذَ مِنْ شَعْرِ الْعَانَةِ

_________

(١) الإنصاف ١ / ١٢٢، والفروع ١ / ١٣٠، والمغني ١ / ٨٦.

(٢) الدر المختار ٥ / ٢٦١، وكشاف القناع ١ / ٧٦.

(٣) حديث أنس: وقت لنا في قص الشارب. أخرجه مسلم (١ / ٢٢٢)

(٤) فتح الباري ١٠ / ٣٤٦.

وَمُوَارَاتُهُ فِي الأَْرْضِ (١) .

قَال مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ الرَّجُل يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَيَدْفِنُهُ أَمْ يُلْقِيهِ؟ قَال يَدْفِنُهُ، قُلْتُ: بَلَغَكَ فِيهِ شَيْءٌ؟ قَال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدْفِنُهُ.

وَرَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِدَفْنِ. الشَّعْرِ وَالأَْظْفَارِ (٢) قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا دَفْنَهَا لِكَوْنِهَا أَجْزَاءً مِنَ الآْدَمِيِّ (٣) .

حَلْقُ عَانَةِ الْمَيِّتِ:

٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِ الْمَيِّتِ (٤)، وَهَذَا مَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ (٥)، فَقَدْ أَوْرَدَ الزَّرْقَانِيُّ أَثَرًا بِلَفْظِ يُصْنَعُ بِالْمَيِّتِ مَا يُصْنَعُ بِالْعَرُوسِ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُحْلَقُ وَلاَ يُنَوَّرُ (٦) .

_________

(١) المجموع ١ / ٢٨٩ - ٢٩٠.

(٢) المغني ١ / ٨٨، وكشاف القناع ١ / ٧٦. وحديث: " أمر بدفن الشعر والأظفار ". أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥ / ٢٣٢ - ط. دار الكتب العلمية) من حديث وائل بن حجر، وقال البيهقي: (هذا إسناد ضعيف) .

(٣) فتح الباري ١٠ / ٣٤٦.

(٤) الاختيار ١ / ٩٢.

(٥) الزرقاني ٢ / ٨٨، والتاج والإكليل ٢ / ٢١٢.

(٦) حديث: " يصنع بالميت ما يصنع بالعروس ". أورده ابن حجر في التلخيص (٢ / ١٠٦) بلفظ: " افعلوا بميتكم ما تفعلون بعروسكم " وقال: قال ابن الصلاح: بحثت عنه فلم أجده ثابتًا، وقال أبو شامة في كتاب السواك: هذا الحديث غير معروف.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى تَحْرِيمِ حَلْقِ شَعْرِ عَانَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ لَمْسِ عَوْرَتِهِ وَرُبَّمَا احْتَاجَ إِلَى نَظَرِهَا وَهُوَ مُحَرَّمٌ فَلاَ يُرْتَكَبُ مِنْ أَجْل مَنْدُوبٍ (١) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْجَدِيدِ اسْتِحْبَابَ أَخْذِ شَعْرِ عَانَةِ الْمَيِّتِ، وَعَلَى الْقَوْل الثَّانِي يَقُولُونَ بِكَرَاهَتِهِ (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل (ر: شَعْر) .

النَّظَرُ إِلَى الْعَانَةِ لِلضَّرُورَةِ:

٧ - يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الْعَانَةِ وَإِلَى الْعَوْرَةِ عَامَّةً لِحَاجَةٍ مُلْجِئَةٍ (٣)، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُبَاحُ لِلطَّبِيبِ النَّظَرُ إِلَى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ بَدَنِهَا (بَدَنِ الْمَرْأَةِ) مِنَ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ (وَمِثْل ذَلِكَ النَّظَرُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُل) لِحَدِيثِ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَال: كُنْتُ مِنْ سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ، فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِل، وَمَنْ لَمْ يَنْبُتْ لَمْ يُقْتَل فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يَنْبُتْ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَكَشَفُوا عَانَتِي فَوَجَدُوهَا لَمْ تَنْبُتْ، فَجَعَلُونِي مِنَ السَّبْيِ (٤) .

وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ أُتِيَ بِغُلاَمٍ قَدْ سَرَقَ

_________

(١) كشاف القناع ٢ / ٩٧.

(٢) المجموع ٥ / ١٧٨ وما بعدها.

(٣) مغني المحتاج ٣ / ١٣٣، وبدائع الصنائع ٥ / ١٢٤. والمغني ٦ / ٥٥٨، وكشاف القناع ١ / ٢٦٥.

(٤) حديث عطية القرظي: كنت من سبي قريظة. أخرجه أبو داود (٤ / ٥٦١) والترمذي (٤ / ١٤٥) وقال: (حديث حسن صحيح) .