الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩ الصفحة 38

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩

مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٥ - الظِّهَارُ مُحَرَّمٌ، وَلاَ يُعْتَبَرُ طَلاَقًا، وَصَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ لِكَوْنِهِ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْل وَزُورًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْل وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (٢) .

وَلِحَدِيثِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ حِينَ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَشْتَكِي فَأَنْزَل اللَّهُ أَوَّل سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ (٣) .

_________

(١) سورة المجادلة ١ - ٤. وحديث: (غضب أوس بن الصامت على زوجته خولة بنت ثعلبة. .) . أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٦٦) والحاكم (٢ / ٤٨١) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في التلخيص (٣ / ٢٢٠): وأصله في البخاري.

(٢) سورة المجادلة آية ٢، ومغني المحتاج ٣ / ٣٥٧، وبدائع الصنائع ٣ / ٢٢٣.

(٣) تقدم تخريج الحديث فقرة / ٤.

التَّوْقِيتُ وَالتَّأْبِيدُ فِي الظِّهَارِ:

٦ - الظِّهَارُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُؤَبَّدًا، مِثْل أَنْ يَقُول الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَلاَ يَذْكُرُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً كَأُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، مِثْل أَنْ يَقُول الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَهْرًا، فَإِذَا قَال لَهَا ذَلِكَ كَانَ مُظَاهِرًا مِنْهَا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَإِذَا عَزَمَ عَلَى قُرْبَانِهَا فِيهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، فَإِذَا مَضَى الْوَقْتُ زَال الظِّهَارُ وَحَلَّتِ الْمَرْأَةُ بِلاَ كَفَّارَةٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الظِّهَارُ إِلاَّ مُؤَبَّدًا، فَإِنْ ذَكَرَ الْوَقْتَ فِيهِ كَانَ ذِكْرُهُ لَغْوًا، فَإِذَا قَال الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي هَذَا الشَّهْرَ كَانَ الظِّهَارُ مُؤَبَّدًا، وَلاَ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الشَّهْرِ الَّذِي عَيَّنَهُ، وَعَلَى هَذَا تَحْرُمُ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ وَبَعْدَهُ، وَلاَ تَحِل لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ.

وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَاللَّيْثِ: إِنَّ التَّوْقِيتَ فِي الظِّهَارِ لاَ يُعْتَبَرُ ظِهَارًا (٢) .

_________

(١) البدائع ٣ / ٢٣٥، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٤٩، ومغني المحتاج ٣ / ٣٥٧.

(٢) شرح الخرشي على مختصر خليل ٣ / ٢٤، وانظر المراجع السابقة.

قَدِ اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ أَنَّهُ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَأَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ أَصَابَهَا فِي الشَّهْرِ فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ (١)، فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى أَنَّ الظِّهَارَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا بِالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ كَانَ الظِّهَارُ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ إِذَا كَانَ مُؤَبَّدًا لَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْحُكْمَ، وَلأَِنَّ الظِّهَارَ شَبِيهٌ بِالْيَمِينِ مِنْ نَاحِيَةِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ يَنْتَهِي بِالْكَفَّارَةِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْيَمِينُ يَصِحُّ فِيهِ التَّأْبِيدُ وَالتَّوْقِيتُ، فَيَكُونُ الظِّهَارُ مِثْلَهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ (٢) .

وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِأَنَّ الظِّهَارَ يُشْبِهُ الطَّلاَقَ مِنْ نَاحِيَةٍ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، وَالطَّلاَقُ لاَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا، وَلَوْ أُقِّتَ بِوَقْتٍ كَانَ التَّوْقِيتُ لَغْوًا، فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ (٣) .

وَاسْتَدَل مَنْ قَال: إِنَّ التَّأْقِيتَ فِي الظِّهَارِ لاَ يُعْتَبَرُ ظِهَارًا بِأَنَّهُ لَمْ يُؤَبِّدِ التَّحْرِيمَ، فَأَشْبَهَ مَا إِذَا شَبَّهَهَا بِامْرَأَةٍ لاَ تَحْرُمُ عَلَى التَّأْبِيدِ (٤) .

_________

(١) حديث سلمة بن صخر " أنه ظاهر من امرأته حتى ينسلخ. . . " أخرجه أحمد (٤ / ٣٧) وأبو داود (٢ / ٦٦٠ - ٦٦٢) والترمذي (٣ / ٤٩٣) وقال الترمذي: هذا حديث حسن. .

(٢) المغني لابن قدامة ٧ / ٣٤٩، وإحكام القرآن لأبي بكر الجصاص ٣ / ٥١٧.

(٣) شرح الخرشي على مختصر خليل ٣ / ٢٤٣.

(٤) مغني المحتاج ٣ / ٣٥٧.

أَرْكَانُ الظِّهَارِ:

٧ - رُكْنُ الظِّهَارِ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - اللَّفْظُ الدَّال عَلَيْهِ، وَهُوَ التَّعْبِيرُ الْمُشْتَمِل عَلَى تَشْبِيهِ الزَّوْجَةِ بِامْرَأَةٍ مُحَرَّمَةٍ عَلَى الزَّوْجِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا كَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَالظِّهَارُ لاَ يَقُومُ إِلاَّ بِالتَّعْبِيرِ الْمُنْشِئِ لَهُ عِنْدَهُمْ.

وَأَرْكَانُ الظِّهَارِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَرْبَعَةٌ هِيَ.

١ - مُشَبِّهٌ وَهُوَ الزَّوْجُ الْمُظَاهِرُ.

٢ - مُشَبَّهٌ وَهُوَ الزَّوْجَةُ الْمُظَاهَرُ مِنْهَا.

٣ - مُشَبَّهٌ بِهِ وَهُوَ الْمُحَرَّمُ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ.

٤ - الصِّيغَةُ (١) .

شُرُوطُ الظِّهَارِ:

يُشْتَرَطُ فِي الظِّهَارِ مَا يَلِي:

الشَّرْطُ الأَْوَّل

٨ - أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ مُوَجَّهًا إِلَى الزَّوْجَةِ كُلِّهَا أَوْ إِلَى جُزْءٍ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ التَّشْبِيهُ مُوَجَّهًا إِلَى الْمَرْأَةِ كُلِّهَا صَحَّ الظِّهَارُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَصُورَتُهُ: أَنْ يَقُول الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.

أَمَّا إِنْ كَانَ التَّشْبِيهُ مُوَجَّهًا إِلَى جُزْءٍ مِنَ

_________

(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٤٤٠، روضة الطالبين ٨ / ٢٦١، كشاف القناع ٥ / ٣٦٩.

الْمَرْأَةِ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الأَْجْزَاءِ الشَّائِعَةِ كَالنِّصْفِ وَالرُّبْعِ، أَوْ كَانَ مِنَ الأَْجْزَاءِ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْكُل مَجَازًا فَالظِّهَارُ يَكُونُ صَحِيحًا.

وَإِنْ كَانَ الْجُزْءُ الْمُشَبَّهُ لاَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْكُل مَجَازًا مِثْل الْيَدِ وَالرِّجْل وَنَحْوِهِمَا فَلاَ يَصِحُّ الظِّهَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ يَصِحُّ الظِّهَارُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْجُزْءُ الْمُشَبَّهُ جُزْءًا حَقِيقَةً كَالْيَدِ وَالرِّجْل، أَوْ كَانَ جُزْءًا حُكْمًا كَالشَّعْرِ وَالرِّيقِ وَالْكَلاَمِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ وَالْحَنَابِلَةُ يَصِحُّ الظِّهَارُ إِذَا كَانَ الْجُزْءُ الْمُشَبَّهُ كَالْيَدِ وَالرِّجْل، وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الظِّهَارُ إِذَا كَانَ مِنَ الأَْجْزَاءِ الْمُنْفَصِلَةِ غَيْرِ الثَّابِتَةِ كَالدَّمْعِ وَالرِّيقِ وَالْكَلاَمِ (١) .

الشَّرْطُ الثَّانِي:

٩ - أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ بِامْرَأَةٍ مُحَرَّمَةٍ عَلَى الزَّوْجِ.

وَالْمَرْأَةُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَى الرَّجُل إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ مُؤَبَّدًا، وَإِمَّا يَكُونُ مُؤَقَّتًا.

فَإِنْ شَبَّهَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ بِامْرَأَةٍ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيل التَّأْبِيدِ بِلَفْظٍ يَدُل عَلَى الظِّهَارِ، بِأَنْ

_________

(١) البدائع ٣ / ٢٣٣، ٢٣٤، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٤٢، وشرح الخرشي ٣ / ٢٤٣، ٢٤٦، ومغني المحتاج ٣ / ٣٥٣.

قَال لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ ظِهَارٌ.

أَمَّا إِذَا شَبَّهَهَا بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيل التَّأْقِيتِ، كَأُخْتِ الزَّوْجَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: إِلَى أَنَّ تَشْبِيهَ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيل التَّأْقِيتِ لَغْوٌ وَلَيْسَ بِظِهَارٍ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ كِنَايَةَ ظِهَارٍ، إِنْ نَوَى بِهِ ظِهَارًا وَقَعَ، وَإِلاَّ فَلاَ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَمَا ذَكَرَ الْبُهُوتِيُّ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَوْرَدَهَا ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهُ يَكُونُ ظِهَارًا (١) .

١٠ - وَإِذَا شَبَّهَ الرَّجُل زَوْجَتَهُ بِعُضْوٍ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنِ امْرَأَةٍ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا فَإِنْ كَانَ هَذَا الْعُضْوُ هُوَ ظَهْرُ الأُْمِّ مِثْل أَنْ يَقُول لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ الظِّهَارِ بِهِ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ صَرِيحَ الظِّهَارِ أَنْ يَقُول: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَفِي حَدِيثِ خَوْلَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ قَال لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ

_________

(١) بدائع الصنائع ٣ / ٢٣٣ - ٢٣٤، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٤٢ - ٤٤٣، والخرشي ٤ / ١٠٦، مغني المحتاج ٣ / ٣٥٤، المغني لابن قدامة ٧ / ٣٤١، وكشاف القناع ٥ / ٣٦٩.

فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ (١)، وَمِثْل الأُْمِّ فِي هَذَا الْجَدَّةُ؛ لأَِنَّهَا أُمٌّ أَيْضًا.

وَإِنْ كَانَ الْعُضْوُ الْمُشَبَّهُ بِهِ " ظَهْرَ " غَيْرِ الأُْمِّ وَالْجَدَّةِ، مِمَّنْ تَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، كَأُخْتِهِ وَخَالَتِهِ وَعَمَّتِهِ نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا، وَزَوْجَةِ أَبِيهِ وَابْنِهِ، فَالظِّهَارُ يَكُونُ صَحِيحًا.

أَمَّا إِنْ كَانَ الْعُضْوُ الْمُشَبَّهُ بِهِ لَيْسَ هُوَ الظَّهْرُ فَالتَّشَبُّهُ بِهِ يَكُونُ ظِهَارًا إِذَا كَانَ مِنَ الأَْعْضَاءِ الَّتِي يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا مِثْل الْبَطْنِ وَالْفَخِذِ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الأَْعْضَاءِ الَّتِي يَحِل النَّظَرُ إِلَيْهَا كَالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَالْيَدِ فَلاَ يَكُونُ ظِهَارًا، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢)، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ إِذَا كَانَ يَحِل النَّظَرُ إِلَيْهِ لاَ يَتَحَقَّقُ بِالتَّشْبِيهِ بِهِ مَعْنَى الظِّهَارِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: التَّشْبِيهُ بِغَيْرِ الظَّهْرِ يَكُونُ ظِهَارًا مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ جُزْءًا حَقِيقَةً كَالرَّأْسِ وَالْيَدِ وَالرِّجْل أَمْ كَانَ جُزْءًا حُكْمًا كَالشَّعْرِ وَالرِّيقِ وَالدَّمْعِ وَالْعَرَقِ، فَلَوْ قَال الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَرَأْسِ أُمِّي أَوْ كَيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا، أَوْ قَال لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَشَعْرِ أُمِّي أَوْ كَرِيقِهَا كَانَ ظِهَارًا؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْجْزَاءَ وَإِنْ كَانَ يَحِل النَّظَرُ إِلَيْهَا إِلاَّ أَنَّهَا لاَ يَحِل التَّلَذُّذُ

_________

(١) حديث خولة تقدم تخريجه فـ / ٤.

(٢) بدائع الصنائع ٣ / ٢٣١.

أَوْ الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا، وَالتَّلَذُّذُ أَوْ الاِسْتِمْتَاعُ هُوَ الْمُسْتَفَادُ بِعَقْدِ الزَّوَاجِ، فَيَكُونُ التَّشْبِيهُ بِجُزْءٍ مِنْهَا ظِهَارًا، مِثْل التَّشْبِيهِ بِالظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالْفَخِذِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لاَ يَحِل النَّظَرُ إِلَيْهِ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا شَبَّبَهَا بِبَعْضِ أَجْزَاءِ الأُْمِّ - غَيْرِ الظَّهْرِ - فَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَذْكُرُ فِي مَعْرِضِ الْكَرَامَةِ وَالإِْعْزَازِ، كَالْيَدِ وَالرِّجْل وَالصَّدْرِ وَالْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَالشَّعْرِ، فَقَوْلاَنِ: أَظْهَرُهُمَا - وَهُوَ الْجَدِيدُ - أَنَّهُ ظِهَارٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُذْكَرُ فِي مَعْرِضِ الإِْعْزَازِ وَالإِْكْرَامِ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَعَيْنِ أُمِّي، فَإِنْ أَرَادَ الْكَرَامَةَ فَلَيْسَ بِظِهَارٍ، وَإِنْ أَرَادَ الظِّهَارَ وَقَعَ ظِهَارًا قَطْعًا (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ التَّشْبِيهَ بِجُزْءٍ غَيْرِ الظَّهْرِ يَكُونُ ظِهَارًا مَتَى كَانَ مِنَ الأَْجْزَاءِ الثَّابِتَةِ كَالْيَدِ وَالرِّجْل وَالرَّأْسِ، أَمَّا لَوْ كَانَ مِنَ الأَْجْزَاءِ غَيْرِ الثَّابِتَةِ كَالرِّيقِ وَالْعَرَقِ وَالدَّمْعِ وَالْكَلاَمِ أَوْ كَالشَّعْرِ وَالسِّنِّ وَالظُّفُرِ فَلاَ يَصِحُّ الظِّهَارُ إِذَا كَانَ التَّشْبِيهُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الأَْعْضَاءِ الثَّابِتَةِ، وَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا فَكَذَلِكَ الظِّهَارَ (٣) .

_________

(١) بداية المجتهد ٢ / ٩٠، والخرشي ٤ / ١٠٣، روضة الطالبين ٨ / ٢٦٣، ومغني المحتاج ٣ / ٣٥٣.

(٢) روضة الطالبين ٨ / ٢٦٣.

(٣) المغني لابن قدامة ٧ / ٣٤٦.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ:

١١ - أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنَى التَّحْرِيمِ.

فَإِذَا قَال الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي مَثَلًا، يَقْصِدُ مِنْ ذَلِكَ تَحْرِيمَ إِتْيَانِ زَوْجَتِهِ كَتَحْرِيمِ إِتْيَانِ أُمِّهِ، أَوْ تَحْرِيمَ التَّلَذُّذِ وَالاِسْتِمْتَاعِ بِهَا كَتَحْرِيمِ التَّلَذُّذِ بِالأُْمِّ وَالاِسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ ظِهَارًا.

وَإِذَا كَانَ التَّشْبِيهُ لاَ يَشْتَمِل عَلَى التَّحْرِيمِ لاَ يَكُونُ ظِهَارًا، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ زَوْجَتَانِ، فَشَبَّهَ إِحْدَاهُمَا بِظَهْرِ الأُْخْرَى؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنَ الزَّوْجَتَيْنِ يَحِل لِلزَّوْجِ قُرْبَانُهَا، فَلاَ يَكُونُ تَشْبِيهُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالأُْخْرَى مُتَضَمِّنًا لِلتَّحْرِيمِ حَتَّى يَكُونَ ظِهَارًا. وَكَذَا إِذَا قَالَتِ الزَّوْجَةُ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ: أَنَا عَلَيْكَ كَظَهْرِ أُمِّكَ فَهُوَ لَغْوٌ، لأَِنَّ التَّحْرِيمَ لَيْسَ إِلَيْهَا.

١٢ - وَإِنْ شَبَّهَ الرَّجُل زَوْجَتَهُ بِشَيْءٍ مُحَرَّمٍ مِنْ غَيْرِ النِّسَاءِ فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَكُونُ ظِهَارًا، كَأَنْ يَقُول لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْخَمْرِ أَوِ الْخِنْزِيرِ أَوِ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ ظِهَارًا، وَلَكِنْ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى نِيَّتِهِ وَقَصْدِهِ، فَإِنْ قَال: قَصَدْتُ الطَّلاَقَ كَانَ طَلاَقًا بَائِنًا، وَإِنْ قَال: قَصَدْتُ التَّحْرِيمَ أَوْ: لَمْ أَقْصِدْ شَيْئًا أَصْلًا كَانَ إِيلاَءً (١) .

_________

(١) البدائع ٣ / ١٧٠، ٢٣٢، وفتح القدير على الهداية ٣ / ٢٢٥، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢ / ٨٨٧، ٨٨٨.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ قَال لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَكُل شَيْءٍ حَرَّمَهُ الْكِتَابُ تَطْلُقُ عَلَيْهِ طَلاَقًا بَائِنًا وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ نَافِعٍ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: قَال رَبِيعَةُ: مَنْ قَال: أَنْتِ عَلَيَّ مِثْل كُل شَيْءٍ حَرَّمَهُ الْكِتَابُ، فَهُوَ مُظَاهِرٌ، وَعِنْدَهُمْ يَلْزَمُ الظِّهَارُ بِأَيِّ كَلاَمٍ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ، نَحْوُ: كُلِي، أَوِ اشْرَبِي، أَوِ اسْقِنِي، أَوِ اخْرُجِي (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِشَيْءٍ مُحَرَّمٍ: كَأَنْ يَقُول: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ، أَوِ الدَّمِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ:

إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ ظِهَارٌ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ، وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لأَِنَّهُ تَشْبِيهٌ بِمَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلاِسْتِمَاعِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَال: أَنْتِ عَلَيَّ كَمَال زَيْدٍ، وَهَل فِيهِ كَفَّارَةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: فِيهِ كَفَّارَةٌ، لأَِنَّهُ نَوْعُ تَحْرِيمٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَرَّمَ مَالُهُ، وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ: إِنْ نَوَى بِهِ الطَّلاَقَ كَانَ طَلاَقًا، وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ كَانَ ظِهَارًا، وَإِنْ نَوَى يَمِينًا كَانَ يَمِينًا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ

_________

(١) شرح الزرقاني ٤ / ١٦٨، المدونة ٣ / ٥٠ - ٥١.