الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩

شَيْئًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: هُوَ ظِهَارٌ، وَالأُْخْرَى: هُوَ يَمِينٌ (١) .

الشَّرْطُ الرَّابِعُ:

١٣ - أَنْ تَكُونَ صِيغَةُ الظِّهَارِ دَالَّةً عَلَى إِرَادَتِهِ:

الظِّهَارُ الَّذِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ هُوَ مَا يَكُونُ بِصِيغَةٍ تَدُل عَلَى إِرَادَةِ وُقُوعِهِ.

وَالصِّيغَةُ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ صَرِيحَةً أَوْ كِنَايَةً، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ تَنْجِيزًا أَوْ تَعْلِيقًا أَوْ إِضَافَةً.

فَصَرِيحُ الظِّهَارِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا دَل عَلَى الظِّهَارِ دَلاَلَةً وَاضِحَةً وَلاَ يَحْتَمِل شَيْئًا آخَرَ سِوَاهُ، وَمِثَالُهُ أَنْ يَقُول الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَالظِّهَارُ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْكَلاَمِ بِوُضُوحٍ، بِحَيْثُ يَسْبِقُ إِلَى أَفْهَامِ السَّامِعِينَ بِدُونِ احْتِيَاجٍ إِلَى نِيَّةٍ أَوْ دَلاَلَةِ حَالٍ.

وَحُكْمُ الصَّرِيحِ وُقُوعُ الظِّهَارِ بِهِ بِدُونِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَصْدِ وَالإِْرَادَةِ، فَلَوْ قَال الرَّجُل هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَلَمْ يَقْصِدِ الظِّهَارَ كَانَ ظِهَارًا، وَلَوْ قَال: إِنَّهُ نَوَى بِهِ غَيْرَ الظِّهَارِ لاَ يُصَدَّقُ قَضَاءً، وَيُصَدَّقُ دِيَانَةً؛ لأَِنَّهُ إِذَا نَوَى غَيْرَ الظِّهَارِ فَقَدْ أَرَادَ صَرْفَ اللَّفْظِ عَمَّا وُضِعَ لَهُ إِلَى غَيْرِهِ فَلاَ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ، فَإِذَا ادَّعَى إِرَادَةَ غَيْرِ الظِّهَارِ لاَ يَسْمَعُ الْقَاضِي دَعْوَاهُ؛ لأَِنَّهَا خِلاَفُ

_________

(١) المغني لابن قدامة ١ / ٣٤١ - ٣٤٢، ٧ / ٣٤١ - ٣٤٢.

الظَّاهِرِ، وَلَكِنْ يُصَدَّقُ دِيَانَةً أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَِنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلاَمُهُ (١) .

وَالْكِنَايَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مَا يَحْتَمِل الظِّهَارَ وَغَيْرَهُ وَلَمْ يَغْلِبِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الظِّهَارِ عُرْفًا، وَمِثَالُهُ أَنْ يَقُول الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي أَوْ: مِثْل أُمِّي، فَإِنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الظِّهَارِ؛ لأَِنَّهُ يَحْتَمِل أَنَّهَا مِثْل أُمِّهِ فِي الْكَرَامَةِ وَالْمَنْزِلَةِ، وَيَحْتَمِل أَنَّهَا مِثْلُهَا فِي التَّحْرِيمِ، فَإِنْ قَصَدَ أَنَّهَا مِثْلُهَا فِي الْكَرَامَةِ وَالْمَنْزِلَةِ فَلاَ يَكُونُ ظِهَارًا وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلاَقَ كَانَ طَلاَقًا، وَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ كَانَ ظِهَارًا؛ لأَِنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِل كُل هَذِهِ الأُْمُورِ، فَأَيُّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَرَادَهُ كَانَ صَحِيحًا وَحُمِل اللَّفْظُ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَال: لَمْ أَقْصِدْ شَيْئًا لاَ يَكُونُ ظِهَارًا، لأَِنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَل فِي التَّحْرِيمِ وَغَيْرِهِ فَلاَ يَنْصَرِفُ إِلَى التَّحْرِيمِ إِلاَّ بِنِيَّةٍ (٢) .

١٤ - وَالظِّهَارُ تَارَةً يَكُونُ خَالِيًا مِنَ الإِْضَافَةِ إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَمِنَ التَّعْلِيقِ عَلَى حُصُول أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَتَارَةً يَكُونُ مُشْتَمِلًا عَلَى التَّعْلِيقِ عَلَى حُصُول أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل أَوِ الإِْضَافَةِ إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَإِذَا خَلاَ التَّعْبِيرُ

_________

(١) البدائع ٣ / ٢٣١، الشرح الصغير ٢ / ٦٣٧، روضة الطالبين ٨ / ٢٦٢.

(٢) البدائع ٣ / ٢٣١، وبداية المجتهد ٢ / ٩٠، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٤٢، والخرشي ٤ / ١٠٧ ط. بيروت.

عَنِ التَّعْلِيقِ وَالإِْضَافَةِ كَانَ الظِّهَارُ مُنَجَّزًا، وَإِنِ اشْتَمَل عَلَى الإِْضَافَةِ إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ كَانَ مُضَافًا، وَإِنِ اشْتَمَل عَلَى التَّعْلِيقِ كَانَ مُعَلَّقًا.

فَالظِّهَارُ الْمُنَجَّزُ هُوَ: مَا خَلَتْ صِيغَةُ إِنْشَائِهِ عَنِ الإِْضَافَةِ إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ وَعَنِ التَّعْلِيقِ عَلَى حُصُول أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل مِثْل أَنْ يَقُول الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَهَذَا يُعْتَبَرُ ظِهَارًا فِي الْحَال، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ بِمُجَرَّدِ صُدُورِهِ بِدُونِ تَوَقُّفٍ عَلَى حُصُول شَيْءٍ آخَرَ.

وَالظِّهَارُ الْمُعَلَّقُ هُوَ: مَا رَتَّبَ حُصُولَهُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل بِأَدَاةٍ مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ الْمَعْرُوفَةِ مِثْل " إِنْ " " وَإِذَا " " وَلَوْ " " وَمَتَى " وَنَحْوِهَا.

وَمِنْ أَمْثِلَةِ الظِّهَارِ الْمُعَلَّقِ: أَنْ يَقُول الرَّجُل: لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ سَافَرْتِ إِلَى بَلَدِ أَهْلِكِ.

وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يُعْتَبَرُ مَا صَدَرَ عَنِ الرَّجُل ظِهَارًا قَبْل وُجُودِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ التَّعْلِيقَ يَجْعَل وُجُودَ التَّصَرُّفِ الْمُعَلَّقِ مُرْتَبِطًا بِوُجُودِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، فَفِي الْمِثَال الْمُتَقَدِّمِ لاَ يَكُونُ الرَّجُل مُظَاهِرًا قَبْل أَنْ تُسَافِرَ زَوْجَتُهُ إِلَى بَلَدِ أَهْلِهَا، فَإِذَا سَافَرَتْ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ صَارَ مُظَاهِرًا، وَلَزِمَهُ حُكْمُ الظِّهَارِ.

وَإِذَا عَلَّقَ الظِّهَارَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى بَطَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ مُكَفِّرَةٌ، فَصَحَّ فِيهَا الاِسْتِثْنَاءُ.

وَإِذَا عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةِ فُلاَنٍ، أَوْ بِمَشِيئَتِهَا، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَقَعُ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى الْمَشِيئَةِ فِي الْمَجْلِسِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ الظِّهَارِ إِذَا عُلِّقَ عَلَى مَشِيئَةِ فُلاَنٍ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ قَوْلِهِمْ (١) .

١٥ - وَالظِّهَارُ الْمُضَافُ هُوَ: مَا كَانَتْ صِيغَةُ إِنْشَائِهِ مَقْرُونَةً بِوَقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ يَقْصِدُ الزَّوْجُ تَحْرِيمَ زَوْجَتِهِ عِنْدَ حُلُولِهِ، وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يَقُول الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي بَعْدَ الشَّهْرِ الْقَادِمِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُعْتَبَرُ مَا صَدَرَ عَنِ الزَّوْجِ ظِهَارًا مِنْ وَقْتِ صُدُورِهِ، وَلَكِنَّ الْحُكْمَ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِلاَّ عِنْدَ وُجُودِ الْوَقْتِ الَّذِي أُضِيفَ الظِّهَارُ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ الإِْضَافَةَ لاَ تَمْنَعُ انْعِقَادَ التَّصَرُّفِ سَبَبًا لِحُكْمِهِ، وَلَكِنَّهَا تُؤَخِّرُ حُكْمَهُ، إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ، فَفِي قَوْل الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي بَعْدَ الشَّهْرِ الْقَادِمِ يُعْتَبَرُ مُظَاهِرًا مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي صَدَرَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّيغَةُ، وَلِهَذَا

_________

(١) درر الأحكام ١ / ٣٩٣، كشاف القناع ٥ / ٣٧٣، حاشية الدسوقي ٢ / ٣٩١.

لَوْ كَانَ الرَّجُل قَدْ حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى: أَلاَّ يُظَاهِرَ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَقَال لَهَا هَذِهِ الْعِبَارَةَ السَّابِقَةَ حُكِمَ بِحِنْثِهِ فِي الْيَمِينِ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِمُجَرَّدِ صُدُورِ الصِّيغَةِ الْمُضَافَةِ، وَلَكِنْ لاَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُعَاشَرَةُ زَوْجَتِهِ إِلاَّ عِنْدَ حُلُول الزَّمَنِ الَّذِي أَضَافَ الظِّهَارَ إِلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (١) .

وَوَجْهُهُ: أَنَّ الظِّهَارَ مِثْل الطَّلاَقِ فِي تَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، وَالطَّلاَقُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا وَمُعَلَّقًا، فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الظِّهَارَ إِذَا كَانَ مُضَافًا إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، أَوْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حُصُول أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَكَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مُحَقَّقَ الْحُصُول أَوْ غَالِبُ الْحُصُول فِي الْمُسْتَقْبَل، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُنَجَّزًا وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ فِي الْحَال، فَإِذَا قَال الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي بَعْدَ سَنَةٍ، أَوْ قَال لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ أَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ، كَانَ مُظَاهِرًا فِي الْحَال، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ بِمُجَرَّدِ صُدُورِ الصِّيغَةِ، لأَِنَّ الظِّهَارَ كَالطَّلاَقِ كِلاَهُمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ، وَالطَّلاَقُ الْمُضَافُ أَوِ الْمُعَلَّقُ عَلَى أَمْرٍ مُحَقَّقِ الْوُقُوعِ فِي الْمُسْتَقْبَل، أَوْ غَالِبِ الْوُقُوعِ فِيهِ،

_________

(١) البدائع ٣ / ٢٣٢، المغني لابن قدامة ٧ / ٣٥٠، ومغني المحتاج ٣ / ٣٥٤، وروضة الطالبين ٨ / ٢٦٥.

يَكُونُ مُنَجَّزًا، فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ (١) .

الشَّرْطُ الْخَامِسُ:

١٦ - أَنْ يَكُونَ الْمُظَاهِرُ قَاصِدًا الظِّهَارَ. وَيَتَحَقَّقُ هَذَا الشَّرْطُ بِإِرَادَةِ الزَّوْجِ النُّطْقَ بِالْعِبَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الظِّهَارِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، فَإِذَا كَانَ مَعَ هَذِهِ الإِْرَادَةِ رَغْبَةٌ فِي الظِّهَارِ كَانَ الظِّهَارُ صَادِرًا عَنْ رِضًا صَحِيحٍ، وَإِنْ وُجِدَتِ الإِْرَادَةُ وَحْدَهَا، وَانْتَفَتِ الرَّغْبَةُ فِي الظِّهَارِ لَمْ يَتَحَقَّقِ الرِّضَا، وَذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مُكْرَهًا عَلَى الظِّهَارِ بِتَهْدِيدِهِ بِالْقَتْل أَوِ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ أَوِ الْحَبْسِ الْمَدِيدِ، فَيَصْدُرُ الظِّهَارُ عَنْهُ خَوْفًا مِنْ وُقُوعِ مَا هُدِّدَ بِهِ لَوِ امْتَنَعَ، فَإِنَّ صُدُورَ الصِّيغَةِ مِنَ الزَّوْجِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ عَنْ قَصْدٍ لَكِنَّهُ لَيْسَ عَنْ رِضًا صَحِيحٍ.

وَالظِّهَارُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ - حَالَةِ الإِْكْرَاهِ - يَكُونُ مُعْتَبَرًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ، لأَِنَّ الظِّهَارَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَصِحُّ مَعَ الإِْكْرَاهِ كَالطَّلاَقِ (٢)، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقِيَاسِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْهَازِل، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَصْدُرُ عَنْهُ صِيغَةُ التَّصَرُّفِ عَنْ قَصْدٍ

_________

(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٤٤٠ وشرح الخرشي مع حاشية العدوي ٣ / ٢٤٣.

(٢) البدائع ٣ / ٢٣١.

وَاخْتِيَارٍ، لَكِنَّهُ لاَ يُرِيدُ الْحُكْمَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.

وَظِهَارُ الْهَازِل مُعْتَبَرٌ كَطَلاَقِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ (١) فَيَكُونُ ظِهَارُ الْمُكْرَهِ مُعْتَبَرًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْهَازِل.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: (٢) لاَ يَصِحُّ ظِهَارُ الْمُكْرَهِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٣) .

١٧ - وَإِذَا صَدَرَتْ صِيغَةُ الظِّهَارِ مِنَ الزَّوْجِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ مُوجِبَهَا، بَل أَرَادَ اللَّهْوَ وَاللَّعِبَ - وَهَذَا هُوَ الْهَازِل - فَإِنَّ الظِّهَارَ يَكُونُ مُعْتَبَرًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ (٤) .

_________

(١) منتقى الأخبار مع نيل الأوطار ٦ / ٢٤٩. وحديث: " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد. . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٦٤٣ - ٦٤٤) والترمذي (٣ / ٤٨١) من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

(٢) شرح الخرشي ٤ / ١٠٢، الدسوقي ٢ / ٤٣٩، ومغني المحتاج ٣ / ٣٥٢، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٣٩.

(٣) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩) والحاكم (٢ / ١٩٨) من حديث ابن عباس وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

(٤) البدائع ٣ / ٢٣١، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٣٦٦، ومغني المحتاج ٣ / ٢٨٨، والمغني لابن قدامة ٦ / ٥٣٥.

وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ (١) وَالظِّهَارُ كَالطَّلاَقِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَهُ، وَلأَِنَّ الْهَازِل يَصْدُرُ عَنْهُ السَّبَبُ - وَهُوَ الصِّيغَةُ - وَهُوَ قَاصِدٌ مُخْتَارٌ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُرِيدُ الْحُكْمَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَتَرْتِيبُ الأَْحْكَامِ عَلَى أَسْبَابِهَا مَوْكُولٌ إِلَى الشَّارِعِ لاَ إِلَى الْعَاقِدِ.

١٨ - وَلَوْ أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِغَيْرِ الظِّهَارِ، فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ الظِّهَارُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَصْلًا - وَهَذَا هُوَ الْمُخْطِئُ - فَلاَ يُعْتَبَرُ ظِهَارًا دِيَانَةً، وَيُعْتَبَرُ ظِهَارًا قَضَاءً، وَمَعْنَى اعْتِبَارِهِ فِي الْقَضَاءِ دُونَ الدِّيَانَةِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالظِّهَارِ إِلاَّ الزَّوْجُ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي مُعَاشَرَةِ زَوْجَتِهِ بِدُونِ حَرَجٍ وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا سَأَل فَقِيهًا عَمَّا صَدَرَ مِنْهُ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَهُ بِأَلاَّ شَيْءَ عَلَيْهِ، مَتَى عَلِمَ صِدْقَهُ فِيمَا يَقُول، فَإِذَا تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ، وَرُفِعَ الأَْمْرُ إِلَى الْقَاضِي حَكَمَ بِتَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُل حَتَّى يُكَفِّرَ، لأَِنَّ الْقَاضِيَ يَبْنِي أَحْكَامَهُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ، وَلَوْ قَبِل فِي الْقَضَاءِ دَعْوَى أَنَّ مَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ شَيْءٌ آخَرُ لاَنْفَتَحَ الْبَابُ أَمَامَ

_________

(١) حديث: " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد. . ". تقدم تخريجه فـ ١٦.

الْمُحْتَالِينَ الَّذِينَ يَقْصِدُونَ النُّطْقَ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الظِّهَارِ، ثُمَّ يَدَّعُونَ أَنَّهُ كَانَ سَبْقَ لِسَانٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (١) .

وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا نَصُّوا عَلَيْهِ فِي الطَّلاَقِ - إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَقْصِدِ النُّطْقَ بِصِيغَةِ الظِّهَارِ، بَل قَصَدَ التَّكَلُّمَ بِشَيْءٍ آخَرَ، فَزَل لِسَانُهُ وَتَكَلَّمَ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الظِّهَارِ لاَ يَكُونُ ظِهَارًا فِي الْقَضَاءِ، كَمَا لاَ يَكُونُ ظِهَارًا فِي الدِّيَانَةِ وَالْفَتْوَى (٢) .

وَيَتَّضِحُ مِمَّا تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الإِْكْرَاهِ وَالْهَزْل وَالْخَطَأِ، وَهُوَ أَنَّهُ فِي الإِْكْرَاهِ تَكُونُ الْعِبَارَةُ صَادِرَةً عَنْ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ، وَلَكِنَّهُ اخْتِيَارٌ غَيْرُ سَلِيمٍ لِوُجُودِ الإِْكْرَاهِ، وَهُوَ يُؤَثِّرُ فِي الإِْرَادَةِ وَيَجْعَلُهَا لاَ تَخْتَارُ مَا تَرْغَبُ فِيهِ وَتَرْتَاحُ إِلَيْهِ، بَل تَخْتَارُ مَا يَدْفَعُ الأَْذَى وَالضَّرَرَ.

وَفِي الْهَزْل تَكُونُ الْعِبَارَةُ مَقْصُودَةً، لأَِنَّهَا تَصْدُرُ بِرِضَا الزَّوْجِ وَاخْتِيَارِهِ، وَلَكِنَّ حُكْمَهَا لاَ يَكُونُ مَقْصُودًا؛ لأَِنَّ الزَّوْجَ لاَ يُرِيدُ هَذَا الْحُكْمَ، بَل يُرِيدُ شَيْئًا آخَرَ هُوَ اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ.

وَفِي الْخَطَأِ لاَ تَكُونُ الْعِبَارَةُ الَّتِي نَطَقَ بِهَا

_________

(١) الفتاوى الهندية ١ / ٣٣٠، / ٤٥٧، والدر وحاشية ابن عابدين ٢ / ٦٥٦ - ٦٥٧.

(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٦٦، وشرح الخرشي ٣ / ١٧٢، ١٧٣، ومغني المحتاج ٣ / ٢٨٧.

الزَّوْجُ مَقْصُودَةً أَصْلًا، بَل الْمَقْصُودُ عِبَارَةٌ أُخْرَى وَصَدَرَتْ هَذِهِ بَدَلًا عَنْهَا.

الشَّرْطُ السَّادِسُ

١٩ - قِيَامُ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا. قِيَامُ الزَّوَاجِ حَقِيقَةً يَتَحَقَّقُ بِعَقْدِ الزَّوَاجِ الصَّحِيحِ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ وَعَدَمِ حُصُول الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الدُّخُول، فَإِذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً زَوَاجًا صَحِيحًا، ثُمَّ ظَاهَرَ مِنْهَا كَانَ الظِّهَارُ صَحِيحًا، دَخَل بِهَا قَبْل الظِّهَارِ أَوْ لَمْ يَدْخُل، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الدُّخُول: قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (١) فَإِنَّهُ يَدُل دَلاَلَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ فِي الظِّهَارِ: أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْمُظَاهَرُ مِنْهَا مِنْ نِسَاءِ الرَّجُل، وَالْمَرْأَةُ تُعْتَبَرُ مِنْ نِسَاءِ الرَّجُل بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ، دَخَل بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُل.

وَقِيَامُ الزَّوَاجِ حُكْمًا يَتَحَقَّقُ بِوُجُودِ الْعِدَّةِ مِنَ الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ، فَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُل زَوْجَتَهُ طَلاَقًا رَجْعِيًّا كَانَ الزَّوَاجُ بَعْدَهُ قَائِمًا طِوَال مُدَّةِ الْعِدَّةِ؛ لأَِنَّ الطَّلاَقَ الرَّجْعِيَّ لاَ يُزِيل رَابِطَةَ الزَّوْجِيَّةِ إِلاَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَالْمُطَلَّقَةُ

_________

(١) سورة المجادلة / ٣.