الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩
لِلسَّتْرِ، لاَ لِلزِّينَةِ وَالْخُيَلاَءِ.
قَال الدُّسُوقِيُّ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لاَ تُطِيلُهُ لِلسَّتْرِ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ لاَبِسَةٍ لِخُفٍّ أَوْ جَوْرَبٍ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ لاَبِسَةً لَهُمَا فَلاَ عَفْوَ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ زِيِّهَا أَمْ لاَ.
ب - وَأَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ الَّتِي أَصَابَتْ ذَيْل الثَّوْبِ مُخَفَّفَةٌ جَافَّةٌ، فَإِنْ كَانَتْ رَطْبَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ الْغُسْل، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعْفُوًّا عَنْهُ كَالطِّينِ.
ج - وَأَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَمُرُّ عَلَيْهِ بَعْدَ الإِْصَابَةِ طَاهِرًا يَابِسًا (١) .
التَّطْهِيرُ مِنْ بَوْل الْغُلاَمِ وَبَوْل الْجَارِيَةِ:
٢٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّطْهِيرَ مِنْ بَوْل الْغُلاَمِ وَبَوْل الْجَارِيَةِ الصَّغِيرَيْنِ أَكَلاَ أَوْ لاَ، يَكُونُ بِغَسْلِهِ (٢) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْل (٣) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي التَّطْهِيرِ مِنْ بَوْل الْغُلاَمِ الَّذِي لَمْ يَطْعَمِ الطَّعَامَ النَّضْحُ، وَيَكُونُ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَى
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٧٤، ٧٥، الخرشي على خليل ١ / ١١٠.
(٢) الاختيار شرح المختار ١ / ٣١، التاج والإكليل بهامش الحطاب ١ / ١٠٨.
(٣) حديث: " استنزهوا من البول ". أخرجه الدارقطني (١ / ١٢٨) من حديث أبي هريرة ثم قال: الصواب مرسل.
الْمَكَانِ الْمُصَابِ وَغَمْرِهِ بِهِ بِلاَ سَيَلاَنٍ، فَقَدْ رَوَتْ أُمُّ قَيْسِ بِنْتُ مُحْصَنٍ ﵂ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُل الطَّعَامَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَجْلَسَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ، فَبَال عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ (١) أَمَّا بَوْل الْجَارِيَةِ الصَّغِيرَةِ فَلاَ يُجْزِئُ فِي تَطْهِيرِهِ النَّضْحُ، وَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ الْغَسْل، لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ يُنْضَحُ بَوْل الْغُلاَمِ، وَيُغْسَل بَوْل الْجَارِيَةِ (٢)، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا: بِأَنَّ الاِئْتِلاَفَ بِحَمْل الصَّبِيِّ يَكْثُرُ، فَيُخَفَّفُ فِي بَوْلِهِ، وَبِأَنَّ بَوْلَهُ أَرَقُّ مِنْ بَوْلِهَا، فَلاَ يَلْصَقُ بِالْمَحَل كَلَصْقِ بَوْلِهَا بِهِ.
قَال أَحْمَدُ: الصَّبِيُّ إِذَا طَعِمَ الطَّعَامَ وَأَرَادَهُ وَاشْتَهَاهُ غُسِل بَوْلُهُ، وَلَيْسَ إِذَا طَعِمَ، لأَِنَّهُ قَدْ يَلْعَقُ الْعَسَل، وَمَا يَطْعَمُهُ لِغِذَائِهِ وَهُوَ يُرِيدُهُ وَيَشْتَهِيهِ يُوجِبُ الْغَسْل (٣) (ر: أُنُوثَة ف ١٦) .
_________
(١) حديث أم قيس بنت محصن: " أنها أتت بابن لها صغير. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٢٦) ومسلم (٤ / ١٧٣٤) واللفظ للبخاري.
(٢) حديث: " ينضح بول الغلام. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ٥١٠) من حديث علي بن أبي طالب، وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) الاقناع للشربيني الخطيب ١ / ١٢٥، منهاج الطالبين ١ / ٧٤، المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٥٦، روضة الطالبين ١ / ٣١ ط. المكتب الإسلامي ومنار السبيل في شرح الدليل ١ / ٥٠ - ٥١ المكتب الإسلامي، المغني لابن قدامة مع الشرح ١ / ٢٩٧ - ٢٩٨.
تَطْهِيرُ أَوَانِي الْخَمْرِ:
٢٧ - الأَْصْل فِي تَطْهِيرِ أَوَانِي الْخَمْرِ هُوَ غَسْلُهَا، بِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ فِيمَا كَانَ مُزَفَّتًا مِنَ الآْنِيَةِ.
وَفِي هَذَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: تَطْهُرُ بِغَسْلِهَا ثَلاَثًا بِحَيْثُ لاَ تَبْقَى فِيهَا رَائِحَةُ الْخَمْرِ وَلاَ أَثَرُهَا، فَإِنْ بَقِيَتْ رَائِحَتُهَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَل فِيهَا مِنَ الْمَائِعَاتِ سِوَى الْخَل؛ لأَِنَّهُ بِجَعْلِهِ فِيهَا تَطْهُرُ وَإِنْ لَمْ تُغْسَل؛ لأَِنَّ مَا فِيهَا مِنَ الْخَمْرِ يَتَخَلَّل بِالْخَل.
وَفِي الْخُلاَصَةِ: الْكُوزُ إِذَا كَانَ فِيهِ خَمْرٌ تَطْهِيرُهُ أَنْ يُجْعَل فِيهِ الْمَاءُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، كُل مَرَّةٍ سَاعَةً، وَإِنْ كَانَ جَدِيدًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَطْهُرُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لاَ يَطْهُرُ أَبَدًا (١) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: تَطْهُرُ بِغَسْلِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً إِذَا زَال أَثَرُ النَّجَاسَةِ، وَيُنْدَبُ غَسْلُهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلاَ يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الإِْنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثًا، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ (٢) .
_________
(١) فتح القدير ١ / ١٤٥.
(٢) حديث: " إذا استيقظ أحدكم من نومه. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٣٣) من حديث أبي هريرة.
فَنُدِبَ إِلَى الثَّلاَثِ لِلشَّكِّ فِي النَّجَاسَةِ، فَدَل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ إِذَا تَيَقَّنَ وَيَجُوزُ الاِقْتِصَارُ عَلَى الْغَسْل مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَالْغَسْل الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يُكَاثِرَ بِالْمَاءِ حَتَّى تُسْتَهْلَكَ النَّجَاسَةُ (١) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ: فِي طَهَارَةِ الْفَخَّارِ مِنْ نَجِسِ غَوَّاصٍ كَالْخَمْرِ قَوْلاَنِ، قَال الْمَوَّاقُ نَقْلًا عَنِ النَّوَادِرِ فِي أَوَانِي الْخَمْرِ: تُغْسَل وَيُنْتَفَعُ بِهَا، وَلاَ تَضُرُّهَا الرَّائِحَةُ (٢) . وَتَطْهُرُ أَوَانِيهِ إِذَا تَحَجَّرَتِ الْخَمْرُ فِيهَا أَوْ خُلِّلَتْ، وَيَطْهُرُ إِنَاؤُهَا تَبَعًا لَهَا وَلَوْ فَخَّارًا بِغَوَّاصٍ (٣) .
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَانَ فِي الإِْنَاءِ خَمْرٌ يَتَشَرَّبُهَا الإِْنَاءُ، ثُمَّ مَتَى جُعِل فِيهِ مَائِعٌ، سَوَاءٌ ظَهَرَ فِيهِ طَعْمُ الْخَمْرِ أَوْ لَوْنُهُ، لَمْ يَطْهُرْ بِالْغَسْل؛ لأَِنَّ الْغَسْل لاَ يَسْتَأْصِل أَجْزَاءَهُ مِنْ جِسْمِ الإِْنَاءِ، فَلَمْ يُطَهِّرْهُ. كَالسِّمْسِمِ إِذَا ابْتَل بِالنَّجَاسَةِ، قَال أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيُّ: آنِيَةُ الْخَمْرِ مِنْهَا الْمُزَفَّتُ، فَتَطْهُرُ بِالْغَسْل؛ لأَِنَّ الزِّفْتَ يَمْنَعُ وُصُول النَّجَاسَةِ إِلَى: جِسْمِ الإِْنَاءِ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِمُزَفَّتٍ، فَيَتَشَرَّبُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ، فَلاَ يَطْهُرُ بِالتَّطْهِيرِ، فَإِنَّهُ مَتَى تُرِكَ
_________
(١) المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٥٦.
(٢) المواق ١ / ١١٣.
(٣) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك للكشناوي ١ / ٦٦ - ٦٧ دار الفكر، الشرح الكبير ١ / ٦٠ والقوانين الفقهية ص ٣٧.
فِيهِ مَائِعٌ ظَهَرَ فِيهِ طَعْمُ الْخَمْرِ وَلَوْنُهُ (١) .
تَطْهِيرُ آنِيَةِ الْكُفَّارِ وَمَلاَبِسِهِمْ:
٢٨ - يَقُول الْحَنَفِيَّةُ فِي آنِيَةِ الْكُفَّارِ: إِنَّهَا طَاهِرَةٌ لأَِنَّ سُؤْرَهُمْ طَاهِرٌ؛ لأَِنَّ الْمُخْتَلِطَ بِهِ اللُّعَابُ، وَقَدْ تَوَلَّدَ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ، فَيَكُونُ طَاهِرًا، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْزَل وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانُوا مُشْرِكِينَ (٢) .
وَلَوْ كَانَ عَيْنُ الْمُشْرِكِ نَجِسًا لَمَا فَعَل ذَلِكَ: وَلاَ يُعَارَضُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٣) لأَِنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّجَسُ فِي الْعَقِيدَةِ، فَمَتَى تَنَجَّسَتْ أَوَانِيهِمْ فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهَا مَا يَجْرِي عَلَى مَا تَنَجَّسَ مِنْ أَوَانِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَسْلٍ وَغَيْرِهِ، إِذْ لَهُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا وَثِيَابُهُمْ طَاهِرَةٌ، وَلاَ يُكْرَهُ مِنْهَا إِلاَّ السَّرَاوِيل الْمُتَّصِلَةُ بِأَبْدَانِهِمْ لاِسْتِحْلاَلِهِمُ الْخَمْرَ، وَلاَ يَتَّقُونَهَا كَمَا لاَ يَتَوَقَّوْنَ النَّجَاسَةَ وَالتَّنَزُّهَ عَنْهَا، فَلَوْ أَمِنَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لَهَا وَكَانَ التَّأَكُّدُ مِنْ طَهَارَتِهَا قَائِمًا، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لُبْسُهَا، وَإِذَا تَنَجَّسَتْ جَرَى عَلَيْهَا مَا يَجْرِي عَلَى تَطْهِيرِ مَلاَبِسِ الْمُسْلِمِينَ
_________
(١) المغني لابن قدامة مع الشرح ٥٠، ٢٩١ ط. دار الكتاب العربي.
(٢) حديث: " أن رسول الله ﷺ أنزل وفد ثقيف في المسجد. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٤٢١) من حديث عثمان بن أبي العاص، وأشار المنذري إلى أعلاه بالانقطاع بين عثمان بن أبي العاص والراوي عنه، وهو الحسن البصري.
(٣) سورة التوبة / ٢٨.
عِنْدَمَا تُصِيبُهَا نَجَاسَةٌ، سَوَاءٌ بِالْغَسْل أَوْ غَيْرِهِ (١) .
وَكَرِهَ الشَّافِعِيَّةُ اسْتِعْمَال أَوَانِيَهُمْ وَثِيَابَهُمْ لِمَا رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ أَهْل الْكِتَابِ، وَنَأْكُل فِي آنِيَتِهِمْ فَقَال: لاَ تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ إِلاَّ أَنْ لاَ تَجِدُوا بُدًّا، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا بُدًّا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا (٢) . وَلأَِنَّهُمْ لاَ يَتَجَنَّبُونَ النَّجَاسَةَ فَكُرِهَ لِذَلِكَ.
فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْ أَوَانِيهِمْ نُظِرَتْ: فَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ لاَ يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَال النَّجَاسَةِ صَحَّ الْوُضُوءُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ (٣) وَتَوَضَّأَ عُمَرُ ﵁ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيٍّ، وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي أَوَانِيهِمُ الطَّهَارَةُ.
وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَال النَّجَاسَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَصِحُّ الْوُضُوءُ لأَِنَّ الأَْصْل فِي أَوَانِيهِمُ الطَّهَارَةُ، وَالثَّانِي: لاَ يَصِحُّ لأَِنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَال النَّجَاسَةِ كَمَا يَتَدَيَّنُ.
_________
(١) فتح القدير ١ / ٧٥، والعناية بهامشه بذات الصفحة، الاختيار ١ / ١٧، ابن عابدين ١ / ٢٤٤.
(٢) حديث أبي ثعلبة الخشني: " قلت: يا رسول الله أنا بأرض أهل الكتاب. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٩٢٢) ومسلم (٣ / ١٥٣٢) واللفظ للبخاري.
(٣) حديث: " أن النبي ﷺ توضأ من مزادة مشركة ". مستنبط من حديث عمران بن حصين، أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٤٤٧ - ٤٤٨) ومسلم (١ / ٤٧٤ - ٤٧٦) .
الْمُسْلِمُونَ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ، فَالظَّاهِرُ مِنْ أَوَانِيهِمْ وَثِيَابِهِمُ النَّجَاسَةُ (١) .
وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ اسْتِعْمَال أَوَانِيهِمْ إِلاَّ إِذَا تَيَقَّنَ عَدَمَ طَهَارَتِهَا، وَصَرَّحَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَصْنَعُهُ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لاَ يُصَلُّونَ وَلاَ يَسْتَنْجُونَ وَلاَ يَتَحَرَّزُونَ مِنَ النَّجَاسَاتِ مِنَ الأَْطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةَ، فَإِذَا تَنَجَّسَتْ أَوَانِيهِمْ فَإِنَّهَا تَطْهُرُ بِزَوَال تِلْكَ النَّجَاسَةِ بِالْغَسْل بِالْمَاءِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَهُ صِفَةُ الطَّهُورِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ الْحَال بِالنِّسْبَةِ لِمَلاَبِسِهِمْ، فَإِنَّ الأَْصْل فِيهَا الطَّهَارَةُ مَا لَمْ يُصِبْهَا النَّجِسُ، وَلِذَا لاَ يُصَلَّى فِي مَلاَبِسِهِمْ أَيْ مَا يَلْبَسُونَهُ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ نَجَاسَتُهَا، فَحُمِل عَلَيْهَا عِنْدَ الشَّكِّ: أَمَّا إِنْ عُلِمَتْ أَوْ ظُنَّتْ طَهَارَتُهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى فِيهَا (٢) .
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ فِي ثِيَابِهِمْ وَأَوَانِيهِمْ: إِنَّهَا طَاهِرَةٌ مُبَاحَةُ الاِسْتِعْمَال مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا، وَأَضَافُوا: إِنَّ الْكُفَّارَ عَلَى ضَرْبَيْنِ - أَهْل الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ - فَأَمَّا أَهْل الْكِتَابِ فَيُبَاحُ أَكْل طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ وَاسْتِعْمَال آنِيَتِهِمْ مَا لَمْ
_________
(١) المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ١٩ - ٢٠، الإقناع للشربيني الخطيب ١ / ٣٦.
(٢) الشرح الكبير ١ / ٦١، جواهر الإكليل ١ / ١٠.
تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا، قَال ابْنُ عَقِيلٍ: لاَ تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ اسْتِعْمَال أَوَانِيهِمْ، لِقَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ قَال: أَصَبْتُ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، قَال فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ لاَ أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا. قَال: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُول اللَّهِ ﷺ مُتَبَسِّمًا (٢) .
وَرَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَضَافَهُ يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ (٣)، وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ.
وَأَمَّا غَيْرُ أَهْل الْكِتَابِ - وَهُمُ الْمَجُوس وَعَبَدَةُ الأَْوْثَانِ وَنَحْوُهُمْ - وَمَنْ يَأْكُل لَحْمَ الْخِنْزِيرِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ فِي مَوْضِعٍ يُمْكِنُهُمْ أَكْلُهُ، أَوْ يَأْكُل الْمَيْتَةَ، أَوْ يَذْبَحُ بِالسِّنِّ وَالظُّفْرِ فَحُكْمُ ثِيَابِهِمْ حُكْمُ ثِيَابِ أَهْل الذِّمَّةِ عَمَلًا بِالأَْصْل، وَأَمَّا أَوَانِيهِمْ فَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: حُكْمُهَا حُكْمُ أَوَانِي أَهْل الْكِتَابِ، يُبَاحُ اسْتِعْمَالُهَا مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ نَجَاسَتُهَا، لأَِنَّ النَّبِيَّ
_________
(١) سورة المائدة / ٥.
(٢) حديث عبد الله بن مغفل: " أصبت جرابا من شحم يوم خيبر " أخرجه مسلم (٣ / ١٣٩٣) .
(٣) حديث: " أن النبي ﷺ أضافه يهودي. . . ". أخرجه أحمد (٣ / ٢٧٠) بلفظ: " أن يهوديًا دعا رسول الله ﷺ إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه ".
ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ (١) وَلأَِنَّ الأَْصْل الطَّهَارَةُ، فَلاَ تَزُول بِالشَّكِّ.
وَقَال الْقَاضِي: هِيَ نَجِسَةٌ، لاَ يُسْتَعْمَل مَا اسْتَعْمَلُوهُ مِنْهَا إِلاَّ بَعْدَ غَسْلِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَلأَِنَّ أَوَانِيَهُمْ لاَ تَخْلُو مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ، وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ، فَتَتَنَجَّسُ بِهَا وَهَذَا ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَال فِي الْمَجُوسِ: لاَ يُؤْكَل مِنْ طَعَامِهِمْ إِلاَّ الْفَاكِهَةُ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ نَجَاسَةُ آنِيَتِهِمُ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي أَطْعِمَتِهِمْ، وَمَتَى شَكَّ فِي الإِْنَاءِ هَل اسْتَعْمَلُوهُ أَمْ لاَ؟ فَهُوَ طَاهِرٌ؛ لأَِنَّ الأَْصْل طَهَارَتُهُ (٢) .
تَطْهِيرُ الْمَصْبُوغِ بِنَجِسٍ:
٢٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَصْبُوغَ بِنَجِسٍ يَطْهُرُ بِغُسْلِهِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ: يُغْسَل حَتَّى يَصِيرَ الْمَاءُ صَافِيًا، وَقِيل: يُغْسَل بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ (٣) .
وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ حَتَّى يَزُول طَعْمُ النَّجِسِ، وَمَتَى زَال طَعْمُهُ فَقَدْ طَهُرَ وَلَوْ
_________
(١) تقدم تخريجه في نفس الفقرة.
(٢) المغني لابن قدامة ١ / ٦١، ٦٢، والشرح الكبير مع المغني ١ / ٦٨، ٦٩.
(٣) مراقي الفلاح ص / ٤٧، فتح القدير ١ / ١٤٥.
بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ لَوْنِهِ وَرِيحِهِ (١) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: يُغْسَل حَتَّى يَنْفَصِل النَّجِسُ مِنْهُ وَلَمْ يَزِدِ الْمَصْبُوغُ وَزْنًا بَعْدَ الْغَسْل عَلَى وَزْنِهِ قَبْل الصَّبْغِ، وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ لِعُسْرِ زَوَالِهِ، فَإِنْ زَادَ وَزْنُهُ ضَرَّ، فَإِنْ لَمْ يَنْفَصِل عَنْهُ لِتَعَقُّدِهِ بِهِ لَمْ يَطْهُرْ، لِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهِ (٢) .
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ (٣) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الدَّمِ: وَلاَ يَضُرُّكَ أَثَرُهُ (٤) .
رَمَادُ النَّجِسِ الْمُحْتَرِقِ بِالنَّارِ:
٣٠ - الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَبِهِ يُفْتَى، وَالْحَنَابِلَةُ فِي غَيْرِ الظَّاهِرِ: أَنَّ رَمَادَ النَّجِسِ الْمُحْتَرِقِ بِالنَّارِ طَاهِرٌ، فَيَطْهُرُ بِالنَّارِ الْوَقُودُ الْمُتَنَجِّسُ وَالسِّرْقِينُ وَالْعَذِرَةُ تَحْتَرِقُ فَتَصِيرُ رَمَادًا تَطْهُرُ، وَيَطْهُرُ مَا تَخَلَّفَ عَنْهَا (٥) .
_________
(١) الشرح الكبير ١ / ٦٠.
(٢) الإقناع للشربيني الخطيب ١ / ٣٣، القليوبي على شرح المنهاج ١ / ٧٥.
(٣) المغني لابن قدامة مع الشرح١ / ٧٠ ط. دار الكتاب العربي.
(٤) حديث: " ولا يضرك أثره. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٢٥٧) من حديث أبي هريرة.
(٥) الشرح الكبير ١ / ٧٥، أسهل المدارك شرح إرشاد السالك للكشناوي ١ / ٦٣ ط. دار الفكر، وفتح القدير ١ / ١٣٩، المغني لابن قدامة مع الشرح ١ / ٦٠، ٧٤٠ ط. دار الكتاب العربي، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٥٥.