الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩ الصفحة 21

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩

طَهَارَةُ الأَْرْضِ بِالْمَاءِ:

٢٠ - إِذَا تَنَجَّسَتْ الأَْرْضُ بِنَجَاسَةٍ مَائِعَةٍ - كَالْبَوْل وَالْخَمْرِ وَغَيْرِهِمَا - فَتَطْهِيرُهَا أَنْ تُغْمَرَ بِالْمَاءِ بِحَيْثُ يَذْهَبُ لَوْنُ النَّجَاسَةِ وَرِيحُهَا، وَمَا انْفَصَل عَنْهَا غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ بِهَا فَهُوَ طَاهِرٌ.

بِهَذَا قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ أَنَسٌ ﵁ قَال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَال فِي طَائِفَةٍ نَاحِيَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ فَدَعَاهُ فَقَال: إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لاَ تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْل وَلاَ الْقَذِرِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ ﷿ وَالصَّلاَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَأَمَرَ رَجُلًا فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ (١) . وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالذَّنُوبِ لأَِنَّ ذَلِكَ يَغْمُرُ الْبَوْل، وَيُسْتَهْلَكُ فِيهِ الْبَوْل وَإِنْ أَصَابَ الأَْرْضَ مَاءُ الْمَطَرِ أَوِ السُّيُول فَغَمَرَهَا وَجَرَى عَلَيْهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ صَبَّ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّ تَطْهِيرَ النَّجَاسَةِ لاَ تُعْتَبَرُ فِيهِ نِيَّةٌ وَلاَ فِعْلٌ، فَاسْتَوَى مَا صَبَّهُ الآْدَمِيُّ وَمَا جَرَى بِغَيْرِ صَبِّهِ.

وَلاَ تَطْهُرُ الأَْرْضُ حَتَّى يَذْهَبَ لَوْنُ

_________

(١) حديث أنس قال: " جاء أعرابي فبال في طائفة من المسجد. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٢٤) . واللفظ الثاني لمسلم (١ / ٢٣٧) .

النَّجَاسَةِ وَرَائِحَتُهَا، وَلأَِنَّ بَقَاءَهُمَا دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ النَّجَاسَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لاَ يَزُول لَوْنُهَا إِلاَّ بِمَشَقَّةٍ سَقَطَ عَنْهُ إِزَالَتُهَا كَالثَّوْبِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الرَّائِحَةِ (١) .

وَيَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا أَصَابَتِ النَّجَاسَةُ أَرْضًا رَخْوَةً فَيُصَبُّ عَلَيْهَا الْمَاءُ فَتَطْهُرُ، لأَِنَّهَا تُنَشِّفُ الْمَاءَ، فَيَطْهُرُ وَجْهُ الأَْرْضِ، وَإِنْ كَانَتْ صُلْبَةً يُصَبُّ الْمَاءُ عَلَيْهَا، ثُمَّ تُكْبَسُ الْحَفِيرَةُ الَّتِي اجْتَمَعَ فِيهَا الْغُسَالَةُ (٢) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَرْض ف ٣) .

مَا تَطْهُرُ بِهِ الأَْرْضُ سِوَى الْمِيَاهِ:

٢١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ عَدَا زُفَرَ إِلَى أَنَّ الأَْرْضَ إِذَا أَصَابَهَا نَجِسٌ، فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ أَوِ الْهَوَاءِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَذَهَبَ أَثَرُهُ طَهُرَتْ وَجَازَتِ الصَّلاَةُ عَلَيْهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ: أَيُّمَا أَرْضٍ جَفَّتْ فَقَدْ ذَكَتْ (٣) .

_________

(١) المغني لابن قدامة مع الشرح ١ / ٧٣٧، ٧٣٨، ٧٣٩ ط. دار الكتاب العربي من دار الريان للتراث، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٥٦، روضة الطالبين ١ / ٢٩ المكتب الإسلامي، أسهل المدارك شرح إرشاد السالك للكشناوي ١ / ٣٤ دار الفكر، جواهر الإكليل ١ / ٥ - ٦، الشرح الكبير١ / ٣٣ - ٣٤.

(٢) الاختيار شرح المختار ١ / ٣٢ - ٣٣ ط. مصطفى الحلبي ١٩٣٦م.

(٣) حديث: " أيما أرض جفت فقد ذكت ". أورده الزيلعي في نصب الراية (١ / ٢١١) بلفظ: " ذكاة الأرض يبسها " وقال: غريب، يعني أنه لا أصل له مرفوعا، ثم ذكر أن ابن أبي شيبة أخرجه بهذا اللفظ موقوفًا على أبي جعفر محمد بن علي.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَطْهُرُ بِغَيْرِ الْمَاءِ، لأَِمْرِهِ ﷺ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْل الأَْعْرَابِيِّ ذَنُوبُ مَاءٍ، وَقَوْلُهُ ﷺ: أَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ (١) وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلأَِنَّهُ مَحَلٌّ نَجِسٌ فَلَمْ يَطْهُرْ بِغَيْرِ الْغَسْل (٢) .

طَهَارَةُ النَّجَاسَةِ بِالاِسْتِحَالَةِ:

٢٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى طَهَارَةِ الْخَمْرِ بِالاِسْتِحَالَةِ، فَإِذَا انْقَلَبَتِ الْخَمْرُ خَلًّا صَارَتْ طَاهِرَةً (٣) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَخْلِيل ف ١٣، ١٤) .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا عَدَا الْخَمْرَ مِنْ نَجِسِ الْعَيْنِ هَل يَطْهُرُ بِالاِسْتِحَالَةِ أَمْ لاَ؟

_________

(١) حديث: " أهريقوا عليه ذنوبًا من ماء ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٢٥) من حديث أبي هريرة.

(٢) أسهل المدارك شرح إرشاد المسالك للكشناوي ١ / ٣٤ ط. دار الفكر، جواهر الإكليل ١ / ٥، والشرح الكبير ١ / ٣٣، المغني لابن قدامة مع الشرح ١ / ٧٣٩ - ٧٤٠، ط. دار الكتاب العربي، منار السبيل في شرح الدليل ١ / ٥١، نيل المآرب بشرح دليل الطالب ١ / ٩٩، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٥٦ - ٥٧ وينظر مصطلح (إحراق) فـ ٥.

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٠٩، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ٥٢، نهاية المحتاج ١ / ٢٣٠، كشاف القناع ١ / ١٨٧.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَطْهُرُ نَجِسُ الْعَيْنِ بِالاِسْتِحَالَةِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْل الْجَلاَّلَةِ وَأَلْبَانِهَا (١) لأَِكْلِهَا النَّجَاسَةَ، وَلَوْ طَهُرَتْ بِالاِسْتِحَالَةِ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ.

قَال الرَّمْلِيُّ: وَلاَ يَطْهُرُ نَجِسُ الْعَيْنِ بِالْغَسْل مُطْلَقًا، وَلاَ بِالاِسْتِحَالَةِ، كَمَيْتَةٍ وَقَعَتْ فِي مَلاَّحَةٍ فَصَارَتْ مِلْحًا، أَوْ أُحْرِقَتْ فَصَارَتْ رَمَادًا (٢) .

وَقَال الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَلاَ تَطْهُرُ نَجَاسَةٌ بِنَارٍ، فَالرَّمَادُ مِنَ الرَّوْثِ النَّجِسِ نَجِسٌ وَصَابُونٌ عُمِل مِنْ زَيْتٍ نَجِسٍ نَجِسٌ، وَكَذَا لَوْ وَقَعَ كَلْبٌ فِي مَلاَّحَةٍ فَصَارَ مِلْحًا، أَوْ فِي صَبَّانَةٍ فَصَارَ صَابُونًا.

لَكِنْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَحَوَّلَتِ الْعَلَقَةُ إِلَى مُضْغَةٍ، فَإِنَّهَا تَصِيرُ طَاهِرَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ نَجِسَةً، وَذَلِكَ لأَِنَّ نَجَاسَتَهَا بِصَيْرُورَتِهَا عَلَقَةً، فَإِذَا زَال ذَلِكَ عَادَتْ إِلَى أَصْلِهَا، كَالْمَاءِ الْكَثِيرِ الْمُتَغَيِّرِ بِالنَّجَاسَةِ (٣) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ نَجِسَ الْعَيْنِ يَطْهُرُ بِالاِسْتِحَالَةِ؛ لأَِنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ وَصْفَ النَّجَاسَةِ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ، وَتَنْتَفِي

_________

(١) حديث: " نهى النبي ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها ". أخرجه الترمذي (٤ / ٢٧٠) من حديث ابن عمر، وقال: حديث حسن غريب.

(٢) نهاية المحتاج ١ / ٢٣٠.

(٣) كشاف القناع ١ / ١٨٦ - ١٨٧.

الْحَقِيقَةُ بِانْتِفَاءِ بَعْضِ أَجْزَاءِ مَفْهُومِهَا، فَكَيْفَ بِالْكُل؟ .

وَنَظِيرُهُ فِي الشَّرْعِ النُّطْفَةُ نَجِسَةٌ، وَتَصِيرُ عَلَقَةً وَهِيَ نَجِسَةٌ، وَتَصِيرُ مُضْغَةً فَتَطْهُرُ، وَالْعَصِيرُ طَاهِرٌ فَيَصِيرُ خَمْرًا فَيَنْجُسُ، وَيَصِيرُ خَلًّا فَيَطْهُرُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ اسْتِحَالَةَ الْعَيْنِ تَسْتَتْبِعُ زَوَال الْوَصْفِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا.

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَا اسْتَحَالَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ بِالنَّارِ، أَوْ زَال أَثَرُهَا بِهَا يَطْهُرُ.

كَمَا تَطْهُرُ النَّجَاسَةُ عِنْدَهُمْ بِانْقِلاَبِ الْعَيْنِ، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ، خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ.

وَمِنْ تَفْرِيعَاتِ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْمُجْتَبَى أَنَّهُ إِنْ جُعِل الدُّهْنُ النَّجِسُ فِي صَابُونٍ يُفْتَى بِطَهَارَتِهِ، لأَِنَّهُ تَغَيَّرَ، وَالتَّغَيُّرُ يُطَهِّرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَيُفْتَى بِهِ لِلْبَلْوَى، وَعَلَيْهِ يَتَفَرَّعُ مَا لَوْ وَقَعَ إِنْسَانٌ أَوْ كَلْبٌ فِي قِدْرِ الصَّابُونِ فَصَارَ صَابُونًا يَكُونُ طَاهِرًا لِتَبَدُّل الْحَقِيقَةِ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْعِلَّةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ هِيَ التَّغَيُّرُ وَانْقِلاَبُ الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّهُ يُفْتَى بِهِ لِلْبَلْوَى، وَمُقْتَضَاهُ: عَدَمُ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِالصَّابُونِ، فَيَدْخُل فِيهِ كُل مَا كَانَ فِيهِ تَغَيُّرٌ وَانْقِلاَبٌ حَقِيقَةً، وَكَانَ فِيهِ بَلْوَى عَامَّةٌ.

كَمَا نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ إِذَا تَحَجَّرَتْ فَإِنَّهَا تَطْهُرُ، لِزَوَال الإِْسْكَارِ مِنْهَا، وَأَنَّ رَمَادَ النَّجِسِ طَاهِرٌ؛ لأَِنَّ النَّارَ تَطْهُرُ.

قَال الدُّسُوقِيُّ: سَوَاءٌ أَكَلَتِ النَّارُ النَّجَاسَةَ أَكْلًا قَوِيًّا أَوْ لاَ، فَالْخُبْزُ الْمَخْبُوزُ بِالرَّوْثِ النَّجِسِ طَاهِرٌ وَلَوْ تَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الرَّمَادِ، وَتَصِحُّ الصَّلاَةُ قَبْل غَسْل الْفَمِ مِنْ أَكْلِهِ، وَيَجُوزُ حَمْلُهُ فِي الصَّلاَةِ (١) .

مَا يَطْهُرُ مِنَ الْجُلُودِ بِالدِّبَاغَةِ:

٢٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ جُلُودِ مَيْتَةِ الْحَيَوَانَاتِ قَبْل الدِّبَاغِ، وَاخْتَلَفُوا فِي طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي مُصْطَلَحِ: (دِبَاغَة ج ٢٠ ف ٨ وَمَا بَعْدَهَا) .

تَطْهِيرُ الْخُفِّ مِنَ النَّجَاسَةِ:

٢٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَصَابَتْ أَسْفَل الْخُفِّ أَوِ النَّعْل نَجَاسَةٌ فَإِنَّ تَطْهِيرَهُ يَكُونُ بِغَسْلِهِ، وَلاَ يُجْزِئُ لَوْ دَلَكَهُ كَالثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ رَطْبَةً أَوْ جَافَّةً، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي الْعَفْوِ عَنِ النَّجَاسَةِ الْجَافَّةِ إِذَا

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢١٠، ٢١٧، ٢١٨، حاشية الدسوقي ١ / ٥٢، ٥٧.

دُلِكَتْ، أَصَحُّهُمَا: الْقَوْل الْجَدِيدُ لِلشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ حَتَّى يَغْسِلَهُ، وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِهِ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ؛ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ، وَلْيُصَل فِيهِمَا (١) .

قَال الرَّافِعِيُّ: إِذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ وَهُوَ الْعَفْوُ فَلَهُ شُرُوطٌ.

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ لِلنَّجَاسَةِ جِرْمٌ يَلْتَصِقُ بِالْخُفِّ، أَمَّا الْبَوْل وَنَحْوُهُ فَلاَ يَكْفِي دَلْكُهُ بِحَالٍ.

الثَّانِي: أَنْ يَدْلُكَهُ فِي حَال الْجَفَافِ، وَأَمَّا مَا دَامَ رَطْبًا فَلاَ يَكْفِي دَلْكُهُ قَطْعًا.

الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حُصُول النَّجَاسَةِ بِالْمَشْيِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ، فَلَوْ تَعَمَّدَ تَلْطِيخَ. الْخُفِّ بِهَا وَجَبَ الْغَسْل قَطْعًا.

وَنَقَل الْبُهُوتِيُّ عَنِ الإِْنْصَافِ أَنَّ يَسِيرَ النَّجَاسَةِ إِذَا كَانَتْ عَلَى أَسْفَل الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ بَعْدَ الدَّلْكِ يُعْفَى عَنْهُ عَلَى الْقَوْل بِنَجَاسَتِهِ (٢) .

_________

(١) حديث أبي سعيد الخدري: " إذا جاء أحدكم إلى المسجد. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٤٢٧) والحاكم (١ / ٢٦٠) وصححه ووافقه الذهبي.

(٢) المجموع ١ / ٥٩٨، كشاف القناع ١ / ١٨٩، الإنصاف ١ / ٣٢٣.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَصَابَ الْخُفَّ نَجَاسَةٌ لَهَا جِرْمٌ، كَالرَّوْثِ وَالْعَذِرَةِ، فَجَفَّتْ، فَدَلَكَهُ بِالأَْرْضِ جَازَ، وَالرَّطْبُ وَمَا لاَ جِرْمَ لَهُ كَالْخَمْرِ وَالْبَوْل لاَ يَجُوزُ فِيهِ إِلاَّ الْغَسْل، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يُجْزِئُ الْمَسْحُ فِيهِمَا إِلاَّ الْبَوْل وَالْخَمْرَ، وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ يَجُوزُ فِيهِمَا إِلاَّ الْغُسْل كَالثَّوْبِ.

وَلأَِبِي يُوسُفَ إِطْلاَقُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا أَصَابَ خُفَّ أَحَدِكُمْ أَوْ نَعْلَهُ أَذًى فَلْيَدْلُكْهُمَا فِي الأَْرْضِ، وَلْيُصَل فِيهِمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ طَهُورٌ لَهُمَا (١) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ، وَالْمُتَجَسِّدِ وَغَيْرِهِ، وَلِلضَّرُورَةِ الْعَامَّةِ. وَلأَِبِي حَنِيفَةَ هَذَا الْحَدِيثُ. إِلاَّ أَنَّ الرَّطْبَ إِذَا مُسِحَ بِالأَْرْضِ يَتَلَطَّخُ بِهِ الْخُفُّ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ، فَلاَ يُطَهِّرُهُ بِخِلاَفِ الْيَابِسِ؛ لأَِنَّ الْخُفَّ لاَ يَتَدَاخَلُهُ إِلاَّ شَيْءٌ يَسِيرٌ وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَلاَ كَذَلِكَ الْبَوْل وَالْخَمْرُ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يُجْتَذَبُ مِثْل مَا عَلَى الْخُفِّ، فَيَبْقَى عَلَى حَالِهِ، حَتَّى لَوْ لَصِقَ عَلَيْهِ طِينٌ رَطْبٌ فَجَفَّ، ثُمَّ دَلَكَهُ جَازَ، كَاَلَّذِي لَهُ جِرْمٌ، وَبِخِلاَفِ الثَّوْبِ لأَِنَّهُ مُتَخَلَّلٌ

_________

(١) حديث: " إذا أصاب خف أحدكم أو نعله. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٢٦٧ - ٢٦٨) من حديث أبي هريرة بلفظ: " إذا وطئ أحدكم نعله الأذى فإن التراب طهوره " ثم أخرجه برواية أخرى فيها: " بخفيه " وصحح إسناده النووي كما في نصب الراية (١ / ٢٠٧ - ٢٠٨) .

فَتَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ، فَلاَ تَزُول بِالْمَسْحِ، فَيَجِبُ الْغَسْل.

وَلِمُحَمَّدٍ الْقِيَاسُ عَلَى الثَّوْبِ وَالْبِسَاطِ، بِجَامِعِ أَنَّ النَّجَاسَةَ تَدَاخَلَتْ فِي الْخُفِّ تَدَاخُلَهَا فِيهِمَا.

قَال الْكَمَال: وَعَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى.

وَقَال السَّرَخْسِيُّ عَنْ قَوْل أَبِي يُوسُفَ: وَهُوَ صَحِيحٌ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِلضَّرُورَةِ (١) .

وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ النَّجَاسَاتِ، فَإِذَا أَصَابَ الْخُفَّ شَيْءٌ مِنْ رَوْثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ إِنْ دُلِكَ بِتُرَابٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ نَحْوِهِ حَتَّى زَالَتِ الْعَيْنُ، وَكَذَا إِنْ جَفَّتِ النَّجَاسَةُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُخْرِجُهُ الْغُسْل سِوَى الْحُكْمِ.

وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الْعَفْوَ بِأَنْ تَكُونَ إِصَابَةُ الْخُفِّ أَوِ النَّعْل بِالنَّجَاسَةِ بِمَوْضِعٍ يَطْرُقُهُ الدَّوَابُّ كَثِيرًا - كَالطُّرُقِ - لِمَشَقَّةِ الاِحْتِرَازِ عَنْهُ.

قَال الدُّسُوقِيُّ نَقْلًا عَنِ الْبُنَانِيِّ: وَهَذَا الْقَيْدُ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُهُ، وَفِي كَلاَمِ ابْنِ الْحَاجِبِ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ لِتَعْلِيلِهِ

_________

(١) الاختيار شرح المختار ١ / ٣١، ٣٣ ط. مصطفى الحلبي ١٩٣٦م، فتح القدير والعناية ١ / ١٣٦.

بِالْمَشَقَّةِ، كَمَا ذَكَرَ خَلِيلٌ أَنَّ الْعَفْوَ إِنَّمَا هُوَ لِعُسْرِ الاِحْتِرَازِ، وَعَلَى هَذَا فَلاَ يُعْفَى عَمَّا أَصَابَ الْخُفَّ وَالنَّعْل مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ بِمَوْضِعٍ لاَ تَطْرُقُهُ الدَّوَابُّ كَثِيرًا وَلَوْ دَلْكًا.

وَإِنْ أَصَابَ الْخُفَّ أَوِ النَّعْل شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ غَيْرِ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا، كَخُرْءِ الْكِلاَبِ أَوْ فَضْلَةِ الآْدَمِيِّ أَوْ دَمٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُعْفَى عَنْهُ، وَلاَ بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ.

قَال الْحَطَّابُ نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: وَالْعِلَّةُ نُدُورُ ذَلِكَ فِي الطُّرُقَاتِ، فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ فِيهَا صَارَ كَرَوْثِ الدَّوَابِّ (١) .

تَطْهِيرُ مَا تُصِيبُهُ النَّجَاسَةُ مِنْ مَلاَبِسِ النِّسَاءِ فِي الطُّرُقِ:

٢٥ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَنَجَّسَ ذَيْل ثَوْبِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ كَالْبَدَنِ، وَلاَ يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الأَْرْضِ (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُعْفَى عَمَّا يُصِيبُ ذَيْل ثَوْبِ الْمَرْأَةِ الْيَابِسِ مِنَ النَّجَاسَةِ إِذَا مَرَّتْ بَعْدَ الإِْصَابَةِ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ يَابِسٍ، سَوَاءٌ كَانَ أَرْضًا أَوْ غَيْرَهُ.

وَقَيَّدُوا هَذَا الْعَفْوَ بِعِدَّةِ قُيُودٍ هِيَ:

أ - أَنْ يَكُونَ الذَّيْل يَابِسًا وَقَدْ أَطَالَتْهُ

_________

(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ٧٥.

(٢) المجموع ١ / ٥٩٨، روضة الطالبين ١ / ٣١، كشاف القناع ١ / ١٨٩.