الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩
وَأَنْ لاَ يَنْتَصِبَ لِلتَّدْرِيسِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ (١) .
وَآدَابُ الْمُعَلِّمِ مَعَ طَلَبَتِهِ هِيَ:
١٤ - أَنْ يَقْصِدَ بِتَعْلِيمِهِمْ وَتَهْذِيبِهِمْ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَنَشْرَ الْعِلْمِ، وَإِحْيَاءَ الشَّرْعِ.
وَأَنْ لاَ يَمْتَنِعَ مِنْ تَعْلِيمِ الطَّالِبِ، لِعَدَمِ خُلُوصِ نِيَّتِهِ، فَإِنَّ حُسْنَ النِّيَّةِ مَرْجُوٌّ لَهُ بِبَرَكَةِ الْعِلْمِ، قَال بَعْضُ السَّلَفِ: طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إِلاَّ لِلَّهِ، وَلأَِنَّ إِخْلاَصَ النِّيَّةِ لَوْ شُرِطَ فِي تَعْلِيمِ الْمُبْتَدَئِينَ فِيهِ مَعَ عُسْرِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ لأَدَّى ذَلِكَ إِلَى تَفْوِيتِ الْعِلْمِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، لَكِنَّ الشَّيْخَ يُحَرِّضُ الْمُبْتَدِئَ عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ بِالتَّدْرِيجِ.
وَأَنْ يُرَغِّبَ الطَّالِبَ فِي الْعِلْمِ وَطَلَبِهِ فِي أَكْثَرِ الأَْوْقَاتِ.
وَأَنْ يَتَلَطَّفَ فِي تَفْهِيمِهِ، لاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَيُحَرِّضَهُ عَلَى طَلَبِ الْفَوَائِدِ، وَحِفْظِ الْفَرَائِدِ وَلاَ يَدَّخِرُ عَنْهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ مَا يَسْأَلُهُ عَنْهُ وَهُوَ أَهْلٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ لاَ يُلْقِي إِلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَتَأَهَّل لَهُ، لأَِنَّ ذَلِكَ يُبَدِّدُ ذِهْنَهُ وَيُفَرِّقُ فَهْمَهُ.
وَأَنْ يَحْرِصَ عَلَى تَعْلِيمِ الطَّالِبِ وَتَفْهِيمِهِ
_________
(١) تذكرة السامع والمتكلم ص ٣٠ وما بعدها، والمجموع ١ / ٢٨ وما بعدها، إحياء علوم الدين ١ / ٦ وما بعدها.
بِبَذْل جَهْدِهِ، وَتَقْرِيبِ الْمَعْنَى لَهُ.
وَإِذَا سَلَكَ الطَّالِبُ فِي التَّحْصِيل فَوْقَ مَا يَقْتَضِيهِ حَالُهُ وَخَافَ الْمُعَلِّمُ ضَجَرَهُ أَوْصَاهُ بِالرِّفْقِ بِنَفْسِهِ، وَالأَْنَاةِ، وَالاِقْتِصَادِ فِي الاِجْتِهَادِ، وَكَذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ لَهُ مِنْهُ نَوْعُ سَآمَةٍ أَوْ ضَجَرٍ أَمَرَهُ بِالرَّاحَةِ وَتَخْفِيفِ الاِشْتِغَال.
وَأَنْ لاَ يُظْهِرَ لِلطَّلَبَةِ تَفْضِيل بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مَعَ تَسَاوِيهِمْ فِي الصِّفَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا يُوحِشُ صُدُورَهُمْ وَيُنَفِّرُ قُلُوبَهُمْ.
وَأَنْ يَسْعَى فِي مَصَالِحِ الطَّلَبَةِ وَجَمْعِ قُلُوبِهِمْ وَمُسَاعَدَتِهِمْ بِمَا يَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ، وَإِذَا غَابَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ زَائِدًا عَنِ الْعَادَةِ سَأَل عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُخْبَرْ عَنْهُ بِشَيْءٍ أَرْسَل إِلَيْهِ، أَوْ قَصَدَ مَنْزِلَهُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ أَفْضَل.
وَأَنْ يَتَوَاضَعَ مَعَ الطَّالِبِ وَكُل مُسْتَرْشِدٍ سَائِلٍ (١) فَفِي الْحَدِيثِ: لِينُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَ وَلِمَنْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ (٢) .
ثَانِيًا: آدَابُ الْمُتَعَلِّمِ:
وَهِيَ إِمَّا آدَابٌ فِي نَفْسِهِ، أَوْ مَعَ مُعَلِّمِهِ أَوْ فِي دَرْسِهِ.
_________
(١) تذكرة السامع والمتكلم ص ٤٧ وما بعدها، إحياء علوم الدين ١ / ٦١ ط. مصطفى الحلبي ١٩٣٩م، المجموع ١ / ٣٠ وما بعدها.
(٢) حديث: " لينو لمن تعلمون. . . " عزاه العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (بشرحه الإتحاف ٨ / ٢٧) إلى ابن السني في رياضة المتعلمين، وقال: " بسنده ضعف ".
آدَابُهُ فِي نَفْسِهِ:
١٥ - أ - أَنْ يُطَهِّرَ قَلْبَهُ لِيَصْلُحَ بِذَلِكَ لِقَبُول الْعِلْمِ وَحِفْظِهِ، وَأَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ يَقْصِدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْعَمَل بِهِ، وَإِحْيَاءَ الشَّرِيعَةِ، وَلاَ يَقْصِدُ بِهِ الأَْغْرَاضَ الدُّنْيَوِيَّةَ، لأَِنَّ الْعِلْمَ عِبَادَةٌ، فَإِنْ خَلَصَتْ فِيهِ النِّيَّةُ قُبِل وَنَمَتْ بَرَكَتُهُ، وَإِنْ قُصِدَ بِهِ غَيْرُ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى حَبَطَ وَخَسِرَتْ صَفْقَتُهُ.
ب - أَنْ يُبَادِرَ شَبَابَهُ وَأَوْقَاتَ عُمْرِهِ إِلَى التَّحْصِيل، وَأَنْ يَقْنَعَ مِنَ الْقُوتِ بِمَا تَيَسَّرَ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، وَمِنَ اللِّبَاسِ بِمَا يَسْتُرُ.
ج - أَنْ يَقْسِمَ أَوْقَاتَ لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَيَسْتَفِيدَ مِنْهَا.
د - أَنْ يُقَلِّل نَوْمَهُ، مَا لَمْ يَلْحَقْهُ ضَرَرٌ فِي بَدَنِهِ وَذِهْنِهِ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يُرِيحَ نَفْسَهُ وَقَلْبَهُ وَذِهْنَهُ إِذَا كَل شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ ضَعُفَ، وَأَنْ يَأْخُذَ نَفْسَهُ بِالْوَرَعِ فِي جَمِيعِ شَأْنِهِ وَيَتَحَرَّى الْحَلاَل فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَلِبَاسِهِ وَمَسْكَنِهِ (١) .
آدَابُ الْمُتَعَلِّمِ مَعَ مُعَلِّمِهِ:
١٦ - أ - يَنْبَغِي لِلطَّالِبِ أَنْ يَسْتَخِيرَ اللَّهَ فِي مَنْ يَأْخُذُ الْعِلْمَ عَنْهُ؛ لأَِنَّ الْعِلْمَ، كَمَا قَال
_________
(١) تذكرة السامع والمتكلم ص ٦٧ وما بعدها. إحياء علوم الدين ١ / ٥٥، المجموع ١ / ٣٥ ط. المكتبة السلفية. المدينة المنورة.
بَعْضُ السَّلَفِ: هَذَا الْعِلْمُ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ.
ب - أَنْ يَنْقَادَ لِمُعَلِّمِهِ فِي أُمُورِهِ، وَيَتَحَرَّى رِضَاهُ فِيمَا يَعْتَمِدُ وَيُبَالِغُ فِي حُرْمَتِهِ، وَيَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِخِدْمَتِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ تَوَاضُعَهُ لِمُعَلِّمِهِ عِزٌّ، فَقَدْ أَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ نَسَبِهِ وَعِلْمِهِ بِرِكَابِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃ وَقَال: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَل بِعُلَمَائِنَا،
وَأَنْ لاَ يُخَاطِبَ شَيْخَهُ بِتَاءِ الْخِطَابِ وَكَافِهِ، وَلاَ يُنَادِيهِ مِنْ بُعْدٍ، بَل يَقُول يَا أُسْتَاذِي، وَيَا شَيْخِي، وَأَنْ يَدْعُوَ لَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَيَرْعَى ذُرِّيَّتَهُ وَأَقَارِبَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
ج - أَنْ يَصْبِرَ عَلَى جَفْوَةٍ تَصْدُرُ مِنْ شَيْخِهِ أَوْ سُوءِ خُلُقٍ، وَلاَ يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ مُلاَزَمَتِهِ وَحُسْنِ عَقِيدَتِهِ، وَيَتَأَوَّل أَفْعَالَهُ الَّتِي يَظْهَرُ أَنَّ الصَّوَابَ خِلاَفُهَا، وَيَبْدَأُ هُوَ عِنْدَ جَفْوَةِ الشَّيْخِ بِالاِعْتِذَارِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْقَى لِمَوَدَّةِ شَيْخِهِ وَأَنْفَعُ لِلطَّالِبِ.
د - أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعَلِّمِ جِلْسَةَ الأَْدَبِ، وَيُصْغِيَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُحْسِنَ خِطَابَهُ مَعَهُ، وَأَنْ لاَ يَسْبِقَ إِلَى شَرْحِ مَسْأَلَةٍ أَوْ جَوَابٍ، وَلاَ يَقْطَعَ عَلَى الْمُعَلِّمِ كَلاَمَهُ، وَيَتَخَلَّقَ بِمَحَاسِنِ الأَْخْلاَقِ بَيْنَ يَدَيْهِ (١) .
_________
(١) تذكرة السامع والمتكلم ص ٨٥ وما بعدها، المجموع ١ / ٣٦، إحياء علوم الدين ١ / ٥٦ جامع بيان العلم وفضله ١ / ١٢٩.
آدَابُ الْمُتَعَلِّمِ فِي دَرْسِهِ:
١٧ - أ - أَنْ يَبْدَأَ أَوَّلًا بِكِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ فَيُتْقِنَهُ حِفْظًا، وَيَجْتَهِدَ فِي إِتْقَانِ تَفْسِيرِهِ وَسَائِرِ عُلُومِهِ.
ب - أَنْ لاَ يَشْتَغِل فِي أَوَّل أَمْرِهِ بِمَسَائِل الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُ يُحَيِّرُ الذِّهْنَ.
ج - أَنْ يُصَحِّحَ مَا يَقْرَؤُهُ قَبْل حِفْظِهِ تَصْحِيحًا مُتْقَنًا، إِمَّا عَلَى مُعَلِّمِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، ثُمَّ يَحْفَظُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
د - أَنْ يَلْزَمَ مُعَلِّمَهُ فِي التَّدْرِيسِ وَالإِْقْرَاءِ، بَل وَجَمِيعِ مَجَالِسِهِ إِذَا أَمْكَنَ، فَإِنَّهُ لاَ يَزِيدُهُ إِلاَّ خَيْرًا وَتَحْصِيلًا.
هـ - أَنْ يَتَأَدَّبَ مَعَ حَاضِرِي مَجْلِسِ الْمُعَلِّمِ فَإِنَّهُ أَدَبٌ مَعَهُ وَاحْتِرَامٌ لِمَجْلِسِهِ.
وأَنْ لاَ يَسْتَحِيَ مِنْ سُؤَال مَا أَشْكَل عَلَيْهِ وَيَتَفَهَّمَ مَا لَمْ يَتَعَقَّلْهُ بِتَلَطُّفٍ وَحُسْنِ خِطَابٍ وَأَدَبٍ (١) .
ثَالِثًا: الآْدَابُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ:
١٨ - أ - يَنْبَغِي لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ لاَ يُخِل بِوَظِيفَتِهِ لِطُرُوءِ فَرْضٍ خَفِيفٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُمْكِنُ مَعَهُ الاِشْتِغَال، وَأَنْ لاَ يَسْأَل أَحَدًا تَعَنُّتًا
_________
(١) تذكرة السامع والمتكلم ١١٢ وما بعدها، إحياء علوم الدين ١ / ٥٧ وما بعدها، المجموع ١ / ٣٦.
وَتَعْجِيزًا، فَفِي الْحَدِيثِ: نَهَى عَنِ الْغُلُوطَاتِ (١) .
ب - أَنْ يَعْتَنِيَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِتَحْصِيل الْكُتُبِ شِرَاءً وَاسْتِعَارَةً، فَإِنِ اسْتَعَارَهُ لَمْ يُبْطِئْ بِهِ لِئَلاَّ يَفُوتَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَلِئَلاَّ يَكْسَل عَنْ تَحْصِيل الْفَائِدَةِ مِنْهُ، وَلِئَلاَّ يَمْتَنِعَ مِنْ إِعَارَتِهِ غَيْرَهُ.
قَال النَّوَوِيُّ: وَالْمُخْتَارُ اسْتِحْبَابُ الإِْعَارَةِ لِمَنْ لاَ ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْعِلْمِ مَعَ مَا فِي مُطْلَقِ الْعَارِيَّةِ مِنَ الْفَضْل، وَيُسْتَحَبُّ شُكْرُ الْمُعِيرِ لإِحْسَانِهِ (٢) .
طُلُوعٌ
انْظُرْ: أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ، صَوْمٌ
_________
(١) حديث: " نهى عن الغلوطات ". أخرجه أبو داود (٤ / ٦٥ ط. استانبول) من حديث معاوية بن أبي سفيان، وفي إسناده جهالة كما في فيض القدير للمناوي (٦ / ٣٠١) .
(٢) المجموع للنووي ١ / ٣٩، تذكرة السامع والمتكلم ١٦٤ وما بعدها.
طُمَأْنِينَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الطُّمَأْنِينَةُ لُغَةً: السُّكُونُ، يُقَال: اطْمَأَنَّ الرَّجُل اطْمِئْنَانًا وَطُمَأْنِينَةً: أَيْ سَكَنَ، وَاطْمَأَنَّ الْقَلْبُ: إِذَا سَكَنَ وَلَمْ يَقْلَقْ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١) أَيْ لِيَسْكُنَ إِلَى الْمُعَايَنَةِ بَعْدَ الإِْيمَانِ بِالْغَيْبِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ (٢) أَيْ إِذَا سَكَنَتْ قُلُوبُكُمْ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ: اطْمَأَنَّ بِالْمَوْضِعِ أَقَامَ بِهِ وَاتَّخَذَهُ وَطَنًا، وَمَوْضِعٌ مُطْمَئِنٌّ مُنْخَفِضٌ.
وَالطُّمَأْنِينَةُ اصْطِلاَحًا: هِيَ اسْتِقْرَارُ الأَْعْضَاءِ زَمَنًا مَا (٣) .
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي حَدِّ هَذَا الزَّمَنِ سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْحُكْمِ الإِْجْمَالِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّعْدِيل:
٢ - التَّعْدِيل فِي اللُّغَةِ: إِقَامَةُ الْحُكْمِ،
_________
(١) سورة البقرة / ٢٦٠.
(٢) سورة النساء / ١٠٣.
(٣) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: (طعن)، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ٢٤١.
وَالتَّزْكِيَةُ، وَتَسْوِيَةُ الْمِيزَانِ.
وَاصْطِلاَحًا: اسْتَعْمَل الْحَنَفِيَّةُ التَّعْدِيل بِمَعْنَى الطُّمَأْنِينَةِ، فَيَعُدُّونَ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ تَعْدِيل الأَْرْكَانِ، وَيَقْصِدُونَ بِذَلِكَ تَسْكِينَ الْجَوَارِحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ الْمَفَاصِل (١) .
فَالتَّعْدِيل بِهَذَا الْمَعْنَى مُرَادِفٌ لِلطُّمَأْنِينَةِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الصَّلاَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنُ الْحَاجِبِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ، لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ وَهُوَ أَنَّ رَجُلًا دَخَل الْمَسْجِدَ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَال: ارْجِعْ فَصَل فَإِنَّكَ لَمْ تُصَل، فَعَل ذَلِكَ ثَلاَثًا، ثُمَّ قَال: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَال: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِل قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى
_________
(١) القاموس المحيط مادة (عدل)، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣١٢، وتبيين الحقائق ١ / ١٠٦.
تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَل ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا (١) .
وَمَحَل الطُّمَأْنِينَةِ عِنْدَهُمْ: فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالاِعْتِدَال مِنَ الرُّكُوعِ، وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - عَدَا أَبِي يُوسُفَ - إِلَى أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ وَاجِبَةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ وَيُسَمُّونَهَا " تَعْدِيل الأَْرْكَانِ " وَهِيَ سُنَّةٌ فِي تَخْرِيجِ الْجُرْجَانِيِّ، وَالصَّحِيحُ الْوُجُوبُ، وَهُوَ تَخْرِيجُ الْكَرْخِيِّ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: حَتَّى تَجِبَ سَجْدَتَا السَّهْوِ بِتَرْكِهِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَنْزِ وَالْوِقَايَةِ وَالْمُلْتَقَى وَهُوَ مُقْتَضَى الأَْدِلَّةِ.
وَمَحَل التَّعْدِيل عِنْدَهُمْ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَاخْتَارَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وُجُوبَ التَّعْدِيل فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَيْضًا.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الأَْصَحُّ رِوَايَةً وَدِرَايَةً وُجُوبُ تَعْدِيل الأَْرْكَانِ، وَأَمَّا الْقَوْمَةُ وَالْجِلْسَةُ وَتَعْدِيلُهُمَا فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ السُّنِّيَّةُ، وَرُوِيَ وُجُوبُهَا وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلأَْدِلَّةِ وَعَلَيْهِ الْكَمَال وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ.
_________
(١) حديث: المسئ صلاته. أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٢٧٧) ومسلم (١ / ٢٩٨) من حديث أبي هريرة.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: بِفَرْضِيَّةِ الْكُل، وَاخْتَارَهُ فِي الْمَجْمَعِ وَالْعَيْنِ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ الثَّلاَثَةِ، وَقَال فِي الْفَيْضِ: إِنَّهُ الأَْحْوَطُ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الطُّمَأْنِينَةِ خِلاَفٌ.
قَال الدُّسُوقِيُّ: الْقَوْل بِفَرْضِيَّتِهَا صَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمَشْهُورُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَلِذَا قَال زَرُّوقٌ وَالْبَنَّانِيُّ: مَنْ تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيل: إِنَّهَا فَضِيلَةٌ (١) .
أَقَل الطُّمَأْنِينَةِ:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ أَقَل الطُّمَأْنِينَةِ هُوَ سُكُونُ الأَْعْضَاءِ.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: أَقَلُّهَا ذَهَابُ حَرَكَةِ الأَْعْضَاءِ زَمَنًا يَسِيرًا.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَقَلُّهَا أَنْ يَمْكُثَ الْمُصَلِّي حَتَّى تَسْتَقِرَّ أَعْضَاؤُهُ وَتَنْفَصِل حَرَكَةُ هُوِيِّهِ عَنِ ارْتِفَاعِهِ.
قَال النَّوَوِيُّ: وَلَوْ زَادَ فِي الْهُوِيِّ ثُمَّ ارْتَفَعَ وَالْحَرَكَاتُ مُتَّصِلَةٌ وَلَمْ يَلْبَثْ لَمْ تَحْصُل
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣١٢، حاشية الدسوقي ١ / ٢٤١، جواهر الإكليل ١ / ٤٩، المجموع ٣ / ٤٠٨، ٤٠٩، مغني المحتاج ١ / ١٦٤، كشاف القناع ١ / ٣٨٧، الإنصاف ٢ / ١١٣، تبيين الحقائق ١ / ١٠٦.