الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩ الصفحة 16

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩

صَاحِبَهُ وَالْمُسْلِمِينَ، وَالنَّوَافِل الْمَذْكُورَةُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وَلأَِنَّ الْعِلْمَ مُصَحِّحٌ، فَغَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ، وَلاَ يَنْعَكِسُ، وَلأَِنَّ الْعِلْمَ تَبْقَى فَائِدَتُهُ وَأَثَرُهُ بَعْدَ صَاحِبِهِ، وَالنَّوَافِل تَنْقَطِعُ بِمَوْتِ صَاحِبِهَا. (١)

كَمَا أَنَّ الْمُثَابَرَةَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَالتَّفَقُّهَ فِيهِ، وَعَدَمَ الاِجْتِزَاءِ بِالْيَسِيرِ مِنْهُ يَجُرُّ إِلَى الْعَمَل بِهِ، وَيُلْجِئُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْل الْحَسَنِ: كُنَّا نَطْلُبُ الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا فَجَرَّنَا إِلَى الآْخِرَةِ. (٢)

وَقْتُ طَلَبِ الْعِلْمِ:

٨ - لَيْسَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَقْتٌ مُحَدَّدٌ، بَل هُوَ مَطْلُوبٌ فِي جَمِيعِ مَرَاحِل الْعُمْرِ، لَكِنَّ الْعُلَمَاءَ فَضَّلُوا الطَّلَبَ فِي مَرْحَلَةِ الصِّغَرِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْمَرَاحِل، لِصَفَاءِ الذِّهْنِ فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى رُسُوخِ الْعِلْمِ فِي الذَّاكِرَةِ، قَال الْعَدَوِيُّ نَقْلًا عَنِ الْمُنَاوِيِّ: وَهَذَا فِي الْغَالِبِ، فَقَدْ تَفَقَّهَ الْقَفَّال وَالْقُدُورِيُّ بَعْدَ الشَّيْبِ فَفَاقَا الشَّبَابَ.

وَأَوْجَبَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ تَعْلِيمَ الصِّغَارِ.

_________

(١) المجموع ١ / ٢٠، حاشية ابن عابدين ١ / ٢٧، مغني المحتاج ١ / ٨.

(٢) الموافقات للشاطبي ١ / ٧٦ ط. المكتبة التجارية.

قَال النَّوَوِيُّ: عَلَى الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلاَدِهِمْ مَا سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَيُعَلِّمُهُ الْوَلِيُّ الطَّهَارَةَ وَالصَّلاَةَ وَالصَّوْمَ وَنَحْوَهَا، وَيُعَرِّفُهُ تَحْرِيمَ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْمُسْكِرِ وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَشَبَهِهَا، وَيُعَرِّفُهُ أَنَّ بِالْبُلُوغِ يَدْخُل فِي التَّكْلِيفِ، وَيُعَرِّفُهُ مَا يَبْلُغُ بِهِ، وَقِيل: هَذَا التَّعْلِيمُ مُسْتَحَبٌّ، وَالصَّحِيحُ وُجُوبُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ.

وَدَلِيل تَعْلِيمِ الأَْوْلاَدِ الصِّغَارِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١) وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. (٢)

وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ وُجُوبَ تَعْلِيمِ الصِّغَارِ يَبْدَأُ بَعْدَ اسْتِكْمَال سَبْعِ سِنِينَ، لِحَدِيثِ: مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ. (٣)

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْوُجُوبَ بَعْدَ اسْتِكْمَال السَّبْعِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْمَرَ

_________

(١) سورة التحريم / ٦.

(٢) حديث ابن عمر: " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٣٨٠) ومسلم (٣ / ١٤٥٩) .

(٣) حديث: " مروا أولادكم بالصلاة. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٣٣٤) من حديث عبد الله بن عمرو، وحسنه النووي في رياض الصالحين (ص ١٧١) .

بِجَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ وَيُنْهَى عَنْ جَمِيعِ الْمَنْهِيَّاتِ.

وَقَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ نَقْلًا عَنِ النَّوَوِيِّ: يَجِبُ عَلَى الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلاَدِهِمُ الطَّهَارَةَ وَالصَّلاَةَ وَالشَّرَائِعَ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ.

كَمَا حَضَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِدَامَةِ طَلَبِ الْعِلْمِ وَلَوْ مَعَ التَّقَدُّمِ فِي السِّنِّ، أَوِ التَّقَدُّمِ فِي الْعِلْمِ، قِيل لاِبْنِ الْمُبَارَكِ: إِلَى مَتَى تَطْلُبُ الْعِلْمَ؟ قَال: حَتَّى الْمَمَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَسُئِل سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ أَحْوَجُ النَّاسِ إِلَى طَلَبِ الْعِلْمِ؟ قَال: أَعْلَمُهُمْ؛ لأَِنَّ الْخَطَأَ مِنْهُ أَقْبَحُ. (١)

الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ:

٩ - الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ مَشْرُوعَةٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بِالْبَابِ، فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَال: اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ، قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا مَرَّتَيْنِ فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، ثُمَّ دَخَل عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ فَقَال: اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْل الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ. قَالُوا قَبِلْنَا يَا رَسُول اللَّهِ، قَالُوا: جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ،

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٣٥، حاشية العدوي على الرسالة ١ / ٣٢، ٣٥، المجموع ١ / ٢٦، حاشية الجمل ١ / ٣٩٠، روضة الطالبين ١ / ١٩٠، كشاف القناع ١ / ٢٢٥، جامع بيان العلم وفضله ١ / ٨٤، ٩٦.

وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّل هَذَا الأَْمْرِ، قَال: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُل شَيْءٍ. ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَال: يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ، أَطْلُبُهَا، فَإِذَا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونَهَا، وَأَيْمُ اللَّهِ فَلَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ. (١)

قَال ابْنُ هُبَيْرَةَ: فِيهِ الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَجَوَازُ السُّؤَال عَنْ كُل مَا لاَ يَعْلَمُهُ، وَجَوَازُ الْعُدُول عَنْ سَمَاعِ الْعِلْمِ إِلَى مَا يُخَافُ فَوَاتُهُ، وَجَوَازُ إِيثَارِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ.

وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ رَحَل إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَلَمَّا قَدِمَ مِصْرَ أَخْبَرُوا عُقْبَةَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، قَال أَبُو أَيُّوبَ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي سَتْرِ الْمُسْلِمِ، قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا عَلَى خِزْيَةٍ سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَتَى أَبُو أَيُّوبَ رَاحِلَتَهُ فَرَكِبَهَا وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَا حَل رَحْلَهُ (٢):

وَسُئِل الإِْمَامُ أَحْمَدُ: تَرَى الرَّجُل أَنْ يَرْحَل لِطَلَبِ الْعِلْمِ؟ قَال: نَعَمْ، رَحَل أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.

_________

(١) حديث: عمران بن حصين: " دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٢٨٦، ١٣ / ٤٠٣)، والنص الموجود في البحث ملفق من روايتين للحديث.

(٢) حديث: أبي أيوب أنه رحل إلى عقبة بن عامر. . . أخرجه الحميدي في مسنده (١ / ١٩٠) .

وَقَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنْ كُنْتُ لأَُسَافِرُ مَسِيرَةَ اللَّيَالِي وَالأَْيَّامِ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ.

وَقَال الشَّعْبِيُّ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَافَرَ مِنْ أَقْصَى الشَّامِ إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ فَسَمِعَ كَلِمَةً تَنْفَعُهُ فِيمَا يَسْتَقْبِل مِنْ أَمْرِهِ مَا رَأَيْتُ سَفَرَهُ ضَاعَ.

قَال الْحَطَّابُ: يَجِبُ الْهُرُوبُ مِنْ بَلَدٍ لاَ عِلْمَ فِيهِ إِلَى بَلَدٍ فِيهِ الْعِلْمُ. (١)

اسْتِئْذَانُ الأَْبَوَيْنِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ:

١٠ - أَجَازَ الْفُقَهَاءُ الْخُرُوجَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَالِدَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.

وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ نَذْكُرُهَا فِيمَا يَلِي:

فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْخُرُوجِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَالتَّفَقُّهِ بَيْنَ خَوْفِ الْهَلاَكِ بِسَبَبِ هَذَا الْخُرُوجِ، وَعَدَمِ خَوْفِ الْهَلاَكِ.

فَإِنْ كَانَ لاَ يُخَافُ عَلَيْهِ الْهَلاَكُ كَانَ خُرُوجُهُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ بِمَنْزِلَةِ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ بَيْنَ الْخَوْفِ مِنَ الضَّيْعَةِ عَلَى الأَْبَوَيْنِ وَعَدَمِهِ، فَإِنْ كَانَ يَخَافُ الضَّيْعَةَ عَلَى أَبَوَيْهِ بِأَنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ، وَنَفَقَتُهُمَا عَلَيْهِ، وَمَا لَهُ لاَ يَفِي بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَنَفَقَتِهِمَا، فَإِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا، وَإِنْ كَانَ لاَ يَخَافُ الضَّيْعَةَ عَلَيْهِمَا بِأَنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ وَلَمْ

_________

(١) الأداب الشرعية لابن مفلح ٢ / ٥٧، ٥٩، جامع بيان العلم وفضله ١ / ٩٤، مواهب الجليل ٢ / ١٣٩.

تَكُنْ نَفَقَتُهُمَا عَلَيْهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا.

وَإِنْ كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ الْهَلاَكَ بِسَبَبِ خُرُوجِهِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ خُرُوجِهِ لِلْجِهَادِ، فَلاَ يُبَاحُ لَهُ الْخُرُوجُ إِنْ كَرِهَ الْوَالِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا خُرُوجَهُ، سَوَاءٌ كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِمَا الضَّيْعَةَ أَوْ لاَ يَخَافُ عَلَيْهِمَا الضَّيْعَةَ.

وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَوْلاَدٌ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى التَّعَلُّمِ وَحِفْظِ الْعِيَال فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَفْضَل.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلأَْبَوَيْنِ مَنْعَ وَلَدِهِمَا مِنَ الْخُرُوجِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ إِنْ كَانَ فِي سَفَرِهِ خَطَرٌ.

قَال الدُّسُوقِيُّ: فُرُوضُ الْكِفَايَةِ كَالْعِلْمِ الزَّائِدِ عَلَى الْحَاجَةِ، كَالتِّجَارَةِ، فَلَهُمَا مَنْعُهُ مِنَ السَّفَرِ لِتَحْصِيلِهِ إِذَا كَانَ لَيْسَ فِي بَلَدِهِمَا مَنْ يُفِيدُهُ حَيْثُ كَانَ السَّفَرُ فِي الْبَحْرِ أَوِ الْبِرِّ خَطَرًا وَإِلاَّ فَلاَ مَنْعَ.

وَصَرَّحَ الْعَدَوِيُّ: بِأَنَّ لِلْوَلَدِ أَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إِذْنِ وَالِدَيْهِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ الْكِفَائِيِّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ مَنْ يُفِيدُهُ إِيَّاهُ بِشَرْطِ أَنْ يُرْجَى أَنْ يَكُونَ أَهْلًا، فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدِهِ مَنْ يُفِيدُهُ إِيَّاهُ فَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا.

وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ السَّفَرَ لِتَعَلُّمِ الْفَرْضِ وَكُل وَاجِبٍ عَيْنِيٍّ، وَلَوْ كَانَ وَقْتُهُ مُتَّسِعًا وَإِنْ لَمْ يَأْذَنِ الأَْبَوَانِ، كَمَا أَجَازُوا السَّفَرَ لِطَلَبِ الْفَرْضِ

الْكِفَائِيِّ، كَدَرَجَةِ الْفَتْوَى، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ أَبَوَاهُ، عَلَى أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ آمِنًا أَوْ قَلِيل الْخَطَرِ، وَلَمْ يَجِدْ بِبَلَدِهِ مَنْ يَصْلُحُ لِكَمَال مَا يُرِيدُهُ، أَوْ رَجَا بِغُرْبَتِهِ زِيَادَةَ فَرَاغٍ، أَوْ إِرْشَادَ أُسْتَاذٍ، وَيُشْتَرَطُ لِخُرُوجِهِ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا، وَلَوْ لَزِمَتْهُ كِفَايَةُ أَصْلِهِ احْتَاجَ لإِذْنِهِ، إِنْ لَمْ يَنُبْ مَنْ يَمُونُهُ مِنْ مَالٍ حَاضِرٍ، وَمِثْلُهُ الْفَرْعُ لَوْ لَزِمَتْ أَصْلَهُ مُؤْنَتُهُ امْتَنَعَ سَفَرُ الأَْصْل إِلاَّ بِإِذْنِ فَرْعِهِ إِنْ لَمْ يَنُبْ.

وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ طَاعَةَ لِلْوَالِدَيْنِ فِي تَرْكِ تَعَلُّمِ عِلْمٍ وَاجِبٍ يَقُومُ بِهِ دِينُهُ مِنْ طَهَارَةٍ وَصَلاَةٍ وَصِيَامٍ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُل مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ بِبَلَدِهِ فَلَهُ السَّفَرُ لِطَلَبِهِ بِلاَ إِذْنِ أَبَوَيْهِ (١) .

آدَابُ طَلَبِ الْعِلْمِ:

١١ - لِطَلَبِ الْعِلْمِ آدَابٌ كَثِيرَةٌ يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهَا حَتَّى يَكُونَ الطَّلَبُ فِي أَفْضَل صُورَةٍ وَتَكُونُ الإِْفَادَةُ مِنْهُ أَكْبَرَ، وَهَذِهِ الآْدَابُ بَعْضُهَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُعَلِّمِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إِلَى طَالِبِ الْعِلْمِ، وَبَعْضُهَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا.

_________

(١) الفتاوى الهندية ٢ / ١٨٩، ٥ / ٣٦٥، ٣٦٦ ط. الأميرية ١٣١٠ هـ حاشية الدسوقي ٢ / ١٧٥، ١٧٦، حاشية العدوي على شرح الخرشي ٣ / ١١١ حاشية الجمل ٥ / ١٩٠، ١٩١، كشاف القناع ٣ / ٤٥، الإنصاف ٤ / ١٢٣.

أَوَّلًا: آدَابُ الْمُعَلِّمِ:

وَهِيَ إِمَّا آدَابٌ فِي الْمُعَلِّمِ نَفْسِهِ، أَوْ فِي دَرْسِهِ، أَوْ مَعَ طَلَبَتِهِ.

١٢ - أَمَّا آدَابُهُ فِي نَفْسِهِ فَهِيَ:

أ - دَوَامُ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، فَإِنَّهُ أَمِينٌ عَلَى مَا أُودِعَ مِنَ الْعُلُومِ.

قَال الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ الْعِلْمُ مَا حُفِظَ، الْعِلْمُ مَا نَفَعَ، وَمِنْ ذَلِكَ دَوَامُ الْخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعُ لِلَّهِ تَعَالَى.

ب - أَنْ يَصُونَ الْعِلْمَ وَيَقُومَ لَهُ بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الْعِزَّةِ وَالشَّرَفِ، فَلاَ يُذِلُّهُ بِذَهَابِهِ وَمَشْيِهِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ، أَوْ إِلَى مَنْ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، وَإِنْ عَظُمَ شَأْنُهُ وَكَبِرَ قَدْرُهُ. قَال الزُّهْرِيُّ: هَوَانُ الْعِلْمِ أَنْ يَحْمِلَهُ الْعَالِمُ إِلَى بَيْتِ الْمُتَعَلِّمِ، فَإِنْ دَعَتْ حَاجَةٌ إِلَى ذَلِكَ أَوْ ضَرُورَةٌ أَوِ اقْتَضَتْهُ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى مَفْسَدَةِ بَذْلِهِ وَحَسُنَتْ فِيهِ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ فَلاَ بَأْسَ بِهِ.

ج - أَنْ يَتَخَلَّقَ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالتَّقَلُّل مِنْهَا بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِعِيَالِهِ.

د - أَنْ يُنَزِّهَ عِلْمَهُ عَنْ جَعْلِهِ سُلَّمًا يَتَوَصَّل بِهِ إِلَى الأَْغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، مِنْ جَاهٍ أَوْ مَالٍ،

أَوْ سُمْعَةٍ أَوْ شُهْرَةٍ، أَوْ خِدْمَةٍ، أَوْ تَقَدُّمٍ عَلَى أَقْرَانِهِ.

هـ - أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْ دَنِيءِ الْمَكَاسِبِ وَرَذِيلِهَا طَبْعًا، وَعَنْ مَكْرُوهِهَا عَادَةً وَشَرْعًا، وَكَذَلِكَ يَتَجَنَّبُ مَوَاضِعَ التُّهَمِ وَإِنْ بَعُدَتْ.

وأَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْقِيَامِ بِشَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ وَظَوَاهِرِ الأَْحْكَامِ، كَإِمَامَةِ الصَّلاَةِ فِي الْمَسَاجِدِ لِلْجَمَاعَاتِ، وَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الأَْذَى بِسَبَبِ ذَلِكَ، صَادِعًا بِالْحَقِّ عِنْدَ السَّلاَطِينِ بَاذِلًا نَفْسَهُ لِلَّهِ، وَكَذَلِكَ الْقِيَامُ بِإِظْهَارِ السُّنَنِ، وَإِخْمَادِ الْبِدَعِ، وَالْقِيَامِ لِلَّهِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَمَا فِيهِ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ.

ز - أَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْمَنْدُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، فَيُلاَزِمُ تِلاَوَةَ الْقُرْآنِ، وَذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَنَوَافِل الْعِبَادَاتِ مِنَ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَحَجِّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ.

ح - أَنْ يُدِيمَ الْحِرْصَ عَلَى الاِزْدِيَادِ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَالاِشْتِغَال بِهِ، وَأَنْ لاَ يَسْتَنْكِفَ أَنْ يَسْتَفِيدَ مَا لاَ يَعْلَمُهُ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ، قَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لاَ يَزَال الرَّجُل عَالِمًا مَا تَعَلَّمَ، فَإِذَا تَرَكَ الْعِلْمَ وَظَنَّ أَنَّهُ قَدِ اسْتَغْنَى وَاكْتَفَى بِمَا عِنْدَهُ فَهُوَ أَجْهَل مَا يَكُونُ، وَأَنْ يَشْتَغِل

بِالتَّصْنِيفِ وَالْجَمْعِ وَالتَّأْلِيفِ لَكِنْ مَعَ تَمَامِ الْفَضِيلَةِ وَكَمَال الأَْهْلِيَّةِ (١) .

وَآدَابُ الْمُعَلِّمِ فِي دَرْسِهِ هِيَ:

١٣ - أَنْ يَتَطَهَّرَ مِنَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ وَيَلْبَسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ إِذَا جَلَسَ لِلتَّدْرِيسِ، وَأَنْ يَجْلِسَ بَارِزًا لِجَمِيعِ الْحَاضِرِينَ، وَيُوَقِّرَ فَاضِلَهُمْ، وَيَتَلَطَّفَ بِالْبَاقِينَ، وَيُكْرِمَهُمْ بِحُسْنِ السَّلاَمِ، وَطَلاَقَةِ الْوَجْهِ.

وَأَنْ يَقْدَمَ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الْبَحْثِ وَالتَّدْرِيسِ قِرَاءَةَ شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَرُّكًا وَتَيَمُّنًا.

وَإِذَا تَعَدَّدَتِ الدُّرُوسُ قَدَّمَ الأَْشْرَفَ فَالأَْشْرَفَ، وَالأَْهَمَّ فَالأَْهَمَّ، وَلاَ يَذْكُرُ شُبْهَةً فِي الدِّينِ فِي دَرْسٍ وَيُؤَخِّرُ الْجَوَابَ عَنْهَا إِلَى دَرْسٍ آخَرَ؛ بَل يَذْكُرُهُمَا جَمِيعًا أَوْ يَدَعُهُمَا جَمِيعًا، وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يُطِيل الدَّرْسَ تَطْوِيلًا يُمَل، وَلاَ يُقَصِّرَهُ تَقْصِيرًا يُخِل.

وَأَنْ يَصُونَ مَجْلِسَهُ عَنِ اللَّغَطِ وَعَنْ رَفْعِ الأَْصْوَاتِ.

وَأَنْ يُلاَزِمَ الإِْنْصَافَ فِي بَحْثِهِ وَخِطَابِهِ.

_________

(١) تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ص ١٥ وما بعدها ط. جمعية دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد ١٣٥٣ هـ، المجموع للنووي ١ / ٢٨، أدب الدنيا والدين ٣٥ ط. المطبعة الأدبية ١٣١٧.