الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٩
فَإِنْ قَالَتِ الزَّوْجَةُ: إِنَّهَا ثَيِّبٌ وَأَنْكَرَتْ الْوَطْءَ، فَالْقَوْل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ لَهُ، فَإِنْ نَكَل حُلِّفَتِ الزَّوْجَةُ، وَفِي رِوَايَةٍ مَرْجُوحَةٍ أَنَّ الْيَمِينَ لاَ يُرَدُّ عَلَيْهَا. (١)
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ (٢) فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى الْجَسِّ فِيمَا يُعْرَفُ بِالْجَسِّ، فَإِنْ كَانَ لاَ يُعْرَفُ بِالْجَسِّ، وَكَانَ مِمَّا لاَ يَرَاهُ الرِّجَال وَلاَ النِّسَاءُ كَالاِعْتِرَاضِ، وَبَرَصِ الْفَرْجِ، فَإِنَّ الْقَوْل فِيهِ قَوْل الْمَعِيبِ بِيَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَرَاهُ الرِّجَال، كَالْبَرَصِ فِي الْيَدِ أَوِ الْوَجْهِ فِي الْمَرْأَةِ أَوِ الرَّجُل عَلَى سَوَاءٍ، لَمْ يَثْبُتْ إِلاَّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِي دَاخِل جِسْمِ الْمَرْأَةِ دُونَ الْفَرْجِ، كَفَى فِيهِ امْرَأَتَانِ. (٣)
نَوْعُ الْفُرْقَةِ الثَّابِتَةِ بِالْعَيْبِ وَطَرِيقُ وُقُوعِهَا:
١٠٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ لِلْعَيْبِ طَلاَقٌ بَائِنٌ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا فَسْخٌ وَلَيْسَتْ طَلاَقًا.
كَمَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ لِلْعَيْبِ لاَ تَقَعُ بِغَيْرِ الرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي ثُمَّ الْقَاضِي يُكَلِّفُ الزَّوْجَ بِالطَّلاَقِ، فَإِنْ طَلَّقَ فَبِهَا، وَإِلاَّ
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٢) الدسوقي ٢ / ٢٨٤.
(٣) ما سبق من كلام الفقهاء في العيوب عامة يمكن أن ترفع بعض هذه الخلافات بأهل الاختصاص، ووسائل المعرفة الحديثة التي يتمكن بواسطتها من كشف كثير من العيوب الخفية. (اللجنة) .
طَلَّقَهَا عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْهُمْ: أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِاخْتِيَارِ الزَّوْجَةِ نَفْسِهَا بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ فِي الْعُنَّةِ بِدُونِ قَضَاءٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. (١)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ فِي رِوَايَتِهِمُ الثَّانِيَةِ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اشْتَرَطُوا إِذْنَ الْقَاضِي لَهَا بِالتَّطْلِيقِ إِذَا كَانَ بِقَوْلِهَا، وَأَنْ يَحْكُمَ بِهِ الْقَاضِي بَعْدَ ذَلِكَ رَفْعًا لِلْخِلاَفِ، وَالْحُكْمُ هُنَا إِنَّمَا هُوَ لِلإِْشْهَادِ وَالتَّوْثِيقِ، لاَ لِوُقُوعِ الطَّلاَقِ؛ لأَِنَّهُ وَقَعَ بِقَوْلِهَا. (٢)
وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ،
الأَْوَّل: أَنَّهَا تَسْتَقِل بِالْفَسْخِ بَعْدَ ثُبُوتِ حَقِّهَا فِيهِ لَدَى الْقَاضِي بِيَمِينِهَا أَوْ إِقْرَارِهِ.
وَالثَّانِي: لاَ بُدَّ مِنْ فَسْخِ الْقَاضِي رَفْعًا لِلْخِلاَفِ.
(٣) أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَإِنَّ الْفَسْخَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِحُكْمِ الْقَاضِي. (٤)
وَهَل تَكُونُ الْحُرْمَةُ الْوَاقِعَةُ بِالتَّفْرِيقِ لِلْعَيْبِ مُؤَبَّدَةً؟
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُؤَبَّدَةٍ، وَلَهُمَا الْعَوْدُ إِلَى الزَّوْجِيَّةِ ثَانِيَةً بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ الْوَاقِعَةَ بِالتَّفْرِيقِ لِلْعَيْبِ مُؤَبَّدَةٌ. (٥)
_________
(١) البحر الرائق ٤ / ١٢٥.
(٢) الشرح الكبير ٢ / ٢٨٢ - ٢٨٣.
(٣) مغني المحتاج ٣ / ٢٠٧.
(٤) المغني ٧ / ١٢٦ - ١٢٧.
(٥) المغني ٧ / ١٢٧، والبحر الرائق ٤ / ١٢٧.
التَّفْرِيقُ لِفَوَاتِ الْكَفَاءَةِ:
١٠٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى الاِعْتِدَادِ بِالْكَفَاءَةِ فِي الزَّوَاجِ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي اعْتِبَارِهَا سَبَبًا لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (كَفَاءَة) .
صُوَرٌ أُخْرَى مِنَ التَّفْرِيقِ:
١٠٩ - هُنَاكَ صُوَرٌ أُخْرَى مِنَ التَّفْرِيقِ يَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ بَعْضَهَا طَلاَقٌ، وَمِنْهَا:
أ - التَّفْرِيقُ بِخِيَارِ الْبُلُوغِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (بُلُوغ) ف ٣٩ وَمَا بَعْدَهَا.
ب - التَّفْرِيقُ لاِخْتِلاَفِ الدِّينِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (رِدَّة) ف ٤٤.
ج - التَّفْرِيقُ لِلِّعَانِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (فُرْقَة، وَلِعَان) .
د - التَّفْرِيقُ لِفَسَادِ عَقْدِ النِّكَاحِ أَوْ لِتَخَلُّفِ الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (نِكَاح) .
هـ - التَّفْرِيقُ لِلتَّحْرِيمِ الطَّارِئِ بِالرَّضَاعِ أَوِ الْمُصَاهَرَةِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي (رَضَاع) ف ٢٧، (وَمُصَاهَرَة) .
والتَّفْرِيقُ لِنُقْصَانِ الْمَهْرِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (مَهْر) .
طَلَبُ الْعِلْمِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الطَّلَبُ فِي اللُّغَةِ: مُحَاوَلَةُ وِجْدَانِ الشَّيْءِ وَأَخْذِهِ.
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (١)
وَالْعِلْمُ لُغَةً: الْيَقِينُ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى الْمَعْرِفَةِ.
وَاصْطِلاَحًا اخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِهِ: فَتَارَةً عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ، وَهَذَا عِلْمُ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَمَّا عِلْمُ الْخَالِقِ فَهُوَ الإِْحَاطَةُ وَالْخَبَرُ عَلَى مَا هُوَ بِهِ. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْجَهْل:
٢ - الْجَهْل لُغَةً: نَقِيضُ الْعِلْمِ، وَيُطْلَقُ عَلَى السَّفَهِ وَالْخَطَأِ، يُقَال جَهِل عَلَى غَيْرِهِ سَفِهَ وَأَخْطَأَ.
وَالْجَهْل اصْطِلاَحًا: هُوَ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ
_________
(١) لسان العرب مادة (طلب، والكليات ٣ / ١٥٣) .
(٢) الكليات ٣ / ٢٠٤.
عَلَى خِلاَفِ مَا هُوَ عَلَيْهِ. (١)
ب - الْمَعْرِفَةُ:
٣ - الْمَعْرِفَةُ لُغَةً: الْعِلْمُ يُقَال عَرَّفَهُ الأَْمْرَ: أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، وَعَرَّفَهُ بَيْتَهُ: أَعْلَمَهُ بِمَكَانِهِ. (٢)
وَالْمَعْرِفَةُ اصْطِلاَحًا: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، قَال صَاحِبُ التَّعْرِيفَاتِ: وَهِيَ مَسْبُوقَةٌ بِجَهْلٍ بِخِلاَفِ الْعِلْمِ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى الْحَقُّ تَعَالَى بِالْعَالِمِ دُونَ الْعَارِفِ.
وَفَرَّقَ صَاحِبُ الْكُلِّيَّاتِ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ تُقَال لِلإِْدْرَاكِ الْمَسْبُوقِ بِالْعَدَمِ، وَلِثَانِي الإِْدْرَاكَيْنِ إِذَا تَخَلَّلَهُمَا عَدَمٌ، وَلإِدْرَاكِ الْجُزْئِيِّ، وَلإِدْرَاكِ الْبَسِيطِ. وَالْعِلْمُ يُقَال لِحُصُول صُورَةِ الشَّيْءِ عِنْدَ الْعَقْل، وَلِلاِعْتِقَادِ الْجَازِمِ الْمُطَابِقِ الثَّابِتِ، وَلإِدْرَاكِ الْكُلِّيِّ، وَلإِدْرَاكِ الْمُرَكَّبِ. (٣)
حُكْمُ طَلَبِ الْعِلْمِ:
الْعِلْمُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا، وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الشَّرْعِ، أَوْ غَيْرَ شَرْعِيٍّ.
أ - طَلَبُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ:
٤ - طَلَبُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مَطْلُوبٌ مِنْ حَيْثُ
_________
(١) لسان العرب والقاموس المحيط والمصباح المنير والتعريفات للجرجاني مادة (جهل) .
(٢) لسان العرب مادة (عرف) .
(٣) التعريفات للجرجاني ٢٨٣، والكليات ٤ / ٢١٩، ٢٩٦.
الْجُمْلَةُ، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ طَلَبِهَا بِاخْتِلاَفِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا.
فَمِنْهَا مَا طَلَبُهُ فَرْضُ عَيْنٍ، وَهُوَ تَعَلُّمُ الْمُكَلَّفِ مَا لاَ يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ الَّذِي تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ إِلاَّ بِهِ، كَكَيْفِيَّةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا، وَحَمَل عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ.
(١) قَال النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ.
ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ لاَ يَجِبُ طَلَبُهَا إِلاَّ بَعْدَ وُجُوبِهَا، وَيَجِبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا يَتَوَقَّفُ أَدَاءُ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ غَالِبًا دُونَ مَا يَطْرَأُ نَادِرًا، فَإِنْ وَقَعَ وَجَبَ التَّعَلُّمُ حِينَئِذٍ، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ أَرَادَ الْبَيْعَ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ مَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُبَايَعَاتِ، كَمَا يَجِبُ مَعْرِفَةُ مَا يَحِل وَمَا يَحْرُمُ مِنَ الْمَأْكُول، وَالْمَشْرُوبِ، وَالْمَلْبُوسِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا لاَ غِنَى لَهُ عَنْهُ غَالِبًا، وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ إِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ، ثُمَّ إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْفَوْرِ كَانَ تَعَلُّمُ الْكَيْفِيَّةِ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ
_________
(١) حديث: " طلب العلم فريضة على كل مسلم ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٨١) من حديث أنس بن مالك بإسناد ضعيف، ولكن له طرقا كثيرة يتقوى بها، ذكر بعضها السخاوي في المقاصد الحسنة (ص٢٧٥ - ٢٧٦) وله شواهد عن جماعة من الصحابة، ونقل عن المزي أنه حسنه كما نقل عن العراقي أنه قال: صحح بعض الأئمة بعض طرقه.
كَانَ عَلَى التَّرَاخِي كَالْحَجِّ فَعَلَى التَّرَاخِي عِنْدَ مَنْ يَقُول بِذَلِكَ.
وَمِنْهَا مَا طَلَبُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُوَ تَحْصِيل مَا لاَ بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهُ فِي إِقَامَةِ دِينِهِمْ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ كَحِفْظِ الْقُرْآنِ، وَالأَْحَادِيثِ، وَعُلُومِهِمَا، وَالأُْصُول، وَالْفِقْهِ، وَالنَّحْوِ، وَاللُّغَةِ، وَالتَّصْرِيفِ، وَمَعْرِفَةِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَالإِْجْمَاعِ، وَالْخِلاَفِ.
وَالْمُرَادُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ تَحْصِيل ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ بِهِ أَوْ بَعْضِهِمْ، وَيَعُمُّ وُجُوبُهُ جَمِيعَ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ، فَإِذَا فَعَلَهُ مَنْ تَحْصُل بِهِ الْكِفَايَةُ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِذَا قَامَ بِهِ جَمْعٌ تَحْصُل الْكِفَايَةُ بِبَعْضِهِمْ فَكُلُّهُمْ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ الْقِيَامِ بِالْفَرْضِ فِي الثَّوَابِ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ جَمْعٌ ثُمَّ جَمْعٌ ثُمَّ جَمْعٌ فَالْكُل يَقَعُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَلَوْ أَطْبَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى تَرْكِهِ أَثِمَ كُل مَنْ لاَ عُذْرَ لَهُ مِمَّنْ عَلِمَ ذَلِكَ وَأَمْكَنَهُ الْقِيَامُ بِهِ.
وَمِنْهَا مَا طَلَبُهُ نَفْلٌ، كَالتَّبَحُّرِ فِي أُصُول الأَْدِلَّةِ، وَالإِْمْعَانُ فِيمَا وَرَاءَ الْقَدْرِ الَّذِي يَحْصُل بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ.
(١)
_________
(١) المجموع ١ / ٢٤ وما بعدها ط. المكتبة السلفية المدينة المنورة، إحياء علوم الدين ١ / ٢١، ٢٣ ط. مصطفى الحلبي ١٩٣٩م، الأداب الشرعية ٢ / ٣٦، مكتبة الرياض الحديثة حاشية ابن عابدين ١ / ٢٧، ٢٩ وما بعدها.
ب - الْعُلُومُ غَيْرُ الشَّرْعِيَّةِ:
٥ - يَعْتَرِي طَلَبُ الْعُلُومِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ الأَْحْكَامَ التَّكْلِيفِيَّةَ الْخَمْسَةَ، إِذْ مِنْهَا مَا طَلَبُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، كَالْعُلُومِ الَّتِي لاَ يُسْتَغْنَى عَنْهَا فِي قِوَامِ أَمْرِ الدُّنْيَا، كَالطِّبِّ، إِذْ هُوَ ضَرُورِيٌّ لِبَقَاءِ الأَْبْدَانِ، وَالْحِسَابِ، فَإِنَّهُ ضَرُورِيٌّ فِي الْمُعَامَلاَتِ، وَقِسْمَةِ الْوَصَايَا وَالْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا.
وَمِنْهَا مَا يُعَدُّ طَلَبُهُ فَضِيلَةً وَهُوَ التَّعَمُّقُ فِي دَقَائِقِ الْحِسَابِ، وَالطِّبِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، وَلَكِنَّهُ يُفِيدُ زِيَادَةَ قُوَّةٍ فِي الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ.
وَمِنْهَا مَا طَلَبُهُ مُحَرَّمٌ، كَطَلَبِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ وَالشَّعْوَذَةِ، وَالتَّنْجِيمِ، وَكُل مَا كَانَ سَبَبًا لإِثَارَةِ الشُّكُوكِ، وَيَتَفَاوَتُ فِي التَّحْرِيمِ. (١)
فَضْل طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْحَثُّ عَلَيْهِ:
٦ - تَكَاثَرَتِ الآْيَاتُ وَالأَْخْبَارُ وَالآْثَارُ فِي الْحَثِّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ.
فَمِنَ الآْيَاتِ الَّتِي تَحُثُّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (٢) قَال الْقُرْطُبِيُّ: هَذِهِ الآْيَةُ أَصْلٌ فِي وُجُوبِ طَلَبِ الْعِلْمِ،
_________
(١) المجموع ١ / ٢٦، إحياء علوم الدين ١ / ٢٣، حاشية ابن عابدين ١ / ٢٩ وما بعدها.
(٢) سورة التوبة / ١٢٢.
وَقَوْل مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ يَقْتَضِي نَدْبَ طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْحَثَّ عَلَيْهِ دُونَ الْوُجُوبِ وَالإِْلْزَامِ، وَإِنَّمَا لَزِمَ طَلَبُ الْعِلْمِ بِأَدِلَّتِهِ وَهُوَ أَبْيَنُ.
وَمِنَ الآْيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْل طَلَبِ الْعِلْمِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ . (١)
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ. (٢)
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَانَ فِي سَبِيل اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ (٣) وَقَوْلُهُ ﷺ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّل اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ. (٤)
وَمِنَ الآْثَارِ قَوْل مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ مَنْ لاَ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لأَِهْلِهِ قُرْبَةٌ.
وَمِنَ الآْثَارِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا قَوْل أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
_________
(١) سورة المجادلة / ١١.
(٢) حديث: " من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٦٤) ومسلم (٢ / ٧١٨) من حديث معاوية بن أبي سفيان.
(٣) حديث: " من خرج في طلب العلم ". أخرجه الترمذي (٥ / ٢٩) وأعله المناوي في فيض القدير (٦ / ١٢٤) براو متكلم فيه.
(٤) حديث: " من سلك طريقا يلتمس فيه علما. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٧٤) من حديث أبي هريرة.
: مَنْ رَأَى أَنَّ الْغُدُوَّ إِلَى طَلَبِ الْعِلْمِ لَيْسَ بِجِهَادٍ فَقَدْ نَقَصَ فِي رَأْيِهِ وَعَقْلِهِ.
وَقَوْل الشَّافِعِيِّ: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَل مِنَ النَّافِلَةِ.
قَال الْقُرْطُبِيُّ: طَلَبُ الْعِلْمِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمَرْتَبَةٌ شَرِيفَةٌ لاَ يُوَازِيهَا عَمَلٌ. (١)
تَرْجِيحُ طَلَبِ الْعِلْمِ عَلَى الْعِبَادَاتِ الْقَاصِرَةِ عَلَى فَاعِلِهَا:
٧ - حَكَى النَّوَوِيُّ اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ وَالاِشْتِغَال بِهِ أَفْضَل مِنْ الاِشْتِغَال بِنَوَافِل الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَالتَّسْبِيحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ نَوَافِل عِبَادَاتِ الْبَدَنِ.
فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَضْل الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ (٢) وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: الْعَالِمُ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْغَازِي فِي سَبِيل اللَّهِ، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا
قَالاَ: بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ نَتَعَلَّمُهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَلْفِ رَكْعَةِ تَطَوُّعٍ؛ وَلأَِنَّ نَفْعَ الْعِلْمِ يَعُمُّ
_________
(١) المجموع للنووي ١ / ١٩ط. المكتبة السلفية، إحياء علوم الدين ١ / ١٥، ١٦ ط. مصطفى الحلبي ١٩٣٩، الأداب الشرعية ٢ / ٣٩ ط. مكتبة الرياض الحديثة، تفسير القرطبي ٨ / ٢٩٣ وما بعدها ط. دار الكتب المصرية ١٩٣٩م.
(٢) حديث أبي أمامة: " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٥٠) وقال: " حديث غريب ".