الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨
مِنَ الضَّامِنِ بِأَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكُ الْبَائِعِ فَيَكُونُ مَانِعًا لِدَعْوَى التَّمَلُّكِ وَالشُّفْعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، لأَِنَّ هَذَا الضَّمَانَ لَوْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي الْبَيْعِ فَتَمَامُهُ بِقَبُول الضَّامِنِ فَكَأَنَّهُ هُوَ الْمُوجِبُ لَهُ ثُمَّ بِالدَّعْوَى يَسْعَى فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فَالْمُرَادُ بِهِ إِحْكَامُ الْبَيْعِ وَتَرْغِيبُ الْمُشْتَرِي فِي الاِبْتِيَاعِ، إِذْ لاَ يَرْغَبُ فِيهِ دُونَ الضَّمَانِ فَنَزَل التَّرْغِيبُ مَنْزِلَةَ الإِْقْرَارِ بِمِلْكِ الْبَائِعِ، فَلاَ تَصِحُّ دَعْوَى الضَّامِنِ الْمِلْكِيَّةَ لِنَفْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِلتَّنَاقُضِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ ضَمِنَ الشَّفِيعُ الْعُهْدَةَ لِلْمُشْتَرِي لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ، لأَِنَّ هَذَا سَبَبٌ سَبَقَ وُجُوبَ الشُّفْعَةِ فَلَمْ تَسْقُطْ بِهِ الشُّفْعَةُ كَالإِْذْنِ فِي الْبَيْعِ وَالْعَفْوِ عَنِ الشُّفْعَةِ قَبْل تَمَامِ الْبَيْعِ (٢) .
الرَّهْنُ بِالدَّرَكِ:
١٠ - الرَّهْنُ بِالدَّرَكِ هُوَ: أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا وَيُسَلِّمَهُ إِلَى الْمُشْتَرِي فَيَخَافُ الْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَحِقَّهُ أَحَدٌ، فَيَأْخُذُ مِنَ الْبَائِعِ رَهْنًا بِالثَّمَنِ لَوِ اسْتَحَقَّهُ أَحَدٌ، وَالرَّهْنُ بِالدَّرَكِ بَاطِلٌ، حَتَّى إِنَّ الْمُرْتَهِنَ لاَ يَمْلِكُ حَبْسَ الرَّهْنِ إِنْ
_________
(١) مجمع الأنهر ٢ / ١٣٣، والبحر الرائق ٦ / ٢٥٨، ٢٥٩، ودرر الحكام ١ / ٦٦٥.
(٢) المغني ٥ / ٣٨١.
قَبَضَهُ قَبْل الْوُجُوبِ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ أَوْ لاَ، لأَِنَّ الرَّهْنَ جُعِل مَشْرُوعًا لأَِجْل الاِسْتِيفَاءِ وَلاَ اسْتِيفَاءَ قَبْل الْوُجُوبِ (١) .
وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ الإِْجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ؛ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَبْقَى الرَّهْنُ مَرْهُونًا أَبَدًا (٢) .
_________
(١) العناية بهامش تكملة الفتح ٨ / ٢٠٦، وبدائع الصنائع ٦ / ١٤٣، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام ٢ / ٨٢، والمغني لابن قدامة ٤ / ٣٤٦، وروضة الطالبين ١٠ / ٣٦١.
(٢) المغني ٤ / ٥٩٦.
ضِيَافَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الضِّيَافَةُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ ضَافَ، يُقَال: ضَافَ الرَّجُل يُضِيفُهُ ضَيْفًا، وَضِيَافَةً: مَال إِلَيْهِ وَنَزَل بِهِ ضَيْفًا وَضِيَافَةً، وَأَضَافَهُ إِلَيْهِ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ ضَيْفًا، وَضِيَافَةً (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ اسْمٌ لإِكْرَامِ الضَّيْفِ - وَهُوَ النَّازِل بِغَيْرِهِ لِطَلَبِ الإِْكْرَامِ - وَالإِْحْسَانِ إِلَيْهِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْقِرَاءُ:
٢ - الْقِرَاءُ مِنْ قَرَى الضَّيْفِ قِرَاءً وَقِرًى: أَضَافَهُ إِلَيْهِ وَأَطْعَمَهُ.
ب - الْخَفَرُ:
٣ - يُقَال: خَفَرَ بِالْعَهْدِ يَخْفِرُ إِذَا وَفَّى بِهِ، وَخَفَرْتُ الرَّجُل حَمَيْتُهُ وَأَجَرْتُهُ مِنْ طَالِبِهِ، وَخَفَرَ بِالرَّجُل إِذَا غَدَرَ بِهِ (٣) .
_________
(١) لسان العرب، المصباح المنير، ابن عابدين ٢ / ١٢١.
(٢) القليوبي ٣ / ٢٩٨، حاشية ابن عابدين ٢ / ١٢١، وحاشية البجيرمي ٣ / ٣٩٢.
(٣) المصباح المنير.
ج - الإِْجَارَةُ:
٤ - الإِْجَارَةُ مِنْ أَجَارَ الرَّجُل إِجَارَةً: إِذَا أَمَّنَهُ وَخَفَرَ بِهِ، وَعَلَيْهِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - تُعْتَبَرُ الضِّيَافَةُ مِنْ مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ، وَسُنَّةِ الْخَلِيل ﵊ وَالأَْنْبِيَاءِ بَعْدَهُ، وَقَدْ رَغَّبَ فِيهَا الإِْسْلاَمُ، وَعَدَّهَا مِنْ أَمَارَاتِ صِدْقِ الإِْيمَانِ (١) .
فَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ (٢)، وَعَنْهُ ﷺ: لاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يُضِيفُ (٣)، وَقَال ﵇: الضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤَثِّمَهُ، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ وَكَيْفَ يُؤَثِّمُهُ؟ قَال: يُقِيمُ عِنْدَهُ لاَ شَيْءَ لَهُ يُقْرِيهِ بِهِ (٤) .
وَهِيَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ
_________
(١) إحياء علوم الدين ٢ / ١٢، ابن عابدين ٥ / ١٩٦.
(٢) حديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ". أخرجه البخاري ١٠ / ٥٣٢، ومسلم ١ / ٦٨، من حديث أبي هريرة.
(٣) حديث: " لا خير فيمن لا يضيف ". أخرجه أحمد ٤ / ١٥٥، من حديث عقبة بن عامر، وأشار العراقي إلى تضعيفه في تخريجه لإحياء علوم الدين ٢ / ١٢.
(٤) حديث: " الضيافة ثلاثة أيام ". أخرجه مسلم ٣ / ١٣٥٣ من حديث أبي شريح الخزاعي.
وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ سُنَّةٌ، وَمُدَّتُهَا ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ - وَهِيَ الْمَذْهَبُ - أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَمُدَّتُهَا يَوْمٌ لَيْلَةٌ، وَالْكَمَال ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ. وَبِهَذَا يَقُول اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الضِّيَافَةِ فِي حَالَةِ الْمُجْتَازِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُبَلِّغُهُ وَيَخَافُ الْهَلاَكَ.
وَالضِّيَافَةُ عَلَى أَهْل الْقُرَى وَالْحَضَرِ، إِلاَّ مَا جَاءَ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ وَالإِْمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَهْل الْحَضَرِ ضِيَافَةٌ، وَقَال سَحْنُونٌ: الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْل الْقُرَى، وَأَمَّا أَهْل الْحَضَرِ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا قَدِمَ الْحَضَرَ وَجَدَ نُزُلًا - وَهُوَ الْفُنْدُقُ - فَيَتَأَكَّدُ النَّدْبُ إِلَيْهَا وَلاَ يَتَعَيَّنُ عَلَى أَهْل الْحَضَرِ تَعَيُّنَهَا عَلَى أَهْل الْقُرَى لَمَعَانٍ:
أَحَدُهَا:
أَنَّ ذَلِكَ يَتَكَرَّرُ عَلَى أَهْل الْحَضَرِ، فَلَوِ الْتَزَمَ أَهْل الْحَضَرِ الضِّيَافَةَ لَمَا خَلَوْا مِنْهَا، وَأَهْل الْقُرَى يَنْدُرُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَلاَ تَلْحَقُهُمْ مَشَقَّةٌ.
ثَانِيهَا:
أَنَّ الْمُسَافِرَ يَجِدُ فِي الْحَضَرِ الْمَسْكَنَ وَالطَّعَامَ، فَلاَ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ لِعَدَمِ الضِّيَافَةِ، وَحُكْمُ الْقُرَى الْكِبَارِ الَّتِي تُوجَدُ فِيهَا الْفَنَادِقُ وَالْمَطَاعِمُ لِلشِّرَاءِ وَيَكْثُرُ تَرْدَادُ
النَّاسِ عَلَيْهَا حُكْمُ الْحَضَرِ، وَهَذَا فِيمَنْ لاَ يَعْرِفُهُ الإِْنْسَانُ، وَأَمَّا مَنْ يَعْرِفُهُ مَعْرِفَةَ مَوَدَّةٍ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ أَوْ صِلَةٌ وَمُكَارَمَةٌ، فَحُكْمُهُ فِي الْحَضَرِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ (١) .
آدَابُ الضِّيَافَةِ:
آدَابُ الْمُضِيفِ:
٦ - يُسْتَحَبُّ لِلْمُضِيفِ إِينَاسُ الضَّيْفِ بِالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ وَالْقَصَصِ الَّتِي تَلِيقُ بِالْحَال، لأَِنَّ مِنْ تَمَامِ الإِْكْرَامِ طَلاَقَةَ الْوَجْهِ وَطِيبَ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْخُرُوجِ وَالدُّخُول لِيَحْصُل لَهُ الاِنْبِسَاطُ، وَلاَ يَتَكَلَّفُ مَا لاَ يُطِيقُ لِقَوْلِهِ ﷺ: أَنَا وَأَتْقِيَاءُ أُمَّتِي بُرَآءُ مِنَ التَّكَلُّفِ (٢) وَأَنْ يَقُول لِلضَّيْفِ أَحْيَانًا: " كُل " مِنْ غَيْرِ إِلْحَاحٍ، وَأَلاَّ يُكْثِرَ السُّكُوتَ عِنْدَ الضَّيْفِ، وَأَنْ لاَ يَغِيبَ عَنْهُ، وَلاَ يَنْهَرَ خَادِمَهُ بِحَضْرَتِهِ، وَأَنْ يَخْدُمَهُ بِنَفْسِهِ، وَأَلاَّ يُجْلِسَهُ مَعَ مَنْ يَتَأَذَّى بِجُلُوسِهِ أَوْ لاَ يَلِيقُ لَهُ الْجُلُوسُ مَعَهُ، وَأَنْ يَأْذَنَ لَهُ بِالْخُرُوجِ إِذَا اسْتَأْذَنَهُ وَأَنْ
_________
(١) عمدة القاري ٢٢ / ١١١، ١٧٣، ١٣ / ٨، وفتح الباري ٥ / ١٠٨، وفتاوى قاضيخان بهامش الهندية ٣ / ٤٠١، والمنتقى للباجي ٧ / ٢٤٢، ٢٤٣، نهاية المحتاج ٦ / ٣٧٦، الإنافة في الصدقة والضيافة لابن حجر الهيثمي ص ٨٧، المغني ٨ / ٦٠٣ (ط. الرياض)، أحكام أهل الذمة لابن القيم ٢ / ٧٨٣ وما بعدها.
(٢) حديث: " أنا وأتقياء أمتي. . . . ". أورده الشوكاني في الفوائد المجموعة ص ٨٦، وقال: قال النووي: ليس بثابت، وقال في المقاصد: روى معناه بسند ضعيف.
يَخْرُجَ مَعَهُ إِلَى بَابِ الدَّارِ تَتْمِيمًا لإِكْرَامِهِ وَأَنْ يَأْخُذَ بِرِكَابِ ضَيْفِهِ إِذَا أَرَادَ الرُّكُوبَ.
آدَابُ الضَّيْفِ:
٧ - مِنْ آدَابِ الضَّيْفِ أَنْ يَجْلِسَ حَيْثُ يُجْلَسُ، وَأَنْ يَرْضَى بِمَا يُقَدَّمُ إِلَيْهِ، وَأَلاَّ يَقُومَ إِلاَّ بِإِذْنِ الْمُضِيفِ، وَأَنْ يَدْعُوَ لِلْمُضِيفِ بِدُعَاءِ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يَقُول: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَل طَعَامَكُمُ الأَْبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ (١) .
مَقَامُ الضَّيْفِ عِنْدَ الْمُضِيفِ:
٨ - مَنْ نَزَل ضَيْفًا فَلاَ يَزِيدُ مُقَامَهُ عِنْدَ الْمُضِيفِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ: الضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا زَادَ فَصَدَقَةٌ (٢) لِئَلاَّ يَتَبَرَّمَ بِهِ وَيَضْطَرَّ لإِخْرَاجِهِ، إِلاَّ إِنْ أَلَحَّ عَلَيْهِ رَبُّ الْمَنْزِل بِالْمُقَامِ عِنْدَهُ عَنْ خُلُوصِ قَلْبٍ فَلَهُ الْمُقَامُ.
أَكْل طَعَامِ الضِّيَافَةِ:
٩ - يَأْكُل الْمُضِيفُ مِمَّا قُدِّمَ لَهُ بِلاَ لَفْظٍ اكْتِفَاءً بِالْقَرِينَةِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمُضِيفُ يَنْتَظِرُ غَيْرَهُ مِنَ
_________
(١) حديث: " أفطر عندكم الصائمون. . . ". أخرجه أبو داود ٤ / ١٨٩ من حديث أنس، وصححه ابن حجر كما في الفتوحات لابن علان ٤ / ٣٤٣.
(٢) حديث: " الضيافة ثلاثة أيام. . . ". أخرجه البخاري ١٠ / ٥٣١، ومسلم ٣ / ١٣٥٣ من حديث أبي شريح.
الضُّيُوفِ، فَلاَ يَجُوزُ حِينَئِذٍ الأَْكْل إِلاَّ بِإِذْنِ الْمُضِيفِ، وَلاَ يَأْكُل مِنَ الطَّعَامِ إِلاَّ بِالْمِقْدَارِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعُرْفُ، مَا لَمْ يَعْلَمْ رِضَا الْمُضِيفِ، وَلاَ يَتَصَرَّفُ بِهِ إِلاَّ بِأَكْلٍ، لأَِنَّهُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِيهِ، فَلاَ يُطْعِمُ سَائِلًا، وَلاَ هِرَّةً، وَلَهُ أَخْذُ مَا يَعْلَمُ رِضَاهُ، لأَِنَّ الْمَدَارَ عَلَى طِيبِ نَفْسِ الْمَالِكِ، فَإِذَا دَلَّتِ الْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ حَل.
وَتَخْتَلِفُ قَرَائِنُ الرِّضَى فِي ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ الأَْمْوَال، وَمَقَادِيرِهَا (١) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ الضَّيْفَ لاَ يَضْمَنُ مَا قُدِّمَ لَهُ مِنْ طَعَامٍ إِنْ تَلِفَ بِلاَ تَعَدٍّ مِنْهُ، كَمَا لاَ يَضْمَنُ إِنَاءَهُ وَحَصِيرًا يَجْلِسُ عَلَيْهِ وَنَحْوَهُ، سَوَاءٌ قَبْل الأَْكْل، أَوْ بَعْدَهُ، وَلاَ يَلْزَمُهُ دَفْعُ هِرَّةٍ عَنْهُ، وَيَضْمَنُ إِنَاءً حَمَلَهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ (٢) .
اشْتِرَاطُ الضِّيَافَةِ فِي عَقْدِ الْجِزْيَةِ:
١٠ - يَجُوزُ بَل يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنْ يَشْتَرِطَ الإِْمَامُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ زَائِدًا عَلَى أَقَل الْجِزْيَةِ إِذَا صُولِحُوا فِي بَلَدِهِمْ، وَيَجْعَل الضِّيَافَةَ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ، لاَ الْفَقِيرِ، وَيَذْكُرُ وُجُوبًا فِي الْعَقْدِ: عَدَدَ الضِّيفَانِ،
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٤، إحياء علوم الدين ٢ / ١٢ وما بعده، حاشية البجيرمي ٣ / ٣٩٣، نهاية المحتاج ٦ / ٣٧٦، القليوبي ٣ / ٢٩٨، كشاف القناع ٥ / ١٨٠، مواهب الجليل ٤ / ٥.
(٢) حاشية البجيرمي على الخطيب ٣ / ٣٩٣ - ٣٩٤.
وَعَدَدَ أَيَّامِ الضِّيَافَةِ، وَقَدْرَ الإِْقَامَةِ فِيهِمْ، وَجِنْسَ الطَّعَامِ، وَالأُْدْمِ، وَقَدْرَهُمَا، وَعَلَفَ الدَّوَابِّ إِنْ كَانُوا فُرْسَانًا، وَمَنْزِل الضُّيُوفِ مِنْ كَنِيسِهِ، وَفَاضِل مَسْكَنٍ، وَلاَ يَزِيدُ مُقَامُهُمْ عَلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَ أَهْل أَيْلَةَ عَلَى ثَلاَثِمِائَةِ دِينَارٍ، وَعَلَى ضِيَافَةِ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١) . فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا عَلَيْهِمْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ، لأَِنَّهُ أَدَاءُ مَالٍ، فَلَمْ يَجِبْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ (٢) .
_________
(١) حديث أن النبي ﷺ: " صالح أهل أيلة. . . ". أخرجه البيهقي ٩ / ١٩٥ من حديث ابن الحويرث مرسلًا.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٦٧، البجيرمي ٤ / ٢٣٦، نهاية المحتاج ٨ / ٩٤ - ٩٥، القليوبي ٤ / ٢٣٣، المغني ٨ / ٥٠٥.
طَاعَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الطَّاعَةُ فِي اللُّغَةِ: الاِنْقِيَادُ وَالْمُوَافَقَةُ، يُقَال: أَطَاعَهُ إِطَاعَةً أَيْ: انْقَادَ لَهُ، وَالاِسْمُ طَاعَةٌ، وَأَنَا طَوْعُ يَدِكَ: أَيْ مُنْقَادٌ لَكَ.
قَال الْفَيُّومِيُّ: قَالُوا: وَلاَ تَكُونُ الطَّاعَةُ إِلاَّ عَنْ أَمْرٍ، كَمَا أَنَّ الْجَوَابَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَنْ قَوْلٍ، يُقَال: أَمَرَهُ فَأَطَاعَ.
وَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ: رَخَّصَتْ وَسَهَّلَتْ (١) .
وَاتَّفَقَتْ تَعَارِيفُ الْفُقَهَاءِ لِلطَّاعَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ.
فَعَرَّفَ الْجُرْجَانِيِّ وَالْكَفَوِيُّ وَصَاحِبُ دُسْتُورِ الْعُلَمَاءِ الطَّاعَةَ بِأَنَّهَا: مُوَافَقَةُ الأَْمْرِ طَوْعًا.
قَال الْكَفَوِيُّ: هِيَ فِعْل الْمَأْمُورَاتِ وَلَوْ نَدْبًا، وَتَرْكُ الْمَنْهِيَّاتِ وَلَوْ كَرَاهَةً (٢) .
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير، مادة: (طوع) .
(٢) التعريفات للجرجاني ص ١٨٢، والكليات ٣ / ١٥٥، ١٥٦، ودستور العلماء ٢ / ٢٧١.