الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨ الصفحة 62

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨

الْيَدُ فِي بُضْعِ الْمَرْأَةِ لَهَا، وَكَذَا مَنْفَعَةُ بَدَنِ الْحُرِّ لاَ تُضْمَنُ إِلاَّ بِتَفْوِيتٍ فِي الأَْصَحِّ، كَأَنْ قَهَرَهُ عَلَى عَمَلٍ. وَفِي قَوْلٍ ثَانٍ لَهُمْ: تُضْمَنُ بِالْفَوَاتِ أَيْضًا، لأَِنَّهَا لِتَقَوِّيهَا فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ الْفَاسِدَةِ تُشْبِهُ مَنْفَعَةَ الْمَال.

وَدَلِيل الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّ الْحُرَّ لاَ يَدْخُل تَحْتَ الْيَدِ، فَمَنْفَعَتُهُ تَفُوتُ تَحْتَ يَدِهِ (١) .

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْحُرَّ لاَ يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ، وَيَضْمَنُ بِالإِْتْلاَفِ، فَلَوْ أَخَذَ حُرًّا فَحَبَسَهُ، فَمَاتَ عِنْدَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ.

وَإِنِ اسْتَعْمَلَهُ مُكْرَهًا، لَزِمَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، لأَِنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ، وَهِيَ مُتَقَوَّمَةٌ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا، وَلَوْ حَبَسَهُ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَجْرُ تِلْكَ الْمُدَّةِ، لأَِنَّهُ فَوَّتَ مَنْفَعَتَهُ، وَهِيَ مَالٌ فَيَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا.

وَالثَّانِي: لاَ يَلْزَمُهُ لأَِنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا لاَ يَصِحُّ غَصْبُهُ.

وَلَوْ مَنَعَهُ الْعَمَل مِنْ غَيْرِ حَبْسٍ، لَمْ يَضْمَنْ مَنَافِعَهُ وَجْهًا وَاحِدًا (٢) .

_________

(١) شرح المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي عليه ٣ / ٣٣ و٣٤.

(٢) المغني بالشرح الكبير ٥ / ٤٤٨.

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلاَ يَقُولُونَ بِالضَّمَانِ بِتَفْوِيتِ مَنَافِعِ الإِْنْسَانِ، لأَِنَّهُ لاَ يَدْخُل تَحْتَ الْيَدِ، فَلَيْسَ بِمَالٍ، فَلاَ تُضْمَنُ مَنَافِعُ بَدَنِهِ (١) .

_________

(١) انظر الدر المختار ٥ / ١٣١ و١٣٢، ومجمع الضمانات ص ١٢٦، وجامع الفصولين ٢ / ٩٢.

ضَمَانُ الدَّرَكِ

التَّعْرِيفُ:

١ - الدَّرَكُ: بِفَتْحَتَيْنِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ لُغَةً، اسْمٌ مِنْ أَدْرَكْتُ الرَّجُل أَيْ لَحِقْتُهُ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ جَهْدِ الْبَلاَءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ (١) أَيْ مِنْ لِحَاقِ الشَّقَاءِ.

قَال الْجَوْهَرِيُّ: الدَّرَكُ التَّبَعَةُ، قَال أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي: سُمِّيَ ضَمَانَ الدَّرَكِ لاِلْتِزَامِهِ الْغَرَامَةَ عِنْدَ إِدْرَاكِ الْمُسْتَحِقِّ عَيْنَ مَالِهِ (٢)

وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ هَذَا اللَّفْظَ بِمَعْنَى التَّبَعَةِ أَيِ الْمُطَالَبَةِ وَالْمُؤَاخَذَةِ (٣) .

فَقَدْ عَرَّفَ الْحَنَفِيَّةُ ضَمَانَ الدَّرَكِ: بِأَنَّهُ الْتِزَامُ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ (٤) .

وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ: هُوَ أَنْ يَضْمَنَ

_________

(١) حديث: " أنه ﷺ كان يتعوذ من جهد البلاء. . . ". أخرجه البخاري (١١ / ١٤٨) من حديث أبي هريرة.

(٢) المصباح المنير مادة (درك) وتهذيب الأسماء واللغات ٣ / ١٠٤ نشر دار الكتب العلمية، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام ١ / ٦٢٤.

(٣) العناية بهامش فتح القدير ٥ / ٤٠٣ (ط. الأميرية)، ومغني المحتاج ٢ / ٢٠١ (نشر دار إحياء التراث العربي)، والشرقاوي على التحرير ٢ / ١٢١.

(٤) الاختيار ٢ / ١٧٢، ١٧٣، وبدائع الصنائع ٦ / ٩، ابن عابدين ٤ / ٢٦٤، والبناية ٦ / ٧٤٤، وفتح القدير ٥ / ٤٠٣.

شَخْصٌ لأَِحَدِ الْعَاقِدَيْنِ مَا بَذَلَهُ لِلآْخَرِ إِنْ خَرَجَ مُقَابِلُهُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا أَوْ نَاقِصًا لِنَقْصِ الصَّنْجَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا أَمْ فِي الذِّمَّةِ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ تَعْرِيفُ الْفُقَهَاءِ الآْخَرِينَ لِضَمَانِ الدَّرَكِ عَمَّا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي تَعْرِيفِهِ (٢) . وَيُعَبِّرُ عَنْهُ الْحَنَابِلَةُ بِضَمَانِ الْعُهْدَةِ، كَمَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْغَالِبِ بِالْكَفَالَةِ بِالدَّرَكِ (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعُهْدَةُ:

٢ - الْعُهْدَةُ: هِيَ ضَمَانُ الثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي إِنِ اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ أَوْ وُجِدَ فِيهِ عَيْبٌ (٤) .

وَالْعُهْدَةُ أَعَمُّ مِنَ الدَّرَكِ، لأَِنَّ الْعُهْدَةَ قَدْ تُطْلَقُ عَلَى الصَّكِّ الْقَدِيمِ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْعَقْدِ وَعَلَى حُقُوقِهِ، وَعَلَى الدَّرَكِ وَعَلَى الْخِيَارِ، بِخِلاَفِ الدَّرَكِ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَل فِي ضَمَانِ الاِسْتِحْقَاقِ عُرْفًا (٥) .

_________

(١) الشرقاوي على التحرير ٢ / ١٢١.

(٢) كشاف القناع ٣ / ٣٦٩، والمغني ٤ / ٥٩٦، منح الجليل ٣ / ٢٤٩.

(٣) كشاف القناع ٣ / ٣٦٩، والمغني ٤ / ٥٩٦، والبناية ٦ / ٧٤٤، وفتح القدير ٥ / ٤٠٣، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام ١ / ٦٢٤.

(٤) التعريفات للجرجاني.

(٥) البناية ٦ / ٧٩١، ٧٩٢، وفتح القدير ٥ / ٤٣٥.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - ضَمَانُ الدَّرَكِ جَائِزٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَمَنَعَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ضَمَانَ الدَّرَكِ لِكَوْنِهِ ضَمَانَ مَا لَمْ يَجِبْ (١) .

أَلْفَاظُ ضَمَانِ الدَّرَكِ:

٤ - مِنْ أَلْفَاظِ هَذَا الضَّمَانِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَقُول الضَّامِنُ: ضَمِنْتُ عُهْدَتَهُ أَوْ ثَمَنَهُ أَوْ دَرْكَهُ، أَوْ يَقُول لِلْمُشْتَرِي: ضَمِنْتُ خَلاَصَكَ مِنْهُ (٢) .

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنَّ الْعُهْدَةَ صَارَتْ فِي الْعُرْفِ عِبَارَةً عَنِ الدَّرَكِ وَضَمَانِ الثَّمَنِ، وَالْكَلاَمُ الْمُطْلَقُ يُحْمَل عَلَى الأَْسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ دُونَ اللُّغَوِيَّةِ (٣) .

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ ضَمَانَ الْعُهْدَةِ بَاطِلٌ لاِشْتِبَاهِ الْمُرَادِ بِهَا، لإِطْلاَقِهَا عَلَى الصَّكِّ وَعَلَى الْعَقْدِ، وَعَلَى حُقُوقِهِ وَعَلَى الدَّرَكِ، فَبَطَل لِلْجَهَالَةِ، بِخِلاَفِ ضَمَانِ الدَّرَكِ (٤)، قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَلاَ يُقَال يَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ إِلَى مَا يَجُوزُ

_________

(١) البناية ٦ / ٧٤٤، وفتح القدير ٥ / ٤٠٣، ومجمع الضمانات ص ٢٧٥، والاختيار ٢ / ١٧٢، والمغني ٤ / ٥٩٦، ومنح الجليل ٣ / ٢٤٩، ومغني المحتاج ٢ / ٢٠١، وروضة الطالبين ٤ / ٢٤٦.

(٢) المغني ٤ / ٥٩٧، وروضة الطالبين ٤ / ٢٤٧.

(٣) المغني ٤ / ٥٩٦.

(٤) مجمع الأنهر ٢ / ١٣٥، وابن عابدين ٤ / ٢٧١، والبناية ٦ / ٧٩١، والبحر الرائق ٦ / ٢٥٤.

الضَّمَانُ بِهِ وَهُوَ الدَّرَكُ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِ الضَّامِنِ لأَِنَّا نَقُول: فَرَاغُ الذِّمَّةِ أَصْلٌ فَلاَ يَثْبُتُ الشَّغْل بِالشَّكِّ وَالاِحْتِمَال (١) .

كَمَا أَنَّ ضَمَانَ الْخَلاَصِ بَاطِلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّهُ يُفَسِّرُهُ بِتَخْلِيصِ الْمَبِيعِ لاَ مَحَالَةَ وَلاَ قُدْرَةَ لِلضَّامِنِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْمُسْتَحِقَّ لاَ يُمَكِّنُهُ مِنْهُ، وَلَوْ ضَمِنَ تَخْلِيصَ الْمَبِيعِ أَوْ رَدَّ الثَّمَنِ جَازَ، لإِمْكَانِ الْوَفَاءِ بِهِ وَهُوَ تَسْلِيمُهُ إِنْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ، أَوْ رَدَّهُ إِنْ لَمْ يُجِزْ، فَالْخِلاَفُ رَاجِعٌ إِلَى التَّفْسِيرِ (٢) .

وَيَرَى الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ أَنَّ ضَمَانَ الْخَلاَصِ بِمَنْزِلَةِ ضَمَانِ الدَّرَكِ، وَفَسَّرُوا ضَمَانَ الْخَلاَصِ بِتَخْلِيصِ الْمَبِيعِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَرَدِّ الثَّمَنِ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَهُوَ ضَمَانُ الدَّرَكِ فِي الْمَعْنَى، فَالْخِلاَفُ لَفْظِيٌّ فَقَطْ (٣) .

أَمَّا ضَمَانُ خَلاَصِ الْمَبِيعِ بِمَعْنَى أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْمَبِيعَ إِنِ اسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ يُخَلِّصُهُ وَيُسَلِّمُهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَهَذَا بَاطِلٌ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ إِذِ الْمُسْتَحِقُّ رُبَّمَا لاَ يُسَاعِدُهُ عَلَيْهِ (٤) .

_________

(١) البحر الرائق ٦ / ٢٥٤.

(٢) مجمع الأنهر ٢ / ١٣٥، والبحر الرائق ٦ / ٢٥٤، وابن عابدين ٤ / ٢٧١، والبناية ٤ / ٧٩٢.

(٣) البحر الرائق ٦ / ٢٥٤، ومجمع الأنهر ٢ / ١٣٥، والبناية ٦ / ٧٩٢، وروضة الطالبين ٤ / ٢٤٧.

(٤) البناية ٦ / ٧٩٢، وروضة الطالبين ٤ / ٢٤٧، والمغني ٤ / ٥٩٧.

مُتَعَلَّقُ ضَمَانِ الدَّرَكِ:

٥ - يَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ مُتَعَلَّقَ ضَمَانِ الدَّرَكِ هُوَ عَيْنُ الثَّمَنِ أَوِ الْمَبِيعِ إِنْ بَقِيَ وَسَهُل رَدُّهُ، وَبَدَلُهُ أَيْ قِيمَتُهُ إِنْ عَسُرَ رَدُّهُ، وَمِثْل الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةُ الْمُتَقَوِّمِ إِنْ تَلِفَ، وَتَعَلُّقُهُ بِالْبَدَل أَظْهَرُ (١) .

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ مُتَعَلَّقَ ضَمَانِ الدَّرَكِ (ضَمَانُ الْعُهْدَةِ) هُوَ الثَّمَنُ أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ الضَّمَانُ عَنِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي أَوْ عَنِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ، حَيْثُ يَقُولُونَ: وَيَصِحُّ ضَمَانُ عُهْدَةِ الْمَبِيعِ عَنِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي وَعَنِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ، فَضَمَانُهُ عَنِ الْمُشْتَرِي: هُوَ أَنْ يَضْمَنَ الثَّمَنَ الْوَاجِبَ بِالْبَيْعِ قَبْل تَسْلِيمِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ عَيْبٌ أَوِ اسْتُحِقَّ رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَى الضَّامِنِ، وَضَمَانُهُ عَنِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي: هُوَ أَنْ يَضْمَنَ عَنِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ مَتَى خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ أَوْ أَرْشِ الْعَيْبِ، فَضَمَانُ الْعُهْدَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ هُوَ ضَمَانُ الثَّمَنِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ (٢) .

وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مُتَعَلَّقَ ضَمَانِ الدَّرَكِ عِنْدَهُمْ هُوَ الثَّمَنُ أَيْضًا (٣)، إِلاَّ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ عَنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي أَنَّ الْحَنَابِلَةَ

_________

(١) حاشية الجمل ٣ / ٣٧٩.

(٢) المغني لابن قدامة ٤ / ٥٩٦.

(٣) البناية ٦ / ٧٤٤، ومنح الجليل ٣ / ٢٤٩.

يَعْتَبِرُونَ ضَمَانَ الثَّمَنِ الْوَاجِبِ تَسْلِيمَهُ عَنِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ مِنْ قَبِيل ضَمَانِ الدَّرَكِ (ضَمَانِ الْعُهْدَةِ) فِي حِينِ يَخْتَصُّ ضَمَانُ الدَّرَكِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بِالْكَفَالَةِ بِأَدَاءِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي وَتَسْلِيمِهِ إِلَيْهِ إِنِ اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ وَضُبِطَ مِنْ يَدِهِ (١)، أَمَّا ضَمَانُ الثَّمَنِ الْوَاجِبِ تَسْلِيمَهُ عَنِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ فَهُوَ يَتَحَقَّقُ ضِمْنَ الْكَفَالَةِ بِالْمَال بِشُرُوطِهَا.

شُرُوطُ صِحَّةِ ضَمَانِ الدَّرَكِ:

٦ - مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ ضَمَانِ الدَّرَكِ أَنْ يَكُونَ الْمَضْمُونُ دَيْنًا صَحِيحًا، وَالدَّيْنُ الصَّحِيحُ: هُوَ مَا لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بِالأَْدَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ، فَلاَ يَصِحُّ بِغَيْرِهِ كَبَدَل الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّعْجِيزِ (٢) .

وَيَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ لِصِحَّةِ ضَمَانِ الدَّرَكِ قَبْضَ الثَّمَنِ، فَلاَ يَصِحُّ ضَمَانُ الدَّرَكِ عِنْدَهُمْ قَبْل قَبْضِ الثَّمَنِ، لأَِنَّ الضَّامِنَ إِنَّمَا يَضْمَنُ مَا دَخَل فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَلاَ يَدْخُل الثَّمَنُ فِي ضَمَانِهِ إِلاَّ بِقَبْضِهِ (٣) .

_________

(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ١ / ٦٢٤، ومنح الجليل ٣ / ٢٤٩، والمغني ٤ / ٥٩٦، وكشاف القناع ٣ / ٣٦٩.

(٢) البناية ٦ / ٧٤٥، والأشباه والنظائر مع شرحه غمز عيون الأبصار ١ / ٣٣٦، وابن عابدين ٤ / ٢٦٣، وانظر مغني المحتاج ٢ / ٢٠١، ٢٠٢، ومنح الجليل ٣ / ٢٤٩.

(٣) مغني المحتاج ٢ / ٢٠١، وحاشية الجمل ٣ / ٣٧٩، ٣٨٠، والمغني ٤ / ٥٩٦.

حُكْمُ ضَمَانِ الدَّرَكِ فِي حَالَتَيِ الإِْطْلاَقِ وَالتَّقْيِيدِ:

٧ - إِذَا أُطْلِقَ ضَمَانُ الدَّرَكِ أَوِ الْعُهْدَةِ اخْتَصَّ بِمَا إِذَا خَرَجَ الثَّمَنُ الْمُعَيَّنُ مُسْتَحَقًّا إِذْ هُوَ الْمُتَبَادِرُ، لاَ مَا خَرَجَ فَاسِدًا بِغَيْرِ الاِسْتِحْقَاقِ، فَلَوِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ بِمَا سِوَى الاِسْتِحْقَاقِ مِثْل الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَوْ بِخِيَارِ الشَّرْطِ أَوْ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ لاَ يُؤَاخَذُ بِهِ الضَّامِنُ، لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الدَّرَكِ (١) .

أَمَّا إِذَا قَيَّدَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ كَخَوْفِ الْمُشْتَرِي فَسَادَ الْبَيْعِ بِدَعْوَى الْبَائِعِ صِغَرًا أَوْ إِكْرَاهًا، أَوْ خَافَ أَحَدُهُمَا كَوْنَ الْعِوَضِ مَعِيبًا، أَوْ شَكَّ الْمُشْتَرِي فِي كَمَال الصَّنْجَةِ الَّتِي تَسَلَّمَ بِهَا الْمَبِيعَ، أَوْ شَكَّ الْبَائِعُ فِي جَوْدَةِ جِنْسِ الثَّمَنِ فَضَمِنَ الضَّامِنُ ذَلِكَ صَرِيحًا صَحَّ ضَمَانُهُ كَضَمَانِ الْعُهْدَةِ (٢) .

وَتَجْدُرُ الإِْشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْكَفِيل بِالدَّرَكِ يَضْمَنُ الْمَكْفُول بِهِ فَقَطْ، وَلاَ يَضْمَنُ مَعَ الْمَكْفُول بِهِ ضَرَرَ التَّغْرِيرِ لأَِنَّهُ لَيْسَ لِلْكَفِيل كَفَالَةٌ بِذَلِكَ (٣) .

مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ضَمَانِ الدَّرَكِ:

أ - حَقُّ الْمُشْتَرِي فِي الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ:

٨ - يَتَرَتَّبُ عَلَى ضَمَانِ الدَّرَكِ حَقُّ الْمُشْتَرِي فِي

_________

(١) حاشية الجمل ٣ / ٣٨٠، وبدائع الصنائع ٦ / ٩، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام ١ / ٦٦٥.

(٢) كشاف القناع ٣ / ٣٦٩، والشرقاوي على التحرير ٢ / ١٢١.

(٣) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ١ / ٦٦٥، ٦٩٨ وما بعدها.

الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ، وَيَحِقُّ لَهُ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ وَالأَْصِيل بِهِ (١) . إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ مُطَالَبَةِ الضَّامِنِ بِالثَّمَنِ:

ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْقَضَاءِ بِالاِسْتِحْقَاقِ يَكْفِي لِمُؤَاخَذَةِ ضَامِنِ الدَّرَكِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ عَلَيْهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُؤَاخَذُ ضَامِنُ الدَّرَكِ إِنِ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ مَا لَمْ يَقْضِ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، لأَِنَّ الْبَيْعَ لاَ يُنْتَقَضُ بِمُجَرَّدِ الاِسْتِحْقَاقِ، وَلِهَذَا لَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ الْبَيْعَ قَبْل الْفَسْخِ جَازَ وَلَوْ بَعْدَ قَبْضِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَمَا لَمْ يَقْضِ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ لاَ يَجِبُ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَى الأَْصِيل فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْكَفِيل (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الضَّامِنَ يَغْرَمُ الثَّمَنَ حِينَ الدَّرَكِ فِي غَيْبَةِ الْبَائِعِ وَعَدَمِهِ (٣) .

ب - مَنْعُ دَعْوَى التَّمَلُّكِ وَالشُّفْعَةِ:

٩ - ضَمَانُ الدَّرَكِ لِلْمُشْتَرِي عِنْدَ الْبَيْعِ تَسْلِيمٌ

_________

(١) بداية المجتهد ٢ / ٢٩٦، وابن عابدين ٤ / ٢٦٤، وبدائع الصنائع ٦ / ١٠، والشرقاوي على التحرير ٢ / ١٢٢.

(٢) مجمع الأنهر ٢ / ١٣٥، ودرر الحكام ١ / ٦٦٣، ٦٦٤، وابن عابدين ٤ / ٢٨٢.

(٣) منح الجليل ٣ / ٢٤٩، وانظر بداية المجتهد ٢ / ٢٩٦ (نشر دار المعرفة) .