الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨
وَقَال الشَّرْقَاوِيُّ: الطَّاعَةُ امْتِثَال الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ (١) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: الطَّاعَةُ هِيَ الإِْتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَالاِنْتِهَاءُ عَنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْعِصْيَانُ بِخِلاَفِهِ
(٢) وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ تَعْرِيفَ شَيْخِ الإِْسْلاَمِ زَكَرِيَّا لِلطَّاعَةِ، وَهُوَ: فِعْل مَا يُثَابُ عَلَيْهِ، تَوَقَّفَ عَلَى نِيَّةٍ أَوْ لاَ عَرَفَ مَنْ يَفْعَلُهُ لأَِجْلِهِ أَوْ لاَ.
قَال: وَقَوَاعِدُ مَذْهَبِنَا لاَ تَأْبَاهُ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعِبَادَةُ:
٢ - الْعِبَادَةُ فِي اللُّغَةِ: الاِنْقِيَادُ وَالْخُضُوعُ وَالطَّاعَةُ: قَال الزَّجَّاجُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (٤): أَيْ نُطِيعُ الطَّاعَةَ الَّتِي يُخْضَعُ مَعَهَا، وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي اللُّغَةِ: الطَّاعَةُ مَعَ الْخُضُوعِ، وَمِنْهُ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ إِذَا كَانَ مُذَلَّلًا.
قَال ابْنُ الأَْنْبَارِيِّ: فُلاَنٌ عَابِدٌ وَهُوَ الْخَاضِعُ لِرَبِّهِ الْمُسْتَسْلِمُ الْمُنْقَادُ لأَِمْرِهِ.
وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ (٥) أَيْ: أَطِيعُوا رَبَّكُمْ.
_________
(١) الشرقاوي على التحرير ١ / ١٥٨ (ط. عيسى الحلبي) .
(٢) فتح الباري ١٣ / ١٢.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٧١.
(٤) سورة الفاتحة / ٤.
(٥) سورة البقرة / ٢١.
وَتَعَبَّدَ الرَّجُل: تَنَسَّكَ (١) .
وَالْعِبَادَةُ اصْطِلاَحًا، قَال صَاحِبُ التَّعْرِيفَاتِ: هِيَ فِعْل الْمُكَلَّفِ عَلَى خِلاَفِ هَوَى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لِرَبِّهِ (٢) .
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنْ شَيْخِ الإِْسْلاَمِ زَكَرِيَّا: الْعِبَادَةُ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ (٣) .
فَالطَّاعَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعِبَادَةِ.
ب - الْقُرْبَةُ:
٣ - عَرَّفَ صَاحِبُ الْكُلِّيَّاتِ الْقُرْبَةَ بِأَنَّهَا: مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِوَاسِطَةٍ غَالِبًا قَال: وَقَدْ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا: مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ بِالذَّاتِ (٤) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنْ شَيْخِ الإِْسْلاَمِ زَكَرِيَّا فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْقُرْبَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ: الْقُرْبَةُ: فِعْل مَا يُثَابُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَنْ يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى نِيَّةٍ، وَالْعِبَادَةُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ، وَالطَّاعَةُ: فِعْل مَا يُثَابُ عَلَيْهِ تَوَقَّفَ عَلَى نِيَّةٍ أَوْ لاَ، عَرَفَ مَنْ يَفْعَلُهُ لأَِجْلِهِ أَوْ لاَ، فَنَحْوُ
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: (عبد) .
(٢) التعريفات للجرجاني ص ١٨٩.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٧٢.
(٤) الكليات ٤ / ٤١.
الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، مِنْ كُل مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَعِبَادَةٌ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَالْوَقْفُ وَالْعِتْقُ، وَالصَّدَقَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ، قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ لاَ عِبَادَةٌ. وَالنَّظَرُ الْمُؤَدِّي إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى طَاعَةٌ لاَ قُرْبَةٌ وَلاَ عِبَادَةٌ (١) .
فَالطَّاعَةُ أَعَمُّ مِنَ الْقُرْبَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَالْقُرْبَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعِبَادَةِ.
ج - الْمَعْصِيَةُ:
٤ - الْمَعْصِيَةُ فِي اللُّغَةِ: خِلاَفُ الطَّاعَةِ، يُقَال عَصَى الْعَبْدُ رَبَّهُ: إِذَا خَالَفَ أَمْرَهُ، وَعَصَى فُلاَنٌ أَمِيرَهُ يَعْصِيهِ عَصِيًّا وَعِصْيَانًا وَمَعْصِيَةً: إِذَا لَمْ يُطِعْهُ (٢) .
وَالْمَعْصِيَةُ اصْطِلاَحًا: هِيَ مُخَالَفَةُ الأَْمْرِ قَصْدًا (٣) فَالْمَعْصِيَةُ ضِدُّ الطَّاعَةِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالطَّاعَةِ:
أ - طَاعَةُ اللَّهِ ﷿:
٥ - طَاعَةُ اللَّهِ ﷿ فَرْضٌ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ. قَال تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٧٢.
(٢) لسان العرب، مادة: (عصا) .
(٣) التعريفات للجرجاني ٢٨٣.
(٤) سورة محمد / ٣٣.
وَمِنْ حَقِّ الْبَارِي - جَل ثَنَاؤُهُ - عَلَى مَنْ أَبْدَعَهُ أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ عَلَيْهِ نَافِذًا، وَطَاعَتُهُ لَهُ لاَزِمَةً.
قَال الطَّبَرِيُّ فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١): يَعْنِي وَمَا أُمِرَ هَؤُلاَءِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى - الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأَْحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ وَالْمَسِيحَ أَرْبَابًا - إِلاَّ أَنْ يَعْبُدُوا مَعْبُودًا وَاحِدًا، وَأَنْ لاَ يُطِيعُوا إِلاَّ رَبًّا وَاحِدًا، دُونَ أَرْبَابٍ شَتَّى، وَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ كُل شَيْءٍ وَطَاعَةُ كُل خَلْقٍ، الْمُسْتَحِقُّ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ الدَّيْنُونَةَ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ: وَلاَ تَنْبَغِي الأُْلُوهِيَّةُ إِلاَّ لِوَاحِدٍ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ الْخَلْقَ بِعِبَادَتِهِ وَلَزِمَتْ جَمِيعَ الْعِبَادِ طَاعَتُهُ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ كَيْفِيَّةَ اتِّخَاذِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الأَْحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَذَلِكَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قَال: أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ،
_________
(١) سورة التوبة / ٣١.
وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ (١) قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَأْمُرُوهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا لَهُمْ، وَلَكِنْ أَمَرُوهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَأَطَاعُوهُمْ، فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ أَرْبَابًا، وَقَال الْحَسَنُ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا فِي الطَّاعَةِ (٢) .
ب - طَاعَةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ:
٦ - إِذَا وَجَبَ الإِْيمَانُ بِرَسُول اللَّهِ ﷺ وَتَصْدِيقِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَتَى بِهِ، وَقَدْ تَضَافَرَتِ الأَْدِلَّةُ وَتَوَاتَرَتْ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ الرَّسُول ﷺ قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (٣) وَقَال تَعَالَى ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) وَقَال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٥) .
وَقَال تَعَالَى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٦) فَجَعَل اللَّهُ تَعَالَى طَاعَةَ رَسُولِهِ طَاعَتَهُ، وَقَرَنَ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِهِ.
_________
(١) حديث عدي بن حاتم " أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ في سورة براءة ". أخرجه الترمذي ٥ / ٢٧٨، وقال: هذا حديث غريب، وغطيف بن أعين - يعني أحد رواته - ليس بمعروف في الحديث.
(٢) تفسير الطبري ١٠ / ٨٠ وما بعدها (ط الأميرية ١٣٢٧ هـ)، تفسير القرطبي ٥ / ٢٥٩ (ط دار الكتب المصرية ١٩٥٨ م) . المنهاج في شعب الإيمان ١ / ١٩٢ (ط. دار الفكر ١٩٧٩ م) .
(٣) سورة الأنفال / ٢٠.
(٤) سورة آل عمران / ١٣٢.
(٥) سورة النور / ٥٤.
(٦) سورة النساء / ٨٠.
قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَال الْمُفَسِّرُونَ وَالأَْئِمَّةُ: طَاعَةُ الرَّسُول الْتِزَامُ سُنَّتِهِ وَالتَّسْلِيمُ لِمَا جَاءَ بِهِ، وَمَا أَرْسَل اللَّهُ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ فَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَنِ الْكُفَّارِ فِي دَرَكَاتِ جَهَنَّمَ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ﴾ (١) فَتَمَنَّوْا طَاعَتَهُ حَيْثُ لاَ يَنْفَعُهُمُ التَّمَنِّي.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ. وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ (٢) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٣) وَقَال ﷺ: إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَل مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، كَمَثَل رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَال: يَا قَوْمِ، إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنِي، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ (٤) فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ
_________
(١) سورة الأحزاب / ٦٦.
(٢) حديث أبي هريرة: " من أطاعني فقد أطاع الله. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ١١١)، ومسلم ٣ / ١٤٦٦.
(٣) حديث: " إذا نهيتكم عن شيء. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٢٥١)، ومسلم ٤ / ١٨٣١ من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري.
(٤) النذير العريان: ضرب به المثل في تحقق الخبر، قال ابن حجر: ضرب النبي ﷺ لنفسه ولما جاء به مثلًا بذلك لما أبداه من الخوارق والمعجزات الدالة على القطع بصدقه، تقريبًا للإهام المخاطبين بما يألفون ويعرفونه. (فتح الباري ١١ / ٣١٦ - ٣١٧) .
فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَل مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَل مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ (١) .
قَال الْجَصَّاصُ: فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢) . دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ رَدَّ شَيْئًا مِنْ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَوَامِرِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الإِْسْلاَمِ، سَوَاءٌ رَدَّهُ مِنْ جِهَةِ الشَّكِّ فِيهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الْقَبُول وَالاِمْتِنَاعِ مِنَ التَّسْلِيمِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الصَّحَابَةُ فِي حُكْمِهِمْ بِارْتِدَادِ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَقَتْلِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَضَاءَهُ وَحُكْمَهُ فَلَيْسَ مِنْ أَهْل الإِْيمَانِ (٣) .
_________
(١) حديث: " إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به. . . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٢٥٠) من حديث أبي موسى.
(٢) سورة النساء / ٦٥.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٢ / ٢٦٠ (ط المطبعة البهية ١٣٤٧ هـ)، تفسير الرازي ٨ / ٢٠ (ط. المطبعة البهية ١٩٣٨ م)، تفسير القرطبي ٥ / ٢٥٩ (ط دار الكتب المصرية)، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ / ٥٤٢ وما بعدها (ط دار الكتاب العربي ١٩٨٤ م) .
ج - طَاعَةُ أُولِي الأَْمْرِ:
٧ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ أُولِي الأَْمْرِ مِنَ الأُْمَرَاءِ وَالْحُكَّامِ، وَقَدْ نَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَغَيْرِهِ هَذَا الإِْجْمَاعَ، قَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِأُولِي الأَْمْرِ فِي الآْيَةِ: الأُْمَرَاءُ وَأَهْل السُّلْطَةِ وَالْحُكْمِ، وَهُنَاكَ قَوْلٌ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِأُولِي الأَْمْرِ فِي الآْيَةِ هُمُ الْعُلَمَاءُ، قَال الطَّبَرِيُّ: وَأَوْلَى الأَْقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَال: هُمُ الأُْمَرَاءُ وَالْوُلاَةُ، لِصِحَّةِ الأَْخْبَارِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالأَْمْرِ بِطَاعَةِ الأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ فِيمَا كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةً، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: سَيَلِيكُمْ بَعْدِي وُلاَةٌ، فَيَلِيكُمُ الْبَرُّ بِبِرِّهِ وَالْفَاجِرُ بِفُجُورِهِ، فَاسْمَعُوا لَهُمْ وَأَطِيعُوا فِي كُل مَا وَافَقَ الْحَقَّ، وَصَلُّوا وَرَاءَهُمْ، فَإِنْ أَحْسَنُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ (٢) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا
_________
(١) سورة النساء / ٥٩.
(٢) حديث أبي هريرة: " سيليكم بعدي ولاة. . . ". أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥ / ٢١٨، وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، وهو ضعيف جدًّا.
أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ (١) .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتُ إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً (٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: عَلَيْكَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ (٣) قَال النَّوَوِيُّ قَال الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ تَجِبُ طَاعَةُ وُلاَةِ الأُْمُورِ فِيمَا يَشُقُّ وَتَكْرَهُهُ النُّفُوسُ وَغَيْرُهُ مِمَّا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ.
وَهَذِهِ الأَْحَادِيثُ فِي الْحَثِّ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي جَمِيعِ الأَْحْوَال وَسَبَبُهَا اجْتِمَاعُ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْخِلاَفَ سَبَبٌ لِفَسَادِ أَحْوَالِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا قَامَ الإِْمَامُ بِحُقُوقِ الأُْمَّةِ فَقَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ حَقَّانِ:
_________
(١) حديث: " السمع والطاعة على المرء المسلم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ١٢١ - ١٢٢) من حديث ابن عمر.
(٢) حديث ابن عباس: " من رأى من أميره شيئًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ١٢١)، ومسلم (٣ / ١٤٧٧) .
(٣) حديث أبي هريرة: " عليك السمع والطاعة. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٤٦٧) .
الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ (١) .
طَاعَةُ الْعُلَمَاءِ:
٨ - طَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَاجِبَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) حَيْثُ ذَهَبَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ فِي رِوَايَةٍ - وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ إِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِأُولِي الأَْمْرِ فِي الآْيَةِ هُمُ الْعُلَمَاءُ وَالْفُقَهَاءُ، وَهُوَ قَوْلٌ لأَِحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الإِْمَامُ مَالِكٌ، وَبِهِ قَال ابْنُ الْقَيِّمِ قَال مُطَرِّفٌ وَابْنُ مَسْلَمَةَ: سَمِعْنَا مَالِكًا يَقُول: هُمُ الْعُلَمَاءُ.
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: طَاعَةُ الْفُقَهَاءِ أَفْرَضُ عَلَى النَّاسِ مِنْ طَاعَةِ الأُْمَّهَاتِ وَالآْبَاءِ بِنَصِّ الْكِتَابِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣) . قَال الْقُرْطُبِيُّ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَدِّ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ
_________
(١) تفسير الطبري ٥ / ٩٣ وما بعدها ط الأميرية ١٣٢٥ هـ، تفسير القرطبي ٥ / ٢٥٩ (ط دار الكتب المصرية ١٩٥٨ م)، صحيح مسلم بشرح النووي ١٢ / ٢٢٢، وما بعدها (ط. المطبعة المصرية)، الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧ (ط مصطفى الحلبي ١٩٦٠)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٨ (ط دار الكتب العلمية ١٩٨٣ م) .
(٢) سورة النساء / ٥٩.
(٣) سورة النساء / ٥٩.