الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨ الصفحة 58

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨

ذَلِكَ الشَّيْءُ الْمَوْضُوعُ أَوَّلًا إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، (غَيْرِ الطَّرِيقِ) فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ، بَرِئَ وَاضِعُهُ وَلَمْ يَضْمَنْ (١) .

ب - لَوْ قَعَدَ فِي الطَّرِيقِ لِيَبِيعَ، فَتَلِفَ بِقَعْدَتِهِ شَيْءٌ: فَإِنْ كَانَ قَعَدَ بِإِذْنِ الإِْمَامِ لاَ يَضْمَنُهُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ يَضْمَنُهُ (٢) وَلِلْحَنَابِلَةِ قَوْلاَنِ فِي الضَّمَانِ (٣) .

ج - وَلَوْ وَضَعَ جَرَّةً عَلَى حَائِطٍ، فَأَهْوَتْ بِهَا الرِّيحُ، وَتَلِفَ بِوُقُوعِهَا شَيْءٌ، لَمْ يَضْمَنْ، إِذِ انْقَطَعَ أَثَرُ فِعْلِهِ بِوَضْعِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا الْوَضْعِ بِأَنْ وُضِعَتِ الْجَرَّةُ وَضْعًا مَأْمُونًا، فَلاَ يُضَافُ إِلَيْهِ التَّلَفُ (٤) .

د - لَوْ حَمَل فِي الطَّرِيقِ شَيْئًا عَلَى دَابَّتِهِ أَوْ سَيَّارَتِهِ، فَسَقَطَ الْمَحْمُول عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ أَوِ اصْطَدَمَ بِشَيْءٍ فَكَسَرَهُ، ضَمِنَ الْحَامِل، لأَِنَّ الْحَمْل فِي الطَّرِيقِ مُبَاحٌ بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ، وَلأَِنَّهُ أَثَرُ فِعْلِهِ.

وَلَوْ عَثَرَ أَحَدٌ بِالْحَمْل ضَمِنَ، لأَِنَّهُ هُوَ الْوَاضِعُ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ أَثَرُ فِعْلِهِ (٥) .

هـ - لَوْ أَلْقَى فِي الطَّرِيقِ قِشْرًا، فَزَلَقَتْ بِهِ

_________

(١) جامع الفصولين ٢ / ٨٨.

(٢) جامع الفصولين ٢ / ٨٨.

(٣) الشرح الكبير مع المغني ٥ / ٤٤٩.

(٤) جامع الفصولين ٢ / ٨٨ رامزًا إلى الزيادات. وانظر الفتاوى الخانية بهامش الفتاوى الهندية ٣ / ٤٥٨ (ط دار إحياء التراث العربي في بيروت) .

(٥) مجمع الأنهر والدر المنتقى بهامشه ٢ / ٦٥٣، والدر المختار ٥ / ٣٨٢، والفتاوى الخانية ٣ / ٤٥٨.

دَابَّةٌ، ضَمِنَ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ (١)، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ، لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِالْمُسَامَحَةِ فِي طَرْحِ مَا ذُكِرَ (٢) .

وَكَذَا لَوْ رَشَّ فِي الطَّرِيقِ مَاءً، فَتَلِفَتْ بِهِ دَابَّةٌ، ضَمِنَ (٣)، وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: إِنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ إِذَا كَانَ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ، وَلَمْ يُجَاوِزْ الْعَادَةَ، وَإِلاَّ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الرَّاشِّ، لأَِنَّهُ الْمُبَاشِرُ (٤) .

الْقِسْمُ الثَّانِي:

ضَمَانُ التَّلَفِ بِالأَْشْيَاءِ الْخَطِرَةِ:

١١٧ - رَوَى أَبُو مُوسَى الأَْشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا أَوْ فِي سُوقِنَا، وَمَعَهُ نَبْلٌ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا - أَوْ قَال: فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ - أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ (٥) .

وَفِي الْفُرُوعِ: لَوْ انْفَلَتَتْ فَأْسٌ مِنْ يَدِ قَصَّابٍ، كَانَ يَكْسِرُ الْعَظْمَ، فَأَتْلَفَ عُضْوَ

_________

(١) جامع الفصولين ٢ / ٨٨.

(٢) شرح المحلي على المنهاج ٤ / ١٤٩، وروضة الطالبين ٩ / ٣٢٢.

(٣) رد المحتار ٥ / ٣٨١، وقارن بالفتاوى الخانية ٣ / ٤٥٨ فقد فصل القول فيها بعض الشيء.

(٤) حاشية القليوبي على شرح المحلي ٤ / ١٤٩، وروضة الطالبين ٩ / ٣٢٣.

(٥) حديث: " إذا مر أحدكم في مسجدنا ". أخرجه البخاري والفتح ١٢ / ٢٤، ومسلم ٤ / ٢٠١٩.

إِنْسَانٍ، يَضْمَنُ، وَهُوَ خَطَأٌ (١) . وَلاَ تَعْلِيل لِلضَّمَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلاَّ التَّقْصِيرُ فِي رِعَايَةِ هَذِهِ الآْلَةِ الْحَادَّةِ، وَعَدَمِ الاِحْتِرَازِ أَثْنَاءَ الاِسْتِعْمَال، فَاسْتُدِل بِوُقُوعِ الضَّرَرِ عَلَى التَّعَدِّي، وَأُقِيمَ مَقَامَهُ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ ذَا الْيَدِ عَلَى الأَْشْيَاءِ الْخَطِرَةِ يَضْمَنُ مِنَ الأَْضْرَارِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا مَا كَانَ بِفِعْلِهِ، وَلاَ يَضْمَنُ مَا كَانَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ. وَمِنْ نُصُوصِهِمْ:

أ - لَوْ خَرَجَ الْبَارُودُ مِنَ الْبُنْدُقِيَّةِ بِفِعْلِهِ، فَأَصَابَ آدَمِيًّا أَوْ مَالًا ضَمِنَ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ طَارَتْ شَرَارَةٌ مِنْ ضَرْبِ الْحَدَّادِ، فَأَصَابَتْ ثَوْبَ مَارٍّ فِي الطَّرِيقِ، ضَمِنَ الْحَدَّادُ (٢) .

ب - وَلَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ فَحَمَلَتْ نَارًا، وَأَلْقَتْهَا عَلَى الْبُنْدُقِيَّةِ، فَخَرَجَ الْبَارُودُ، لاَ ضَمَانَ (٣) .

ج - وَلَوْ وَقَعَ الزَّنْدُ الْمُتَّصِل بِالْبُنْدُقِيَّةِ الْمُجَرَّبَةِ، الَّتِي تُسْتَعْمَل فِي زَمَانِنَا، عَلَى الْبَارُودِ بِنَفْسِهِ، فَخَرَجَتْ رَصَاصَتُهَا، أَوْ مَا بِجَوْفِهَا، فَأَتْلَفَ مَالًا أَوْ آدَمِيًّا، فَإِنَّهُ لاَ ضَمَانَ (٤) .

_________

(١) واقعات المفتين لقدري أفندي الشيخ عبد القادر بن يوسف ص ٦٤ (ط الأولى، في بولاق: ١٣٠٠ هـ) وانظر فروعًا أخرى في مجمع الأنهر ٢ / ٦٦١ ولسان الحكام لابن الشحنة ص ١٠٨.

(٢) جامع الفصولين وحاشية خير الدين الرملي عليه ٢ / ٤٩، ٩٠.

(٣) حاشية الرملي على جامع الفصولين ٨٩ السطر الأخير.

(٤) الحاشية نفسها ٢ / ٩٠.

ضَمَانُ الاِصْطِدَامِ:

تَنَاوَل الْفُقَهَاءُ حَوَادِثَ الاِصْطِدَامِ، وَمَيَّزُوا بَيْنَ اصْطِدَامِ الإِْنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ، وَبَيْنَ اصْطِدَامِ الأَْشْيَاءِ كَالسُّفُنِ وَنَحْوِهَا.

أَوَّلًا: اصْطِدَامُ الإِْنْسَانِ:

١١٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ خَطَأً وَمَاتَا مِنْهُ ضَمِنَتْ عَاقِلَةُ كُل فَارِسٍ دِيَةَ الآْخَرِ إِذَا وَقَعَا عَلَى الْقَفَا، وَإِذَا وَقَعَا عَلَى وُجُوهِهِمَا يُهْدَرُ دَمُهُمَا.

وَلَوْ كَانَا عَامِدَيْنِ فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَلَوْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى وَجْهِهِ هُدِرَ دَمُهُ فَقَطْ.

وَإِذَا تَجَاذَبَ رَجُلاَنِ حَبْلًا فَانْقَطَعَ الْحَبْل، فَسَقَطَا عَلَى الْقَفَا وَمَاتَا هُدِرَ دَمُهُمَا، لِمَوْتِ كُلٍّ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ، فَإِنْ وَقَعَا عَلَى الْوَجْهِ وَجَبَ دِيَةُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الآْخَرِ، لِمَوْتِهِ بِقُوَّةِ صَاحِبِهِ (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ تَصَادَمَ مُكَلَّفَانِ عَمْدًا، أَوْ تَجَاذَبَا حَبْلًا فَمَاتَا مَعًا، فَلاَ قِصَاصَ وَلاَ دِيَةَ وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَالْقَوَدُ.

وَإِنْ تَصَادَمَا خَطَأً فَمَاتَا، فَدِيَةُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ الآْخَرِ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَدِيَتُهُ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهَا.

_________

(١) ابن عابدين والدر المختار ٥ / ٣٨٨ - ٣٨٩.

وَإِنْ كَانَ التَّجَاذُبُ لِمَصْلَحَةٍ فَلاَ قِصَاصَ وَلاَ دِيَةَ، كَمَا يَقَعُ بَيْنَ صُنَّاعِ الْحِبَال فَإِذَا تَجَاذَبَ صَانِعَانِ حَبْلًا لإِصْلاَحِهِ فَمَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَهُوَ هَدْرٌ.

وَلَوْ تَصَادَمَ الصَّبِيَّانِ فَمَاتَا، فَدِيَةُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ الآْخَرِ، سَوَاءٌ حَصَل التَّصَادُمُ أَوِ التَّجَاذُبُ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، لأَِنَّ فِعْل الصِّبْيَانِ عَمْدًا حُكْمُهُ كَالْخَطَأِ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ إِذَا اصْطَدَمَ شَخْصَانِ - رَاكِبَانِ أَوْ مَاشِيَانِ، أَوْ رَاكِبٌ وَمَاشٍ طَوِيلٌ - بِلاَ قَصْدٍ، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَلَكَ بِفِعْلِهِ، وَفِعْل صَاحِبِهِ، فَيُهْدَرُ النِّصْفُ، وَلأَِنَّهُ خَطَأٌ مَحْضٌ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقَعَا مُنْكَبَّيْنِ أَوْ مُسْتَلْقِيَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا مُنْكَبًّا وَالآْخَرُ مُسْتَلْقِيًا.

وَإِنْ قَصَدَا الاِصْطِدَامَ فَنِصْفُ الدِّيَةِ مُغَلَّظَةٌ عَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِوَرَثَةِ الآْخَرِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَلَكَ بِفِعْلِهِ وَفِعْل صَاحِبِهِ، فَيُهْدَرُ النِّصْفُ، وَلأَِنَّ الْقَتْل حِينَئِذٍ شِبْهُ عَمْدٍ فَتَكُونُ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً، وَلاَ قِصَاصَ إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا دُونَ الآْخَرِ، لأَِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الاِصْطِدَامَ لاَ يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فِي تَرِكَتِهِ

_________

(١) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٤٧.

كَفَّارَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا لِقَتْل نَفْسِهِ، وَالأُْخْرَى لِقَتْل صَاحِبِهِ، لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي إِهْلاَكِ نَفْسَيْنِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لاَ تَتَجَزَّأُ.

وَفِي تَرِكَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ قِيمَةِ دِيَةِ الآْخَرِ، لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي الإِْتْلاَفِ، مَعَ هَدْرِ فِعْل كُلٍّ مِنْهُمَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ.

وَلَوْ تَجَاذَبَا حَبْلًا فَانْقَطَعَ وَسَقَطَا وَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَةِ الآْخَرِ، سَوَاءٌ أَسَقَطَا مُنْكَبَّيْنِ أَمْ مُسْتَلْقِيَيْنِ، أَمْ أَحَدُهُمَا مُنْكَبًّا وَالآْخَرُ مُسْتَلْقِيًا، وَإِنْ قَطَعَهُ غَيْرُهُمَا فَدِيَتُهُمَا عَلَى عَاقِلَتِهِ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ، فَعَلَى كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُصْطَدِمَيْنِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ مِنَ الآْخَرِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ مَالٍ، سَوَاءٌ كَانَا مُقْبِلَيْنِ أَمْ مُدْبِرَيْنِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ مِنْ صَدْمَةِ صَاحِبِهِ وَإِنَّمَا هُوَ قَرَّبَهَا إِلَى مَحَل الْجِنَايَةِ، فَلَزِمَ الآْخَرَ ضَمَانُهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ وَاقِفَةً إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ قِيمَةَ الدَّابَّتَيْنِ إِنْ تَسَاوَتَا تَقَاصَّا وَسَقَطَتَا، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أَكْثَرَ مِنَ الأُْخْرَى فَلِصَاحِبِهَا الزِّيَادَةُ، وَإِنْ مَاتَتْ إِحْدَى الدَّابَّتَيْنِ فَعَلَى الآْخَرِ قِيمَتُهَا، وَإِنْ نَقَصَتْ فَعَلَيْهِ نَقْصُهَا.

فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ الآْخَرِ، فَأَدْرَكَهُ الثَّانِي فَصَدَمَهُ فَمَاتَتِ الدَّابَّتَانِ، أَوْ

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٨٩ - ٩٠.

إِحْدَاهُمَا فَالضَّمَانُ عَلَى اللاَّحِقِ، لأَِنَّهُ الصَّادِمُ وَالآْخَرُ مَصْدُومٌ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِفِ.

وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ وَالآْخَرُ وَاقِفًا، فَعَلَى السَّائِرِ قِيمَةُ دَابَّةِ الْوَاقِفِ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا لأَِنَّ السَّائِرَ هُوَ الصَّادِمُ الْمُتْلِفُ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ هُوَ أَوْ دَابَّتُهُ فَهُوَ هَدْرٌ، لأَِنَّهُ أَتْلَفَ نَفْسَهُ وَدَابَّتَهُ، وَإِنِ انْحَرَفَ الْوَاقِفُ فَصَادَفَتِ الصَّدْمَةُ انْحِرَافَهُ فَهُمَا كَالسَّائِرَيْنِ، لأَِنَّ التَّلَفَ حَصَل مِنْ فِعْلِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ مُتَعَدِّيًا بِوُقُوفِهِ، مِثْل أَنْ يَقِفَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ دُونَ السَّائِرِ، لأَِنَّ التَّلَفَ حَصَل بِتَعَدِّيهِ فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ وَضَعَ حَجَرًا فِي الطَّرِيقِ، أَوْ جَلَسَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ فَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ.

وَإِنْ تَصَادَمَ نَفْسَانِ يَمْشِيَانِ فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الآْخَرِ، رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَالْخِلاَفُ - هَاهُنَا - فِي الضَّمَانِ كَالْخِلاَفِ فِيمَا إِذَا اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ تَقَاصَّ - هَاهُنَا - فِي الضَّمَانِ، لأَِنَّهُ عَلَى غَيْرِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ، لِكَوْنِ الضَّمَانِ عَلَى عَاقِلَةِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنِ اتُّفِقَ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ لَهُ الْحَقُّ مِثْل أَنْ تَكُونَ الْعَاقِلَةُ هِيَ الْوَارِثَةُ، أَوْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتَصَادِمَيْنِ تَقَاصَّا، وَلاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ سَوَاءٌ كَانَ اصْطِدَامُهُمَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً، لأَِنَّ

الصَّدْمَةَ لاَ تَقْتُل غَالِبًا، فَالْقَتْل الْحَاصِل بِهَا مَعَ الْعَمْدِ عَمْدُ الْخَطَأِ (١) .

ثَانِيًا: اصْطِدَامُ الأَْشْيَاءِ: السُّفُنِ وَالسَّيَّارَاتِ:

١١٩ - قَال الْفُقَهَاءُ: إِذَا كَانَ الاِصْطِدَامُ بِسَبَبٍ قَاهِرٍ أَوْ مُفَاجِئٍ، كَهُبُوبِ الرِّيحِ أَوِ الْعَوَاصِفِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ.

وَإِذَا كَانَ الاِصْطِدَامُ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ أَحَدِ رُبَّانَيِ السَّفِينَتَيْنِ - أَوْ قَائِدَيِ السَّيَّارَتَيْنِ - كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ.

وَمِعْيَارُ التَّفْرِيطِ - كَمَا يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ - أَنْ يَكُونَ الرُّبَّانِ - وَكَذَلِكَ الْقَائِدُ - قَادِرًا عَلَى ضَبْطِ سَفِينَتِهِ - أَوْ سَيَّارَتِهِ - أَوْ رَدِّهَا عَنِ الأُْخْرَى، فَلَمْ يَفْعَل، أَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْدِلَهَا إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى فَلَمْ يَفْعَل، أَوْ لَمْ يُكْمِل آلَتَهَا مِنَ الْحِبَال وَالرِّجَال وَغَيْرِهَا (٢) .

وَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى السَّفِينَتَيْنِ وَاقِفَةً، وَالأُْخْرَى سَائِرَةً، فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْوَاقِفَةِ، وَعَلَى السَّائِرَةِ ضَمَانُ الْوَاقِفَةِ، إِنْ كَانَ الْقَيِّمُ مُفَرِّطًا.

وَإِذَا كَانَتَا مَاشِيَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ، بِأَنْ كَانَتَا فِي بَحْرٍ أَوْ مَاءٍ رَاكِدٍ، ضَمِنَ الْمُفَرِّطُ سَفِينَةَ الآْخَرِ، بِمَا فِيهَا مِنْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ.

أَمَّا إِذَا كَانَتَا غَيْرَ مُتَسَاوِيَتَيْنِ، بِأَنْ كَانَتْ

_________

(١) المغني بالشرح الكبير ١٠ / ٣٥٩ - ٣٦٠.

(٢) المغني بالشرح الكبير ١٠ / ٣٦١.

إِحْدَاهُمَا مُنْحَدِرَةً، وَالأُْخْرَى صَاعِدَةً فَعَلَى الْمُنْحَدِرِ ضَمَانُ الصَّاعِدَةِ، لأَِنَّهَا تَنْحَدِرُ عَلَيْهَا مِنْ عُلُوٍّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا فِي غَرَقِهَا، فَتَنْزِل الْمُنْحَدِرَةُ مَنْزِلَةَ السَّائِرَةِ، وَالصَّاعِدَةُ مَنْزِلَةَ الْوَاقِفَةِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيطُ مِنَ الْمُصْعِدِ فَيَكُونُ، الضَّمَانُ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ الْمُفَرِّطُ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي اصْطِدَامِ السُّفُنِ: السَّفِينَتَانِ كَالدَّابَّتَيْنِ، وَالْمَلاَّحَانِ كَالرَّاكِبَيْنِ إِنْ كَانَتَا لَهُمَا (٢) .

وَأَطْلَقَ ابْنُ جُزَيٍّ قَوْلَهُ: إِذَا اصْطَدَمَ مَرْكَبَانِ فِي جَرْيِهِمَا، فَانْكَسَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا، فَلاَ ضَمَانَ فِي ذَلِكَ (٣) .

انْتِفَاءُ الضَّمَانِ:

يَنْتَفِي الضَّمَانُ - بِوَجْهٍ عَامٍّ - بِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ، مِنْ أَهَمِّهَا

أ - دَفْعُ الصَّائِل:

١٢٠ - يُشْتَرَطُ فِي دَفْعِ الصَّائِل، لاِنْتِفَاءِ الإِْثْمِ وَانْتِفَاءِ الضَّمَانِ - بِوَجْهٍ عَامٍّ - مَا يَلِي:

١ - أَنْ يَكُونَ الصَّوْل حَالًّا، وَالصَّائِل شَاهِرًا سِلاَحَهُ أَوْ سَيْفَهُ، وَيَخَافُ مِنْهُ الْهَلاَكَ (٤)، بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ الْمَصُول عَلَيْهِ،

_________

(١) الشرح الكبير مع المغني ٥ / ٤٥٦، ٤٥٧.

(٢) شرح المحلي على المنهاج بحاشيتي القليوبي وعميرة ٤ / ١٥١، ١٥٢.

(٣) القوانين الفقهية ٢١٨.

(٤) الوجيز ٢ / ١٨٥.

أَنْ يَلْجَأَ إِلَى السُّلْطَةِ لِيَدْفَعَهُ عَنْهُ (١) .

٢ - أَنْ يَسْبِقَهُ إِنْذَارٌ وَإِعْلاَمٌ لِلصَّائِل، إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَفْهَمُ الْخِطَابَ كَالآْدَمِيِّ (٢)، وَذَلِكَ بِأَنْ يُنَاشِدَهُ اللَّهَ، فَيَقُول: نَاشَدْتُكَ اللَّهَ إِلاَّ مَا خَلَّيْتَ سَبِيلِي، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، أَوْ يَعِظَهُ، أَوْ يَزْجُرَهُ لَعَلَّهُ يَنْكَفَّ، فَأَمَّا غَيْرُهُ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ - وَفِي حُكْمِهِمَا الْبَهِيمَةُ - فَإِنَّ إِنْذَارَهُمْ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَهَذَا مَا لَمْ يُعَاجِل بِالْقِتَال، وَإِلاَّ فَلاَ إِنْذَارَ، قَال الْخَرَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الإِْنْذَارَ مُسْتَحَبٌّ (٣)، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الدَّرْدِيرُ: بَعْدَ الإِْنْذَارِ نَدْبًا (٤) .

وَقَال الْغَزَالِيُّ: وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الإِْنْذَارِ، فِي كُل دَفْعٍ، إِلاَّ فِي مَسْأَلَةِ النَّظَرِ إِلَى حَرَمِ الإِْنْسَانِ مِنْ كَوَّةٍ (٥) .

٣ - كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّفْعُ عَلَى سَبِيل التَّدَرُّجِ: فَمَا أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِالْقَوْل لاَ يُدْفَعُ بِالضَّرْبِ، وَمَا أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِالضَّرْبِ لاَ يُدْفَعُ بِالْقَتْل (٦)، وَذَلِكَ تَطْبِيقًا لِلْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُقَرَّرَةِ فِي نَحْوِ هَذَا:

_________

(١) الدر المختار ٥ / ٣٥١.

(٢) جواهر الإكليل ٢ / ٢٩٧.

(٣) شرح الخرشي على مختصر خليل ٨ / ١١٢.

(٤) الشرح الكبير بحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٣٥٧.

(٥) الوجيز ٢ / ١٨٥ بتصرف.

(٦) انظر الدر المختار ٥ / ٣٥١، ومنح الجليل ٤ / ٥٦٩.