الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨
الْهِرَّةَ) يَنْبَغِي أَنْ تُرْبَطَ وَيُكَفَّ شَرُّهَا (١) .
أَمَّا مَا يُتْلِفُهُ الْكَلْبُ الْعَقُورُ لِغَيْرِ الْعَقْرِ، كَمَا لَوْ وَلَغَ فِي إِنَاءٍ، أَوْ بَال، فَلاَ يُضْمَنُ، لأَِنَّ هَذَا لاَ يَخْتَصُّ بِهِ الْكَلْبُ الْعَقُورُ (٢) .
رَابِعًا: ضَمَانُ سُقُوطِ الْمَبَانِي:
١١٠ - بَحَثَ الْفُقَهَاءُ مَوْضُوعَ سُقُوطِ الْمَبَانِي وَضَمَانَهَا بِعِنْوَانِ: الْحَائِطِ الْمَائِل. وَيَتَنَاوَل الْقَوْل فِي ضَمَانِ الْحَائِطِ، مَا يَلْحَقُ بِهِ، مِنَ الشُّرُفَاتِ وَالْمَصَاعِدِ وَالْمَيَازِيبِ وَالأَْجْنِحَةِ، إِذَا شُيِّدَتْ مُطِلَّةً عَلَى مِلْكِ الآْخَرِينَ أَوِ الطَّرِيقِ الْعَامِّ وَمَا يَتَّصِل بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ.
وَقَدْ مَيَّزَ الْفُقَهَاءُ، بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْبِنَاءُ، أَوِ الْحَائِطُ أَوْ نَحْوُهُ، مَبْنِيًّا مِنَ الأَْصْل مُتَدَاعِيًا ذَا خَلَلٍ، أَوْ مَائِلًا، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْخَلَل طَارِئًا، فَهُمَا حَالَتَانِ:
الْحَالَةُ الأُْولَى: الْخَلَل الأَْصْلِيُّ فِي الْبِنَاءِ:
١١١ - هُوَ الْخَلَل الْمَوْجُودُ فِي الْبِنَاءِ، مُنْذُ الإِْنْشَاءِ، كَأَنْ أُنْشِئَ مَائِلًا إِلَى الطَّرِيقِ الْعَامِّ أَوْ أُشْرِعَ الْجَنَاحُ أَوِ الْمِيزَابُ أَوِ الشُّرْفَةُ، بِغَيْرِ إِذْنٍ، أَوْ أَشْرَعَهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِنْ سَقَطَ الْبِنَاءُ فِي
_________
(١) شرح المحلي على المنهاج ٤ / ٢١٣، وانظر فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، وحاشية البجيرمي عليه المسماة: التجريد لنفع العبيد ٤ / ٢٢٦ (ط: بولاق: ١٣٠٩ هـ) . وحاشية البجيرمي على الخطيب ٤ / ١٩١.
(٢) المغني بالشرح الكبير ١٠ / ٣٥٨، وكشاف القناع ٤ / ١٢٠.
هَذِهِ الْحَال، فَأَتْلَفَ إِنْسَانًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ مَالًا، كَانَ ذَلِكَ مَضْمُونًا عَلَى صَاحِبِهِ، مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ (١)، وَمِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ وَلاَ طَلَبٍ، لأَِنَّ فِي الْبِنَاءِ تَعَدِّيًا ظَاهِرًا ثَابِتًا مُنْذُ الاِبْتِدَاءِ وَذَلِكَ بِشَغْل هَوَاءِ الطَّرِيقِ بِالْبِنَاءِ، وَهَوَاءُ الطَّرِيقِ كَأَصْل الطَّرِيقِ حَقُّ الْمَارَّةِ، فَمَنْ أَحْدَث فِيهِ شَيْئًا، كَانَ مُتَعَدِّيًا ضَامِنًا (٢) .
وَالشَّافِعِيَّةُ لاَ يُفَرِّقُونَ فِي الضَّمَانِ، بَيْنَ أَنْ يَأْذَنَ الإِْمَامُ فِي الإِْشْرَاعِ أَوْ لاَ، لأَِنَّ الاِنْتِفَاعَ بِالشَّارِعِ مَشْرُوطٌ بِسَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ، بِأَنْ لاَ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مَضْمُونٌ، وَإِنْ كَانَ إِشْرَاعًا جَائِزًا.
لَكِنْ مَا تَوَلَّدَ مِنَ الْجَنَاحِ، فِي دَرْبٍ مُنْسَدٍّ، بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهِ، مَضْمُونٌ، وَبِإِذْنِهِمْ لاَ ضَمَانَ فِيهِ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَإِذَا بَنَى فِي مِلْكِهِ حَائِطًا مَائِلًا إِلَى الطَّرِيقِ، أَوْ إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ أَوْ سَقَطَ عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ ضَمِنَهُ، لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ الاِنْتِفَاعُ
_________
(١) جواهر الإكليل ٢ / ٢٩٧، وشرح الزرقاني ٨ / ١١٧، والشرح الكبير للدردير ٤ / ٣٥٦، ومنح الجليل ٤ / ٥٥٩.
(٢) المبسوط ٢٧ / ٩، والهداية بشروحها ٩ / ٢٥٤، ومجمع الضمانات ١٨٣، ودرر الحكام ٢ / ١١١، والدر المختار ٥ / ٣٨٥، وشرح التحرير بحاشية الشرقاوي ٢ / ٤٦٠، وروضة الطالبين ٩ / ٣٢١.
(٣) شرح المحلي وحاشية القليوبي عليه ٤ / ١٤٨، وروضة الطالبين ٩ / ٣١٩.
بِالْبِنَاءِ فِي هَوَاءٍ مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ هَوَاءٍ مُشْتَرَكٍ، وَلأَِنَّهُ يُعَرِّضُهُ لِلْوُقُوعِ عَلَى غَيْرِهِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَصَبَ فِيهِ مِنْجَلًا يَصِيدُ بِهِ (١) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: الْخَلَل الطَّارِئُ:
١١٢ - إِذَا أُنْشِئَ الْبِنَاءُ مُسْتَقِيمًا ثُمَّ مَال، أَوْ سَلِيمًا ثُمَّ تَشَقَّقَ وَوَقَعَ، وَحَدَثَ بِسَبَبِ وُقُوعِهِ تَلَفٌ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - اسْتِحْسَانًا - وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٢)، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَشُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ (٣) إِلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ، مِنْ نَفْسٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ مَالٍ، إِذَا طُولِبَ صَاحِبُهُ بِالنَّقْضِ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَمَضَتْ مُدَّةٌ يَقْدِرُ عَلَى النَّقْضِ خِلاَلَهَا، وَلَمْ يَفْعَل.
وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَدْ قَالُوا: إِنْ أَمْكَنَهُ هَدْمُهُ أَوْ إِصْلاَحُهُ، ضَمِنَ، لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ النَّقْضِ وَالإِْصْلاَحِ (٤) .
وَالْقِيَاسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمُ الضَّمَانِ، لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنَ الْمَالِكِ صُنْعٌ هُوَ تَعَدٍّ، لأَِنَّ الْبِنَاءَ كَانَ فِي مِلْكِهِ مُسْتَقِيمًا، وَالْمَيَلاَنُ وَشَغْل الْهَوَاءِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، فَلاَ يَضْمَنُ، كَمَا إِذَا لَمْ يَشْهَدْ
_________
(١) المغني بالشرح الكبير ٩ / ٥٧١، ٥٧٢.
(٢) المغني ٩ / ٥٧٢، والشرح الكبير معه ٥ / ٤٥٠، والدسوقي ٤ / ٣٥٦.
(٣) المبسوط ٢٧ / ٥، وتبيين الحقائق ٦ / ١٤٧.
(٤) شرح المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي وعميرة ٤ / ١٤٨.
عَلَيْهِ (١)، وَلِمَا قَالُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَمَنْ قَتَلَهُ الْحَجَرُ، بِغَيْرِ فِعْل الْبَشَرِ، فَهُوَ بِالإِْجْمَاعِ هَدْرٌ (٢) .
وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: مَا رُوِيَ عَنِ الأَْئِمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الْمَذْكُورِينَ، وَأَنَّ الْحَائِطَ لَمَّا مَال فَقَدْ شَغَل هَوَاءَ الطَّرِيقِ بِمِلْكِهِ، وَرَفْعُهُ بِقُدْرَةِ صَاحِبِهِ، فَإِذَا تَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَطُولِبَ بِتَفْرِيغِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا امْتَنَعَ مَعَ تَمَكُّنِهِ صَارَ مُتَعَدِّيًا.
وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَضْمَنْ يَمْتَنِعُ مِنَ الْهَدْمِ، فَيَنْقَطِعُ الْمَارَّةُ خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَتَضَرَّرُونَ بِهِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ الْعَامِّ مِنَ الْوَاجِبِ، وَكَمْ مِنْ ضَرَرٍ خَاصٍّ يُتَحَمَّل لِدَفْعِ الْعَامِّ (٣) .
وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ التَّقَدُّمُ، دُونَ الإِْشْهَادِ، لأَِنَّ الْمُطَالَبَةَ تَتَحَقَّقُ، وَيَنْعَدِمُ بِهِ مَعْنَى الْعُذْرِ فِي حَقِّهِ، وَهُوَ الْجَهْل بِمَيْل الْحَائِطِ (٤) .
أَمَّا الإِْشْهَادُ فَلِلتَّمَكُّنِ مِنْ إِثْبَاتِهِ عِنْدَ الإِْنْكَارِ، فَكَانَ مِنْ بَابِ الاِحْتِيَاطِ (٥) .
_________
(١) تبيين الحقائق ٦ / ١٤٧، والفتاوى الخيرية لنفع البرية، لخير الدين الأيوبي العليمي ٢ / ١٨٣ (ط بولاق ١٢٧٣ هـ) .
(٢) تبيين الحقائق ٦ / ١٤٧.
(٣) الهداية بشروحها ٩ / ٢٥٣، وتكملة البحر الرائق للطوري ٨ / ٤٠٣، والمبسوط ٢٧ / ١٢، وانظر الدر المختار ورد المحتار ٥ / ٣٨٤، ٣٨٥.
(٤) المبسوط ٢٧ / ٩.
(٥) البدائع ٧ / ٢٨٦، والهداية بشروحها ٩ / ٢٥٤، ودرر الحكام ٢ / ١١٠.
وَالْمَالِكِيَّةُ يَشْتَرِطُونَ الإِْشْهَادَ مَعَ الإِْنْذَارِ، فَإِذَا انْتَفَى الإِْنْذَارُ وَالإِْشْهَادُ فَلاَ ضَمَانَ، إِلاَّ أَنْ يَعْتَرِفَ بِذَلِكَ مَعَ تَفْرِيطِهِ فَيَضْمَنَ (١)، كَمَا أَنَّ الإِْشْهَادَ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَهُمْ يَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَوْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ مَعَ إِمْكَانِ الإِْشْهَادِ عِنْدَ الْحَاكِمِ (٢) .
١١٣ - وَشُرُوطُ التَّقَدُّمِ أَوِ الإِْنْذَارِ هِيَ: وَمَعْنَى التَّقَدُّمِ: طَلَبُ النَّقْضِ مِمَّنْ يَمْلِكُهُ (٣)، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُول الْمُتَقَدِّمُ: إِنَّ حَائِطَكَ هَذَا مَخُوفٌ، أَوْ يَقُول: مَائِلٌ فَانْقُضْهُ أَوِ اهْدِمْهُ، حَتَّى لاَ يَسْقُطَ وَلاَ يُتْلِفَ شَيْئًا، وَلَوْ قَال: يَنْبَغِي أَنْ تَهْدِمَهُ، فَذَلِكَ مَشُورَةٌ (٤) .
أ - أَنْ يَكُونَ التَّقَدُّمُ مِمَّنْ لَهُ حَقُّ مَصْلَحَةٍ فِي الطَّلَبِ.
وَفَرَّقُوا فِي هَذَا: بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْحَائِطُ مَائِلًا إِلَى الطَّرِيقِ الْعَامِّ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ مَائِلًا إِلَى مِلْكِ إِنْسَانٍ:
فَفِي الصُّورَةِ الأُْولَى: يَصِحُّ التَّقَدُّمُ مِنْ كُل مُكَلَّفٍ، مُسْلِمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُتَقَدِّمِ وَلاَ لِلْقَاضِي حَقُّ إِبْرَاءِ صَاحِبِ الْحَائِطِ، وَلاَ تَأْخِيرُهُ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ، لأَِنَّهُ حَقُّ الْعَامَّةِ،
_________
(١) الشرح الكبير للدردير ٤ / ٣٥٦.
(٢) المرجع السابق، وانظر منح الجليل ٤ / ٥٥٩.
(٣) رد المحتار ٥ / ٣٨٥، وتكملة البحر الرائق للطوري ٨ / ٤٠٣.
(٤) رد المحتار ٥ / ٣٨٤.
وَتَصَرُّفُهُ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ نَافِذٌ - كَمَا يَقُول الْحَصْكَفِيُّ نَقْلًا عَنِ الذَّخِيرَةِ - فِيمَا يَنْفَعُهُمْ، لاَ فِيمَا يَضُرُّهُمْ (١) .
وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ: لاَ يَصِحُّ التَّقَدُّمُ إِلاَّ مِنَ الْمَالِكِ الَّذِي شَغَل الْحَائِطُ هَوَاءَ مِلْكِهِ، كَمَا أَنَّ لَهُ حَقَّ الإِْبْرَاءِ وَالتَّأْخِيرِ (٢) .
بَل نَصَّتْ الْمَجَلَّةُ (فِي الْمَادَّةِ: ٩٢٨) عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَائِطُ مَائِلًا إِلَى الطَّرِيقِ الْخَاصِّ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِمَّنْ لَهُ حَقُّ الْمُرُورِ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ.
ب - أَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ قَبْل السُّقُوطِ بِمُدَّةٍ يَقْدِرُ عَلَى النَّقْضِ خِلاَلَهَا، لأَِنَّ مُدَّةَ التَّمَكُّنِ مِنْ إِحْضَارِ الأُْجَرَاءِ مُسْتَثْنَاةٌ فِي الشَّرْعِ (٣) .
ج - أَنْ يَكُونَ التَّقَدُّمُ بَعْدَ مَيْل الْحَائِطِ، فَلَوْ طَلَبَ قَبْل الْمَيْل لَمْ يَصِحَّ، لِعَدَمِ التَّعَدِّي.
د - أَنْ يَكُونَ التَّقَدُّمُ إِلَى مَنْ يَمْلِكُ النَّقْضَ، كَالْمَالِكِ وَوَلِيِّ الصَّغِيرِ، وَوَصِيِّهِ وَوَصِيِّ الْمَجْنُونِ، وَالرَّاهِنِ، وَكَذَا الْوَاقِفِ وَالْقَيِّمِ عَلَى الْوَقْفِ وَأَحَدِ الشُّرَكَاءِ (٤)، بِخِلاَفِ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُودِعِ، لأَِنَّهُمْ
_________
(١) الدر المختار ٥ / ٣٨٥.
(٢) المبسوط ٢٧ / ١٣ وتكملة البحر الرائق ٨ / ٤٠٤، ومجمع الأنهر ٢ / ٦٥٨، ٦٥٩، وانظر المغني بالشرح الكبير ٩ / ٥٧٣، ٥٧٤.
(٣) رد المحتار ٥ / ٣٨٤ نقلًا عن القهستاني.
(٤) الدر المختار ٥ / ٣٨٤، ومجمع الأنهر ٢ / ٦٥٨ ومجمع الضمانات ص ١٨٢.
لَيْسَتْ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى التَّصَرُّفِ، فَلاَ يُفِيدُ طَلَبُ النَّقْضِ مِنْهُمْ، وَلاَ يُعْتَبَرُ فِيهِمُ الإِْنْذَارُ كَمَا قَال الدَّرْدِيرُ (١)، وَلِهَذَا لاَ يَضْمَنُونَ مَا تَلِفَ مِنْ سُقُوطِهِ، بَل قَال الْحَصْكَفِيُّ: لاَ ضَمَانَ أَصْلًا عَلَى سَاكِنٍ وَلاَ مَالِكٍ (٢) .
وَمَحَل هَذِهِ الشُّرُوطِ - كَمَا قَال الدُّسُوقِيُّ. إِذَا كَانَ مُنْكِرًا لِلْمَيَلاَنِ، أَمَّا إِذَا كَانَ مُقِرًّا بِهِ فَلاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ (٣) .
١١٤ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ الضَّمَانِ مُطْلَقًا بِسُقُوطِ الْبِنَاءِ، إِذَا مَال بَعْدَ بِنَائِهِ مُسْتَقِيمًا وَلَوْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ.
قَال النَّوَوِيُّ: إِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ هَدْمِهِ وَإِصْلاَحِهِ، فَلاَ ضَمَانَ قَطْعًا، وَكَذَا إِنْ تَمَكَّنَ عَلَى الأَْصَحِّ. . وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُطَالِبَهُ الْوَالِي أَوْ غَيْرُهُ بِالنَّقْضِ، وَبَيْنَ أَنْ لاَ يُطَالِبَ (٤)، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ بَنَى فِي مِلْكِهِ، وَالْهَلاَكُ حَصَل بِغَيْرِ فِعْلِهِ (٥)، وَأَنَّ الْمَيْل نَفْسَهُ لَمْ يَحْصُل بِفِعْلِهِ (٦)، وَأَنَّ مَا كَانَ
_________
(١) الشرح الكبير للدردير ٤ / ٣٥٦.
(٢) الدر المختار ٥ / ٣٨٥.
(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٦.
(٤) روضة الطالبين ٩ / ٣٢١.
(٥) روضة الطالبين ٩ / ٣٢١.
(٦) شرح المحلي على المنهاج ٤ / ١٤٨، وشرح التحرير وحاشية الشرقاوي عليه ٢ / ٤٥٩.
أَوَّلُهُ غَيْرَ مَضْمُونٍ، لاَ يَنْقَلِبُ مَضْمُونًا بِتَغْيِيرِ الْحَال (١) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ، إِلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُطَالَبْ بِالنَّقْضِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ بِتَرْكِهِ مَائِلًا، فَضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ، كَمَا لَوْ بَنَاهُ مَائِلًا إِلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً، وَلأَِنَّهُ لَوْ طُولِبَ بِنَقْضِهِ فَلَمْ يَفْعَل ضَمِنَ مَا تَلِفَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ لَمْ يَضْمَنْ بِالْمُطَالَبَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَائِلًا، أَوْ كَانَ مَائِلًا إِلَى مِلْكِهِ (٢) .
لَكِنَّ نَصَّ أَحْمَدَ، هُوَ عَدَمُ الضَّمَانِ - كَمَا يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ - أَمَّا لَوْ طُولِبَ بِالنَّقْضِ، فَقَدْ تَوَقَّفَ فِيهِ أَحْمَدُ، وَذَهَبَ بَعْضُ الأَْصْحَابِ إِلَى الضَّمَانِ فِيهِ (٣) .
أَمَّا الضَّمَانُ الْوَاجِبُ بِسُقُوطِ الأَْبْنِيَةِ، عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ، فَهُوَ:
أ - أَنَّ مَا تَلِفَ بِهِ مِنَ النُّفُوسِ، فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ مَالِكِ الْبِنَاءِ.
ب - وَمَا تَلِفَ بِهِ مِنَ الأَْمْوَال فَعَلَى مَالِكِ الْبِنَاءِ، لأَِنَّ الْعَاقِلَةَ لاَ تَعْقِل الْمَال (٤) .
_________
(١) حاشية الشرقاوي على شرح التحرير ٢ / ٤٥٩.
(٢) المغني ٩ / ٥٧٢، والشرح الكبير مع المغني ٥ / ٤٥١.
(٣) المغني بالشرح الكبير ٩ / ٥٧٢.
(٤) الدر المختار ورد المحتار ٥ / ٣٨٥.
ج - وَلاَ تَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ الْكَفَّارَةُ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - وَلاَ يُحْرَمُ مِنَ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ، لأَِنَّهُ قَتْلٌ بِسَبَبٍ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الْقَتْل مُبَاشَرَةً، وَإِنَّمَا أُلْحِقَ بِالْمُبَاشِرِ فِي الضَّمَانِ، صِيَانَةً لِلدَّمِ عَنِ الْهَدْرِ، عَلَى خِلاَفِ الأَْصْل، فَبَقِيَ فِي الْكَفَّارَةِ وَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ عَلَى الأَْصْل (١) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ: هُوَ مُلْحَقٌ بِالْخَطَأِ فِي أَحْكَامِهِ، إِذْ لاَ قَتْل بِسَبَبٍ عِنْدَهُمْ، فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَفِيهِ الْحِرْمَانُ مِنَ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ، لأَِنَّ الشَّارِعَ أَنْزَلَهُ مَنْزِلَةَ الْقَاتِل (٢) .
خَامِسًا: ضَمَانُ التَّلَفِ بِالأَْشْيَاءِ:
١١٥ - أَكْثَرُ مَا يَعْرِضُ التَّلَفُ بِالأَْشْيَاءِ، بِسَبَبِ إِلْقَائِهَا فِي الطُّرُقَاتِ وَالشَّوَارِعِ، أَوْ بِسَبَبِ وَضْعِهَا فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا الْمُخَصَّصَةِ لَهَا.
وَيُمْكِنُ تَقْسِيمُ الأَْشْيَاءِ إِلَى خَطِرَةٍ، وَغَيْرِ خَطِرَةٍ، أَيْ عَادِيَّةٍ.
الْقِسْمُ الأَْوَّل:
ضَمَانُ التَّلَفِ الْحَاصِل بِالأَْشْيَاءِ الْعَادِيَّةِ غَيْرِ الْخَطِرَةِ:
١١٦ - يَرُدُّ الْفُقَهَاءُ مَسَائِل التَّلَفِ الْحَاصِل
_________
(١) الدر المختار ورد المحتار ٥ / ٣٤٢ ر ٣٨١ وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه ٦ / ١٤٣، ١٤٤، والكفاية شرح الهداية بتصرف ٩ / ١٤٨، وبدائع الصنائع ٧ / ٢٧٤.
(٢) الهداية بشروحها ٩ / ١٤٨، والقوانين الفقهية ٢٨٨، وشرح الخرشي ٨ / ٤٩، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٥ / ١٠٢، وشرح المحلي بحاشيتي القليوبي وعميرة ٤ / ١٦٢، والمغني بالشرح الكبير ١٠ / ٣٧، ٧ / ١٦١، ١٦٢.
بِالأَْشْيَاءِ الْعَادِيَّةِ، غَيْرِ الْخَطِرَةِ، إِلَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ وَالأُْصُول:
الأَْوَّل: كُل مَوْضِعٍ يَجُوزُ لِلْوَاضِعِ أَنْ يَضَعَ فِيهِ أَشْيَاءَهُ لاَ يَضْمَنُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى وَضْعِهَا فِيهِ مِنْ ضَرَرٍ، لأَِنَّ الْجَوَازَ الشَّرْعِيَّ يُنَافِي الضَّمَانَ.
الثَّانِي: كُل مَوْضِعٍ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَضَعَ فِيهِ أَشْيَاءَهُ يَضْمَنُ مَا يَنْشَأُ عَنْ وَضْعِهَا فِيهِ مِنْ أَضْرَارٍ، مَا دَامَتْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِنْ زَالَتْ عَنْهُ لَمْ يَضْمَنْ (١) .
الثَّالِثُ: كُل مَنْ فَعَل فِعْلًا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ، ضَمِنَ مَا تَوَلَّدَ عَنْهُ مِنْ ضَرَرٍ (٢) .
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُرُورَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مُبَاحٌ، بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ فِيمَا يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ (٣) .
الْخَامِسُ: أَنَّ الْمُتَسَبِّبَ ضَامِنٌ إِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا، وَإِلاَّ لاَ يَضْمَنُ، وَالْمُبَاشِرُ ضَامِنٌ مُطْلَقًا (٤) .
وَمِنَ الْفُرُوعِ الَّتِي انْبَثَقَتْ مِنْهَا هَذِهِ الأُْصُول:
أ - مَنْ وَضَعَ جَرَّةً أَوْ شَيْئًا فِي طَرِيقٍ لاَ يَمْلِكُهُ فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ ضَمِنَ، وَلَوْ زَال
_________
(١) جامع الفصولين ٢ / ٨٨، نقلًا عن فتاوى القاضي ظهير الدين، ببعض تصرف.
(٢) نفسه، بتصرف.
(٣) الدر المختار ٥ / ٣٨٦، وانظر شرح المحلي على المنهاج بحاشيتي القليوبي وعميرة ٤ / ١٤٨.
(٤) رد المحتار ٥ / ٣٨٦.