الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٨
١٠٤ - وَالتَّعَدِّي بِمُجَاوَزَةِ ذِي الْيَدِ فِي اسْتِعْمَال الدَّابَّةِ، فَحَيْثُ اسْتَعْمَلَهَا فِي حُدُودِ حَقِّهِ، فِي مِلْكِهِ، أَوِ الْمَحَل الْمُعَدِّ لِلدَّوَابِّ أَوْ أَدْخَلَهَا مِلْكَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، فَأَتْلَفَتْ نَفْسًا أَوْ مَالًا، لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذْ لاَ ضَمَانَ مَعَ الإِْذْنِ بِخِلاَفِ مَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ أَوْ أَوْقَفَهَا فِي مَحَلٍّ لَمْ يُعَدَّ لِوُقُوفِ الْحَيَوَانَاتِ، أَوْ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِمَا تُتْلِفُهُ حِينَئِذٍ إِذْ كُل مَنْ فَعَل فِعْلًا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ ضَمِنَ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ (١) .
وَالأَْصْل فِي هَذَا حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَال: " قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَوْقَفَ دَابَّةً فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُل الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، فَأَوْطَأَتْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ، فَهُوَ ضَامِنٌ (٢) .
وَنَصَّتْ الْمَجَلَّةُ فِي الْمَادَّةِ ٩٣٠ عَلَى أَنَّهُ " لاَ يَضْمَنُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ الَّتِي أَضَرَّتْ بِيَدِهَا أَوْ ذَيْلِهَا أَوْ رِجْلِهَا، حَال كَوْنِهَا فِي مِلْكِهِ، رَاكِبًا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ "، كَمَا نَصَّتْ (الْمَادَّةُ: ٩٣١) عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَدْخَل أَحَدٌ دَابَّتَهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، لاَ يَضْمَنُ جِنَايَتَهَا، فِي الصُّوَرِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْمَادَّةِ آنِفًا حَيْثُ إِنَّهَا تُعَدُّ كَالْكَائِنَةِ فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَ أَدْخَلَهَا بِدُونِ إِذْنِ صَاحِبِهِ
_________
(١) جامع الفصولين ٢ / ٨٨.
(٢) حديث: تقدم في ف (٦) .
يَضْمَنُ ضَرَرَ تِلْكَ الدَّابَّةِ وَخَسَارَهَا عَلَى كُل حَالٍ.
- كَمَا نَصَّتْ فِي (الْمَادَّةِ: ٩٣٩) عَلَى أَنَّهُ إِذَا رَبَطَ شَخْصَانِ دَابَّتَيْهِمَا فِي مَحَلٍّ لَهُمَا حَقُّ الرَّبْطِ فِيهِ، فَأَتْلَفَتْ إِحْدَى الدَّابَّتَيْنِ الأُْخْرَى، لاَ يَلْزَمُ الضَّمَانُ.
وَفِي النُّصُوصِ: " لَوْ أَوْقَفَهَا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ الأَْعْظَمِ، أَوْ مَسْجِدٍ آخَرَ، يَضْمَنُ إِلاَّ إِذَا جَعَل الإِْمَامُ لِلْمُسْلِمِينَ مَوْضِعًا يُوقِفُونَ دَوَابَّهُمْ فَلاَ يَضْمَنُ (١) ".
وَلَوْ رَبَطَ دَابَّتَهُ فِي مَكَان، ثُمَّ رَبَطَ آخَرُ فِيهِ دَابَّتَهُ، فَعَضَّتْ إِحْدَاهُمَا الأُْخْرَى، لاَ ضَمَانَ لَوْ كَانَ لَهُمَا فِي الْمَرْبِطِ وِلاَيَةُ الرَّبْطِ (٢) .
وَعَلَّلَهُ الرَّمْلِيُّ، نَقْلًا عَنِ الْقَاضِي، بِأَنَّ الرَّبْطَ جِنَايَةٌ، فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ ضَمِنَهُ (٣) .
١٠٥ - وَأَمَّا الإِْفْضَاءُ، وَهُوَ وُصُول الضَّرَرِ مُبَاشَرَةً أَوْ تَسَبُّبًا، فَإِنَّ فِعْل الْحَيَوَانِ لاَ يُوصَفُ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ تَسْبِيبٍ، لأَِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَصِحُّ إِضَافَةُ الْحُكْمِ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِذَلِكَ صَاحِبُهُ، فَتُطَبَّقُ الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ: أَنَّ الْمُبَاشِرَ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ، وَالْمُتَسَبِّبُ لاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي (٤) .
_________
(١) جامع الفصولين ٢ / ٨٦.
(٢) جامع الفصولين ٢ / ٨٧.
(٣) حاشية الرملي على جامع الفصولين ٢ / ٨٧.
(٤) مجمع الضمانات (١٦٥) .
وَيُعْتَبَرُ ذُو الْيَدِ عَلَى الْحَيَوَانِ، وَصَاحِبُهُ مُبَاشِرًا إِذَا كَانَ رَاكِبًا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلَوْ بِإِذْنِهِ أَوْ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ، فَيَضْمَنُ مَا يُحْدِثُهُ بِتَلَفِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ.
فَرَاكِبُ الدَّابَّةِ يَضْمَنُ مَا وَطِئَتْهُ بِرِجْلِهَا، أَوْ يَدِهَا - كَمَا يَقُول الْكَاسَانِيُّ - أَيْ وَمَاتَ لِوُجُودِ الْخَطَأِ فِي هَذَا الْقَتْل، وَحُصُولُهُ عَلَى سَبِيل الْمُبَاشَرَةِ لأَِنَّ ثِقَل الرَّاكِبِ عَلَى الدَّابَّةِ، وَالدَّابَّةُ آلَةٌ لَهُ، فَكَانَ الْقَتْل الْحَاصِل بِثِقَلِهَا مُضَافًا إِلَى الرَّاكِبِ، وَالرَّدِيفُ وَالرَّاكِبُ سَوَاءٌ، وَعَلَيْهِمَا الْكَفَّارَةُ، وَيُحْرَمَانِ مِنَ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ، لأَِنَّ ثِقَلَهُمَا عَلَى الدَّابَّةِ، وَالدَّابَّةُ آلَةٌ لَهُمَا، فَكَانَا قَاتِلَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ (١) .
وَلَوْ كَدَمَتْ أَوْ صَدَمَتْ، فَهُوَ ضَامِنٌ، وَلاَ كَفَّارَةَ وَلاَ حِرْمَانَ، لأَِنَّهُ قَتْلٌ بِسَبَبٍ.
وَلَوْ أَصَابَتْ وَمَعَهَا سَائِقٌ وَقَائِدٌ، فَلاَ كَفَّارَةَ وَلاَ حِرْمَانَ، لأَِنَّهُ قَتْلٌ تَسْبِيبًا لاَ مُبَاشَرَةً، بِخِلاَفِ الرَّاكِبِ وَالرَّدِيفِ (٢) .
وَهَذَا خِلاَفُ مَا فِي مَجْمَعِ الأَْنْهُرِ، حَيْثُ نَصَّ عَلَى أَنَّ الرَّاكِبَ فِي مِلْكِهِ لاَ يَضْمَنُ شَيْئًا، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ، فَيَضْمَنُ لِلتَّعَدِّي (٣) .
وَمِثَال مَا لَوْ أَتْلَفَتْ شَيْئًا بِتَسْبِيبِ
_________
(١) البدائع ٧ / ٢٧٢.
(٢) البدائع ٧ / ٢٧٢.
(٣) مجمع الأنهر ٢ / ٦٥٩، وانظر الدر المختار ورد المحتار ٥ / ٣٨٧.
صَاحِبِهَا: مَا لَوْ أَوْقَفَهَا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَجَالَتْ فِي رِبَاطِهَا، حَيْثُ طَال الرَّسَنُ فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا، ضَمِنَ، لأَِنَّهُ مُمْسِكُهَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ ذَهَبَتْ، مَا دَامَتْ فِي مَوْضِعِ رِبَاطِهَا (١) .
فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الضَّمَانِ بِالتَّسْبِيبِ بِالتَّعَدِّي، وَهُوَ الرَّبْطُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ.
وَمِثَال اجْتِمَاعِ الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّسْبِيبِ، حَيْثُ تُقَدَّمُ الْمُبَاشَرَةُ، مَا لَوْ رَبَطَ بَعِيرًا إِلَى قِطَارٍ، وَالْقَائِدُ لاَ يَعْلَمُ، فَوَطِئَ الْبَعِيرُ الْمَرْبُوطُ إِنْسَانًا، فَقَتَلَهُ، فَعَلَى عَاقِلَةِ الْقَائِدِ الدِّيَةُ، لِعَدَمِ صِيَانَةِ الْقِطَارِ عَنْ رَبْطِ غَيْرِهِ، فَكَانَ مُتَعَدِّيًا (مُقَصِّرًا) لَكِنْ يُرْجَعُ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ، لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُ فِي هَذِهِ الْعُهْدَةِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبِ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَسَبِّبٌ، لأَِنَّ الرَّبْطَ، مِنَ الْقَوَدِ، بِمَنْزِلَةِ التَّسْبِيبِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ، لاِتِّصَال التَّلَفِ بِالْقَوَدِ دُونَ الرَّبْطِ (٢) .
وَمِثَال مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُبَاشِرًا وَلاَ مُتَسَبِّبًا، حَيْثُ لاَ يَضْمَنُ، مَا إِذَا قَتَل سِنَّوْرُهُ حَمَامَةً فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ، لِحَدِيثِ: الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا (٣) .
_________
(١) جامع الفصولين ٢ / ٨٦، وانظر حاشية الرملي في الموضع نفسه، والرَّسَن: الحبل. . المصباح المنير.
(٢) الهداية وشروحها ٩ / ٢٦٣.
(٣) جامع الفصولين ٢ / ٨٥.
وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْهِرَّةَ إِنْ أَتْلَفَتْ طَيْرًا أَوْ طَعَامًا لَيْلًا أَوَنَهَارًا ضَمِنَ مَالِكُهَا إِنْ عَهِدَ ذَلِكَ مِنْهَا، وَإِلاَّ فَلاَ يَضْمَنُ فِي الأَْصَحِّ (١) .
١٠٦ - وَمِنْ مَشْمُولاَتِ الإِْفْضَاءِ: التَّعَمُّدُ، كَمَا لَوْ أَلْقَى هِرَّةً عَلَى حَمَامَةٍ أَوْ دَجَاجَةٍ، فَأَكَلَتْهَا ضَمِنَ لَوْ أَخَذَتْهَا بِرَمْيِهِ وَإِلْقَائِهِ، لاَ لَوْ بَعْدَهُ. . . وَيَضْمَنُ بِإِشْلاَءِ كَلْبِهِ، لأَِنَّهُ بِإِغْرَائِهِ يَصِيرُ آلَةً لِعَقْرِهِ، فَكَأَنَّهُ ضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ (٢) .
وَمِنْ مَشْمُولاَتِهِ التَّسَبُّبُ بِعَدَمِ الاِحْتِرَازِ: فَالأَْصْل: أَنَّ الْمُرُورَ بِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مُبَاحٌ، بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ، فِيمَا يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ، لاَ فِيمَا لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ (٣):
فَلَوْ أَوْقَفَ دَابَّتَهُ فِي الطَّرِيقِ ضَمِنَ مَا نَفَحَتْهُ، لأَِنَّ بِإِمْكَانِهِ الاِحْتِرَازَ مِنَ الإِْيقَافِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الاِحْتِرَازُ مِنَ النَّفْحَةِ، فَصَارَ مُتَعَدِّيًا بِالإِْيقَافِ وَشَغْل الطَّرِيقِ بِهِ (٤) .
بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا حَصَاةً، أَوْ أَثَارَتْ غُبَارًا، فَفَقَأَتْ الْحَصَاةُ عَيْنَ إِنْسَانٍ، أَوْ أَفْسَدَ الْغُبَارُ ثَوْبَ إِنْسَانٍ فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ، لأَِنَّ سَيْرَ
_________
(١) شرح المحلي على المنهاج ٤ / ٢١٣.
(٢) جامع الفصولين ٢ / ٨٥، وانظر الهداية وشروحها ٩ / ٢٦٤ و٢٦٥، والمبسوط ٢٧ / ٥.
(٣) الهداية وشروحها ٩ / ٢٥٨ و٢٥٩، ودرر الحكام ٢ / ١١١.
(٤) الهداية بشروحها ٩ / ٢٥٩.
الدَّوَابِّ لاَ يَخْلُو عَنْهُ (١) .
وَلِلْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ فِي الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ (٢) .
وَجَاءَ فِي الْمَجَلَّةِ (الْمَادَّةِ: ٩٣٤): لَيْسَ لأَِحَدٍ حَقُّ تَوْقِيفِ دَابَّتِهِ أَوْ رَبْطِهَا فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ.
وَمِنْ مَشْمُولاَتِهِ التَّسَبُّبُ بِالتَّقْصِيرِ، وَمِنَ الْفُرُوعِ: مَا لَوْ رَأَى دَابَّتَهُ تَأْكُل حِنْطَةَ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْهَا، حَتَّى أَكَلَتْهَا، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَضْمَنُ (٣) .
وَبِهَذَا أَخَذَتْ الْمَجَلَّةُ، حَيْثُ نَصَّتْ عَلَى أَنَّهُ " لَوْ اسْتَهْلَكَ حَيَوَانٌ مَال أَحَدٍ، وَرَآهُ صَاحِبُهُ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ يَضْمَنُ ". (الْمَادَّةُ: ٩٢٩) .
١٠٧ - وَالضَّامِنُ لِجِنَايَةِ الْحَيَوَانِ، لَمْ يُقَيَّدْ فِي النُّصُوصِ الْفِقْهِيَّةِ، بِكَوْنِهِ مَالِكًا أَوْ غَيْرَهُ، بَل هُوَ ذُو الْيَدِ، الْقَابِضُ عَلَى زِمَامِهِ، الْقَائِمُ عَلَى تَصْرِيفِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا، وَلَوْ لَمْ يَحِل لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ، وَيَشْمَل هَذَا السَّائِسَ وَالْخَادِمَ.
قَال النَّوَوِيُّ: إِنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ فِي مَال الَّذِي هُوَ مَعَهَا، سَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا أَوْ مُسْتَأْجِرًا
_________
(١) نفسه، ومجمع الضمانات (١٨٥) .
(٢) المغني ١٠ / ٣٥٩.
(٣) الدر المختار ٥ / ٣٩٢.
أَوْ مُسْتَعِيرًا، أَوْ غَاصِبًا أَوْ مُودِعًا، أَوْ وَكِيلًا أَوْ غَيْرَهُ (١) .
وَيَقُول الشَّرْقَاوِيُّ فِي جِنَايَةِ الدَّابَّةِ: لاَ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا، بَل بِذِي الْيَدِ عَلَيْهَا (٢) .
١٠٨ - وَلَوْ تَعَدَّدَ وَاضِعُو الْيَدِ عَلَى الْحَيَوَانِ، فَالضَّمَانُ - فِيمَا يَبْدُو مِنَ النُّصُوصِ - عَلَى الأَْقْوَى يَدًا، وَالأَْكْثَرِ قُدْرَةً عَلَى التَّصَرُّفِ، وَعِنْدَ الاِسْتِوَاءِ يَكُونُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا سَائِقًا، وَالآْخَرُ قَائِدًا، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا لأَِنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي التَّسْبِيبِ، فَيَشْتَرِكَانِ فِي الضَّمَانِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا سَائِقًا وَالآْخَرُ رَاكِبًا أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَائِدًا وَالآْخَرُ رَاكِبًا، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، لِوُجُودِ سَبَبِ الضَّمَانِ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إِلاَّ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى الرَّاكِبِ وَحْدَهُ، فِيمَا لَوْ وَطِئَتْ دَابَّتُهُ إِنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ، لِوُجُودِ الْقَتْل مِنْهُ وَحْدَهُ مُبَاشَرَةً (٣)، وَإِنْ كَانَ الْحَصْكَفِيُّ صَحَّحَ عَدَمَ تَضْمِينِ السَّائِقِ، لأَِنَّ الإِْضَافَةَ إِلَى الْمُبَاشِرِ أَوْلَى، لَكِنَّ السَّبَبَ - هُنَا - مِمَّا يَعْمَل بِانْفِرَادِهِ، فَيَشْتَرِكَانِ كَمَا حَقَّقَهُ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ (٤) .
_________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي ١١ / ٢٢٥ (ط: المطبعة المصرية في القاهرة: ١٣٤٩ هـ.) .
(٢) حاشية الشرقاوي على شرح التحرير ٢ / ٤٥٩.
(٣) البدائع ٧ / ٢٨٠.
(٤) الدر المختار ورد المحتار عليه ٥ / ٣٨٨.
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَإِنْ كَانَ عَلَى الدَّابَّةِ رَاكِبَانِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الأَْوَّل مِنْهُمَا، لأَِنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا، الْقَادِرُ عَلَى كَفِّهَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الأَْوَّل مِنْهُمَا صَغِيرًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ نَحْوَهُمَا، وَيَكُونُ الثَّانِي الْمُتَوَلِّي لِتَدْبِيرِهَا، فَيَكُونُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ مَعَ الدَّابَّةِ قَائِدٌ وَسَائِقٌ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ ضَمِنَ، فَإِذَا اجْتَمَعَا ضَمِنَا: وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا رَاكِبٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، لِذَلِكَ.
وَالآْخَرُ: أَنَّهُ عَلَى الرَّاكِبِ، لأَِنَّهُ أَقْوَى يَدًا وَتَصَرُّفًا.
وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَائِدِ لأَِنَّهُ لاَ حُكْمَ لِلرَّاكِبِ عَلَى الْقَائِدِ (١) .
ب - ضَمَانُ جِنَايَةِ الْحَيَوَانِ الْخَطِرِ:
١٠٩ - وَيَتَمَثَّل فِي الْكَبْشِ النَّطُوحِ، وَالْجَمَل الْعَضُوضِ، وَالْفَرَسِ الْكَدُومِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، كَمَا يَتَمَثَّل فِي الْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَةِ، وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَالْحَيَوَانَاتِ الْوَحْشِيَّةِ الْمُفْتَرِسَةِ، وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، كَالأَْسَدِ وَالذِّئْبِ، وَسِبَاعِ الطَّيْرِ كَالْحِدَأَةِ وَالْغُرَابِ، وَفِيهَا مَذَاهِبُ لِلْفُقَهَاءِ:
_________
(١) المغني بالشرح الكبير ١٠ / ٣٥٩.
مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ ضَمَانُ مَا يُتْلِفُهُ الْحَيَوَانُ الْخَطِرُ، مِنْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ إِذَا وُجِدَ مِنْ مَالِكِهِ إِشْلاَءٌ أَوْ إِغْرَاءٌ أَوْ إِرْسَالٌ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ، الَّذِي أَوْجَبَ الضَّمَانَ فِي هَذَا كُلِّهِ، احْتِيَاطًا لأَِمْوَال النَّاسِ (١) خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ (٢)، وَالَّذِي أَفْتَوْا بِهِ هُوَ: الضَّمَانُ بَعْدَ الإِْشْلاَءِ كَالْحَائِطِ الْمَائِل، فِي النَّفْسِ وَالْمَال (٣) كَمَا فِي الإِْغْرَاءِ (٤) .
وَعَلَّل الضَّمَانَ بِالإِْشْلاَءِ، بِأَنَّهُ بِالإِْغْرَاءِ. يَصِيرُ الْكَلْبُ آلَةً لِعَقْرِهِ، فَكَأَنَّهُ ضَرَبَهُ بِحَدِّ سَيْفِهِ (٥) .
وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ تَفْصِيلٌ ذَكَرَهُ الدُّسُوقِيُّ، وَهُوَ:
إِذَا اتَّخَذَ الْكَلْبَ الْعَقُورَ، بِقَصْدِ قَتْل إِنْسَانٍ مُعَيَّنٍ وَقَتَلَهُ فَالْقَوَدُ، أُنْذِرَ عَنِ اتِّخَاذِهِ أَوْ لاَ.
وَإِنْ قَتَل غَيْرَ الْمُعَيَّنِ فَالدِّيَةُ، وَكَذَلِكَ إِنِ اتَّخَذَهُ لِقَتْل غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَقَتَل شَخْصًا فَالدِّيَةُ، أُنْذِرَ أَمْ لاَ.
وَإِنِ اتَّخَذَهُ لِوَجْهٍ جَائِزٍ فَالدِّيَةُ إِنْ تَقَدَّمَ
_________
(١) الهداية بشروحها والعناية منها ٩ / ٢٦٤، والدر المنتقى بهامش مجمع الأنهر ٢ / ٦٦٢.
(٢) البدائع ٧ / ٢٧٣.
(٣) الدر المختار ورد المحتار ٥ / ٣٩٢، وانظر مجمع الضمانات (١٩٠) وجامع الفصولين ٢ / ٨٥.
(٤) جامع الفصولين ٢ / ٨٥.
(٥) جامع الفصولين ٢ / ٨٥، عن فوائد الرستغني.
لَهُ إِنْذَارٌ قَبْل الْقَتْل، وَإِلاَّ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنِ اتَّخَذَهُ لاَ لِوَجْهٍ جَائِزٍ ضَمِنَ مَا أَتْلَفَ، تَقَدَّمَ لَهُ فِيهِ إِنْذَارٌ أَمْ لاَ، حَيْثُ عَرَفَ أَنَّهُ عَقُورٌ، وَإِلاَّ لَمْ يَضْمَنْ، لأَِنَّ فِعْلَهُ حِينَئِذٍ كَفِعْل الْعَجْمَاءِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ الْخَطِرَ يَنْبَغِي أَنْ يُرْبَطَ وَيُكَفَّ شَرُّهُ، كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَكَالسِّنَّوْرِ إِذَا عُهِدَ مِنْهُ إِتْلاَفُ الطَّيْرِ أَوِ الطَّعَامِ، فَإِذَا أَطْلَقَ الْكَلْبَ الْعَقُورَ أَوِ السِّنَّوْرَ، فَعَقَرَ إِنْسَانًا، أَوْ أَتْلَفَ طَعَامًا أَوْ ثَوْبًا، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، ضَمِنَ مَا أَتْلَفَهُ، لأَِنَّهُ مُفَرِّطٌ بِاقْتِنَائِهِ وَإِطْلاَقِهِ إِلاَّ إِذَا دَخَل دَارَهُ إِنْسَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَعَقَرَهُ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالدُّخُول، مُتَسَبِّبٌ بِعَدَمِ الاِسْتِئْذَانِ لِعَقْرِ الْكَلْبِ لَهُ، فَإِنْ دَخَل بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، لأَِنَّهُ تَسَبَّبَ إِلَى إِتْلاَفِهِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا اقْتَنَى سِنَّوْرًا، يَأْكُل أَفْرَاخَ النَّاسِ، ضَمِنَ مَا أَتْلَفَهُ كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ (٢)، وَهَذَا - هُوَ الأَْصَحُّ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، كُلَّمَا عَهِدَ ذَلِكَ مِنْهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، قَال الْمَحَلِّيُّ: لأَِنَّ هَذِهِ
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٤ / ٢٤٤ و٣٥٧، وعلله هنا بأنه فرط في حفظها، وانظر جواهر الإكليل ٢ / ٢٥٧، والعقد المنظم للأحكام لابن سلمون الكناني بهامش تبصرة الحكام لابن فرحون ٢ / ٨٧ (ط: المطبعة البهية في القاهرة: ١٣٠٢ هـ.) .
(٢) المغني بالشرح الكبير ١٠ / ٣٥٨، وكشاف القناع ٤ / ١١٩ و١٢٠.