الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧
وَالْعَشَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ: طَعَامُ هَذَا الْوَقْتِ (١) وَيَجُوزُ أَنْ يُقَال لَهَا: الْعِشَاءُ الآْخِرَةُ، وَالْعِشَاءُ - فَقَطْ - مِنْ غَيْرِ وَصْفٍ بِالآْخِرَةِ (٢) قَال تَعَالَى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ﴾ (٣) . وَقَال ﷺ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلاَ تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الآْخِرَةَ (٤) .
تَسْمِيَةُ صَلاَةِ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ:
١٧ - أَجَازَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ تَسْمِيَةَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ لِوُرُودِهَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْحَادِيثِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا (٥) وَمِنْهَا قَوْل عَائِشَةَ ﵂: كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ
_________
(١) المصباح المنير مادة (عشى) والحطاب ١ / ٣٩٦، وكشاف القناع ١ / ٢٥٤، والمجموع ٣ / ٣٦.
(٢) المجموع ٣ / ٤٢، وكشاف القناع ١ / ٢٥٤، والحطاب ١ / ٣٩٧.
(٣) سورة النور / ٥٨.
(٤) حديث: " أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة ". أخرجه مسلم (١ / ٣٢٨ ط الحلبي) وأبو داود (٤ / ٤٠١ - ٤٠٢ ط عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا.
(٥) حديث: " لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١٣٩ ط. السلفية) ومسلم (صحيح مسلم ١ / ٣٢٥ ط. الحلبي) ومالك (الموطأ ١ / ١٣١ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا.
يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْل الأَْوَّل (١) وَالْعَتَمَةُ هِيَ شِدَّةُ الظُّلْمَةِ كَمَا يَقُول الْبُهُوتِيُّ (٢) .
١٨ - وَكَرِهَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ تَسْمِيَتَهَا بِالْعَتَمَةِ لِمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَغْلِبَنَّكُمُ الأَْعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاَتِكُمْ، أَلاَ إِنَّهَا الْعِشَاءُ وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالإِْبِل (٣) مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا الْعَتَمَةَ لِكَوْنِهِمْ يُعْتِمُونَ بِحِلاَبِ الإِْبِل أَيْ يُؤَخِّرُونَهُ إِلَى شِدَّةِ الظَّلاَّمِ (٤) وَصَرَّحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ (٥) .
قَال النَّوَوِيُّ: إِنَّ هَذَا الاِسْتِعْمَال وَرَدَ فِي نَادِرِ الأَْحْوَال لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، أَوْ أَنَّهُ خُوطِبَ بِهِ مَنْ قَدْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْعِشَاءُ
_________
(١) حديث عائشة ﵂: " كانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٣٤٧ ط السلفية) من حديث عائشة ﵂.
(٢) مواهب الجليل للحطاب ١ / ٣٩٦، ومغني المحتاج ١ / ١٢٤، ١٢٥، المجموع للنووي ٣ / ٣٦، وكشاف القناع ١ / ٢٥٤.
(٣) حديث: " لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل ". أخرجه مسلم (١ / ٤٤٥ ط الحلبي) وأبو داود (سنن أبي داود ٥ / ٢٦١ - ٢٦٢ ط عزت عبيد دعاس) من حديث - عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعا.
(٤) الحطاب ١ / ٣٩٦، ومغني المحتاج ١ / ١٢٤، ١٢٥، والمجموع للنووي ٣ / ٣٦.
(٥) مغني المحتاج ١ / ١٢٥.
بِالْمَغْرِبِ، فَلَوْ قِيل: الْعِشَاءُ لَتَوَهَّمَ إِرَادَةَ الْمَغْرِبِ؛ لأَِنَّهَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ بِالْعِشَاءِ، وَأَمَّا الْعَتَمَةُ فَصَرِيحَةٌ فِي الْعِشَاءِ الآْخِرَةِ (١) .
وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي تَسْمِيَتِهَا قَوْلاَنِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَثَانِيهِمَا: الْحُرْمَةُ (٢)
أَوَّل وَقْتِ الْعِشَاءِ وَآخِرُهُ:
١٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ أَوَّل وَقْتِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ يَدْخُل مِنْ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ (٣)، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّفَقِ. فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ: الْحُمْرَةُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ يَقُولاَنِ: هُوَ الْبَيَاضُ بَعْدَ الْحُمْرَةِ.
وَآخِرُ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ الصَّادِقِ (٤)؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: آخِرُ وَقْتِ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ (٥) .
_________
(١) المجموع للنووي ٣ / ٤١، ٤٢.
(٢) الحطاب ١ / ٣٩٧.
(٣) ابن عابدين ١ / ٢٤١، ومواهب الجليل للحطاب ١ / ٣٩٧، ومغني المحتاج ١ / ١٢٣، ١٢٤، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٨٢، ٣٨٣.
(٤) الفجر الصادق هو المنتشر ضوؤه معترضا بالأفق من قبل المشرق (مغني المحتاج ١ / ١٢٣، ١٢٤، والمغني ١ / ٣٨٤) .
(٥) حديث: " آخر وقت العشاء ما لم يطلع الفجر ". أورده الزيلعي في نصب الراية (١ / ٢٣٤) وقال: " غريب " يعني لا أصل له، ثم قال: تكلم الطحاوي في شرح الآثار ههنا كلاما حسنا ملخصه أنه قال: يظهر من مجموع الأحاديث أن وقت العشاء حين يطلع الفجر وذلك أن ابن عباس وأ
هَذَا، وَقَدْ قَسَّمَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْوَقْتَ إِلَى اخْتِيَارِيٍّ، وَضَرُورِيٍّ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) .
صَلاَةُ فَاقِدِ الْعِشَاءِ:
٢٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ هُوَ الْوَقْتُ، وَذَكَرُوا حُكْمَ مَنْ لاَ يَأْتِيَ عَلَيْهِمُ الْعِشَاءُ فِي بَعْضِ أَيَّامِ السَّنَةِ أَوْ كُلِّهَا، هَل تَجِبُ عَلَيْهِمْ صَلاَةُ الْعِشَاءِ أَمْ لاَ؟ وَإِذَا وَجَبَتْ فَكَيْفَ يُؤَدُّونَهَا؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِمْ صَلاَةُ الْعِشَاءِ وَيُقَدِّرُونَ وَقْتَهَا قَدْرَ مَا يَغِيبُ الشَّفَقُ بِأَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ. وَفِي رَأْيٍ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ مَنْ لاَ يَأْتِي عَلَيْهِ الْعِشَاءُ لاَ يُكَلَّفُ بِصَلاَتِهَا لِعَدَمِ سَبَبِ وُجُوبِهَا (١) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحَ: (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) .
تَأْخِيرُ صَلاَةِ الْعِشَاءِ:
٢١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ،
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٢٤١، والاختيار ١ / ٣٩، ومغني المحتاج ١ / ١٢٤، والفواكه الدواني ١ / ١٩٨، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٨٤.
وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الْعِشَاءِ مُسْتَحَبٌّ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْل (١)، قَال الزَّيْلَعِيُّ: قَدْ وَرَدَ فِي تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ صِحَاحٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (٢)، وَمِنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ قَوْلُهُ ﷺ: لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْل أَوْ نِصْفِهِ (٣) .
وَقَيَّدَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ اسْتِحْبَابَ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ بِالشِّتَاءِ، أَمَّا الصَّيْفُ فَيُنْدَبُ تَعْجِيلُهَا عِنْدَهُمْ (٤) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْفْضَل لِلْفَذِّ وَالْجَمَاعَةِ الَّتِي لاَ تُنْتَظَرُ غَيْرُهَا تَقْدِيمُ الصَّلَوَاتِ، وَلَوْ عِشَاءً فِي أَوَّل وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٢٤٦ والبدائع ١ / ١٢٤، ومغني المحتاج ١ / ١٢٦، والمجموع ٣ / ٤٠، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٩٣.
(٢) الزيلعي ١ / ٨٤.
(٣) حديث: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أونصفه ". أخرجه الترمذي (سنن الترمذي ١ / ٣١٠ - ٣١٢ ط دار الكتب العلمية) وابن ماجه (سنن ابن ماجه ١ / ٢٢٦ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد بن حنبل (٢ / ٢٥٠، ط الميمنية) بلفظ مقارب ورواه الحاكم في المستدرك (١ / ١٤٦ ط دار الكتاب العربي) وفيه (إلى نصف الليل) بغير شك وصححه وأقره الذهبي.
(٤) ابن عابدين ١ / ٢٤٦.
بَعْدَ تَحَقُّقِ دُخُولِهِ (١)، وَلاَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْل إِلاَّ لِمَنْ يُرِيدُ تَأْخِيرَهَا لِشُغْلٍ مُهِمٍّ، كَعَمَلِهِ فِي حِرْفَتِهِ، أَوْ لأَِجْل عُذْرٍ، كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ. لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَهَا أَهْل الْمَسَاجِدِ قَلِيلًا لاِجْتِمَاعِ النَّاسِ (٢)، وَأَفْضَلِيَّةُ تَقْدِيمِ الصَّلَوَاتِ لأَِوَّل وَقْتِهَا وَلَوْ عِشَاءً هُوَ - أَيْضًا - قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ. قَال النَّوَوِيُّ: وَالأَْصَحُّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَقْدِيمَهَا أَفْضَل، ثُمَّ قَال: وَتَفْضِيل التَّأْخِيرِ أَقْوَى دَلِيلًا (٣) .
كَرَاهَةُ النَّوْمِ قَبْل صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثِ بَعْدَهَا:
٢٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْل صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا (٤) لِمَا رَوَاهُ أَبُو بَرْزَةَ ﵁ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا (٥) قَال
_________
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ١٨٠.
(٢) الفواكه الدواني ١ / ١٩٧.
(٣) مغني المحتاج ١ / ١٢٥، ١٢٦، والمجموع للنووي ٣ / ٥٧.
(٤) تبيين الحقائق للزيلعي ١ / ٨٤، والفواكه الدواني للنفراوي ١ / ١٩٧، والمجموع للنووي ٣ / ٤٢، وما بعدها.
(٥) حديث أبي برزة الأسلمي: " كان رسول الله ﷺ يكره النوم قبلها والحديث بعدها ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٧٣ ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٤٧ ط. الحلبي) والترمذي (سنن الترمذي ١ / ٣١٢ - ٣١٣ ط دار الكتب العلمية) .
النَّفْرَاوِيُّ: الْحَدِيثُ بَعْدَهَا أَشَدُّ كَرَاهَةً مِنَ النَّوْمِ قَبْلَهَا (١) .
وَالدَّلِيل عَلَى كَرَاهَةِ النَّوْمِ قَبْلَهَا: هُوَ خَشْيَةُ فَوْتِ وَقْتِهَا، أَوْ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا (٢) .
لَكِنِ الْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: إِذَا وَكَّل لِنَفْسِهِ مَنْ يُوقِظُهُ فِي وَقْتِهَا فَمُبَاحٌ لَهُ النَّوْمُ، كَمَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنِ الطَّحَاوِيِّ (٣) .
وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ النَّوْمَ قَبْل صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَلَوْ وَكَّل مَنْ يُوقِظُهُ؛ لاِحْتِمَال نَوْمِ الْوَكِيل أَوْ نِسْيَانِهِ فَيَفُوتُ وَقْتُ الاِخْتِيَارِ (٤) . أَمَّا كَرَاهَةُ الْحَدِيثِ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ:
فَلأَِنَّهُ رُبَّمَا يُؤَدِّي إِلَى سَهَرٍ يَفُوتُ بِهِ الصُّبْحُ، أَوْ لِئَلاَّ يَقَعَ فِي كَلاَمِهِ لَغْوٌ، فَلاَ يَنْبَغِي خَتْمُ الْيَقَظَةِ بِهِ، أَوْ لأَِنَّهُ يَفُوتُ بِهِ قِيَامُ اللَّيْل لِمَنْ لَهُ بِهِ عَادَةٌ؛ وَلِتَقَعَ الصَّلاَةُ الَّتِي هِيَ أَفْضَل الأَْعْمَال خَاتِمَةُ عَمَلِهِ وَالنَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَرُبَّمَا مَاتَ فِي نَوْمِهِ (٥) .
وَهَذَا إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ مُهِمَّةٍ فَلاَ بَأْسَ. وَكَذَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَحَدِيثِ الرَّسُول ﷺ وَمُذَاكَرَةُ الْفِقْهِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ، وَالْحَدِيثُ مَعَ
_________
(١) الفواكه الدواني ١ / ١٩٧.
(٢) الزيلعي ١ / ٨٤، والفواكه الدواني ١ / ١٩٧.
(٣) تبيين الحقائق ١ / ٨٤.
(٤) الفواكه الدواني للنفراوي ١ / ١٩٧.
(٥) الزيلعي ١ / ٨٤، والفواكه الدواني ١ / ١٩٧، والمجموع ٣ / ٤٢، ومغني المحتاج ١ / ١٢٥.
الضَّيْفِ، أَوِ الْقَادِمِ مِنَ السَّفَرِ وَنَحْوِهَا فَلاَ كَرَاهَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ خَيْرٌ نَاجِزٌ فَلاَ يُتْرَكُ لِمَفْسَدَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ، كَمَا قَال النَّوَوِيُّ (١) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْمُرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَا مَعَهُمَا (٢) .
خَامِسًا - صَلاَةُ الْفَجْرِ:
٢٣ - الْفَجْرُ فِي الأَْصْل هُوَ الشَّفَقُ، وَالْمُرَادُ بِهِ ضَوْءُ الصَّبَاحِ، سُمِّيَ بِهِ لاِنْفِجَارِ الظُّلْمَةِ بِهِ بِسَبَبِ حُمْرَةِ الشَّمْسِ فِي سَوَادِ اللَّيْل. وَالْفَجْرُ فِي آخِرِ اللَّيْل كَالشَّفَقِ فِي أَوَّلِهِ (٣) .
وَالْفَجْرُ اثْنَانِ:
١ - الْفَجْرُ الأَْوَّل: وَهُوَ الْفَجْرُ الْكَاذِبُ، وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُسْتَطِيل يَبْدُو فِي نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْعَرَبِ بِذَنَبِ السِّرْحَانِ (الذِّئْبِ)، ثُمَّ يَنْكَتِمُ. وَلِهَذَا يُسَمَّى فَجْرًا كَاذِبًا، لأَِنَّهُ يَبْدُو نُورُهُ، ثُمَّ يَعْقُبُهُ الظَّلاَمُ
_________
(١) المجموع ٣ / ٤٢.
(٢) الزيلعي ١ / ٨٤، وانظر المراجع السابقة وحديث عمر بن الخطاب ﵁: " كان النبي ﷺ يسمر مع أبي بكر في أمر من أمور المسلمين وأنا معهما ". أخرجه الترمذي (سنن الترمذي ١ / ٣١٥. ط دار الكتب العلمية) وحسنه ورواه أحمد في المسند (١ / ٢٥ - ٢٦ ط الميمنية) مطولا.
(٣) القرطبي ٢ / ٢٨، والمصباح المنير ولسان العرب ومتن اللغة وكشاف القناع ١ / ٢٥٥.
٢ - الْفَجْرُ الثَّانِي أَوِ الْفَجْرُ الصَّادِقُ: وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُسْتَطِيرُ الْمُعْتَرِضُ فِي الأُْفُقِ، لاَ يَزَال يَزْدَادُ نُورُهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيُسَمَّى هَذَا فَجْرًا صَادِقًا؛ لأَِنَّهُ إِذَا بَدَا نُورُهُ يَنْتَشِرُ فِي الأُْفُقِ (١) وَفِي الْحَدِيثِ: لاَ يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلاَلٍ وَلاَ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيل، وَلَكِنِ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الأُْفُقِ (٢) .
قَال النَّوَوِيُّ: وَالأَْحْكَامُ كُلُّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفَجْرِ الثَّانِي، فَبِهِ يَدْخُل وَقْتُ صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَيَخْرُجُ وَقْتُ الْعِشَاءِ، وَيُحَرَّمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، وَبِهِ يَنْقَضِي اللَّيْل وَيَدْخُل النَّهَارُ (٣) .
وَيُطْلَقُ الْفَجْرُ عَلَى صَلاَةِ الْفَجْرِ؛ لأَِنَّهَا تُؤَدَّى فِي هَذَا الْوَقْتِ (٤)، وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٥)، كَمَا وَرَدَتْ تَسْمِيَتُهَا بِالصُّبْحِ
_________
(١) المصباح المنير ومتن اللغة، والهداية مع فتح القدير ١ / ١٩٢، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ١ / ١٢٢، ومغني المحتاج ١ / ١٢٤، والفواكه الدواني ١ / ١٩٢، وكشاف القناع ١ / ٢٥٥
(٢) حديث: " لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق " أخرجه مسلم (٢ / ٧٦٩ ط الحلبي) والترمذي واللفظ له (سنن الترمذي ٣ / ٨٦ ط دار الكتب العلمية) وأبو داود (سنن أبي داود ٢ / ٧٥٩ ط عزت عبيد الدعاس)
(٣) المجموع للنووي ٣ / ٤٤
(٤) الكفاية مع الهداية وفتح القدير ١ / ١٩٢
(٥) سورة الإسراء الآية ٧٨
وَالْفَجْرِ فِي الأَْحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، كَقَوْلِهِ ﵊: مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ (١) .
تَسْمِيَةُ صَلاَةِ الْفَجْرِ بِالْغَدَاةِ:
٢٤ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لاَ تُكْرَهُ تَسْمِيَةُ صَلاَةِ الْفَجْرِ بِالْغَدَاةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَقِّقُو الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
وَنَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَهُ فِي الأُْمِّ:
أُحِبُّ أَنْ لاَ تُسَمَّى إِلاَّ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الاِسْمَيْنِ (أَيِ الْفَجْرِ وَالصُّبْحِ)، وَلاَ أُحِبُّ أَنْ تُسَمَّى الْغَدَاةَ. قَال النَّوَوِيُّ: وَهَذَا لاَ يَدُل عَلَى الْكَرَاهَةِ، فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ مَا ثَبَتَ فِيهِ نَهْيٌ غَيْرُ جَازِمٍ، وَلَمْ يَرِدْ بَل اشْتُهِرَ اسْتِعْمَال لَفْظِ الْغَدَاةِ فِيهَا فِي الْحَدِيثِ وَكَلاَمِ الصَّحَابَةِ ﵃ لَكِنِ الأَْفْضَل الْفَجْرُ وَالصُّبْحُ (٣) .
وَذُكِرَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ كَالْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ كَرَاهَةُ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ (٤) .
_________
(١) حديث: " من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح " أخرجه البخاري (فتح الباري٢٧ / ٥٦. ط السلفية) واللفظ له، ومسلم (صحيح مسلم ١ / ٤٢٤ ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا
(٢) الفواكه الدواني ١ / ١٩٢، ومغني المحتاج ١ / ١٢٤، والمجموع ٣ / ٤٦، وكشاف القناع ١ / ٢٥٦
(٣) المجموع ٣ / ٤٦
(٤) المهذب للشيرازي ١ / ٦٠