الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧
تَسْمِيَتُهَا بِالصَّلاَةِ الْوُسْطَى:
٢٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلاَةِ الْوُسْطَى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ (١) صَلاَةُ الْعَصْرِ كَمَا وَرَدَتْ فِي الأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الأُْمِّ - أَنَّ الصَّلاَةَ الْوُسْطَى هِيَ الْفَجْرُ، حَتَّى إِنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُسَمُّونَهَا الْوُسْطَى، قَال النَّفْرَاوِيُّ: لَهَا أَرْبَعَةُ أَسْمَاءٍ: الصُّبْحُ، وَالْفَجْرُ، وَالْوُسْطَى، وَالْغَدَاةُ (٢) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (الصَّلاَةُ الْوُسْطَى) .
أَوَّل وَقْتِ الْفَجْرِ وَآخِرُهُ:
٢٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ أَوَّل وَقْتِ صَلاَةِ الْفَجْرِ هُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ الثَّانِي أَيِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ (٣)، لِقَوْلِهِ: إِنَّ لِلصَّلاَةِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّل وَقْتِ الْفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ
_________
(١) سورة البقرة - الآية ٢٣٨
(٢) ابن عابدين ١ / ٢٤١، والحطاب ١ / ٣٩٨، ٤٠٠، والفواكه الدواني ١ / ١٩٢، والمجمع ٣ / ٦٠، ومغني المحتاج ١ / ١٢٤، وكشاف القناع ١ / ٢٥٦
(٣) فتح القدير مع الهداية ١ / ١٩٢، والفواكه الدواني ١ / ١٩٤، ومغني المحتاج ١ / ١٢٤، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٨٥
الْفَجْرُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ (١) .
وَقَدْ قَسَّمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَقْتَ الْفَجْرِ إِلَى: وَقْتِ اخْتِيَارٍ، وَضَرُورَةٍ، وَغَيْرِهِمَا (٢)، يُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) .
الْقِرَاءَةُ فِي الْفَجْرِ:
٢٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ تَطْوِيل قِرَاءَتِهَا، بِأَنْ يَقْرَأَ فِيهَا طِوَال الْمُفَصَّل (٣) قَال أَبُو بَرْزَةَ ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ آيَةً (٤) قَال الشِّرْبِينِيُّ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ وَقْتَ الصُّبْحِ طَوِيلٌ وَالصَّلاَةُ
_________
(١) حديث: " إن للصلاة أولا وآخرا وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس " أخرجه الترمذي (سنن الترمذي ١ / ٢٨٣، ٢٨٤، ط دار الكتب العلمية) وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ٥ / ٢١٤ - ٢١٥ نشر مكتبة الحلواني)
(٢) المراجع السابقة، والدسوقي ١ / ١٨٩، وحاشية الجمل ١ / ٢٧٣
(٣) طوال المفصل من سورة الحجرات إلى آخر البروج، والمفصل هو السبع السابع من القرآن الكريم سمي بذلك لكثرة فصله بالبسملة (ابن عابدين ١ / ٣٦٢، ٣٦٣)
(٤) حديث أبي هريرة: " كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية " أخرجه البخاري (فتح الباري٢ / ٢٥١ ط السلفية) ومسلم (صحيح مسلم ١ / ٣٣٨ - ط الحلبي) واللفظ له
رَكْعَتَانِ فَحَسُنَ تَطْوِيلُهُمَا (١) .
وَهَذَا فِي الْحَضَرِ. أَمَّا فِي السَّفَرِ فَيَقْرَأُ مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَيَّ سُورَةٍ شَاءَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ فِي سَفَرِهِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ (٢) .
وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (قِرَاءَة) .
مَنْعُ النَّافِلَةِ بَعْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَقَبْلَهَا:
٢٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ جَوَازِ صَلاَةِ النَّافِلَةِ بَعْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، كَمَا أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ لاَ يُجِيزُونَ التَّنَفُّل قَبْل صَلاَةِ الْفَجْرِ - أَيْضًا - إِلاَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ (٣)، لِقَوْلِهِ ﵊: إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلاَ صَلاَةَ إِلاَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ (٤) .
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ١٦٣، وابن عابدين ١ / ٢٦٣، والفواكه الدواني ١ / ٢٢٥ والمغني لابن قدامة ١ / ٥٧٠
(٢) حديث: " أن النبي ﷺ قرأ في صلاة الصبح في سفره بالمعوذتين " أخرجه أبو داود (١ / ١٥٢ ط عزت عبيد الدعاس) مطولا، والنسائي (٢ / ١٥٨ نشر مكتبة المطبوعات الإسلامية) والحاكم في (المستدرك١ / ٢٤٠ ط دار الكتاب العربي) وصححه ووافقه الذهبي
(٣) الزيلعي ١ / ٨٧، والحطاب ١ / ٤١٦، والمجموع ٤ / ١٦٤، والمغني ٢ / ١١٣، و١١٤
(٤) حديث: " إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر " أخرجه الطبراني في الأوسط قال الهيثمي: وفيه إسماعيل بن قيس وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٢ / ٢١٨ نشر مكتبة القدسي) وقال المناوي نقلا عن الميزان: له شواهد من حديث ابن عمر أخرجه الترمذي واستغربه وحسنه. فمن أطلق ضعفه كالهيثمي أراد أنه ضعيف لذاته، ومن أطلق حسنه كالمؤلف السيوطي أراد أنه حسن لغيره (فيض القدير١ / ٣٩٨)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (تَطَوُّع، وَأَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) .
التَّغْلِيسُ أَوِ الإِْسْفَارُ بِالْفَجْرِ:
٢٩ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ التَّغْلِيسَ: أَيْ أَدَاءُ صَلاَةِ الْفَجْرِ بِغَلَسٍ (١) أَفْضَل مِنَ الإِْسْفَارِ بِهَا (٢)؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: أَفْضَل الأَْعْمَال الصَّلاَةُ فِي أَوَّل وَقْتِهَا (٣) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: نُدِبَ تَأْخِيرُ الْفَجْرِ إِلَى الإِْسْفَارِ (٤)، لِقَوْلِهِ ﵊: أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَْجْرِ (٥) قَال
_________
(١) الغلس: هو اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل (الفواكه الدواني ١ / ١٩٣، ١٩٤)
(٢) الفواكه الدواني ١ / ١٩٣، ومغني المحتاج ١ / ١٢٥، ١٢٦، وكشاف القناع ١ / ٢٥٦، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٩٤، ٣٩٥
(٣) حديث: " أفضل الأعمال الصلاة في وقتها " أخرجه أبو داود (سنن أبي داود ١ / ٢٩٦ ٣٢٠ ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (سنن الترمذي ١ / ٣١٩ - ٣٢٠ ط دار الكتب العلمية) من حديث أم فروة ﵂ بلفظ " سئل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: " الصلاة لأول وقتها ". وقال الترمذي: هذا حديث غريب حسن
(٤) تبيين الحقائق للزيلعي ١ / ٨٢
(٥) حديث: " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " أخرجه أبو داود (سنن أبي داود ١ / ٢٩٤، ط عزت عبيد الدعاس) والنسائي (سنن النسائي ١ / ٢٧٢، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية) والترمذي (سنن الترمذي ١ / ٢٨٩ - ٢٩٠ ط. دار الكتب العلمية) واللفظ له من حديث رافع بن خديج مرفوعا. قال: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح
الزَّيْلَعِيُّ: وَلاَ يُؤَخِّرُهَا بِحَيْثُ يَقَعُ الشَّكُّ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ، بَل يُسْفِرُ بِهَا بِحَيْثُ لَوْ ظَهَرَ فَسَادُ صَلاَتِهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعِيدَهَا فِي الْوَقْتِ بِقِرَاءَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ (١) . وَيُسْتَثْنَى مِنَ الإِْسْفَارِ صَلاَةُ الْفَجْرِ بِمُزْدَلِفَةَ يَوْمَ النَّحْرِ، حَيْثُ يُسْتَحَبُّ فِيهَا التَّغْلِيسُ عِنْدَ الْجَمِيعِ (٢) .
وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ ف ١٥) .
الْقُنُوتُ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ:
٣٠ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَنُدِبَ قُنُوتٌ سِرًّا بِصُبْحٍ فَقَطْ دُونَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ قَبْل الرُّكُوعِ، عَقِبَ الْقِرَاءَةِ بِلاَ تَكْبِيرٍ قَبْلَهُ (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي اعْتِدَال ثَانِيَةِ الصُّبْحِ، يَعْنِي بَعْدَ مَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِالنَّازِلَةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ قُنُوتَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ إِلاَّ فِي النَّوَازِل (٤) وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ
_________
(١) تبيين الحقائق ١ / ٨٢
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٥١، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٤٨
(٣) مغني المحتاج ١ / ١٦٦، والقليوبي ١ / ١٥٧
(٤) الهداية مع فتح القدير ١ / ٣٧٨، ٣٧٩، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٥٤، ١٥٥، وحاشية ابن عابدين ١ / ٤٥١
ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ (١)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: - أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ لاَ يَقْنُتُ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ إِلاَّ أَنْ يَدْعُو لِقَوْمٍ أَوْ عَلَى قَوْمٍ (٢) وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ مَنْسُوخَةٌ فِي غَيْرِ النَّازِلَةِ. هَذَا وَفِي أَلْفَاظِ الْقُنُوتِ وَكَيْفِيَّتِهِ خِلاَفٌ
وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قُنُوت) .
_________
(١) حديث: أن النبي ﷺ قنت شهرا يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه " أخرجه مسلم (١ / ٤٦٩، ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك ﵁، وابن حبان (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٣ / ٢٢٠ ط. دار الكتب العلمية)
(٢) حديث أبي هريرة ﵁ " أن رسول الله ﷺ كان لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم أو على قوم " أخرجه ابن حبان كما في نصب الراية (٢ / ١٣٠ نشر المجلس العلمي) ورواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ " أن النبي ﷺ كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد " (صحيح ابن خزيمة ١ / ٣١٣ - ٣١٤ نشر المكتب الإسلامي)
صُلْحٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الصُّلْحُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ بِمَعْنَى الْمُصَالَحَةِ وَالتَّصَالُحِ، خِلاَفُ الْمُخَاصَمَةِ وَالتَّخَاصُمِ (١) .
قَال الرَّاغِبُ: وَالصُّلْحُ يَخْتَصُّ بِإِزَالَةِ النِّفَارِ بَيْنَ النَّاسِ. يُقَال: اصْطَلَحُوا وَتَصَالَحُوا (٢) وَعَلَى ذَلِكَ يُقَال: وَقَعَ بَيْنَهُمَا الصُّلْحُ، وَصَالَحَهُ عَلَى كَذَا، وَتَصَالَحَا عَلَيْهِ وَاصْطَلَحَا، وَهُمْ لَنَا صُلْحٌ، أَيْ مُصَالِحُونَ (٣) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مُعَاقَدَةٌ يَرْتَفِعُ بِهَا النِّزَاعُ بَيْنَ الْخُصُومِ، وَيُتَوَصَّل بِهَا إِلَى الْمُوَافَقَةِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ (٤) .
_________
(١) المغرب للمطرزي (ط. حلب) ١ / ٤٧٩، وانظر طلبة الطلبة للنسفي ص ٢٩٢
(٢) المفردات في غريب القرآن (ط. الأنجلو المصرية) ص ٤٢٠
(٣) أساس البلاغة للزمخشري مادة صلح ص ٢٥٧
(٤) تبيين الحقائق ٥ / ٢٩، البحر الرائق ٧ / ٢٥٥، الدر المنتقى صرح الملتقى ٢ / ٣٠٧، تكملة فتح القدير مع العناية والكفاية (الميمنية) ٧ / ٣٧٥، روضة الطالبين ٤ / ١٩٣، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧١، والفتاوى الهندية ٤ / ٢٢٨، أسنى المطالب ٢ / ٢١٤، كفاية الأخيار ١ / ١٦٧، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٠، كشاف القناع ٣ / ٣٧٨، المغني (ط. مكتبة الرياض الحديثة) ٤ / ٥٢٧
فَهُوَ عَقْدٌ وُضِعَ لِرَفْعِ الْمُنَازَعَةِ بَعْدَ وُقُوعِهَا بِالتَّرَاضِي (١)، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى هَذَا الْمَدْلُول: الْعَقْدُ عَلَى رَفْعِهَا قَبْل وُقُوعِهَا - أَيْضًا - وِقَايَةٌ، فَجَاءَ فِي تَعْرِيفِ ابْنِ عَرَفَةَ لِلصُّلْحِ: أَنَّهُ انْتِقَالٌ عَنْ حَقٍّ أَوْ دَعْوَى بِعِوَضٍ لِرَفْعِ نِزَاعٍ، أَوْ خَوْفِ وُقُوعِهِ (٢)
فَفِي التَّعْبِيرِ بِ (خَوْفِ وُقُوعِهِ) إِشَارَةٌ إِلَى جَوَازِ الصُّلْحِ لِتَوَقِّي مُنَازَعَةً غَيْرَ قَائِمَةٍ بِالْفِعْل، وَلَكِنَّهَا مُحْتَمَلَةُ الْوُقُوعِ.
وَالْمُصَالِحُ: هُوَ الْمُبَاشِرُ لِعَقْدِ الصُّلْحِ (٣) وَالْمُصَالَحُ عَنْهُ: هُوَ الشَّيْءُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ إِذَا قُطِعَ النِّزَاعُ فِيهِ بِالصُّلْحِ (٤) وَالْمُصَالَحُ عَلَيْهِ، أَوِ الْمُصَالَحُ بِهِ: هُوَ بَدَل الصُّلْحِ (٥) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّحْكِيمُ:
٢ - التَّحْكِيمُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: تَوْلِيَةُ حُكْمٍ
_________
(١) انظر م ١٥٣١ من مجلة الأحكام العدلية وم ١٠٢٦ من مرشد الحيران
(٢) مواهب الجليل ٥ / ٧٩، الخرشي على خليل ٦ / ٢، والبهجة شرح التحفة ١ / ٢١٩، وانظر للشافعية أسنى المطالب ٢ / ٢١٥، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧٢، روضة الطالبين ٤ / ١٩٤
(٣) م ١٥٣٢ من المجلة العدلية
(٤) م ١٥٣٤ من المجلة العدلية
(٥) م ١٥٣٣ من المجلة العدلية
لِفَصْل خُصُومَةٍ بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ. وَهَذِهِ التَّوْلِيَةُ قَدْ تَكُونُ مِنَ الْقَاضِي، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ قِبَل الْخَصْمَيْنِ. وَيَخْتَلِفُ التَّحْكِيمُ عَنِ الصُّلْحِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أَنَّ التَّحْكِيمَ يُنْتَجُ عَنْهُ حُكْمٌ قَضَائِيٌّ، بِخِلاَفِ الصُّلْحِ فَإِنَّهُ يُنْتَجُ عَنْهُ عَقْدٌ يَتَرَاضَى عَلَيْهِ الطَّرَفَانِ الْمُتَنَازِعَانِ. وَفَرْقٌ بَيْنَ الْحُكْمِ الْقَضَائِيِّ وَالْعَقْدِ الرِّضَائِيِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الصُّلْحَ يَتَنَزَّل فِيهِ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ أَوْ كِلاَهُمَا عَنْ حَقٍّ، بِخِلاَفِ التَّحْكِيمِ فَلَيْسَ فِيهِ نُزُولٌ عَنْ حَقٍّ. (ر: تَحْكِيم) .
الإِْبْرَاءُ:
٣ - الإِْبْرَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ: إِسْقَاطِ الشَّخْصِ حَقًّا لَهُ فِي ذِمَّةِ آخَرَ أَوْ قِبَلَهُ. أَمَّا عَنِ الْعَلاَقَةِ بَيْنَ الصُّلْحِ وَالإِْبْرَاءِ، فَلَهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصُّلْحَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ النِّزَاعِ عَادَةً، وَالإِْبْرَاءَ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الصُّلْحَ قَدْ يَتَضَمَّنُ إِبْرَاءً، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِيهِ إِسْقَاطٌ لِجُزْءٍ مِنَ الْحَقِّ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَقَدْ لاَ يَتَضَمَّنُ الإِْبْرَاءَ، بِأَنْ يَكُونَ مُقَابِل الْتِزَامٍ مِنَ الطَّرَفِ الآْخَرِ دُونَ إِسْقَاطٍ.
وَمِنْ هُنَا: كَانَ بَيْنَ الصُّلْحِ وَالإِْبْرَاءِ عُمُومٌ
وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، فَيَجْتَمِعَانِ فِي الإِْبْرَاءِ بِمُقَابِلٍ فِي حَالَةِ النِّزَاعِ، وَيَنْفَرِدُ الإِْبْرَاءُ فِي الإِْسْقَاطِ مَجَّانًا، أَوْ فِي غَيْرِ حَالَةِ النِّزَاعِ، كَمَا يَنْفَرِدُ الصُّلْحُ فِيمَا إِذَا كَانَ بَدَل الصُّلْحِ عِوَضًا لاَ إِسْقَاطَ فِيهِ. (ر. إِبْرَاء) .
الْعَفْوُ:
٤ - الْعَفْوُ: هُوَ التَّرْكُ وَالْمَحْوُ، وَمِنْهُ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ. أَيْ مَحَا ذُنُوبَكَ، وَتَرَكَ عُقُوبَتَكَ عَلَى اقْتِرَافِهَا. عَفَوْتَ عَنِ الْحَقِّ: أَسْقَطْتَهُ. كَأَنَّكَ مَحَوْتَهُ عَنِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ (١) .
هَذَا وَيَخْتَلِفُ الْعَفْوُ عَنِ الصُّلْحِ فِي كَوْنِ الأَْوَّل إِنَّمَا يَقَعُ وَيَصْدُرُ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ، بَيْنَمَا الصُّلْحُ إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى: فَالْعَفْوُ وَالصُّلْحُ قَدْ يَجْتَمِعَانِ كَمَا فِي حَالَةِ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ إِلَى مَالٍ. (ر. عَفْو) .
مَشْرُوعِيَّةُ الصُّلْحِ:
٥ - ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ الصُّلْحِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول (٢) .
_________
(١) انظر المصباح المنير مادة " عفو "
(٢) انظر تحفة الفقهاء للسمرقندي ٣ / ٤١٧، نهاية المحتاج ٤ / ٣٧١، كفاية الأخيار ١ / ١٦٧، المغني لابن قدامة (ط. مكتبة الرياض الحديثة) ٤ / ٥٢٧، بداية المجتهد (مطبوع مع الهداية في تخريج أحاديث البداية للغماري) ٨ / ٩٠