الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧ الصفحة 61

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧

﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْل غُرُوبِهَا﴾ (١)

وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْل وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ - كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ (٢) .

وَرَوَى عُمَارَةُ بْنُ رُؤَيْبَةَ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْل غُرُوبِهَا، يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ (٣) وَعَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَل الْجَنَّةَ (٤) وَسُمِّيَتَا الْبَرْدَيْنِ لأَِنَّهُمَا يُفْعَلاَنِ فِي وَقْتِ الْبَرْدِ (٥) .

_________

(١) سورة طه / ١٣٠.

(٢) حديث: " يتعاقبون فيكم ملائكة. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣٣ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٣٩ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٣) حديث عمارة بن رؤيبة: " لن يلج النار أحد صلى. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٤٤٠ ط الحلبي) .

(٤) حديث: " من صلى البردين دخل الجنة. . . ". أخرجه البخاري (الفتح٢ / ٥٢ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٤٠ - ط. الحلبي) .

(٥) القرطبي ٣ / ٢١١، ٢١٢، والمغني ١ / ٣٧٩، والحطاب ١ / ٤٠٠، والمجموع ٣ / ٦١.

٥ - وَقِيل: إِنَّ الصَّلاَةَ الْوُسْطَى صَلاَةُ الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، قَال الدِّمْيَاطِيُّ: ذَكَرَهُ ابْنُ مِقْسَمٍ فِي تَفْسِيرِهِ (١) . وَقَال أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: اسْمَعُوا وَبَلِّغُوا مَنْ خَلْفَكُمْ: حَافِظُوا عَلَى هَاتَيْنِ الصَّلاَتَيْنِ - يَعْنِي فِي جَمَاعَةٍ - الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَيْتُمُوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى مَرَافِقِكُمْ وَرُكَبِكُمْ.

وَقَالَهُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَوَرَدَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: لَيْسَ صَلاَةً أَثْقَل عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا (٢) .

وَجَعَل لِمُصَلِّي الصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ قِيَامَ لَيْلَةٍ، وَالْعَتَمَةِ نِصْفَ لَيْلَةٍ، حَيْثُ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْل، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْل كُلَّهُ (٣) .

٦ - وَقِيل: هِيَ الظُّهْرُ؛ لأَِنَّهَا وَسَطُ

_________

(١) الحطاب ١ / ٤٠٠،، القرطبي ٣ / ٣١٢.

(٢) حديث: " ليس صلاة أثقل. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٤١ ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٥١ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري.

(٣) حديث: " من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله ". أخرجه مسلم (١ / ٤٥٤ ط الحلبي) من حديث عثمان بن عفان.

النَّهَارِ، وَالنَّهَارُ أَوَّلُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَمِمَّنْ قَال إِنَّ الظُّهْرَ هِيَ الصَّلاَةُ الْوُسْطَى: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ ﵃ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ.

وَمِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّهَا وُسْطَى: مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ حِينَ أَمْلَتَا: " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَصَلاَةِ الْعَصْرِ " بِالْوَاوِ، وَرُوِيَ: أَنَّهَا كَانَتْ أَشَقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لأَِنَّهَا كَانَتْ تَجِيءُ فِي الْهَاجِرَةِ وَهُمْ قَدْ نَفْهَتُهُمْ (١) أَعْمَالُهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ (٢)، وَوَرَدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ تَكُنْ صَلاَةٌ أَشَدُّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْهَا (٣)، فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ (٤) .

٧ - وَقِيل: إِنَّهَا الْمَغْرِبُ قَال بِذَلِكَ قَبِيصَةُ

_________

(١) نفهه: أتبعه حتى انقطع.

(٢) المغني ١ / ٣٧٨، ٣٧٩، والقرطبي ٣ / ٢٠٩، والمجموع ٣ / ٦١، والحطاب ١ / ٤٠٠.

(٣) حديث زيد بن ثابت: " كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة ". أخرجه أبو داود (١ / ٢٨٨، تحقيق عزت عبيد دعاس) وصحح إسناده ابن حزم في المحلى (٤ / ٢٥٠ ط المنيرية) .

(٤) سورة البقرة / ٢٣٨.

بْنُ ذُؤَيْبٍ فِي جَمَاعَةٍ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَقَتَادَةَ؛ لأَِنَّ الأُْولَى هِيَ الظُّهْرُ، فَتَكُونُ الْمَغْرِبُ الثَّالِثَةُ، وَالثَّالِثَةُ مِنْ كُل خَمْسٍ هِيَ الْوُسْطَى؛ وَلأَِنَّهَا وُسْطَى فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَوُسْطَى فِي الأَْوْقَاتِ، فَعَدَدُ رَكَعَاتِهَا ثَلاَثٌ فَهِيَ وُسْطَى بَيْنَ الأَْرْبَعِ وَالاِثْنَيْنِ وَوَقْتُهَا فِي آخِرِ النَّهَارِ وَأَوَّل اللَّيْل، خُصَّتْ مِنْ بَيْنِ الصَّلاَةِ بِأَنَّهَا الْوِتْرُ، وَاَللَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، وَبِأَنَّهَا تُصَلَّى فِي أَوَّل وَقْتِهَا فِي جَمِيعِ الأَْمْصَارِ وَالأَْعْصَارِ، وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْهُ (١)، وَكَذَلِكَ صَلاَّهَا جِبْرِيل بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الْيَوْمَيْنِ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ (٢)، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ الأَْئِمَّةِ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا إِلاَّ وَقْتٌ وَاحِدٌ، وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: لاَ تَزَال أُمَّتِي بِخَيْرٍ - أَوْ قَال: عَلَى الْفِطْرَةِ - مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ (٣) وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِنَّ أَفْضَل الصَّلَوَاتِ عِنْدَ اللَّهِ صَلاَةُ الْمَغْرِبِ لَمْ يَحُطَّهَا عَنْ مُسَافِرٍ وَلاَ مُقِيمٍ، فَتَحَ اللَّهُ بِهَا صَلاَةَ اللَّيْل وَخَتَمَ بِهَا صَلاَةَ النَّهَارِ

_________

(١) المغني ١ / ٣٧٩ - ٣٨٠، والقرطبي ٣ / ٢١٠، والحطاب ١ / ٤٠٠، والمجموع ٣ / ٦١.

(٢) حديث: " أن جبريل صلى المغرب بالنبي ﷺ. . . ". أخرجه الترمذي (١ / ٢٧٩ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس وقال: حديث حسن صحيح.

(٣) حديث: " لا تزال أمتي بخير. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٢٩١ تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي أيوب، وإسناده حسن.

فَمَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ وَمَنْ صَلَّى بَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَنْبَ عِشْرِينَ سَنَةً - أَوْ قَال - أَرْبَعِينَ سَنَةً (١) .

٨ - وَقِيل: إِنَّ الصَّلاَةَ الْوُسْطَى هِيَ صَلاَةُ الْعِشَاءِ؛ لأَِنَّهَا بَيْنَ صَلاَتَيْنِ لاَ تُقْصَرَانِ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا، وَذَلِكَ شَاقٌّ، فَوَقَعَ التَّأْكِيدُ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا - وَمِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّ الصَّلاَةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعِشَاءُ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ.

وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ قَال: مَكَثْنَا لَيْلَةً نَنْتَظِرُ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ الآْخِرَةِ فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْل أَوْ بَعْدَهُ. فَقَال: إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلاَةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْل دِينٍ غَيْرَكُمْ، وَلَوْلاَ أَنْ يَثْقُل عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ (٢)

وَقَال: لَيْسَ صَلاَةٌ أَثْقَل عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا (٣) .

_________

(١) حديث عائشة: " إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب ". أورده الغزالي في إحياء علوم الدين (١ / ٣٦٣ - ط الحلبي) وقال العراقي في تخريجه: " رواه أبو الوليد يونس بن عبيد الله الصفار في كتاب الصلاة، ورواه الطبراني في الأوسط مختصرا، وإسناده ضعيف ".

(٢) حديث ابن عمر: " مكثنا ليلة ننتظر رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٤٤٢ ط الحلبي) .

(٣) انظر المغني ١ / ٣٨٠، والحطاب ١ / ٤٠٠، والقرطبي ٣ / ٣١٠، والمجموع ٣ / ٦١، وحديث: " ليس صلاة أثقل على المنافين. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٤١ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.

٩ - وَقِيل: إِنَّ الصَّلاَةَ الْوُسْطَى غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، فَهِيَ مُبْهَمَةٌ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لِيَجْتَهِدَ فِي الْجَمِيعِ كَمَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَالسَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَقَالَهُ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَخَبَّأَهَا اللَّهُ تَعَالَى. كَمَا خَبَّأَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَسَاعَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَسَاعَاتِ اللَّيْل الْمُسْتَجَابِ فِيهَا الدُّعَاءُ لِيَقُومُوا بِاللَّيْل فِي الظُّلُمَاتِ لِمُنَاجَاةِ عَالِمِ الْخَفِيَّاتِ وَمِمَّا يَدُل عَلَى صِحَّةِ أَنَّهَا مُبْهَمَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ مَا وَرَدَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَال: " نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلاَةِ الْعَصْرِ)، فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ فَنَزَلَتْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾، فَقَال رَجُلٌ: هِيَ إِذَنْ صَلاَةُ الْعَصْرِ؟ فَقَال الْبَرَاءُ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللَّهُ " (١) فَلَزِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهَا بَعْدَ أَنْ عُيِّنَتْ نُسِخَ تَعْيِينُهَا وَأُبْهِمَتْ فَارْتَفَعَ التَّعْيِينُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ مُسْلِمٍ. وَقَال بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ، قَال

_________

(١) حديث البراء: " نزلت هذه الآية: ﴿حافظوا على الصلوات وصلاة العصر﴾ . . . ". أخرجه مسلم (١ / ٤٣٨ - ط الحلبي) .

الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ - أَيْ إِبْهَامُهَا وَعَدَمُ تَعْيِينِهَا - الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِتَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ وَعَدَمِ التَّرْجِيحِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ الْمُحَافَظَةُ عَلَى جَمِيعِهَا، وَأَدَاؤُهَا فِي أَوْقَاتِهَا (١) .

١٠ - وَقِيل: إِنَّهَا صَلاَةُ الْجُمُعَةِ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ؛ لأَِنَّ الْجُمُعَةَ خُصَّتْ بِالْجَمْعِ لَهَا وَالْخُطْبَةِ فِيهَا، جُعِلَتْ عِيدًا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَكِّيٌّ، وَوَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ (٢) .

١١ - وَقِيل: إِنَّهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِجُمْلَتِهَا، ذَكَرَهُ النَّقَّاشُ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَالَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ لأَِنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفَل، ثُمَّ خُصَّ الْفَرْضُ بِالذِّكْرِ (٣) .

وَقَدْ ذَكَرَ الْحَطَّابُ أَقْوَالًا أُخْرَى سِوَى مَا تَقَدَّمَ. يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِيهَا.

_________

(١) القرطبي ٣ / ٢١٢ - ٢١٣، والحطاب ١ / ٤٠٠، والمجموع ٣ / ٦١.

(٢) القرطبي ٣ / ٢١١، والحطاب ١ / ٤٠٠، والمجموع ٣ / ٦١. وحديث: " لقد هممت أن آمر رجلا. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٤٥٢ ط الحلبي) .

(٣) القرطبي ٣ / ٢١٢، والحطاب ١ / ٤٠٠، والمجموع ٣ / ٦١.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ وَسَبَبُ إِفْرَادِهَا بِالذِّكْرِ:

١٢ - مِنَ الأَْقْوَال السَّابِقَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الصَّلاَةَ الْوُسْطَى هِيَ إِحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْجُمْلَةِ. وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَرْضٌ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ - كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ - وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ ﷾ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (١) . ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ .

يَقُول الْقُرْطُبِيُّ: وَأَفْرَدَ اللَّهُ ﷾ الصَّلاَةَ الْوُسْطَى بِالذِّكْرِ، وَقَدْ دَخَلَتْ قَبْل فِي عُمُومِ الصَّلَوَاتِ؛ تَشْرِيفًا لَهَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (٢) وَقَوْلِهِ: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٣) . وَإِفْرَادُهَا بِالذِّكْرِ يَدُل كَذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا آكَدُ الصَّلَوَاتِ. يَقُول النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّلاَةَ الْوُسْطَى آكَدُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِهَا (٤) .

صَلْبٌ

انْظُرْ: تَصْلِيب

_________

(١) سورة البقرة / ٢٣٨.

(٢) سورة الأحزاب / ٧.

(٣) سورة الرحمن / ٦٨.

(٤) القرطبي ٣ / ٢٠٩، والمجموع ٣ / ٦٠.

الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ الْمَفْرُوضَةُ

التَّعْرِيفُ:

١ - الصَّلَوَاتُ مُفْرَدُهَا صَلاَةٌ، وَلِتَعْرِيفِهَا: يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (صَلاَةٌ) .

وَالْمُرَادُ بِالْمَفْرُوضَةِ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ الَّتِي تُؤَدَّى كُل يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهِيَ: الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ، وَهِيَ مَعْلُومَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، يَكْفُرُ جَاحِدُهَا (١) .

وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ: هِيَ آكَدُ الْفُرُوضِ وَأَفْضَلُهَا بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَهِيَ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ الْخَمْسِ. (ر: صَلاَةٌ) .

وَقَدْ ثَبَتَ عَدَدُ رَكَعَاتِ كُل صَلاَةٍ مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ بِسُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَوْلًا وَفِعْلًا وَبِالإِْجْمَاعِ. قَال الْكَاسَانِيُّ: عَرَفْنَا ذَلِكَ بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَقَوْلُهُ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٢)، وَهَذَا لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ

_________

(١) البدائع ١ / ٩١، والفواكه الدواني ١ / ١٩٢، ومغني المحتاج ١ / ١٢١،، المغني لابن قدامة ١ / ٣٧٠، والعناية على الهداية ١ / ١٩١.

(٢) حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١١١ - ط السلفية) من حديث مالك بن الحويرث.

عَدَدُ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ فَكَانَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ مُجْمَلَةً فِي الْمِقْدَارِ، ثُمَّ زَال الإِْجْمَال بِبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا وَفِعْلًا (١) .

وَأَدَاؤُهَا بِالْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلاَفًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا بِوُجُوبِهَا. (ر: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) .

وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ حَسْب التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ، حَيْثُ بَدَءُوا بِصَلاَةِ الصُّبْحِ (٢) .

أَوَّلًا - صَلاَةُ الظُّهْرِ:

٢ - الظُّهْرُ: سَاعَةُ الزَّوَال وَوَقْتُهُ، وَلِهَذَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْنِيثُ وَالتَّذْكِيرُ، فَيُقَال: حَانَ الظُّهْرُ أَيْ وَقْتُ الزَّوَال، وَحَانَتِ الظُّهْرُ أَيْ سَاعَتُهُ (٣) .

وَالْمُرَادُ بِالزَّوَال: مَيْل الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ إِلَى الْمَغْرِبِ (٤)

فَصَلاَةُ الظُّهْرِ هِيَ الَّتِي تَجِبُ بِدُخُول وَقْتِ الظُّهْرِ، وَتُفْعَل فِي وَقْتِ الظَّهِيرَةِ. وَتُسَمَّى صَلاَةُ الظُّهْرِ - أَيْضًا - بِالأُْولَى؛

_________

(١) البدائع ١ / ٩١، والفواكه الدواني ١ / ١٩١، والحطاب ١ / ٣٩٧، وكشاف القناع ١ / ٢٩٧.

(٢) المراجع السابقة، وكشاف القناع ١ / ٢٤٩.

(٣) المصباح المنير في المادة.

(٤) المجموع للنووي ٣ / ٢٤، والمغني ١ / ٣٧٢.