الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧
الرِّيَاءِ، وَلاَ يَسْلَمُ مِنْهُ إِلاَّ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فِي بَيْتِهِ (١) .
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ فِعْل الْوِتْرِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَل، كَسَائِرِ السُّنَنِ إِلاَّ لِعَارِضٍ، فَالْمُعْتَكِفُ يُصَلِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ صَلَّى مَعَ الإِْمَامِ التَّرَاوِيحَ يُصَلِّي مَعَهُ الْوِتْرَ لِيَنَال فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ فَإِنَّهُ يُتَابِعُ الإِْمَامَ فِي الْوِتْرِ فَإِذَا سَلَّمَ الإِْمَامُ لَمْ يُسَلِّمْ مَعَهُ بَل يَقُومُ فَيَشْفَعُ وِتْرَهُ، وَذَلِكَ لِيَنَال فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ.
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ بِالْوِتْرِ مَعَ الإِْمَامِ رَكْعَةً فَإِنْ كَانَ الإِْمَامُ سَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ أَجْزَأَتِ الْمَسْبُوقَ الرَّكْعَةُ عَنْ وِتْرِهِ، وَإِنْ كَانَ الإِْمَامُ لَمْ يُسَلِّمْ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَعَلَى الْمَسْبُوقِ أَنْ يَقْضِيَهُمَا (٢) لِحَدِيثِ: مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا (٣) .
نَقْضُ الْوِتْرِ:
١٦ - مَنْ صَلَّى الْوِتْرَ ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ نَفْلًا، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِلاَ كَرَاهَةٍ عِنْدَ
_________
(١) شرح الزرقاني ١ / ٢٨٣.
(٢) كشاف القناع ١ / ٤١٨، ٤٢٢، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٤٨، ٥٠٠.
(٣) حديث: " ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ". أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢ / ٢٨٧ - ط المجلس العلمي بالهند) وعنه أحمد (٢ / ٢٧٠ - ط الميمنية) من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح.
الشَّافِعِيَّةِ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ. وَلَوْ صَلَّى مَعَ الإِْمَامِ التَّرَاوِيحَ، ثُمَّ أَوْتَرَ مَعَهُ وَهُوَ يَنْوِي الْقِيَامَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُوتِرَ مَعَهُ إِنْ طَرَأَتْ لَهُ النِّيَّةُ بَعْدَهُ أَوْ فِيهِ. أَمَّا إِنْ طَرَأَتْ لَهُ قَبْل ذَلِكَ فَيُكْرَهُ لَهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ.
وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْوِتْرِ فَلَهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ طَرِيقَتَانِ:
الطَّرِيقَةُ الأُْولَى: أَنْ يُصَلِّيَ شَفْعًا مَا شَاءَ، ثُمَّ لاَ يُوتِرُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَخَذَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْل النَّخَعِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَعَلْقَمَةَ. وَقَالُوا: لاَ يَنْقُضُ وِتْرَهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَسَعْدٍ وَعَمَّارٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ ﵃ اسْتَدَلُّوا بِقَوْل عَائِشَةَ ﵂ وَقَدْ سُئِلَتْ عَنِ الَّذِي يَنْقُضُ وِتْرَهُ فَقَالَتْ: " ذَاكَ الَّذِي يَلْعَبُ بِوِتْرِهِ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ إِيتَارِهِ مَرَّةً أُخْرَى بِحَدِيثِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ (١) وَلِمَا صَحَّ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ (٢) .
_________
(١) حديث: " لا وتران في ليلة ". أخرجه الترمذي (٢ / ٣٣٤ - ط الحلبي) وقال: حديث حسن.
(٢) حديث: " كان يصلي بعد الوتر ركعتين ". ورد من حديث عائشة أن رسول الله ﷺ: " كان يوتر بواحدة ثم يركع ركعتين يقرأ فيهما وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٧٨ - ط الحلبي) وأورده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٢٢٢ - ط دار الجنان) وقال: (هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات) .
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: وَعَلَيْهَا الْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنْ يَبْدَأَ نَفْلَهُ بِرَكْعَةٍ يَشْفَعُ بِهَا وِتْرَهُ، ثُمَّ يُصَلِّيَ شَفْعًا مَا شَاءَ ثُمَّ يُوتِرَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأُسَامَةَ، وَسَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَابْنُ قُدَامَةَ. ثُمَّ قَال: وَلَعَلَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْل وِتْرًا (١) .
قَضَاءُ صَلاَةِ الْوِتْرِ:
١٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَلَمْ يُصَل الْوِتْرَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، سَوَاءٌ أَتَرَكَهُ عَمْدًا أَمْ نِسْيَانًا وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ، وَمَتَى قَضَاهُ يَقْضِيهِ بِالْقُنُوتِ. فَلَوْ صَلَّى الصُّبْحَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُصَل الْوِتْرَ فَصَلاَةُ الصُّبْحِ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْوِتْرِ وَالْفَرِيضَةِ (٢) . وَلاَ يَقْضِي الْوِتْرَ عِنْدَ
_________
(١) فتح القدير على الهداية ١ / ٣١٢، والزرقاني ١ / ٢٨٥، والباجي على الموطأ ١ / ٢٢٤، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي ١ / ٢١٣، والمجموع ٤ / ١٦، ٢٤، وكشاف القناع ١ / ٤٢٧، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٦٤. وحديث اجعلوا آخر صلاتكم. . . ". تقدم تخريجه ف ٦.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ١١١، ١٢١.
الْمَالِكِيَّةِ إِذَا تَذَكَّرَهُ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الصُّبْحَ. فَإِنْ تَذَكَّرَهُ فِيهَا نُدِبَ لَهُ إِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَنْ يَقْطَعَهَا لِيُصَلِّيَ الْوِتْرَ مَا لَمْ يَخَفْ خُرُوجَ الْوَقْتِ، وَإِنْ تَذَكَّرَهُ فِي أَثْنَاءِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَقِيل: يَقْطَعُهَا كَالصُّبْحِ، وَقِيل: يُتِمُّهَا ثُمَّ يُوتِرُ.
وَذَهَبَ طَاوُسٍ إِلَى أَنَّ الْوِتْرَ يُقْضَى مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَقْضِي الْوِتْرَ إِذَا فَاتَ وَقْتُهُ، أَيْ عَلَى سَبِيل النَّدْبِ (٢) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَهُ قَالُوا: وَيَقْضِيهِ مَعَ شَفْعِهِ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قَضَاءُ الْوِتْرِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْجَدِيدِ وَيُسْتَحَبُّ الْقَضَاءُ أَبَدًا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: لاَ تُقْضَى وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ (٣) .
_________
(١) العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٦١، والدسوقي ١ / ٣١٧.
(٢) كشاف القناع ١ / ٤١٦، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٤٨.
(٣) المجموع ٤ / ٤١ - ٤٢، وحديث: " من نام عن الوتر أو نسيه فليصله ". أخرجه أبو داود ٢ / ١٣٧، تحقيق عزت عبيد دعاس، والحاكم (١ / ٣٠٢ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
التَّسْبِيحُ بَعْدَ الْوِتْرِ:
١٨ - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول بَعْدَ الْوِتْرِ: " سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ " ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَيَمُدَّ صَوْتَهُ بِهَا فِي الثَّالِثَةِ (١)، لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَْعْلَى﴾، وَ﴿قُل يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنَ الْوِتْرِ قَال: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهَا فِي الثَّالِثَةِ (٢) .
_________
(١) المغني ٢ / ١٦٥، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٤٩.
(٢) حديث عبد الرحمن بن أبزى، كان يوتر بسبح اسم ربك الأعلى. . . ". أخرجه النسائي (٣ / ٢٤٥ - ط المكتبة التجارية) وحسن إسناده ابن حجر في التلخيص (٢ / ١٩) .
الصَّلاَةُ الْوُسْطَى
التَّعْرِيفُ:
١ - تَعْرِيفُ الصَّلاَةِ: انْظُرْ: صَلاَة.
وَالْوُسْطَى مُؤَنَّثُ الأَْوْسَطِ، وَأَوْسَطُ الشَّيْءِ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَهُوَ مِنْ أَوْسَطِ قَوْمِهِ: مِنْ خِيَارِهِمْ، وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ مِنْ أَوْسَطِ قَوْمِهِ، أَيْ خِيَارِهِمْ، وَالْوَسَطُ: وَسَطُ الشَّيْءِ، مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَالْمُعْتَدِل مِنْ كُل شَيْءٍ، وَالْعَدْل، وَالْخَيْرُ، يُوصَفُ بِهِ الْمُفْرَدُ وَغَيْرُهُ، وَفِي التَّنْزِيل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١)، أَيْ خِيَارًا عُدُولًا (٢) .
تَحْدِيدُ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى الْوَارِدِ ذِكْرُهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) وَذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي:
٢ - قِيل: إِنَّهَا صَلاَةُ الصُّبْحِ، وَهَذَا قَوْل مَالِكٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِهِ، وَهُوَ قَوْل
_________
(١) سورة البقرة / ١٤٣.
(٢) المعجم الوسيط، وتفسير الجلالين في الآية.
(٣) سورة البقرة / ٢٣٨.
الشَّافِعِيِّ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الأُْمِّ وَغَيْرِهِ، وَنَقَل الْوَاحِدِيُّ هَذَا الْقَوْل عَنْ عُمَرَ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ قَوْل عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ. وَمُسْتَنَدُ هَؤُلاَءِ: أَنَّ صَلاَةَ الصُّبْحِ قَبْلَهَا صَلاَتَا لَيْلٍ يُجْهَرُ فِيهِمَا، وَبَعْدَهَا صَلاَتَا نَهَارٍ يُسَرُّ فِيهِمَا؛ وَلأَِنَّ وَقْتَهَا يَدْخُل وَالنَّاسُ نِيَامٌ، وَالْقِيَامُ إِلَيْهَا شَاقٌّ فِي زَمَنِ الْبَرْدِ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ، وَفِي زَمَنِ الصَّيْفِ لِقِصَرِ اللَّيْل، فَخُصَّتْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، حَتَّى لاَ يُتَغَافَل عَنْهَا بِالنَّوْمِ.
وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَقَرَنَهَا بِالْقُنُوتِ، وَلاَ قُنُوتَ إِلاَّ فِي الصُّبْحِ، قَال أَبُو رَجَاءٍ: صَلَّى بِنَا ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - صَلاَةَ الْغَدَاةِ بِالْبَصْرَةِ فَقَنَتَ فِيهَا قَبْل الرُّكُوعِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَال: هَذِهِ الصَّلاَةُ الْوُسْطَى الَّتِي أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نَقُومَ فِيهَا قَانِتِينَ.
وَالْقُنُوتُ لُغَةً: يُطْلَقُ عَلَى طُول الْقِيَامِ وَعَلَى الدُّعَاءِ، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَفْضَل الصَّلاَةِ طُول الْقُنُوتِ (١) .
وَقَال أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ وَالاِسْتِعْمَال أَنَّ الْقُنُوتَ: الْعِبَادَةُ
_________
(١) حديث جابر: " أفصل الصلاة طول القنوت ". أخرجه مسلم (١ / ٥٢٠ ط الحلبي) .
وَالدُّعَاءُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي حَال الْقِيَامِ
، قَال الْوَاحِدِيُّ: فَتَظْهَرُ الدَّلاَلَةُ لِلشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْوُسْطَى الصُّبْحُ؛ لأَِنَّهُ لاَ فَرْضَ يَكُونُ فِيهِ الدُّعَاءُ قَائِمًا غَيْرَهَا (١) .
٣ - وَقِيل: إِنَّهَا الْعَصْرُ لأَِنَّهَا بَيْنَ صَلاَتَيْنِ مِنْ صَلاَةِ اللَّيْل، وَصَلاَتَيْنِ مِنْ صَلاَةِ النَّهَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْل ابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَبَسِهِ، وَابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ وَقَال: وَعَلَى هَذَا الْقَوْل الْجُمْهُورُ مِنَ النَّاسِ وَبِهِ أَقُول، وَنَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَالْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيِّ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهَا صَلاَةُ الْعَصْرِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الأَْحْزَابِ: شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ
_________
(١) الحطاب ١ / ٤٠٠، والقرطبي (٣ / ٢١٠ - ٢١١ ط. دار الكتب المصرية)، والمجموع ٣ / ٦٠ - ٦٢، والمغني ١ / ٣٧٩.
الْوُسْطَى صَلاَةِ الْعَصْرِ، مَلأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا (١) .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: صَلاَةُ الْوُسْطَى صَلاَةُ الْعَصْرِ (٢) . وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الَّذِي تَفُوتُهُ صَلاَةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وَتَرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ (٣) . وَقَال: مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبَطَ عَمَلُهُ (٤) وَقَال: إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ، يَعْنِي النَّجْمَ (٥) .
وَقَال النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ: الَّذِي تَقْتَضِيهِ الأَْحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ: إِنَّ الصَّلاَةَ الْوُسْطَى
_________
(١) حديث علي: " شغلونا عن الصلاة الوسطى. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٤٣٧ ط الحلبي) .
(٢) حديث عبد الله بن مسعود: " صلاة الوسطى صلاة العصر. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٢١٨ - ط. الحلبي) وقال: حديث صحيح.
(٣) حديث: " الذي تفوته صلاة العصر. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣٠ - ط. السلفية) ومسلم (١ / ٤٣٥ - ط. الحلبي) من حديث ابن عمر.
(٤) حديث: " من ترك صلاة العصر. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣١ - ط. السلفية) من حديث بريدة.
(٥) حديث: " إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٥٦٨ - ط الحلبي) من حديث أبي بصرة الغفاري.
هِيَ الْعَصْرُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. ثُمَّ قَال: قَال صَاحِبُ الْحَاوِي: نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا الصُّبْحُ، وَصَحَّتِ الأَْحَادِيثُ أَنَّهَا الْعَصْرُ، وَمَذْهَبُهُ اتِّبَاعُ الْحَدِيثِ، فَصَارَ مَذْهَبُهُ أَنَّهَا الْعَصْرُ، قَال: وَلاَ يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلاَنِ، كَمَا وَهَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا (١) .
٤ - وَقِيل: إِنَّهَا الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ مَعًا، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الأَْبْهَرِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْل الْغُرُوبِ﴾ (٢) يَعْنِي صَلاَةَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ.
وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَال: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَال: أَمَّا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لاَ تُضَامُونَ (٣) . فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْل غُرُوبِهَا، يَعْنِي الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ فَافْعَلُوا (٤)، ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ:
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٢٤١، والحطاب ١ / ٤٠٠، والقرطبي ٣ / ٢١٠، ٢١٣، والمجموع ٣ / ٦١، والمغني ١ / ٣٧٨ - ٣٨٠، وكشاف القناع ١ / ٢٥٢.
(٢) سورة ق / ٣٩.
(٣) قال النووي: (تضامون) بتشديد الميم وتخفيفها، فمن شددها فتح التاء، ومن خففها ضم التاء ومعنى المشدد: أنكم لا تتضامون، وتتلطفون في التوصل إلى رؤيته، ومعنى المخفف: أنه لا يلحقكم مشقة وتعب، وانظر القرطبي ٣ / ٢١١ - ٢١٢ والمغني ١ / ٣٧٩، والحطاب ١ / ٤٠٠، والمجموع ٣ / ٦١.
(٤) حديث جرير: " إنكم سترون ربكم. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٥٢ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٣٩ - ط. الحلبي) .