الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧ الصفحة 59

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧

مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى (١) .

وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَرَاهَةِ الإِْيتَارِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، كَالْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ، فَقَدْ قِيل: لاَ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَقِيل: يُكْرَهُ لَهُ أَيْضًا. فَإِنْ أَوْتَرَ دُونَ عُذْرٍ بِوَاحِدَةٍ دُونَ شَفْعٍ قَبْلَهَا، قَال أَشْهَبُ: يُعِيدُ وِتْرَهُ بِأَثَرِ شَفْعٍ مَا لَمْ يُصَل الصُّبْحَ. وَقَال سَحْنُونٌ: إِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ أَيْ بِالْقُرْبِ، شَفَعَهَا بِرَكْعَةٍ ثُمَّ أَوْتَرَ، وَإِنْ تَبَاعَدَ أَجْزَأَهُ (٢) .

وَقَالُوا: لاَ يُشْتَرَطُ فِي الشَّفْعِ الَّذِي قَبْل رَكْعَةِ الْوِتْرِ نِيَّةٌ تَخُصُّهُ، بَل يَكْتَفِي بِأَيِّ رَكْعَتَيْنِ كَانَتَا (٣) .

صِفَةُ صَلاَةِ الْوِتْرِ:

أَوَّلًا: الْفَصْل وَالْوَصْل:

٨ - الْمُصَلِّي إِمَّا أَنْ يُوتِرَ بِرَكْعَةٍ، أَوْ بِثَلاَثٍ، أَوْ بِأَكْثَرَ:

أ - فَإِنْ أَوْتَرَ الْمُصَلِّي بِرَكْعَةٍ - عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِهِ - فَالأَْمْرُ وَاضِحٌ.

_________

(١) حديث: " صلاة الليل. . . ". سبق تخريجه في نفس الفقرة.

(٢) المنتقى للباجي (١ / ٢٢٣ القاهرة، مطبعة السعادة، ١٣٣١ هـ وكفاية الطالب الرباني مع حاشية العدوي ١ / ٢٥٧، ٢٥٨، بيروت دار المعرفة عن طبعة القاهرة، والقوانين الفقهية (ص ٦١) .

(٣) كفاية الطالب وحاشية العدوي ١ / ٢٥٧.

ب - وَإِنْ أَوْتَرَ بِثَلاَثٍ، فَلَهُ ثَلاَثُ صُوَرٍ:

الصُّورَةُ الأُْولَى: أَنْ يَفْصِل الشَّفْعَ بِالسَّلاَمِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ بِتَكْبِيرَةِ إِحْرَامٍ مُسْتَقِلَّةٍ. وَهَذِهِ الصُّورَةُ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهِيَ الْمُعَيَّنَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَيُكْرَهُ مَا عَدَاهَا، إِلاَّ عِنْدَ الاِقْتِدَاءِ بِمَنْ يُصَل.

وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَالُوا: إِنَّ الْفَصْل أَفْضَل مِنَ الْوَصْل، لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ السَّلاَم وَغَيْرُهُ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ كَانَ إِمَامًا فَالْوَصْل أَفْضَل، لأَِنَّهُ يَقْتَدِي بِهِ الْمُخَالِفُ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَالْفَصْل أَفْضَل. قَالُوا: وَدَلِيل هَذِهِ الصُّورَةِ مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْصِل بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ بِتَسْلِيمَةٍ (١) وَوَرَدَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يُسَلِّمُ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ.

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسَنُّ فِعْل الرَّكْعَةِ بَعْدَ الشَّفْعِ بَعْدَ تَأْخِيرٍ لَهَا عَنْهُ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ لِيَفْصِل. وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يَنْوِي فِي الرَّكْعَتَيْنِ إِنْ أَرَادَ الْفَصْل: (رَكْعَتَيْنِ مِنَ الْوِتْرِ)

_________

(١) حديث: " كان النبي ﷺ يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة ". أخرجه أحمد (٢ / ٧٦ - ط الميمنية) وقواه كما نقله عنه ابن حجر في التلخيص (٢ / ١٦ - ط شركة الطباعة الفنية) .

أَوْ (سُنَّةَ الْوِتْرِ) أَوْ (مُقَدَّمَةَ الْوِتْرِ) قَالُوا: وَلاَ يَصِحُّ بِنِيَّةِ (الشَّفْعِ) أَوْ (سُنَّةِ الْعِشَاءِ) أَوْ (صَلاَةِ اللَّيْل) (١) .

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُصَلِّيَ الثَّلاَثَ مُتَّصِلَةً سَرْدًا، أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِل بَيْنَهُنَّ بِسَلاَمٍ وَلاَ جُلُوسٍ، وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَوْلَى مِنَ الصُّورَةِ التَّالِيَةِ. وَاسْتَدَلُّوا لِهَذِهِ الصُّورَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسٍ، لاَ يَجْلِسُ إِلاَّ فِي آخِرِهَا (٢) .

وَهَذِهِ الصُّورَةُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لَكِنْ إِنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ فَعَل ذَلِكَ فَيُوَاصِل مَعَهُ (٣) .

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الْوَصْل بَيْنَ الرَّكَعَاتِ الثَّلاَثِ، بِأَنْ يَجْلِسَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ فَيَتَشَهَّدَ وَلاَ يُسَلِّمَ، بَل يَقُومَ لِلثَّالِثَةِ وَيُسَلِّمَ بَعْدَهَا، فَتَكُونُ فِي الْهَيْئَةِ كَصَلاَةِ الْمَغْرِبِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الثَّالِثَةِ سُورَةً بَعْدَ الْفَاتِحَةِ خِلاَفًا لِلْمَغْرِبِ.

وَهَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ الْمُتَعَيِّنَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. قَالُوا: فَلَوْ نَسِيَ فَقَامَ لِلثَّالِثَةِ دُونَ تَشَهُّدٍ فَإِنَّهُ

_________

(١) الدسوقي ١ / ٣١٦، المنهاج وشرح حاشية القليوبي ١ / ٢١٢، وكشاف القناع ١ / ٤١٦، ٤١٧.

(٢) حديث: " كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرها. . . " أخرجه مسلم (١ / ٥٠٨ - ط. الحلبي) من حديث عائشة.

(٣) الدسوقي والشرح الكبير ١ / ٣١٦، وشرح المنهاج ١ / ٢١٢، ٢١٣، والإنصاف ٢ / ١٧٠.

لاَ يَعُودُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَامِدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَالْقِيَاسُ أَنْ يَعُودَ، وَاحْتَجُّوا لِتَعَيُّنِهَا بِقَوْل أَبِي الْعَالِيَةِ: " عَلَّمَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ: أَنَّ الْوِتْرَ مِثْل صَلاَةِ الْمَغْرِبِ، فَهَذَا وِتْرُ اللَّيْل، وَهَذَا وِتْرُ النَّهَارِ " (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هِيَ جَائِزَةٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ؛ لأَِنَّ تَشْبِيهَ الْوِتْرِ بِالْمَغْرِبِ مَكْرُوهٌ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ كَرَاهَةَ إِلاَّ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا يَعْلَى مَنَعَ هَذِهِ الصُّورَةَ. وَخَيَّرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بَيْنَ الْفَصْل وَالْوَصْل (٢) .

ج - أَنْ يُصَلِّيَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثٍ:

٩ - وَهُوَ جَائِزٌ - كَمَا تَقَدَّمَ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

قَال الشَّافِعِيَّةُ: فَالْفَصْل بِسَلاَمٍ بَعْدَ كُل رَكْعَتَيْنِ أَفْضَل، لِحَدِيثِ: كَانَ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَيُسَلِّمُ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ (٣) وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا

_________

(١) قول أبي العالية: علمنا أصحاب محمد ﷺ أن الوتر مثل صلاة المغرب ". أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١ / ٢٩٣ ط مطبعة الأنوار المحمدية) .

(٢) فتح القدير ١ / ٣٠٣، حاشية ابن عابدين ١ / ٤٤٥، والهندية ١ / ١١٣، وشرح المنهاج ١ / ٢١٢، والإنصاف ٢ / ١٧٠.

(٣) حديث: " كان يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٥٠٨ ط الحلبي) من حديث عائشة.

بِتَسْلِيمَةٍ، وَسِتًّا بِتَسْلِيمَةٍ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً، وَلَهُ الْوَصْل بِتَشَهُّدٍ، أَوْ تَشَهُّدَيْنِ فِي الثَّلاَثِ الأَْخِيرَةِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ فَالأَْفْضَل أَنْ يَسْرُدَهُنَّ سَرْدًا فَلاَ يَجْلِسُ إِلاَّ فِي آخِرِهِنَّ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْل ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لاَ يَجْلِسُ إِلاَّ فِي آخِرِهَا (١) . وَلِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوتِرُ بِخَمْسٍ، وَسَبْعٍ، لاَ يَفْصِل بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ (٢) .

وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ فَالأَْفْضَل أَنْ يَسْرُدَ ثَمَانِيًا، ثُمَّ يَجْلِسَ لِلتَّشَهُّدِ وَلاَ يُسَلِّمَ، ثُمَّ يُصَلِّيَ التَّاسِعَةَ وَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ.

وَيَجُوزُ فِي الْخَمْسِ وَالسَّبْعِ وَالتِّسْعِ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ.

وَإِنْ أَوْتَرَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ فَالأَْفْضَل أَنْ يُسَلِّمَ

_________

(١) حديث عائشة: " كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ". أخرجه مسلم (١ / ٥٠٨ ط الحلبي) .

(٢) حديث أم سلمة: " كان النبي ﷺ يوتر بخمس وبسبع لا يفصل بينهن بتسليم ". أخرجه النسائي (٣ / ٣٣٩ - ط المكتبة التجارية) ونقل ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه أنه قال: هذا حديث منكر. كذا في علل الحديث (١ / ١٦٠) .

مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْرُدَ عَشْرًا، ثُمَّ يَتَشَهَّدَ، ثُمَّ يَقُومَ فَيَأْتِي بِالرَّكْعَةِ وَيُسَلِّمَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْرُدَ الإِْحْدَى عَشْرَةَ فَلاَ يَجْلِسُ وَلاَ يَتَشَهَّدُ إِلاَّ فِي آخِرِهَا (١) .

ثَانِيًا: الْقِيَامُ وَالْقُعُودُ فِي صَلاَةِ الْوِتْرِ، وَأَدَاؤُهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ:

١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ صَلاَةَ الْوِتْرِ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ مِنْ قِيَامٍ، إِلاَّ لِعَاجِزٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَاعِدًا، وَلاَ تَصِحُّ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ (٢) .

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّهُ تَجُوزُ لِلْقَاعِدِ أَنْ يُصَلِّيَهَا وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ، وَإِلَى جَوَازِ صَلاَتِهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ. وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ ﵃ قَالُوا: لأَِنَّهَا سُنَّةٌ، فَجَازَ فِيهَا ذَلِكَ كَسَائِرِ السُّنَنِ.

وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَل أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ (٣)

_________

(١) نهاية المحتاج ٢ / ١٠٨، ١٠٩، والإنصاف ٢ / ١٦٨، ١٦٩، وكشاف القناع ١ / ٤١٧.

(٢) الهندية ١ / ١١١.

(٣) المجموع للنووي ٤ / ٢١، والمغني ٢ / ١٦٠، ١٦١ وحديث ابن عمر تقدم تخريجه ف٢.

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَال: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، قَال سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، فَقَال لِي ابْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: خَشِيتُ الْفَجْرَ فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ. فَقَال عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُول اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاَللَّهِ. قَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ (١) .

ثَالِثًا: الْجَهْرُ وَالإِْسْرَارُ:

١١ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجْهَرُ فِي الْوِتْرِ إِنْ كَانَ إِمَامًا فِي رَمَضَانَ لاَ فِي غَيْرِهِ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَأَكَّدَ نَدْبُ الْجَهْرِ بِوِتْرٍ، سَوَاءٌ صَلاَّهُ لَيْلًا أَوْ بَعْدَ الْفَجْرِ (٣) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ لِغَيْرِ الْمَأْمُومِ أَنْ يَجْهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي وِتْرِ رَمَضَانَ، وَيُسِرَّ فِي غَيْرِهِ (٤) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُخَيَّرُ الْمُنْفَرِدُ فِي صَلاَةِ الْوِتْرِ فِي الْجَهْرِ وَعَدَمِهِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ جَمَاعَةٍ: أَنَّ الْجَهْرَ يَخْتَصُّ بِالإِْمَامِ فَقَطْ، قَال فِي

_________

(١) حديث سعيد بن يسار مع ابن عمر، أخرجه مسلم (١ / ٤٨٧ - ط. الحلبي) .

(٢) الهندية ١ / ٧٢، ومجمع الأنهر ١ / ١٠٠.

(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٣١٣، وكفاية الطالب ١ / ٢٥٨، وجواهر الإكليل ١ / ٧٣.

(٤) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للشربيني الخطيب ١ / ١٣٢.

الْخِلاَفِ: وَهُوَ أَظْهَرُ (١) .

رَابِعًا: مَا يُقْرَأُ فِي صَلاَةِ الْوِتْرِ:

١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي كُل رَكْعَةٍ مِنَ الْوِتْرِ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً.

وَالسُّورَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سُنَّةٌ، لاَ يَعُودُ لَهَا إِنْ رَكَعَ وَتَرَكَهَا.

ثُمَّ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُوَقَّتْ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْوِتْرِ شَيْءٌ غَيْرُ الْفَاتِحَةِ، فَمَا قَرَأَ فِيهِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ قَرَأَ بِهِ فِي الأُْولَى بِسُورَةِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَْعْلَى﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ (بِ الْكَافِرُونَ) وَفِي الثَّالِثَةِ (بِالإِْخْلاَصِ)، فَيَقْرَأُ بِهِ أَحْيَانًا، وَيَقْرَأُ بِغَيْرِهِ أَحْيَانًا لِلتَّحَرُّزِ عَنْ هِجْرَانِ بَاقِي الْقُرْآنِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ الْقِرَاءَةُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِالسُّوَرِ الثَّلاَثِ الْمَذْكُورَةِ، لِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ " (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - كَذَلِكَ - إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ فِي الشَّفْعِ (سَبِّحْ، وَالْكَافِرُونَ)، أَمَّا فِي الثَّالِثَةِ فَيُنْدَبُ أَنْ يَقْرَأَ (بِسُورَةِ

_________

(١) كشاف القناع ١ / ٤١٨.

(٢) حديث ابن عباس في قراءة السور المذكورة في الوتر أخرجه الترمذي (٢ / ٣٢٦ - ط الحلبي) وأخرجه الحاكم (١ / ٣٠٥) من حديث عائشة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

الإِْخْلاَصِ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ)، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ فِي ذَلِكَ (١) . لَكِنْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ ذَلِكَ إِلاَّ لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ، أَيْ قَدْرٌ مِنَ الْقُرْآنِ يَقْرَؤُهُ لَيْلًا، فَيَقْرَأُ مِنْ حِزْبِهِ فِي الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ (٢) .

خَامِسًا: الْقُنُوتُ فِي صَلاَةِ الْوِتْرِ:

١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ، وَفِي أَنَّهُ يَكُونُ فِي جَمِيعِ لَيَالِي السَّنَةِ أَوْ فِي بَعْضِهَا، وَفِي أَنَّهُ هَل يَكُونُ قَبْل الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ، وَفِيمَا يُسَنُّ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِهِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ مَكْرُوهٌ (٣) .

وَيُنْظَرُ بَيَانُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قُنُوت) .

الْوِتْرُ فِي السَّفَرِ:

١٤ - لاَ يَخْتَلِفُ حُكْمُ صَلاَةِ الْوِتْرِ فِي السَّفَرِ

_________

(١) حديث: عائشة: أخرجه الترمذي (٢ / ٣٢٦ - ط الحلبي) ذكر ابن حجر في التلخيص (٢ / ١٨ - ط شركة الطباعة الفنية) تليين أحد رواته، ولكنه ذكر للحديث طريقا آخر عن عائشة بما يقوي تلك الرواية.

(٢) الهندية ١ / ٧٨، والزرقاني ١ / ٢٨٤، والمجموع ٤ / ١٧، ٢٤، وكشاف القناع ١ / ٤١٧.

(٣) الهندية ١ / ١١١، وفتح القدير ١ / ٣٠٤، وما بعدها، والمجموع للنووي ٤ / ١٤ - ١٧، وشرح المحلى وحاشية القليوبي ١ / ٢١٣، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٥١، وكشاف القناع ١ / ٤١٧.

عَنْهُ فِي الْحَضَرِ، فَمَنْ قَال: إِنَّهُ سُنَّةٌ، وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - فَإِنَّهُ يُسَنُّ فِي السَّفَرِ كَالْحَضَرِ.

وَمَنْ قَال إِنَّهُ وَاجِبٌ - وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ - فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي السَّفَرِ كَالْحَضَرِ (١) .

أَدَاءُ صَلاَةِ الْوِتْرِ فِي جَمَاعَةٍ:

١٥ - يَنُصُّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُسَنُّ أَنْ يُصَلَّى الْوِتْرَ فِي جَمَاعَةٍ، لَكِنْ تُنْدَبُ الْجَمَاعَةُ فِي الْوِتْرِ الَّذِي يَكُونُ عَقِبَ التَّرَاوِيحِ، تَبَعًا لَهَا (٢) . وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُنْدَبُ فِعْلُهُ حِينَئِذٍ فِي الْمَسْجِدِ تَبَعًا لِلتَّرَاوِيحِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: بَل يُسَنُّ أَنْ يَكُونَ الْوِتْرُ فِي الْمَنْزِل. قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ فِعْلُهَا فِي الْبُيُوتِ وَلَوْ جَمَاعَةً إِنْ لَمْ تُعَطَّل الْمَسَاجِدُ عَنْ صَلاَتِهَا بِهَا جَمَاعَةً. وَعَلَّلُوا أَفْضَلِيَّةَ الاِنْفِرَادِ بِالسَّلاَمَةِ مِنَ

_________

(١) فتح القدير ١ / ٤٠٢، ٤٠٣، والزيلعي ١ / ١٧٧، والدسوقي ١ / ٣١٦، ومغني المحتاج ١ / ٢٢٤،، والمجموع ٤ / ٢١، وكشاف القناع ١ / ٤٢٢، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٤٨.

(٢) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ١ / ٢١٢، ٢١٤، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٥٩، ٥٦٤، وكشاف القناع ١ / ٤٢٢، ٤٢٧، والفتاوى الهندية ١ / ١١٦.