الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧
يُدْعَى الْمُخْدَجِيُّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ، يَقُول: الْوِتْرُ وَاجِبٌ. قَال الْمُخْدَجِيُّ: فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ فَاعْتَرَضْتُ لَهُ وَهُوَ رَائِحٌ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِاَلَّذِي قَال أَبُو مُحَمَّدٍ، فَقَال عُبَادَةُ: كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، مَنْ جَاءَ بِهِنَّ، لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا، اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ (١) .
وَقَال عَلِيٌّ ﵁ الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ، سَنَّهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالُوا: وَلأَِنَّ الْوِتْرَ يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِغَيْرِ الضَّرُورَةِ، وَثَبَتَ ذَلِكَ بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ قَال ابْنُ عُمَرَ ﵄: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَل أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ (٢) فَلَوْ
_________
(١) حديث: " خمس صلوات كتبهن الله على العباد " أخرجه النسائي (١ / ٢٣٠ - ط المكتبة التجارية) وصححه ابن عبد البر كما في التلخيص لابن حجر (٢ / ١٤٧ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٢) حديث: " كان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٥٧٥ ط السلفية) من حديث ابن عمر.
كَانَتْ وَاجِبَةً لَمَا صَلاَّهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ، كَالْفَرَائِضِ (١) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ - خِلاَفًا لِصَاحِبَيْهِ - وَأَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ فَرْضًا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ، وَلاَ يُؤَذَّنُ لَهُ كَأَذَانِ الْفَرَائِضِ، وَاسْتَدَل بِوُجُوبِهِ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا كَرَّرَ ثَلاَثًا (٢) وَبِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَدَّكُمْ بِصَلاَةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وَهِيَ صَلاَةُ الْوِتْرِ، فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى صَلاَةِ الْفَجْرِ (٣) وَهُوَ أَمْرٌ، وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَالأَْحَادِيثُ الآْمِرَةُ بِهِ كَثِيرَةٌ؛ وَلأَِنَّهُ صَلاَةٌ مُؤَقَّتَةٌ تُقْضَى.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّهُ فَرْضٌ، لَكِنْ قَال ابْنُ الْهُمَامِ: مُرَادُهُ بِكَوْنِهِ سُنَّةً: أَنَّهُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ،
_________
(١) المغني لابن قدامة ٢ / ٢١٠، والمجموع للنووي (ط. المنيرية ٤ / ١٢ - ٢١) والدسوقي ١ / ٣١٢.
(٢) حديث: " الوتر حق، فمن لم يوتر. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ١٢٩ - ١٣٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وأورده المنذري في (مختصر السنن ٢ / ١٢٢ - نشر دار المعرفة) وذكر أن في إسناده راويا متكلما فيه.
(٣) حديث: " إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم ". أخرجه الترمذي (٢ / ٣١٤ - ط. الحلبي) والحاكم (١ / ٣٠٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث خارجة بن حذافة العدوي، واللفظ للحاكم وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
فَلاَ يُنَافِي الْوُجُوبَ، وَمُرَادُهُ بِأَنَّهُ فَرْضٌ: أَنَّهُ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ، وَهُوَ الْوَاجِبُ (١) .
وُجُوبُ الْوِتْرِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ:
٣ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ وُجُوبَ الْوِتْرِ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَكَوْنُهُ كَانَ يُصَلِّي الْوِتْرَ عَلَى الرَّاحِلَةِ يَحْتَمِل أَنَّهُ لِعُذْرٍ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ثَلاَثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ، وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: الْوِتْرُ، وَالنَّحْرُ، وَصَلاَةُ الضُّحَى (٢) .
دَرَجَةُ السُّنِّيَّةِ فِي صَلاَةِ الْوِتْرِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَنْزِلَتُهَا بَيْنَ سَائِرِ النَّوَافِل:
٤ - صَلاَةُ الْوِتْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ السَّابِقِ، وَالأَْحَادِيثُ الَّتِي تَحُضُّ عَلَيْهَا، وَحَدِيثُ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ قَال: قَال: رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلاَةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ
_________
(١) الهداية وفتح القدير ١ / ٣٠٠ - ٣٠٣ ط. بولاق.
(٢) مطالب أولي النهى ١ / ٥٤٦، وكشاف القناع ١ / ٤١٥، والقليوبي ١ / ٢١٠، ٢١٢. وحديث: " ثلاث هن علي فرائض، وهن لكم تطوع ". أخرجه أحمد (١ / ٢٣١، ط الميمنية) من حديث ابن عباس، وأورده ابن حجر في التلخيص (٢ / ١٨ - ط شركة الطباعة الفنية) وذكر تضعيف أحد رواته، كما نقل عن جمع من العلماء أنهم ضعفوا هذا الحديث.
مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وَهِيَ صَلاَةُ الْوِتْرِ، فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى صَلاَةِ الْفَجْرِ (١) .
وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ أَسَاءَ، وَكُرِهَ لَهُ ذَلِكَ. قَال أَحْمَدُ: مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ عَمْدًا فَهُوَ رَجُل سُوءٍ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَل لَهُ شَهَادَةٌ. اهـ.
وَالْوِتْرُ مِنَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: آكَدُ الرَّوَاتِبِ وَأَفْضَلُهَا (٢) .
وَآكَدُ النَّوَافِل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: صَلاَةُ الْكُسُوفِ؛ لأَِنَّهُ ﷺ لَمْ يَتْرُكْهَا عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهَا، ثُمَّ الاِسْتِسْقَاءُ؛ لأَِنَّهُ تُشْرَعُ لَهَا الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا؛ فَأَشْبَهَتِ الْفَرَائِضَ، ثُمَّ التَّرَاوِيحُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ، لَكِنَّهَا أَشْبَهَتِ الْفَرَائِضَ مِنْ حَيْثُ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَةِ لَهَا، ثُمَّ الْوِتْرُ؛ لأَِنَّهُ وَرَدَ فِيهِ مِنَ الأَْخْبَارِ مَا لَمْ يَأْتِ مِثْلُهُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، ثُمَّ سُنَّةُ الْفَجْرِ، ثُمَّ سُنَّةُ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ بَاقِي الرَّوَاتِبِ سَوَاءٌ (٣) .
_________
(١) حديث خارجة بن حذافة تقدم تخريجه ف٢.
(٢) كفاية الطالب ١ / ٢٥٦، ٢٥٧، والمغني ٢ / ١٦٠، ١١، وكشاف القناع ١ / ٤١٥، ٤٢٢.
(٣) عميرة على شرح المنهاج ١ / ٢١٢، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٣١٧، وكفاية الطالب ١ / ٢٥٦، لبنان، دار المعرفة، كشاف القناع ١ / ٤١٤، ٤١٥، والمغني ٢ / ١٦١.
وَقْتُ الْوِتْرِ:
٥ - وَقْتُ الْوِتْرِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - يَبْدَأُ مِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ خَارِجَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَفِيهِ: فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ قَالُوا: وَيُصَلَّى اسْتِحْبَابًا بَعْدَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ؛ لِيُوَالِيَ بَيْنَ الْعِشَاءِ وَسُنَّتِهَا. قَالُوا: وَلَوْ جَمَعَ الْمُصَلِّي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، أَيْ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ فَيَبْدَأُ وَقْتُ الْوِتْرِ مِنْ بَعْدِ تَمَامِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ.
وَمَنْ صَلَّى الْوِتْرَ قَبْل أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ لَمْ يَصِحَّ وِتْرُهُ لِعَدَمِ دُخُول وَقْتِهِ، فَإِنْ فَعَلَهُ نِسْيَانًا أَعَادَهُ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: وَقْتُ الْوِتْرِ هُوَ وَقْتُ الْعِشَاءِ، فَلَوْ صَلَّى الْوِتْرَ قَبْل أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ صَحَّ وِتْرُهُ.
وَآخِرُ وَقْتِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ طُلُوعُ الْفَجْرِ الثَّانِي لِحَدِيثِ خَارِجَةَ الْمُتَقَدِّمِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّ أَوَّل وَقْتِ صَلاَةِ الْوِتْرِ مِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ الصَّحِيحَةِ وَمَغِيبِ الشَّفَقِ، فَمَنْ قَدَّمَ الْعِشَاءَ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ فَإِنَّهُ لاَ يُصَلِّي الْوِتْرَ إِلاَّ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ. وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ الْوِتْرِ عِنْدَهُمْ فَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ، إِلاَّ فِي الضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ لِمَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ عَنْ وِرْدِهِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ، فَيُوتِرَ مَا
بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، مَا لَمْ يَخْشَ أَنْ تَفُوتَ صَلاَةُ الصُّبْحِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. فَلَوْ شَرَعَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَكَانَ مُنْفَرِدًا، قَبْل أَنْ يُصَلِّيَ الْوِتْرَ، نُدِبَ لَهُ قَطْعُهَا لِيُصَلِّيَ الْوِتْرَ. وَلاَ يُنْدَبُ ذَلِكَ لِلْمُؤْتَمِّ، وَفِي الإِْمَامِ رِوَايَتَانِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْوِتْرِ هُوَ وَقْتُ الْعِشَاءِ، أَيْ مِنْ غُرُوبِ الشَّفَقِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلِذَا اكْتُفِيَ بِأَذَانِ الْعِشَاءِ وَإِقَامَتِهِ، فَلاَ يُؤَذَّنُ لِلْوِتْرِ، وَلاَ يُقَامُ لَهَا، مَعَ قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِهَا.
قَالُوا: وَلاَ يَجُوزُ تَقْدِيمُ صَلاَةِ الْوِتْرِ عَلَى صَلاَةِ الْعِشَاءِ، لاَ لِعَدَمِ دُخُول وَقْتِهَا، بَل لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ. فَلَوْ صَلَّى الْوِتْرَ قَبْل الْعِشَاءِ نَاسِيًا، أَوْ صَلاَّهُمَا، فَظَهَرَ فَسَادُ صَلاَةِ الْعِشَاءِ دُونَ الْوِتْرِ يَصِحُّ الْوِتْرُ وَيُعِيدُ الْعِشَاءَ وَحْدَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لأَِنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ بِمِثْل هَذَا الْعُذْرِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ - أَيْضًا -: مَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ، بِأَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ يَطْلُعُ فِيهِ الْفَجْرُ مَعَ غُرُوبِ الشَّفَقِ، أَوْ قَبْلَهُ، فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ
_________
(١) المغني ٢ / ١٦١، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٥١، وكشاف القناع ١ / ٤١٥، ٤١٦، والقليوبي على شرح المنهاج ١ / ٢١٣، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٦٠، والزرقاني ١ / ٢٨٨.
الْعِشَاءُ وَلاَ الْوِتْرُ (١) .
٦ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ: عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ جَعْل الْوِتْرِ آخِرَ النَّوَافِل الَّتِي تُصَلَّى بِاللَّيْل؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْل وِتْرًا (٢) .
فَإِنْ أَرَادَ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ أَنْ يَتَنَفَّل يَجْعَل وِتْرَهُ بَعْدَ النَّفْل، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَتَهَجَّدَ - أَيْ يَقُومُ مِنْ آخِرِ اللَّيْل - فَإِنَّهُ إِذَا وَثِقَ بِاسْتِيقَاظِهِ أَوَاخِرَ اللَّيْل يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ وِتْرَهُ لِيَفْعَلَهُ آخِرَ اللَّيْل، وَإِلاَّ فَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُ قَبْل النَّوْمِ؛ لِحَدِيثِ: مَنْ خَافَ أَنْ لاَ يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْل فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْل، فَإِنَّ صَلاَةَ آخِرِ اللَّيْل مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَل (٣) وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مِنْ كُل اللَّيْل قَدْ أَوْتَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ، مِنْ أَوَّل اللَّيْل وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ (٤) .
_________
(١) فتح القدير ١ / ٣٠٣، والفتاوى الهندية ١ / ٥١.
(٢) حديث: " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٤٨٨ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٥١٨ - ط. الحلبي) من حديث ابن عمر.
(٣) حديث: " من خاف ألا يقوم في آخر الليل. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٥٢٠ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله.
(٤) شرح المحلى على المنهاج ١ / ٢١٣، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٥٩، وكشاف القناع ١ / ٤١٦، وحديث عائشة: " من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه البخاري (الفتح٢ / ٤٨٦ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٥١٢ - ط. الحلبي) واللفظ لمسلم.
عَدَدُ رَكَعَاتِ صَلاَةِ الْوِتْرِ:
٧ - أَقَل صَلاَةِ الْوِتْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالُوا: وَيَجُوزُ ذَلِكَ بِلاَ كَرَاهَةٍ لِحَدِيثِ: صَلاَةُ اللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ (١) وَالاِقْتِصَارُ عَلَيْهَا خِلاَفُ الأَْوْلَى، لَكِنْ فِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: شَرْطُ الإِْيتَارِ بِرَكْعَةٍ سَبْقُ نَفْلٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ مِنْ سُنَّتِهَا، أَوْ غَيْرِهَا لِيُوتِرَ النَّفَل.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - خِلاَفُ الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ -: يُكْرَهُ الإِْيتَارُ بِرَكْعَةٍ حَتَّى فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ، تُسَمَّى الْبُتَيْرَاءُ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الإِْنْصَافِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ الإِْيتَارُ بِرَكْعَةٍ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْبُتَيْرَاءِ (٢) قَالُوا: " رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ رَأَى رَجُلًا يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَقَال: مَا هَذِهِ الْبُتَيْرَاءُ؟ لَتَشْفَعَنَّهَا أَوْ لأَُؤَدِّبَنَّكَ (٣) .
_________
(١) حديث " صلاة الليل مثنى مثنى. . . ". أخرجه البخاري (الفتح٢ / ٤٧٦ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٥١٧ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر، واللفظ لمسلم.
(٢) حديث: " نهى عن البتيراء. . . ". عزاه الزيلعي في نصب الراية (٢ / ١٢٠ ط المجلس العلمي بالهند) إلى التمهيد لابن عبد البر، ونقل عن ابن القطان أنه قال: هذا حديث شاذ لا يعرج على روايته.
(٣) الهداية وفتح القدير والعناية ١ / ٣٠٤.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَكْثَرُ الْوِتْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَكْثَرُهُ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَيَجُوزُ بِمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنَ الأَْوْتَارِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَل، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاَثٍ فَلْيَفْعَل، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَل. (١) وَقَوْلُهُ: أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ (٢) وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِثَلاَثِ عَشْرَةَ رَكْعَةً (٣) . لَكِنْ قَال الْمَحَلِّيُّ: يُحْمَل هَذَا عَلَى أَنَّهَا حَسِبَتْ فِيهِ سُنَّةَ الْعِشَاءِ.
وَأَدْنَى الْكَمَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ثَلاَثُ رَكَعَاتٍ، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَةٍ كَانَ خِلاَفَ الأَْوْلَى. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ: عَلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ الإِْيتَارُ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ بِلاَ عُذْرٍ.
_________
(١) حديث: " من أحب أن يوتر بخمس فليفعل. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ١٣٢ تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي أيوب الأنصاري، وذكر ابن حجر في التلخيص (٢ / ١٣ - ط شركة الطباعة الفنية) أن أبا حاتم الرازي والدارقطني وغير واحد صححوا وقفه وقالوا: وهو الصواب.
(٢) حديث: " أوتروا بخمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة ". أخرجه الحاكم (١ / ٣٠٤ ط. دائرة المعارف العثمانية) وقال ابن حجر في التلخيص (١ / ٣٠١٤ ط. شركة الطباعة الفنية): رجاله ثقات.
(٣) حديث أم سلمة: " كان يوتر بثلاث عشرة ركعة ". أخرجه أحمد (٦ / ٣٢٢ ط الميمنية) والترمذي (٢ / ٣٢٠ - ط الحلبي) وحسنه الترمذي.
وَأَكْمَل مِنَ الثَّلاَثِ خَمْسٌ، ثُمَّ سَبْعٌ، ثُمَّ تِسْعٌ ثُمَّ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَهِيَ أَكْمَلُهُ (١) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَلَمْ يَذْكُرُوا فِي عَدَدِهِ إِلاَّ ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ، بِتَشَهُّدَيْنِ وَسَلاَمٍ، كَمَا يُصَلَّى الْمَغْرِبُ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْل عَائِشَةَ ﵂ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِثَلاَثٍ لاَ يُسَلِّمُ إِلاَّ فِي آخِرِهِنَّ (٢) وَفِي الْهِدَايَةِ: حَكَى الْحَسَنُ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الثَّلاَثِ. قَال ابْنُ الْهُمَامِ: وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ (٣) .
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: فَإِنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ، لَكِنْ لاَ تَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ شَفْعٍ يَسْبِقُهَا. وَاخْتُلِفَ: هَل تَقْدِيمُ الشَّفْعِ شَرْطُ صِحَّةٍ أَوْ كَمَالٍ؟ قَالُوا: وَقَدْ تُسَمَّى الرَّكَعَاتُ الثَّلاَثُ وِتْرًا إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ، وَالْوِتْرُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ. وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَاحِدَةً فَقَطْ، بَل بَعْدَ نَافِلَةٍ، وَأَقَل تِلْكَ النَّافِلَةِ رَكْعَتَانِ، وَلاَ حَدَّ لأَِكْثَرِهَا. قَالُوا: وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ حَدِيثُ: صَلاَةُ اللَّيْل
_________
(١) شرح المحلى على المنهاج، وحاشية القليوبي ١ / ٢١٢ ٢١٣٢، وكشاف القناع ١ / ٤١٦، والإنصاف ١ / ١٦٨، والمغني ٢ / ١٥٠، ١٦٥.
(٢) حديث عائشة: (كان يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن) . أخرجه الحاكم (١ / ٣٠٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) وأخرجه النسائي (٣ / ٢٣٥ - ط المطبعة التجارية) بلفظ: " كان لا يسلم في ركعتي الوتر "، وصحح الحديث الذهبي في (التلخيص) .
(٣) الهداية وفتح القدير والعناية ١ / ٣٠٣، ٣٠٤.