الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧
وَسَهْوِهِ، فَإِنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ الْمُصَلِّي عَمْدًا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا إِنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ سَهْوًا لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ، وَانْجَبَرَ بِسُجُودِ السَّهْوِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِالأَْكْل وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَيْهِ؛ لِشِدَّةِ مُنَافَاتِهِ لِلصَّلاَةِ مَعَ نُدْرَتِهِ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ: النَّاسِيَ أَنَّهُ فِي الصَّلاَةِ، وَالْجَاهِل بِالتَّحْرِيمِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالإِْسْلاَمِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ فَلاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ بِالأَْكْل إِلاَّ إِذَا كَثُرَ عُرْفًا، وَلاَ تَبْطُل مَا لَوْ جَرَى رِيقُهُ بِبَاقِي طَعَامٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ وَعَجَزَ عَنْ تَمْيِيزِهِ وَمَجِّهِ كَمَا فِي الصَّوْمِ.
وَصَرَّحُوا: بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِفَمِهِ سُكَّرَةٌ فَذَابَتْ فَبَلَعَ ذَوْبَهَا عَمْدًا، مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ، أَوْ تَقْصِيرِهِ فِي التَّعَلُّمِ فَإِنَّ صَلاَتَهُ تَبْطُل. كَمَا صَرَّحُوا بِبُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِالْمَضْغِ إِنْ كَثُرَ، وَإِنْ لَمْ يَصِل إِلَى جَوْفِهِ شَيْءٌ.
وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صَلاَةِ الْفَرْضِ وَالنَّفَل، فَصَلاَةُ الْفَرْضِ تَبْطُل بِالأَْكْل وَالشُّرْبِ عَمْدًا، قَل الأَْكْل أَوِ الشُّرْبُ أَوْ كَثُرَ، لأَِنَّهُ يُنَافِي الصَّلاَةَ. وَأَمَّا صَلاَةُ النَّفْل فَلاَ تَبْطُل بِالأَْكْل وَالشَّرَابِ إِلاَّ إِذَا كَثُرَ عُرْفًا لِقَطْعِ الْمُوَالاَةِ بَيْنَ الأَْرْكَانِ.
قَال الْبُهُوتِيُّ: وَهَذَا رِوَايَةٌ، وَعَنْهُ أَنَّ
النَّفَل كَالْفَرْضِ، قَال فِي الْمُبْدِعِ وَبِهِ قَال أَكْثَرُهُمْ؛ لأَِنَّ مَا أَبْطَل الْفَرْضَ أَبْطَل النَّفَل، كَسَائِرِ الْمُبْطِلاَتِ.
وَكُل مَا سَبَقَ فِيمَا إِذَا كَانَ الأَْكْل وَالشُّرْبُ عَمْدًا، فَإِنْ كَانَ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا فَإِنَّهُ لاَ يُبْطِل الصَّلاَةَ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا إِذَا كَانَ يَسِيرًا؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَلأَِنَّ تَرْكَهُمَا عِمَادُ الصَّوْمِ، وَرُكْنُهُ الأَْصْلِيُّ، فَإِذَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي حَالَةِ السَّهْوِ فِي الصِّيَامِ فَالصَّلاَةُ أَوْلَى.
قَالُوا: وَلاَ بَأْسَ بِبَلْعِ مَا بَقِيَ فِي فِيهِ مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ، أَوْ بَقِيَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ بِلاَ مَضْغٍ مِمَّا يَجْرِي بِهِ رِيقُهُ وَهُوَ الْيَسِيرُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يُسَمَّى أَكْلًا، وَأَمَّا مَا لاَ يَجْرِي بِهِ رِيقُهُ بَل يَجْرِي بِنَفْسِهِ - وَهُوَ مَا لَهُ جِرْمٌ - فَإِنَّ الصَّلاَةَ تَبْطُل بِبَلْعِهِ لِعَدَمِ مَشَقَّةِ الاِحْتِرَازِ.
قَال الْمَجْدُ: إِذَا اقْتَلَعَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ مَا لَهُ جِرْمٌ وَابْتَلَعَهُ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ عِنْدَنَا، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ بَلْعَ مَا ذَابَ بِفِيهِ مِنْ سُكَّرٍ وَنَحْوِهِ كَالأَْكْل (١) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤١٨، حاشية الدسوقي ١ / ٢٨٩، مواهب الجليل ٢ / ٣٦، الخرشي على خليل ١ / ٣٣٠، نهاية المحتاج ٢ / ٥٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٠٠، شرح روض الطالب ١ / ١٨٥، كشاف القناع ١ / ٣٩٨.
و- الْعَمَل الْكَثِيرُ:
١١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِالْعَمَل الْكَثِيرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَمَل الْكَثِيرَ الَّذِي تَبْطُل الصَّلاَةُ بِهِ هُوَ مَا لاَ يَشُكُّ النَّاظِرُ فِي فَاعِلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلاَةِ. قَالُوا: فَإِنْ شَكَّ أَنَّهُ فِيهَا أَمْ لاَ فَقَلِيلٌ، وَهَذَا هُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ، وَقَيَّدُوا الْعَمَل الْكَثِيرَ أَلاَّ يَكُونَ لإِصْلاَحِهَا لِيَخْرُجَ بِهِ الْوُضُوءُ وَالْمَشْيُ لِسَبْقِ الْحَدَثِ فَإِنَّهُمَا لاَ يُفْسِدَانِهَا.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ: وَلاَ فِعْل لِعُذْرٍ احْتِرَازًا عَنْ قَتْل الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ عَلَى قَوْلٍ، إِلاَّ أَنْ يُقَال: إِنَّهُ لإِصْلاَحِهَا؛ لأَِنَّ تَرْكَهُ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى إِفْسَادِهَا.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، فَالْعَمَل الْكَثِيرُ عِنْدَهُمْ هُوَ مَا يُخَيَّل لِلنَّاظِرِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلاَةٍ، وَالسَّهْوُ فِي ذَلِكَ كَالْعَمْدِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي مَعْرِفَةِ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ هُوَ الْعُرْفُ، فَمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ قَلِيلًا فَقَلِيلٌ، وَمَا يَعُدُّونَهُ كَثِيرًا فَكَثِيرٌ، قَال الشَّافِعِيَّةُ: فَالْخُطْوَتَانِ المُتَوَّسِّطَتان، وَالضَّرْبَتَانِ، وَنَحْوِهِمَا قَلِيلٌ، وَالثَّلاَثُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ غَيْرُهُ كَثِيرٌ إِنْ تَوَالَتْ. سَوَاءٌ أَكَانَتْ
مِنْ جِنْسِ الْخُطُوَاتِ، أَمْ أَجْنَاسٌ: كَخُطْوَةٍ، وَضَرْبَةٍ، وَخَلْعِ نَعْلٍ. وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْخُطُوَاتُ الثَّلاَثُ بِقَدْرِ خُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ أَمْ لاَ. وَصَرَّحُوا بِبُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِالْفَعْلَةِ الْفَاحِشَةِ؛ كَالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ لِمُنَافَاتِهَا لِلصَّلاَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَالأَْفْعَال الْعَمْدِيَّةُ عِنْدَهُمْ تُبْطِل الصَّلاَةَ وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ جِنْسِ أَفْعَال الصَّلاَةِ أَمْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا. أَمَّا السَّهْوُ فَإِنْ كَانَتِ الأَْفْعَال مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلاَةِ فَتَبْطُل بِكَثِيرِهَا؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ لاَ تَدْعُو إِلَيْهَا، أَمَّا إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا كَصَلاَةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ فَلاَ تَضُرُّ وَلَوْ كَثُرَتْ. أَمَّا إِذَا كَانَتِ الأَْفْعَال مِنْ جِنْسِهَا - كَزِيَادَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ سَهْوًا - فَلاَ تَبْطُل (١)؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلَمْ يُعِدْهَا (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَتَقَدَّرُ الْيَسِيرُ بِثَلاَثٍ وَلاَ لِغَيْرِهَا مِنَ الْعَدَدِ، بَل الْيَسِيرُ مَا عَدَّهُ الْعُرْفُ يَسِيرًا؛ لأَِنَّهُ لاَ تَوْقِيفَ فِيهِ فَيُرْجَعُ لِلْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ. فَإِنْ طَال عُرْفًا مَا فَعَل فِيهَا، وَكَانَ ذَلِكَ الْفِعْل مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا غَيْرَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤١٩، بلغة السالك ١ / ١٢٦ ط. مصطفى الحلبي ١٩٥٢، مغني المحتاج ١ / ١٩٨، كشاف القناع ١ / ٣٧٧، مطالب أولي النهى ١ / ٥٣٩.
(٢) حديث: " صلى النبي ﷺ خمسًا وسجد للسهو. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٩٤ - ط. السلفية) من حديث عبد الله بن مسعود.
مُتَفَرِّقٍ أَبْطَلَهَا عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا مَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةً، كَحَالَةِ خَوْفٍ، وَهَرَبٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ كَسَيْلٍ لَمْ تَبْطُل، وَعَدَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنَ الضَّرُورَةِ الْحِكَّةَ الَّتِي لاَ يَصْبِرُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْعَمَل الْمُتَفَرِّقُ فَلاَ يُبْطِل الصَّلاَةَ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَّ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ إِذَا قَامَ حَمَل أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ، وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا (١) وَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَتَكَرَّرَ صُعُودُهُ وَنُزُولُهُ عَنْهُ (٢) .
ز - تَخَلُّفُ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلاَةِ:
١١٥ - لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ مُسْتَوْفِيَةً شُرُوطَهَا. فَإِذَا تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا: كَالطَّهَارَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ بَطَلَتْ، وَكَذَلِكَ لَوْ طَرَأَ مَا يُنَافِيهَا كَمَا لَوْ نَزَلَتْ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ يُصَلِّي، أَوْ تَذَكَّرَ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. . . وَالتَّفْصِيل كَمَا يَلِي:
أَوَّلًا: تَخَلُّفُ شَرْطِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ:
١١٦ - إِذَا أَحْدَثَ الْمُصَلِّي أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ، أَوْ
_________
(١) حديث: " أن النبي ﷺ حمل أمامة بنت زينب في الصلاة ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٥٩٠ - ط. السلفية)، ومسلم (١ / ٣٨٦ - ط. الحلبي) من حديث أبي قتادة واللفظ لمسلم.
(٢) حديث أنه ﷺ: " صلى على المنبر. . . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٨٦ - ط. السلفية) من حديث سهل بن سعد.
كَانَ مُحْدِثًا قَبْل الصَّلاَةِ وَتَذَكَّرَ ذَلِكَ فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّ صَلاَتَهُ لاَ تَصِحُّ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ﴿
لاَ تُقْبَل صَلاَةٌ بِغَيْرِ طَهُورٍ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (حَدَث) ف ٢٣ (١٧ ١٢٤) (وَرُعَاف) ف ٥ (٢٢ ٢٦٥) .
ثَانِيًا: تَخَلُّفُ شَرْطِ الطَّهَارَةِ مِنَ النَّجَاسَةِ:
١١٧ - طَهَارَةُ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَمَكَانِهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ.
وَسَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي فِقْرَةِ (١٠) .
صَلاَةُ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ:
١١٨ - الطَّهُورَانِ هُمَا: الْمَاءُ وَالصَّعِيدُ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ فَاقِدِهِمَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ - إِلَى وُجُوبِ أَدَاءِ الْفَرْضِ عَلَيْهِ فَقَطْ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى سُقُوطِ الصَّلاَةِ عَلَى فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ) .
صَلاَةُ الْعَاجِزِ عَنْ ثَوْبٍ طَاهِرٍ وَمَكَانٍ طَاهِرٍ:
١١٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صَلاَةِ الْعَاجِزِ عَنْ ثَوْبٍ طَاهِرٍ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ
_________
(١) حديث: " لا تقبل صلاة بغير طهور ". أخرجه مسلم (١ / ٢٠٤ - ط. الحلبي) .
يُصَلِّيَ بِالثَّوْبِ النَّجَسِ أَوْ عَارِيًا مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ، وَالصَّلاَةُ بِالثَّوْبِ النَّجَسِ حِينَئِذٍ أَفْضَل؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَانِعٌ مِنْ جَوَازِ الصَّلاَةِ حَالَةَ الاِخْتِيَارِ. فَيَسْتَوِيَانِ فِي حُكْمِ الصَّلاَةِ. وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لاَ تُجْزِئُهُ الصَّلاَةُ إِلاَّ فِي الثَّوْبِ النَّجَسِ؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ فِيهِ أَقْرَبُ إِلَى الْجَوَازِ مِنَ الصَّلاَةِ عُرْيَانًا، فَإِنَّ الْقَلِيل مِنَ النَّجَاسَةِ لاَ يَمْنَعُ الْجَوَازَ، وَكَذَلِكَ الْكَثِيرُ فِي قَوْل بَعْضِ الْعُلَمَاءِ. قَال عَطَاءٌ ﵀: مَنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ سَبْعُونَ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ جَازَتْ صَلاَتُهُ. وَلَمْ يَقُل أَحَدٌ بِجَوَازِ الصَّلاَةِ عُرْيَانًا فِي حَال الاِخْتِيَارِ. قَال فِي الأَْسْرَارِ: وَقَوْل مُحَمَّدٍ ﵀ أَفْضَل.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ ثَوْبٍ طَاهِرٍ يُصَلِّي فِي ثَوْبِهِ النَّجَسِ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُعِيدُ الصَّلاَةَ إِذَا وَجَدَ غَيْرَهُ أَوْ مَا يُطَهِّرُ بِهِ أَبَدًا. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ فَقَطْ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا وَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ (١) .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْعَاجِزِ عَنْ مَكَان طَاهِرٍ، كَأَنْ يُحْبَسَ فِي مَكَان نَجَسٍ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٧٧، فتح القدير ١ / ٢٢٩، حاشية الدسوقي ١ / ٢١٧، المجموع ٣ / ١٤٢، الإنصاف ١ / ٤٦٠.
وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ وُجُودِ النَّجَاسَةِ وَلاَ يَتْرُكَ الصَّلاَةَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (١) . قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: وَيَجِبُ أَنْ يَتَجَافَى عَنِ النَّجَاسَةِ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَغَيْرِهِمَا الْقَدْرَ الْمُمْكِنَ، وَيَجِبُ أَنْ يَنْحَنِيَ لِلسُّجُودِ إِلَى الْقَدْرِ الَّذِي لَوْ زَادَ عَلَيْهِ لاَقَى النَّجَاسَةَ. زَادَ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى قَدَمَيْهِ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: بِوُجُوبِ الإِْعَادَةِ عَلَيْهِ أَبَدًا. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ وَجَدَ مَكَانًا يَابِسًا سَجَدَ عَلَيْهِ وَإِلاَّ فَيُومِئُ قَائِمًا (٢) .
ثَالِثًا: تَخَلُّفُ شَرْطِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ:
١٢٠ - سَتْرُ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلاَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ إِلاَّ بِسَتْرِهَا، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى بُطْلاَنِ صَلاَةِ مَنْ كَشَفَ عَوْرَتَهُ فِيهَا قَصْدًا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوِ انْكَشَفَتْ بِلاَ قَصْدٍ مَتَى تَبْطُل صَلاَتُهُ؟ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ تَبْطُل لَوِ
_________
(١) حديث: " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ". أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٢٥١ - ط. السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٧٥ ط. الحلبي) .
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ١٦٨، جواهر الإكليل ١ / ١١، المجموع ٣ / ١٥٤، الإنصاف ١ / ٤٦٠، ٤٦٢.
انْكَشَفَ رُبُعُ عُضْوٍ قَدْرُ أَدَاءِ رُكْنٍ بِلاَ صُنْعِهِ.
وَيَدْخُل فِي أَدَاءِ الرُّكْنِ سُنَّتُهُ أَيْضًا. وَهَذَا قَوْل أَبِي يُوسُفَ. وَاعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ أَدَاءَ الرُّكْنِ حَقِيقَةً.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالأَْوَّل الْمُخْتَارُ لِلاِحْتِيَاطِ. وَعَلَيْهِ لَوِ انْكَشَفَ رُبُعُ عُضْوٍ - أَقَل مِنْ أَدَاءِ رُكْنٍ - فَلاَ يَفْسُدُ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لأَِنَّ الاِنْكِشَافَ الْكَثِيرَ فِي الزَّمَانِ الْقَلِيل عَفْوٌ كَالاِنْكِشَافِ الْقَلِيل فِي الزَّمَنِ الْكَثِيرِ. وَأَمَّا إِذَا أَدَّى مَعَ الاِنْكِشَافِ رُكْنًا فَإِنَّهَا تَفْسُدُ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الاِنْكِشَافِ الْحَادِثِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ. أَمَّا الْمُقَارِنُ لاِبْتِدَائِهَا فَإِنَّهُ يَمْنَعُ انْعِقَادَهَا مُطْلَقًا اتِّفَاقًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْمَكْشُوفُ رُبُعَ الْعُضْوِ.
وَلَمْ يُقَيِّدِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الْبُطْلاَنَ بِقُيُودٍ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ مُطْلَقَ الاِنْكِشَافِ يُبْطِل الصَّلاَةَ.
قَال النَّوَوِيُّ: فَإِنِ انْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْ عَوْرَةِ الْمُصَلِّي لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ سَوَاءٌ أَكَثُرَ الْمُنْكَشِفُ أَمْ قَل، وَلَوْ كَانَ أَدْنَى جُزْءٍ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَسْتُرْهَا فِي الْحَال.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَضُرُّ انْكِشَافُ يَسِيرٍ مِنَ الْعَوْرَةِ بِلاَ قَصْدٍ، وَلَوْ كَانَ زَمَنُ الاِنْكِشَافِ طَوِيلًا لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ
الْجَرْمِيِّ قَال: انْطَلَقَ أَبِي وَافِدًا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَعَلَّمَهُمُ الصَّلاَةَ، فَقَال: يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ، وَكُنْتُ أَقْرَأَهُمْ لِمَا كُنْتُ أَحْفَظُ، فَقَدَّمُونِي، فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي صَغِيرَةٌ صَفْرَاءُ، فَكُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ انْكَشَفَتْ عَنِّي. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسَاءِ: وَارُوا عَنَّا عَوْرَةَ قَارِئِكُمْ. فَاشْتَرُوا لِي قَمِيصًا عُمَانِيًّا فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ بَعْدَ الإِْسْلاَمِ فَرَحِي بِهِ (١) وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَلاَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَالْيَسِيرُ هُوَ الَّذِي لاَ يَفْحُشُ فِي النَّظَرِ عُرْفًا. قَال الْبُهُوتِيُّ: وَيَخْتَلِفُ الْفُحْشُ بِحَسَبِ الْمُنْكَشِفِ، فَيَفْحُشُ مِنَ السَّوْأَةِ مَا لاَ يَفْحُشُ مِنْ غَيْرِهَا. وَكَذَا لاَ تَبْطُل الصَّلاَةُ إِنِ انْكَشَفَ مِنَ الْعَوْرَةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ فِي زَمَنٍ قَصِيرٍ، فَلَوْ أَطَارَتِ الرِّيحُ ثَوْبَهُ عَنْ عَوْرَتِهِ، فَبَدَا مِنْهَا مَا لَمْ يَعْفُ عَنْهُ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ، وَكَذَا لَوْ بَدَتِ الْعَوْرَةُ كُلُّهَا فَأَعَادَ الثَّوْبَ سَرِيعًا بِلاَ عَمَلٍ كَثِيرٍ فَإِنَّهَا لاَ تَبْطُل، لِقِصَرِ مُدَّتِهِ أَشْبَهَ الْيَسِيرَ فِي الزَّمَنِ الطَّوِيل. وَكَذَا تَبْطُل لَوْ فَحُشَ وَطَال الزَّمَنُ، وَلَوْ بِلاَ قَصْدٍ (٢) .
_________
(١) حديث عمرو بن سلمة: " انطلق أبي وافدًا ". أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ٢٢ - ٢٣ ط. السلفية)، وأبو داود (١ / ٣٩٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) واللفظ لأبي داود.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٧٣، والكافي ١ / ٢٣٨ - ط. مكتبة الرياض ١٩٧٨ م، مواهب الجليل ١ / ٣٩٨، المجموع ٣ / ١٦٦، ومغني المحتاج ١ / ١٨٨، كشاف القناع ١ / ٢٦٩.