الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٧
بِالتَّكْبِيرِ أَوِ التَّسْمِيعِ، فَإِنَّهُ إِنْ قَصَدَ الرَّدَّ مَعَ الْقِرَاءَةِ أَوْ الْقِرَاءَةَ - فَقَطْ - أَوْ قَصَدَ التَّكْبِيرَ أَوِ التَّسْمِيعَ - فَقَطْ - مَعَ الإِْعْلاَمِ لَمْ تَبْطُل وَإِلاَّ بَطَلَتْ، وَإِنْ كَانَ فِي كَلاَمِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا يُوهِمُ خِلاَفَ ذَلِكَ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ صَلاَةِ مَنْ خَاطَبَ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ؛ لِمَا رَوَى الْخَلاَّل عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَال: اسْتَأْذَنَّا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ يُصَلِّي فَقَال ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمَنِينَ﴾ فَقُلْنَا: كَيْفَ صَنَعْتَ؟ قَال: اسْتَأْذَنَّا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمَنِينَ﴾، وَلأَِنَّهُ قُرْآنٌ فَلَمْ تَفْسُدْ بِهِ الصَّلاَةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدِ التَّنْبِيهَ. وَقَال الْقَاضِي: إِذَا قَصَدَ بِالْحَمْدِ الذِّكْرَ أَوِ الْقُرْآنَ لَمْ تَبْطُل، وَإِنْ قَصَدَ خِطَابَ آدَمِيٍّ بَطَلَتْ، وَإِنْ قَصَدَهُمَا فَوَجْهَانِ، فَأَمَّا إِنْ أَتَى بِمَا لاَ يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ: يَا إِبْرَاهِيمُ وَنَحْوَهُ فَسَدَتْ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّ هَذَا كَلاَمُ النَّاسِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ عَنْ كَلاَمِهِمْ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ كَلِمَاتٍ مُفَرَّقَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَال: يَا إِبْرَاهِيمُ خُذِ الْكِتَابَ الْكَبِيرَ.
كَمَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِكُل مَا قُصِدَ بِهِ الْجَوَابُ مِنَ الذِّكْرِ
وَالثَّنَاءِ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ، كَأَنْ قِيل. أَمَعَ اللَّهِ إِلَهٌ؟ فَقَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. أَوْ مَا مَالُكَ؟ فَقَال: الْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِيرُ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْجَوَابُ بِمَا لَيْسَ بِثَنَاءٍ فَإِنَّهَا تَفْسُدُ اتِّفَاقًا، كَأَنْ قِيل: مَا مَالُكَ؟ فَقَال: الإِْبِل وَالْبَقَرُ وَالْعَبِيدُ مَثَلًا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِثَنَاءٍ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أُخْبِرَ بِخَبَرِ سُوءٍ فَاسْتَرْجَعَ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّهَا تَفْسُدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لأَِنَّ الأَْصْل عِنْدَهُ أَنَّ مَا كَانَ ثَنَاءً أَوْ قُرْآنًا لاَ يَتَغَيَّرُ بِالنِّيَّةِ، وَعِنْدَهُمَا يَتَغَيَّرُ، وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ: أَنَّهُ لَوْ أُخْبِرَ بِخَبَرٍ يَسُرُّهُ فَقَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ عَلَى الْخِلاَفِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ فِي الصَّلاَةِ لِغَيْرِهِ يُفْسِدُ الصَّلاَةَ. فَلَوْ عَطَسَ شَخْصٌ فَقَال لَهُ الْمُصَلِّي: يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَسَدَتْ صَلاَتُهُ، لأَِنَّهُ يَجْرِي فِي مُخَاطَبَاتِ النَّاسِ فَكَانَ مِنْ كَلاَمِهِمْ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا قَال الْعَاطِسُ أَوِ السَّامِعُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَإِنَّهُ لاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ، لأَِنَّهُ لَمْ يُتَعَارَفْ جَوَابًا إِلاَّ إِذَا أَرَادَ التَّعْلِيمَ فَإِنَّ صَلاَتَهُ تَفْسُدُ، وَأَمَّا إِذَا عَطَسَ فَشَمَّتَ نَفْسَهُ فَقَال: يَرْحَمُكِ اللَّهُ يَا نَفْسِي لاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ، لأَِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ خِطَابًا لِغَيْرِهِ لَمْ يُعْتَبَرْ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ كَمَا إِذَا قَال: يَرْحَمُنِي اللَّهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَبْطُل
الصَّلاَةُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ إِلاَّ أَنْ يُخَاطِبَ كَقَوْلِهِ لِعَاطِسٍ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْخِطَابُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ فَلاَ تَبْطُل بِهِ الصَّلاَةُ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الذِّكْرُ لاَ خِطَابَ فِيهِ فَلاَ تَبْطُل بِهِ الصَّلاَةُ، كَمَا لَوْ عَطَسَ فَقَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ. أَوْ سَمِعَ مَا يَغُمُّهُ فَقَال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أَوْ رَأَى مَا يُعْجِبُهُ فَقَال: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ قِيل لَهُ: وُلِدَ لَكَ غُلاَمٌ فَقَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ؛ لِلاِخْتِلاَفِ فِي إِبْطَالِهِ الصَّلاَةَ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ، وَالاِسْتِرْجَاعِ مِنْ مُصِيبَةٍ أُخْبِرَ بِهَا وَنَحْوِهِ إِلاَّ أَنَّهُ يُنْدَبُ تَرْكُهُ كَمَا صَرَّحُوا بِجَوَازِ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيل وَالْحَوْقَلَةِ بِقَصْدِ التَّفْهِيمِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ مِنَ الصَّلاَةِ؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ كُلَّهَا مَحَلٌّ لِذَلِكَ (١) .
ج - التَّأَوُّهُ وَالأَْنِينُ وَالتَّأْفِيفُ وَالْبُكَاءُ وَالنَّفْخُ وَالتَّنَحْنُحُ:
١٠٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْنِينَ (وَهُوَ قَوْل: أُهْ بِالْقَصْرِ) وَالتَّأَوُّهَ (وَهُوَ قَوْل: آهٍ بِالْمَدِّ) وَالْبُكَاءَ وَنَحْوَهُ إِنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ بَطَلَتِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤١٦، فتح القدير ١ / ٣٤٧، حاشية الدسوقي ١ / ٢٨٣، ٢٨٥، مغني المحتاج ١ / ١٩٦، كشاف القناع ١ / ١٩٦، مطالب أولي النهى ١ / ٥٣٧.
الصَّلاَةُ. وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ الْمَرِيضَ الَّذِي لاَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ فَلاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ بِالأَْنِينِ وَالتَّأَوُّهِ وَالتَّأْفِيفِ وَالْبُكَاءِ، وَإِنْ حَصَل حُرُوفٌ لِلضَّرُورَةِ.
قَال أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ الأَْنِينُ مِنْ وَجَعٍ، مِمَّا يُمْكِنُ الاِمْتِنَاعُ عَنْهُ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ لاَ يَقْطَعُ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ إِنْ كَانَ الْمَرَضُ خَفِيفًا يَقْطَعُ، وَإِلاَّ فَلاَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ الْقُعُودُ إِلاَّ بِالأَْنِينِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إِذَا لَمْ يَتَكَلَّفْ إِخْرَاجَ حُرُوفٍ زَائِدَةٍ، كَمَا اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ الْبُكَاءَ مِنْ خَوْفِ الآْخِرَةِ وَذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَإِنَّهُ لاَ تَفْسُدُ بِهِ الصَّلاَةُ، لِدَلاَلَتِهِ عَلَى الْخُشُوعِ. فَلَوْ أَعْجَبَتْهُ قِرَاءَةُ الإِْمَامِ فَجَعَل يَبْكِي وَيَقُول: بَلَى أَوْ نَعَمْ لاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ الْكَافِي: لأَِنَّ الأَْنِينَ وَنَحْوَهُ إِذَا كَانَ بِذِكْرِهِمَا صَارَ كَأَنَّهُ قَال: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ صَارَ كَأَنَّهُ يَقُول: أَنَا مُصَابٌ فَعَزُّونِي وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ تَفْسُدُ.
وَلَمْ يُفَرِّقِ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبُكَاءُ مِنْ خَوْفِ الآْخِرَةِ أَمْ لاَ فِي بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الأَْنِينِ لأَِجْل وَجَعٍ غَلَبَهُ، وَالْبُكَاءِ لأَِجْل الْخُشُوعِ، سَوَاءٌ كَانَ
قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الأَْنِينُ وَالْبُكَاءُ مِنْ غَلَبَةٍ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ، قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَالْعَمْدُ مُبْطِلٌ مُطْلَقًا قَل أَوْ كَثُرَ، وَالسَّهْوُ يُبْطِل إِنْ كَانَ كَثِيرًا وَيَسْجُدُ لَهُ إِنْ قَل. قَال الدَّرْدِيرُ: وَهَذَا فِي الْبُكَاءِ الْمَمْدُودِ وَهُوَ مَا كَانَ بِصَوْتٍ، وَأَمَّا الْمَقْصُورُ، وَهُوَ مَا كَانَ بِلاَ صَوْتٍ فَلاَ يَضُرُّ وَلَوِ اخْتِيَارًا مَا لَمْ يَكْثُرْ.
وَمِثْل الْمَالِكِيَّةِ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ فَصَرَّحُوا بِعَدَمِ بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِالْبُكَاءِ خَشْيَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي وُسْعِهِ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ غَلَبَهُ نَحْوُ سُعَالٍ وَعُطَاسٍ وَتَثَاؤُبٍ وَبُكَاءٍ، وَلَوْ بَانَ مِنْهُ حَرْفَانِ، قَال مُهَنَّا: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَتَثَاءَبَ خَمْسَ مَرَّاتٍ وَسَمِعْتُ لِتَثَاؤُبِهِ: هَاهْ، هَاهْ. وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لاَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ وَلاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْكَلاَمِ. تَقُول: تَثَاءَبْتُ، عَلَى تَفَاعَلْتُ، وَلاَ تَقُل: تَثَاوَبْتُ، إِلاَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِدْعَاءُ بُكَاءٍ وَضَحِكٍ لِئَلاَّ يَظْهَرَ حَرْفَانِ فَتَبْطُل صَلاَتُهُ.
١١٠ - وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ التَّنَحْنُحَ (هُوَ أَنْ يَقُول أَحْ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ) لِغَيْرِ عُذْرٍ مُبْطِلٌ لِلصَّلاَةِ إِنْ ظَهَرَ حَرْفَانِ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ نَشَأَ مِنْ طَبْعِهِ، أَوْ غَلَبَهُ فَلاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ. قَال
الْحَنَفِيَّةُ: وَمِثْلُهُ مَا لَوْ فَعَلَهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، كَتَحْسِينِ الصَّوْتِ؛ لأَِنَّهُ يَفْعَلُهُ لإِصْلاَحِ الْقِرَاءَةِ، وَمِنَ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ مَا لَوْ فَعَلَهُ لِيَهْتَدِيَ إِمَامُهُ إِلَى الصَّوَابِ، أَوْ لِلإِْعْلاَمِ أَنَّهُ فِي الصَّلاَةِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْقِيَاسُ الْفَسَادُ فِي الْكُل إِلاَّ فِي الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ كَمَا هُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لأَِنَّهُ كَلاَمٌ، وَالْكَلاَمُ مُفْسِدٌ عَلَى كُل حَالٍ، وَكَأَنَّهُمْ عَدَلُوا بِذَلِكَ عَنِ الْقِيَاسِ وَصَحَّحُوا عَدَمَ الْفَسَادِ بِهِ إِذَا كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ لِوُجُودِ نَصٍّ، وَلَعَلَّهُ مَا فِي الْحِلْيَةِ مِنْ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: كَانَ لِي مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَدْخَلاَنِ: مَدْخَلٌ بِاللَّيْل وَمَدْخَلٌ بِالنَّهَارِ، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي يَتَنَحْنَحُ لِي (١) .
وَبِمِثْل هَذَا صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ فَأَجَازُوا النَّحْنَحَةَ لِحَاجَةٍ وَلَوْ بَانَ حَرْفَانِ. قَال الْمَرُّوذِيُّ: كُنْتُ آتِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَيَتَنَحْنَحُ فِي صَلاَتِهِ لأَِعْلَمَ أَنَّهُ يُصَلِّي.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُعْذَرُ مِنَ التَّنَحْنُحِ وَغَيْرِهِ: كَالسُّعَال وَالْعُطَاسِ الْيَسِيرِ عُرْفًا لِلْغَلَبَةِ، وَإِنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ لِعَدَمِ
_________
(١) حديث علي بن أبي طالب - " كان لي من رسول الله ﷺ مدخلان ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٢٢ - ط. الحلبي) وفي إسناده انقطاع بين علي وبين الراوي عنه، كذا في تحفة الأشراف للمزي (٧ / ٤١٦ - ط. الدار القيمة) .
التَّقْصِيرِ، وَكَذَا التَّنَحْنُحُ لِتَعَذُّرِ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الأَْرْكَانِ الْقَوْلِيَّةِ لِلضَّرُورَةِ، أَمَّا إِذَا كَثُرَ التَّنَحْنُحُ وَنَحْوُهُ لِلْغَلَبَةِ كَأَنْ ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ مِنْ ذَلِكَ وَكَثُرَ فَإِنَّ صَلاَتَهُ تَبْطُل، وَصَوَّبَ الإِْسْنَوِيُّ عَدَمَ الْبُطْلاَنِ فِي التَّنَحْنُحِ وَالسُّعَال وَالْعُطَاسِ لِلْغَلَبَةِ وَإِنْ كَثُرَتْ إِذْ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهَا.
قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَل الأَْوَّل مَا إِذَا لَمْ يَصِرِ السُّعَال وَنَحْوُهُ مَرَضًا مُلاَزِمًا لَهُ، أَمَّا إِذَا صَارَ السُّعَال وَنَحْوُهُ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّ كَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ وَنَحْوُهُ بَل أَوْلَى. وَلاَ يُعْذَرُ لَوْ تَنَحْنَحَ لِلْجَهْرِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا؛ لأَِنَّ الْجَهْرَ سُنَّةٌ، لاَ ضَرُورَةَ إِلَى التَّنَحْنُحِ لَهُ. وَفِي مَعْنَى الْجَهْرِ سَائِرُ السُّنَنِ.
قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: لَوْ جَهِل بُطْلاَنَهَا بِالتَّنَحْنُحِ مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ الْكَلاَمِ فَمَعْذُورٌ لِخَفَاءِ حُكْمِهِ عَلَى الْعَوَامِّ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّنَحْنُحَ لِحَاجَةٍ لاَ يُبْطِل الصَّلاَةَ، وَلاَ سُجُودَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ، وَأَمَّا التَّنَحْنُحُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، بَل عَبَثًا فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ تَبْطُل بِهِ الصَّلاَةُ - أَيْضًا - وَلاَ سُجُودَ فِيهِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهُ الأَْبْهَرِيُّ وَاللَّخْمِيُّ وَخَلِيلٌ.
وَالْقَوْل الثَّانِي لِمَالِكٍ: أَنَّهُ كَالْكَلاَمِ، فَيُفَرَّقُ
بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ. وَفَسَّرَ ابْنُ عَاشِرٍ الْحَاجَةَ بِضَرُورَةِ الطَّبْعِ، وَقَيَّدُوا عَدَمَ بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِالتَّنَحْنُحِ لِغَيْرِ الْحَاجَةِ بِمَا إِذَا قَل وَإِلاَّ أَبْطَل؛ لأَِنَّهُ فِعْلٌ كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلاَةِ.
١١١ - وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِبُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِتَعَمُّدِ النَّفْخِ بِالْفَمِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ حَرْفٌ. قَال الدُّسُوقِيُّ: وَسَوَاءٌ كَانَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا، ظَهَرَ مَعَهُ حَرْفٌ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّهُ كَالْكَلاَمِ فِي الصَّلاَةِ.
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقِيل: إِنَّهُ لاَ يُبْطِل مُطْلَقًا. وَقِيل: إِنْ ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفٌ أَبْطَل وَإِلاَّ فَلاَ. أَمَّا النَّفْخُ بِالأَْنْفِ فَلاَ تَبْطُل بِهِ الصَّلاَةُ مَا لَمْ يَكْثُرْ أَوْ يَقْصِدُ عَبَثًا. قَال الدُّسُوقِيُّ: فَإِنْ كَانَ عَبَثًا جَرَى عَلَى الأَْفْعَال الْكَثِيرَةِ؛ لأَِنَّهُ فِعْلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلاَةِ.
وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ بُطْلاَنَ الصَّلاَةِ بِالنَّفْخِ فِيمَا إِذَا بَانَ حَرْفَانِ لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - " مَنْ نَفَخَ فِي صَلاَتِهِ فَقَدْ تَكَلَّمَ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (١) -.
د - الضَّحِكُ:
١١٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِالضَّحِكِ إِنْ كَانَ قَهْقَهَةً، وَلَوْ لَمْ تَبِنْ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤١٥، حاشية الدسوقي ١ / ٢٨١، وما بعدها، ٢٨٤، ٢٨٩، مغني المحتاج ١ / ١٩٦، مطالب أولي النهى ١ / ٥٢٠، ٥٢١.
حُرُوفٌ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الصَّلاَةَ وَلاَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ (١) وَلأَِنَّهُ تَعَمَّدَ فِيهَا مَا يُنَافِيهَا، أَشْبَهَ خِطَابَ الآْدَمِيِّ.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَسَوَاءٌ قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ، وَسَوَاءٌ وَقَعَتْ عَمْدًا أَمْ نِسْيَانًا - لِكَوْنِهِ فِي الصَّلاَةِ - أَوْ غَلَبَةً، كَأَنْ يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ فِي صَلاَتِهِ أَوْ الاِسْتِمَاعَ لِمَا يُضْحِكُ فَيَغْلِبُهُ الضَّحِكُ فِيهَا.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَالْقَهْقَهَةُ اصْطِلاَحًا:
مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ بَدَتْ أَسْنَانُهُ أَوْ لاَ، وَإِنْ عَرِيَ عَنْ ظُهُورِ الْقَافِ وَالْهَاءِ أَوْ أَحَدِهِمَا، كَمَا صَرَّحُوا بِبُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِالضَّحِكِ دُونَ قَهْقَهَةٍ، وَهُوَ مَا كَانَ مَسْمُوعًا لَهُ فَقَطْ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ بِالضَّحِكِ حَرْفَانِ بَطَلَتِ الصَّلاَةُ وَإِلاَّ فَلاَ (٢)، وَأَمَّا التَّبَسُّمُ فَلاَ تَبْطُل الصَّلاَةُ بِهِ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَبَسَّمَ فِيهَا فَلَمَّا سَلَّمَ
_________
(١) حديث جابر: " القهقهة تنقض الصلاة ". أورده الدارقطني (١ / ١٧٢ - شركة الطباعة) بلفظ مقارب، وصوب وقفه على جابر بن عبد الله.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٩٧، حاشية الدسوقي ١ / ٢٨٦، مغني المحتاج ١ / ١٩٥، مطالب أولي النهى ١ / ٥٢٠، ٥٣٨.
قَال: مَرَّ بِي مِيكَائِيل فَضَحِكَ لِي فَتَبَسَّمْتُ لَهُ (١) .
هـ - الأَْكْل وَالشُّرْبُ:
١١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِالأَْكْل وَالشُّرْبِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ سِمْسِمَةً نَاسِيًا. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ وَكَانَ دُونَ الْحِمَّصَةِ فَإِنَّهُ لاَ تَفْسُدُ بِهِ الصَّلاَةُ إِذَا ابْتَلَعَهُ، وَصَرَّحُوا بِفَسَادِ الصَّلاَةِ بِالْمَضْغِ إِنْ كَثُرَ، وَتَقْدِيرُهُ بِالثَّلاَثِ الْمُتَوَالِيَاتِ. وَكَذَا تَفْسُدُ بِالسُّكَّرِ إِذَا كَانَ فِي فِيهِ يَبْتَلِعُ ذَوْبَهُ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الْمُفْسِدَ: إِمَّا الْمَضْغُ، أَوْ وُصُول عَيْنِ الْمَأْكُول إِلَى الْجَوْفِ بِخِلاَفِ الطَّعْمِ. قَال فِي الْبَحْرِ عَنِ الْخُلاَصَةِ: وَلَوْ أَكَل شَيْئًا مِنَ الْحَلاَوَةِ وَابْتَلَعَ عَيْنَهَا فَدَخَل فِي الصَّلاَةِ فَوَجَدَ حَلاَوَتَهَا فِي فِيهِ وَابْتَلَعَهَا لاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ، وَلَوْ أَدْخَل الْفَايْنَذَ أَوِ السُّكَّرَ فِي فِيهِ، وَلَمْ يَمْضُغْهُ، لَكِنْ يُصَلِّي وَالْحَلاَوَةُ تَصِل إِلَى جَوْفِهِ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ.
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ عَمْدِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ
_________
(١) حديث: " أن النبي ﷺ تبسم في الصلاة ". أخرجه الدارقطني (١ / ٧٥ شركة الطباعة الفنية) من حديث جابر بن عبد الله بن دياب، وأخرجه كذلك الطبراني في المعجم الكبير مختصرًا (٢ / ٢٠٥ ط. وزارة الأوقاف العراقية) وأورده الهيثمي في المجمع (٢ / ٨٢ ط. القدسي)، وقال: فيه الوازع وهو ضعيف.